البدايه التسجيل

إهداءات الأعضاء

آخر المواضيع

 



منتدى السياحة والسفــر والتراث ღ.. زاوية تعنى بكل مآيتعلق بالمناطق السيآحية عبر العآلم ومعلومآت السَفر مِن فنآدق وأمآكن ترفيهيّة وَسيآحية ..ღ

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع

قديم 25-01-2012, 02:13 AM   رقم المشاركة:581
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 54
المشاركات: 8,675
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الملك الأشرف برسباي (4)


سلطنة الملك الأشرف برسباي (4)









وسار الجميع إلى ثغر دمياط وثغر الإسكندرية وتهيأوا لسفر والسلطان متشوف لما يرد عليه وبينما هم في ذلك ورد عليه الخبر في يوم الثلاثاء ثامن عشرين شهر رجب المذكور بأن الغزاة مروا في طريقهم إلى رشيد وأقلعوا من هناك يوم رابع عشرينه وساروا إلى أن كان يوم الاثنين انكسر منهم نحو أربعة مراكب غرق فيها نحو العشرة أنفس وكانوا بالقرب من ساحل الإسلام بثغور أعمال مصر‏.‏
ولما بلغ السلطان ذلك انزعج غاية الانزعاج حتى إنه كاد يهلك وبكى بكاء كثيرًا وصار في قلق عظيم بحيث إن القلعة ضاقت عليه وعزم على عدم سفر الغزاة المذكورين‏.‏
ثم قوي عنده أنه يرسل الأمير جرباش الكريمي قاشق حاجب الحجاب لكشف خبرهم ولعمل مصالحهم وللمشورة مع الأمراء في أمر السفر‏.‏
وخرج الأمير جرباش المذكور مسافرًا إليهم وترك السلطان في أمر مريج وكذلك جميع الناس إلا أنا تباشرت بالنصر من يومئذ وقلت‏:‏ ما بعد الكسر إلا الجبر وكذا وقع فيما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى‏.‏



وسار الأمير جرباش إلى العسكر فوجد الذي حصل بالمراكب المذكورة ترميمه سهل وقد شرعت الصناع في إصلاحه فتشاور مع الأمراء فأجمع الجميع على السفر فعند ذلك جمع الأمير جرباش الصناع وأصلح جميع ما كان بالمراكب من الخلل إلى أن أمرهم فركبوا وساروا على بركة الله وعونه وعاد الأمير جرباش وأخبر السلطان بذلك فسكن ما كان به‏.‏

وكان قبل قدوم خرباش أو بعد قدومه في يوم الثلاثاء خامس شعبان ورد الخبر على السلطان بأن طائفة من غزاة المسلمين من العسكر السلطاني لما ساروا من رشيد إلى الإسكندرية صدفوا في مسيرهم أربع قطع من مراكب الفرنج وهي قاصدة ثغر الإسكندرية فكتب المسلمون لمن في رشيد من بقية الغزاة بسرعة إلحاقهم ليكونوا يدًا واحدة على قتال الفرنج المذكورين‏.‏

وتقاربوا من مراكب الفرنج وتراموا معهم يومهم كله بالنشاب إلى الليل وباتوا يتمارسون إلى الصباح فاقتتلوا أيضًا باكر النهار وبينما هم في القتال وصل بقية الغزاة من رشيد فلما رآهم الفرنج ولوا الأدبار بعدما استشهد من المسلمين عشر نفر‏.‏

وساروا حتى اجتمعوا بمن تقدمهم من الغزاة من ثغر الإسكندرية وسافر الجميع معًا يريدون قبرس في يوم الأربعاء العشرين من شعبان إلى أن وصلوا إلى قلعة اللمسون في أخريات شعبان المقدم ذكره فبلغهم أن صاحب جزيرة قبرس قد استعد لقتالهم وجمع جموعًا كثيرة وأنه أقام بمدينة الأفقسية وهي مدينة قبرس وعزم على لقاء المسلمين فأرسلوا بهذا الخبر إلى السلطان ثم انقطعت أخبارهم عن السلطان إلى مايأتي ذكره‏.‏

وفي يوم السبت رابع عشر شهر رمضان خلع السلطان على الأمير يشبك الساقي الأعرج أمير سلاح باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية عوضًا عن الأمير قجق العيساوي بحكم وفاته وأنعم بإقطاع يشبك الأعرج المذكور على الأمير قرقماس الشعباني الناصري القادم من مكة قبل تاريخه وأنعم بإقطاع قرقماس المذكور على الأمير بردبك السيفي يشبك بن أزدمر الأمير آخور الثاني وصار من جملة مقدمي الألوف وأنعم بإقطاع بردبك على الأمير يشبك أخي السلطان الملك الأشرف برسباي القادم قبل تاريخه بمدة يسيرة من بلاد الجاركس والإقطاع إمرة طبلخاناه وخلع على سودون ميق رأس نوبة باستقراره أمير آخور ثانيًا عوضًا عن بردبك المقدم ذكره‏.‏



غزوة قبرس على حدتها ولما كان يوم الاثنين ثالث عشرين شهر رمضان ورد الخبر على السلطان بأخذ مدينة قبرس وأسر ملكها جينوس بن جاك فدقت البشائر بالقلعة لهذا الفتح ثلاثة أيام‏.‏

وكان من خبر ذلك أن الغزاة لما ساروا من الثغور المذكورة إلى جهة قبرس وصلوا إلى مدينة اللمسون مجتمعين ومتفرقين فبلغهم من أهل اللمسون أن متملك قبرس جاءه نجدة كبيرة من ملوك الفرنج وأنه استعد لقتالهم كما تقدم ذكره‏.‏

ولما وصلوا إلى اللمسون نازلوا قلعتها وقاتلوا من بها حتى أخذوها عنوة في يوم الأربعاء سادس عشرين شعبان ونهبوها وسبوا أهلها وقتلوا جماعة كبيرة ممن كان بها من الفرنج ثم هدموها عن آخرها وساروا منها في يوم الأحد أول شهر رمضان من سنة تسع وعشرين المقدم ذكرها بعد أن أقاموا عليها نحو ستة أيام وساروا فرقتين‏:‏ فرقة في البر وعليهم الأمير تغري بردي المحمودي والأمير حسين بن أحمد المدعو تغري برمش أحد مقدمي الألوف ومن انضاف إليهم من أمراء الطبلخانات والعشرات والعساكر المصرية والشامية من الخيالة والرجالة وفرقة في البحر ومقدمهم الأمير إينال الجكمي أمير مجلس والأمير قرامراد خجا الشعباني أحد مقدمي الألوف بمن انضاف إليهم من العساكر المصرية والشامية‏.‏
وكان سبب مسير هؤلاء في البحر مخافة أن يطرق الفرنج المراكب من البحر ويأخذوها ويصير المسلمون ببلادهم يقاتلونهم على هيئتهم وكان ذلك من أكبر المصالح‏.‏



ثم سار الذين فى البر متفرقين حتى صاروا بين اللمسون والملاحة وهم من غير تعبئة لقتال بل على صفة السفار غير أن على بعضهم السلاح وأكثرهم بلا سلاح لشدة الحر وصار كل واحد من القوم يطلب قدامًا من غير أن يتربص أحدهم لآخر وفي ظنهم أن صاحب قبرس لا يلقاهم إلا خارج قبرس‏.‏

وتأخر الأمراء ساقة العسكر كما هي عادة مقدمي العساكر والناس تجد في السير إلى أن يقاربوا قبرس ثم يقفوا هناك يريدون خيلهم إلى أن تكتمل العساكر وتتهيأ الأطلاب للقتال ثم يسيرون جملة واحدة بعد التعبئة والمصاففة‏.‏

وبينما هم في السير إذا هم بمتملك قبرس بجيوشه وعساكره ومن انضاف إليه من ملوك الفرنج وغيرها وقد ملأت الفضاء وكان الذين وافاهم صاحب قبرس من المسلمين الذين سبقوا طائفة قليلة جدًا وأكثرهم خيالة من أعيان المماليك السلطانية‏.‏

فعندما وقع العين على العين لم يتمالك المسلمون أن يصبروا لمن خلفهم حتى يصيروا جملة واحدة بل انتهزوا الفرصة وتعرضوا للشهادة وقال بعضهم لبعض‏:‏ هذه الغنيمة‏.‏



ثم حركوا خيولهم وقصدوا القوم بقلب صادق وقد احتسبوا نفوسهم في سبيل الله وحملوا على الفرنج حملة عظيمة وصاحوا‏:‏ الله أكبر وقاتلوهم أشد قتال وأردفهم بعض جماعة وتخلف عنهم أخر منهم رجل من أكابر الخاصكية أقام يستظل تحت شجرة كانت هناك‏.‏

وتقاتل المسلمون مع الفرنج قتالًا شديدًا قتل فيه السيفي تغري بردي المؤيدي الخازندار وكان من محاسن الدنيا لم تر عيني أكمل منه في أبناء جنسه والسيفي قطلوبغا المؤيدي البهلوان وكان رأسًا في الصراع ومن مقولة تغري بردي المقدم ذكره في الشجاعة والفروسية والسيفي إينال طاز البهلوان والسيفي نانق اليشبكي وهؤلاء الأربعة من الأعيان والأبطال المعدودة عوض الله شبابهم الجنة بمنه وكرمه ثم قتل من المسلمين جماعة أخر وهم مع قلتهم ويسير عددهم في ثبات إلى أن نصر الله الإسلام ووقع على الكفرة الخذلان وانكسروا وأسر متملك قبرس مع كثرة جموعه وعظم عساكره التي لا تحصر وقلة عسكر المسلمين حتى إن الذي كان حضر أوائل الوقعة أقل من سبعين نفسًا قبل أن يصل إليهم الأمير إينال العلائي الناصري أحد أمراء الطبلخانات ورأسه نوبة ثالث وهو الملك الأشرف إينال والأمير تغري برمش ثم تتابع القوم طائفة بعد طائفة كل ذلك بعد أن انكسرت الفرنج وأسر صاحب قبرس وقتل من قتل من المسلمين‏.‏

ولما ترادفت عساكر الإسلام ركبوا أقفية الفرنج ووضعوا في السيف وأكثروا من القتل والأسر وانهزم من بقي من الفرنج إلى مدينة قبر الأفقسية‏.‏
ثم وجد المسلمون مع الفرنج طائفة من التركمان‏.‏
المسلمين قد أمد الفرنج بهم علي بك بن قرمان عليه من الله ما يستحقه فقتل المسلمون كثيرًا منهم‏.‏



واجتمع عساكر البر والبحر من المسلمين في الملاحة يوم الاثنين ثاني شهر رمضان وتسلم الأمير تغري بردي المحمودي صاحب قبرس كل ذلك والمسلمون يقتلون ويأسرون وينبهون حتى امتلأت أيديهم وتغلبوا عن حمل الغنائم‏.‏
وأما القتلى من الفرنج فلا تحصر ويستحى من ذكرها كثرة‏.‏

حدثني بعض مماليك الوالد ممن باشر الواقعة من أولها إلى آخرها وجماعة كبيرة من الأصحاب الثقات قالوا‏:‏ كان موضع الواقعة أزيد من الفي قتيل من قتلى الفرنج هذا الموضع الذي كان فيه القتال وأما الذي قتل من الفرنج بالضياع والأماكن وبطريق قبرس فلا حد له ولا حساب فإنه استمر القتل فيهم أيامًا‏.‏

واستمروا الملاحة إلى يوم الخميس خامس شهر رمضان فساروا منها يريدون الأفقسية مدينة قبرس‏.‏

ولما ساروا وافاهم الخبر بعد أن تقدم منهم جماعة كبيرة من المطوعة والمماليك السلطانية إلى مدينة قبرس بأن أربعة عشر مركبًا من مراكب الفرنج مشحونة بالسلاح والمقاتلة أتت المراكب لقتال المسلمين منها سبعة أغربة وسبعة مربعة القلاع فلاقاهم الأمير إينال الجكمي أمير مجلس والأمير قرامرادخجا الشعباني والأمير طوغان السيفي تغري بردي أحد مقدمي دمشق والأمير جاني بك رأس نوبة السيفي يلبغا الناصري المعروف بالثور وبمن انضاف إليهم من المطوعة وغيرهم وهؤلاء الأمراء الذين كانوا مقدمي العساكر في البحر بالمراكب واقتتلوا مع الفرنج المذكورين أشد قتال حتى هزموهم وأخذوا منهم مركبًا مربعًا من مراكب الفرنج بعد أن قتلوا منهم عدة كبيرة تقارب ما ذكرنا ممن قتل بمكان الوقعة الأولى وولت الفرنج الأدبار‏.‏



واستمر الذي توجه من الغزاة إلى الأفقسية من المماليك السلطانية وغيرهم يقتلون في طريقهم ويأسرون إلى أن وصلوا إلى المدينة ودخلوا قصر الملك ونهبوه‏.‏
ثم عادوا ولم يحرقوا بمدينة قبرس إلا مواضع يسيرة ولم يدخل المدينة أحد من أعيان العسكر وغالب الذي دخلها من المماليك السلطانية والمطوعة وكان دخولهم وإقامتهم بها وعودهم منها في يومين وليلة واحدة‏.‏

ثم أقام جميع الغزاة بالملاحة وأراحوا بها أبدانهم سبعة أيام وهم يقيمون فيها شعائر الإسلام من الأذان والصلاة والتسبيح ولله الحمد على هذه المنة بهذا الفتح العظيم الذي لم يقع مثله في الإسلام من يوم غزاهم معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه في سنة نيف وعشرين من ثم ركبت الغزاة المراكب عائدين إلى جهة الديار المصرية ومعهم الأسرى والغنائم ومن جملتها متملك قبرس في يوم الخميس ثاني عشر رمضان بعد أن بعث أهل الماغوصة يطلبون الأمان‏.‏
هذا ما كان من أمرهم‏.‏
وجزيرة قبرس تسمى باللغة الرومية شبرا والبحر يحيط بها مائتي ميل والميل أربعة آلاف ذراع والذراع أربعة وعشرون إصبعًا والإصبع ست شعيرات مضموم بعضها إلى بعض والفرسخ بهذا الميل ثلاثة أميال والبريد بهذا الفرسخ أربعة فراسخ‏.‏

وجزيرة قبرس من الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة وسلطانها يقال له أراد شبرا‏:‏ أي سلطان الجزيرة وقبرس مدينة بالجزيرة تسمى الأفقسية‏.‏
ومسيرة جزيرة قبرس سبعة أيام‏.‏



وبالجزيرة المذكورة اثنا عشر ألف قرية كبارًا وصغارًا وبمدنها وقراها من الكنائس والديارات والقلالي والصوامع كثير‏.‏

وبها البساتين المشتملة على الفواكه المختلفة وبها الرياحين العطرة كالخزام والياسمين والورد والسوسن والنرجس والريحان والنسرين والأقحوان وشقائق النعمان وغير ذلك‏.‏
وبمدن الجزيرة المذكورة الأسواق والخانات والحمامات والمباني العظيمة‏.‏

وأما أمر السلطان الملك الأشرف برسباي فإنه لما بلغه خبر أخذ قبرس في يوم الاثنين ثالث عشرين رمضان حسبما تقدم ذكره كاد أن يطير فرحًا‏.‏
ولقد رأيته وهو يبكي من شدة الفرح وبكى الناس لبكائه وصار يكثر من الحمد والشكر لله‏.‏

ودقت البشائر بقلعة الجبل وبسائر مدن الإسلام لما بلغهم ذلك وارتخت القاهرة وماجت الناس من كثرة السرور الذي هجم عليهم وقرىء الكتاب الوارد بهذا النصر على الناس بالمدرسة الأشرفية بخط العنبريين بالقاهرة حتى سمعه كل من قصد سماعه وحضر‏.‏



وقالت الشعراء في هذا الفتح عدة قصائد من ذلك القصيدة العظيمة التي نظمها الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن الخراط أحد أعيان موقعي الدست بالديار المصرية وأنشدها بين يدي السلطان بحضرة أرباب الدولة والقصيدة ثلاثة وسبعون بيتًا أولها‏:‏ الكامل بشراك يا ملك المليك الأشرفي بفتوح قبرس بالحسام المشرفي فتح بشهر الصوم تم له فيا لك أشرف في أشرف في أشرف فتح تفتحت السموات العلى من أجله بالنصر واللطف الخفي والله حف جنوده بملائك عاداتها التأييد وهو بها حفي ومنها‏:‏ الأشرف السلطان أشرف مالك لولاه أنفس ملكه لم تشرف حامي حمى الحرمين بيت الله وال - - قبر الشريف لزائر ومطوف وكلها على هذا النسق‏.‏
قلت‏:‏ وكل ذلك والنصارى تكذب هذا الخبر وتستغربه من أسر متملك قبرس وهزيمته على هذا الوجه لأن أمر هذا النصر في غاية من العجب من وجوه عديدة‏:‏ أولها‏:‏ قلة من قاتل الفرنج من المسلمين فإنهم كانوا في غاية من القلة بحيث إن العقل لا يقبل ذلك إلا بعد وقوعه في هذه المرة‏.‏



وثانيهما‏:‏ أنه لم تتعب عساكر الإسلام ولا وقع مصاف‏.‏

وثالثها‏:‏ أنه كان يمكن هزيمة صاحب قبرس من المسلمين بعد أيام كثيرة من وجوه عديدة يطول الشرح في ذكرها لا تخفى على من له ذوق‏.‏
ورابعها‏:‏ أنه كان يمكن هزيمة الفرنج ولا يمكن مسك الملك وأسره أيضًا من وجوه عديدة‏.‏
وخامسها‏:‏ أن غالب العسكر إذا حصل لهم هزيمة يتحابون ويرجعون غير مرة على من هزمهم لا سيما كثرة عساكر الفرنج وقلة من حضر الوقعة من عساكر المسلمين في هذه المرة فكان على هذا يمكنهم الكر على المسلمين بعد هزيمتهم غير مرة‏.‏

وسادسها‏:‏ أن الوقعة والقتال والهزيمة والقبض على الملك وتشتت شمل الفرنج والاستيلاء على وما أرى إلا أن الله سبحانه وتعالى أعز الإسلام وأهله وخذل الكفر وأهله بهذا النصر العظيم الذي لم يسمع بمثله في سالف الأعصار ولا فرح بمثله ملك من ملوك الترك‏.‏
ولقد صار للملك الأشرف برسباي بهذا الفتح ميزة على جميع ملوك الترك إلى يوم القيامه‏.‏
اللهم لا مانع لما أعطيت‏.‏



ولما بلغ الملك عود الغزاة المذكورين إلى جهة الديار المصرية رسم فنودي بالقاهرة ومصر بالزينة ثم ندب السلطان جماعة كبيرة عن المماليك السلطانية بالتوجه إلى الثغور لحفظ مراكب الغزاة بعد خروجهم منها خوفًا من أن يطرقهم طارق من الفرنج مما يأتي صاحب قبرس من نجدات الفرنج وكان هذا من أكبر المصالح‏.‏

ثم رسم السلطان لهم أن يأخذوا جميع المراكب من ثغر دمياط ويأتوا بها إلى ثغر الإسكندرية لتحفظ بها وسبب ذلك أن الغزلة المذكورين كان منهم من وصل إلى ثغر الإسكندرية ومنهم من وصل الى ثغر دمياط ومنهم من وصل إلى الطينة لكثرة المراكب ولاختلاف الأرياح‏.‏
وبينما السلطان في انتظار المجاهدين قدم عليه السيد الشريف بركات بن حسن بن عجلان أمير مكة منها وقد استدير بعد موت أبيه فأكرمه السلطان وخلع عليه بإمرة مكة على أنه يقوم بما تأخر على أبيه من الذهب وهو مبلغ خمسة وعشرين ألف دينار فإن أباه الشريف حسن بن عجلان كان قد حمل من الثلاثين ألف دينار التي التزم بها قبل موته خمسة آلاف دينار‏.‏

ثم التزم بركات أيضًا بحمل عشرة آلاف دينار في كل سنة وأن لا يتعرض السلطان لما يؤخذ من بندر جدة من عشور بضائع التجار الواصلة من الهند وغيره وأن يكون ذلك جميعه لبركات المذكور‏.‏



ولما كان يوم عيد الفطر ابتدأ دخول الغزاة إلى ساحل بولاق أرسالًا كما خرجوا منها‏.‏
ووافق في هذه الأيام وفاء النيل ستة عشر ذراعًا فتضاعف مسرات الناس من كل جهة‏.‏
واستمر دخولهم في كل يوم إلى ساحل بولاق إلى أن تكامل في يوم الأحد سابع شوال ونزلوا بالميدان الكبير بالقرب من موردة الجبس‏.‏
وأصبحوا من الغد في يوم الاثنين ثامن شوال وهو يوم فطر السلطان فإنه كان يصوم الستة أيام من شوال طلعوا إلى القلعة على كيفية ما يذكر وهم جميع الأمراء والأعيان من المجاهدين والأسرى والغنائم بين أيديهم ومتملك قبرس الملك جينوس بن جاك أمامهم وهو منكس الأعلام وقد اجتمع لرؤيتهم خلائق لا يعلم عدتهم إلا الله تعالى حتى أتت أهل القرى والبلدان من الأرياف للفرجة‏.‏
وركبت الأمراء من الميدان ومعهم غالب الغزاة وساروا من أرض اللوق حتى خرجوا من المقس ودخلوا من باب القنطرة وشقوا القاهرة إلى باب زويلة وتوجهوا من الصليبة من تحت الخانقاه الشيخونية من سويقة منعم إلى الرميلة والخلق في طول هذه المواضع تزدحم بحيث إن الرجل لا يسمع كلام رفيقه من كثرة زغاريد النساء التي صفت على حوانيت القاهرة بالشوارع من غير أن يندبهم أحد لذلك والإعلان بالتكبير والتهليل ومن عظم التهاني‏.‏
هذا مع تخليق الزعفران والزينة المخترعة بسائر شوارع القاهرة حتى في الأزقة‏.‏



وفي الجملة كان هذا اليوم من الأيام التي لم نرها قبلها ولا سمعنا بمثلها‏.‏
وساروا على هذه الصفة إلى أن طلعوا إلى القلعة من باب المدرج وهم مع ذلك في ترتيب في مشيهم يذهب العقل وهو أنهم قدموا أولًا الفرسان من الغزاة أمام الجميع ومن خلف الفرسان طوائف الرجالة من المطوعة وعشران البلاد الشامية وعربان البلاد وزعر القاهرة ومن خلف هؤلاء الجميع الغنائم محمولة على رؤوس الحمالين وعلى ظهور الجمال والخيول والبغال والحمير والتي كانت على الرؤوس فيها تاج الملك وأعلامه منكسة وخيله تقاد من وراء الغنائم ثم من بعدهم الأسرى من رجال الفرنج ثم من بعدهم السبي من النساء والصغار وهم أزيد من ألف أسير تقريبًا سوى ما ذهب في البلاد والقرى مع المطوعة وغيرهم من غير إذن مقدم العساكر وهو أيضًا يقارب ما ذكر ومن وراء الأسرى جينوس ملك قبرس وهو راكب على بغل بقيد حديد وأركب معه اثنان من خواصه وعن يمينه الأمير إينال الجكمي أمير مجلس وأمامه قرا مراد خجا الشعباني أحد مقدمي الألوف أيضًا وعن يسار الأمير تغري بردي المحمودي رأس نوبة النوب وأمامه الأمير حسين المدعو تغري برمش المحمودي رأس نوبة ترب وأمامه الأمير حسين المدعو تغري برمش أحد مقدمي الآلوف أيضًا وأمامهم أمراء الطبلخانات والعشرات على مراتبهم وأمراء البلاد الشامية‏.‏

وساروا على هذه الصفة حتى طلعوا إلى القلعة فأنزل جينوس عن البغل وكشف رأسه عند باب المدرج وقد احتاطه الحجاب وأمراء جاندار وقد صفت العساكر الإسلامية من باب المدرج إلى داخل الحوش السلطاني‏.‏
فلما دخل جينوس من باب المدرج قبل الأرض ثم قام ومشى ومعه الأمراء من الغزاة والحجاب ورؤوس النوب وهو يرسف في قيوده على مهل لكثرة الزحام‏.



هذا وقد جلس الملك الأشرف بالمقعد الذي على باب البحرة المقابل لباب الحوش السلطاني في موكب عظيم من الأمراء والخاصكية وعنده الشريف بركات بن حسن بن عجلان أمير مكة وهو جالس فوق الأمراء ورسل خوند كار مراد بن عثمان متملك بلاد الروم ورسل صاحب تويس من بلاد المغرب ورسول الأمير عذرا أمير العرب بالبلاد الشامية وقد طال جلوس الجميع عند السلطان إلى قريب الظهر والسلطان يرسل إلى الغزاة رسولًا بعد رسول باستعجالهم حتى اجتازوا بتلك الأماكن المذكورة فإنها مسافة طويلة وأيضًا لا يقدرون على سرعة المشي من كثرة ازدحام الناس بالطرقات‏.‏

ثم ساروا من باب المدرج إلى أن دخلوا باب الحوش فلما رأى متملك قبرس السلطان وهو جالس على المقعد المذكور في موكبه وأمره من معه بتقبيل الأرض غشي عليه وسقط إلى الأرض‏.‏

ثم أفاق وقبل الأرض وقام على قدميه عند باب الحوش تجاه السلطان على بعد‏.‏
وسارت الغنائم بين يدي السلطان حتى عرضت عليه بتمامها وكمالها ثم الأسرى بأجمعهم حتى انتهى ذلك كله فتقدمت الأمراء الغزاة وقبلوا الأرض على مراتبهم إلى أن كان آخرهم الأمير إينال الجكمي مقدم العساكر‏.‏



ثم أمر السلطان بإحضار متملك قبرس فتقدم ومشى وهو بقيوده ورأسه مكشوفة وبعد أن مشى خطوات أمر فقبل الأرض ثم قام ثم قبل الأرض ثانيًا بعد خطوات وأخذ يعفر وجهه في التراب ثم قام فلم يتمالك نفسه وقد أذهله ما رأى من هيبة الملك وعز الإسلام فسقط ثانيًا مغشيًا عليه‏.‏
ثم أفاق من غشوته وقبل الأرض وأوقف ساعة بالقرب من السلطان بحيث إنه يتحقق شكله‏.‏

هذا والجاويشية تصيح والشبابة السلطانية تزعق والأزان يضرب على آلته ورؤوس النوب والحجاب تهول الناس بالعصي من كثرة العساكر والناس بالحوش المذكور هذا مع ما الناس فيه من التهليل والتكبير بزقاقات القلعة وأطباق المماليك السلطانية وغيرها‏.‏
ثم أمر السلطان بجينوس المذكور أن يتوجه إلى مكان بالحوش السلطاني فمروا به في الحال إلى المكان المذكور‏.‏

ثم طلب السلطان مقدمي عساكر الغزاة من أمراء مصر والشام والخاصكية المقدم كل واحد منهم على مركب وكانوا كثيرًا جدًا لأن عدة مراكب الغزاة المصريين والشاميين زادت على مائة قطعة وقيل مائتان وقيل أكثر أو أقل ما بين أغربة وقراقير وزوارق وغير ذلك‏.‏



فأول من بدأ بهم السلطان وخلع عليهم أمراء الألوف بمصر والشام وخلع على كل واحد منهم أطلسين متمرًا وقيد له فرسًا بقماش ذهب وهم الأمير إينال الجكمي أمير مجلس والأمير تغري بردي المحمودي الناصري رأس نوية النوب والأمير قرامرادخجا الشعباني الظاهري برقوق أمير جاندار والأمير حسين بن أحمد المدعو تغري برمش البهسني التركماني أحد مقدمي الألوف والأمير طوغان السيفي تغري بردي أحد مقدمي الألوف بدمشق ثم أمراء الطبلخانات والعشرات من أمراء مصر والشام على كل واحد فوقاني كمخا أحمر وأخضر وبنفسجي بطرز زركش على قدر مراتبهم وكذلك كل مقدم مركب من الخاصكية والأجناد وغيرهم فكان هذا اليوم يومًا عظيمًا جليلًا لم يقع مثله في سالف الأعصار أعز الله تعالى فيه دين الإسلام وأيده وخذل فيه الكفر وبدده‏.‏
ثم انفض الموكب ونزل كل واحد إلى داره‏.‏

وقد كثرت التهاني بحارات القاهرة وظواهرها لقدوم المجاهدين حتى إن الرجل كان لا يجتاز بدرب ولا حارة إلا وجد فيها التخليق بالزعفران ثم أصبح السلطان من الغد وهو يوم الثلاثاء تاسع شوال جمع التجار لبيع الغنائم من القماش والأواني والأسرى‏.‏



ثم أرسل السلطان يطلب من متملك قبرس المال فقال‏:‏ مالي إلا روحي وهي بيدكم وأنا رجل أسير لا أملك الدرهم الفرد من أين تصل يدي إلى مال أعطيه لكم‏.‏
وتكرر الكلام معه بسبب ذلك وهو يجيب بمعنى ما أجاب به أولًا حتى طلبه السلطان بالحوش وكان به أسارى الفرنج فلما حضر بين يدي السلطان وقبل الأرض وأوقف وشاهده الأسرى من الفرنج في تلك الحالة صرخوا بأجمعهم صرخة واحدة وحثوا التراب على رؤوسهم والسلطان ينظر إليهم من مجلسه بالمقعد الذي كان جلس به من أمسه‏.‏

وسبب صراخ الأسرى وعظيم بكائهم أنه كان فيهم من لا يصدق أن ملكهم قد أسر لكثرتهم وتفرقهم في المراكب والاحتفاظ بهم وعدم اجتماع بعضهم على بعض فكان إذا قيل لبعضهم‏:‏ إن ملككم معنا أسير يضحك ثم يقول‏:‏ أين هو فإذا قيل له‏:‏ بهذه المركب ويشار إلى مركب الأمير تغري بردي المحمودي يهزأ بذلك ويبتسم‏.‏



فلما عاينوه تحققوا أسره وهالهم ذلك وقيل إن بعض سبي الفرنج سألت من رجل من المسلمين لما كسروا الصليب الكبير الذي يعرف به جبل الصليب ببلادهم وكان هذا الصليب معظمًا عندهم إلى الغاية وقالت‏:‏ نحن إذا حلف منا رجل أو امرأة على هذا الصليب باطلًا أوذي في الوقت وأنتم قد كسرتموه وأحرقتموه ولم يصبكم بأس ما سبب ذلك فقال لها الرجل‏:‏ أنتم أطعتم الشيطان فصار يغويكم ويستخف بعقولكم ونحن قد هدانا الله للإسلام وأنزل علينا القرآن فلا سبيل له علينا فعندما كسرناه بعد أن ذكرنا اسم الله تعالى عليه فر منه الشيطان وذهب إلى لعنة الله فقالت المرأة‏:‏ هو ما قلته وأسلمت هي وجماعة معها‏.‏

ولما أوقف جينوس المذكور بالحوش بين يدي السلطان وأوقف معه جماعة من قناصلة الفرنج ممن كان بمصر وأعمالها وتكلم الترجمان معه فيما يفدي به نفسه من المال وإلا يقتله السلطان صمم هو على مقالته الأولى فالتزم القناصلة عنه بالمال لفدائه من غير تعيين قدر بعينه ولكنهم أجابوا السلطان بالسمع والطاعة فيما طلبه وعادوا بجينوس إلى مكانه من الحوش والترسيم عليه وكان الذي رسم عليه السيفي أركماس المؤيدي الخاصكي المعروف بأركماس فرعون‏.‏



وأقام جينوس بمكانه إلى يوم الأربعاء فرسم له السلطان ببدلتين من قماشه وأمر له بعشرين رطل لحم في كل يوم وستة أطيار دجاج وخمسمائة درهم فلوسًا برسم حوائج الطعام وفسح له في الاجتماع بمن يختاره من الفرنج وغيرهم وأدخل إليه جماعة من حواشيه لخدمته‏.‏

كل ذلك والسلطان مصمم على طلب خمسمائة ألف دينار منه يفدي بها نفسه وإلا يقتله والرسل تتردد بينهم من التراجمين والقناصلة إلى أن تقرر الصلح بعد أيام على أنه يحمل مائتي ألف دينار يقوم منها بمائة ألف دينار عاجلة وإذا عاد إلى بلاده أرسل بالمائة ألف دينار الأخرى وضمنه جماعة في ذلك وأنه يقوم في كل سنة بعشرين ألف دينار جزية‏.‏

واشترط جينوس مع السلطان أن يكف عنه طائفة البنادقة وطائفة الكيتلان من الفرنج فضمن له السلطان ذلك وانعقد الصلح ثم أطلقه من السجن بعد أيام كما سنذكره في يومه‏.‏
هذا ما كان من أمر صاحب قبرس وغزوه‏.‏



وأما أمور المملكة فإنه لما كان يوم الخميس حادي عشر شوال المذكور سافر الشريف بركات بن حسن من القاهرة إلى مكة المشرفة أميرًا بها مكان والده حسن‏.‏

ثم في يوم الاثنين خامس عشر شوال خلع السلطان على الأمير الجكمي أمير مجلس باستقراره أمير سلاح عوضًا عن الأتابك يشبك الأعرج وكانت شاغرة عنه من يوم صار أتابك العساكر لغيبة إينال هذا في الجهاد وخلع على الأمير جرباش الكريمي قاشق حاجب الحجاب باستقراره أمير مجلس عوضًا عن إينال الجمكي وخلع على الأمير قرقماش الشعباني الناصري باستقراره حاجب الحجاب بالديار المصرية عوضًا عن جرباش المذكور‏.‏

ثم في ثامن عشرة
خلع السلطان على الشريف خشرم بن دوغان بن جعفر الحسيني
باستقراره أمير المدينة النبوية عوضًا عن الشريف عجلان بن نعير منصور بن جماز على أنه يقوم بخمسة آلاف دينار‏.‏

ووقع بسبب ولاية خشرم هذا بالمدينة حادثة قبيحة وهي أن خشرمًا المذكور لما قدم المدينة وقد رحل عنها المعزول عنها وهو الشريف عجلان بن نعير لما بلغه عزله فلم يلبث خى بالمدينة غير ليلة واحدة وصبحه عجلان بجموعه وقد حشد العربان وقاتل الشريف خشرمًا وحصره ثلاثة أيام حتى كسروه ودخل العرب المدينة ونهبوا دورها وشعثوا أسوارها وأخذوا ما كان للحجاج الشاميين من ودائع وغيرها وقبضوا على خشرم المذكور ثم أطلقوه بسبب من الأسباب واستهانوا بحرمة المسجد وارتكبوا عظائم‏.‏
كل ذلك في أواخر ذي القعدة‏.‏













صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 25-01-2012, 02:14 AM   رقم المشاركة:582
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 54
المشاركات: 8,675
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الملك الأشرف برسباي (5)

سلطنة الملك الأشرف برسباي (5)







ثم في يوم الخميس ثاني عشرين ذي الحجة قدم الأمير جارقطلو الظاهري برقوق نائب حلب فطلع إلى القلعة وقبل الأرض وخلع السلطان عليه خلعة الاستمرار على نيابته واستمر بالقاهرة إلى يوم السبت أول محرم سنة ثلاثين وثمانمائة خلع السلطان عليه خلعة السفر وخرج من يومه إلى محل كفالته‏.‏

ثم في يوم الخميس سادس المحرم خلع السلطان على الأمير أزدمر علي خان الظاهري أحد مقدمي الألوف بديار مصر المعروف بشايا باستقراره في حجوبية حلب قلت‏:‏ درجة إلى أسفل فإنه يستحق ذلك وزيادة لما كان يشتمل عليه من المساوىء والقبائح لا أعرف في أبناء جنسه أقذر منه كان دميم الخلق مذموم الخلق بشع المنظر كريه المعاشرة بخيلًا متكبرًا ظالمًا جبارًا هذا مع الجبن والجهل المفرط وعدم التفات الملوك إليه في كل دولة من الدول وعد إخراجه من مصر من حسنات الملك الأشرف وأنا أقول لو كان الرجل يرزق على قدر معرفته وما يحسنه من الفضائل والفنون لكانت رتبة أزدمر هذا أن يكون صبيًا لبعض أوباش السراباتية‏.‏
وقد استوعبنا مساوئه في ترجمته في تاريخنا المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي‏.‏



ثم أخذ السلطان في الفحص على جاني بك الصوفي على عادته‏.‏

وأهل شهر ربيع الأول ففي ليلة الجمعة رابعه عمل السلطان المولد النبوي بالحوش من قلعة الجبل‏.‏

ثم في يوم السبت حادي عشرينه أفرج السلطان عن جينوس متملك قبرس من سجنه بقلعة الجبل وخلع عليه وأركبه فرسًا بسرج ذهب وكنبوش زركش ونزل إلى القاهرة في موكب وأقام بدار أعدت له وقد استقر أركماس المؤيدي المعروف بفرعون مسفره وصار يركب من منزله المذكور ويمر بشوارع القاهرة ويزور كنائس النصارى ومعابدهم ويتوجه إلى حيث اختار من غير حجر عليه بعد أن أجرى السلطان عليه من الرواتب ما يقوم به وبمن في خدمته‏.‏
هذا والخدم تأتيه من النصارى والكتاب والقناصلة‏.‏

وحضرت أنا معه في مجلس فرأيت له فوقًا ومعرفة عرفت منه بالحدس كونه لا يعرف باللغة العربية‏.‏



ولما كان يوم الخميس سابع جمادى الأولى خلع السلطان على الأمير جرباش الكريمي قاشق أمير مجلس باستقراره في نيابة طرابلس عوضًا عن الأمير قصروه من تمراز بحكم انتقال قصروه إلى نيابة حلب عوضًا عن جارقطلو بحكم عزل جارقطلو وقدومه إلى القاهرة‏.‏

وفيه قدم رسول صاحب رودس الفرنجي فأركب فرسًا وفي صدره صليب وأطلع إلى القلعة وقبل الأرض بين يدي السلطان وسأل عن مرسله صاحب رودس أنه طلب الأمان وأنه يسأل أن يعفى من تجهيز العساكر الإسلامية إليه وأن يقوم للسلطان بما يطلبه منه وكان السلطان تكلم قبل تاريخه في غزوة رودس المذكورة‏.‏

ثم في يوم الخميس خامس جمادى الآخرة خلع السلطان على جينوس بن جاك متملك قبرس خلعة السفر‏.‏
ثم في يوم الثلاثاء عاشر جمادى الآخرة المذكورة أمسك السلطان الأمير تغري بردي المحمودي رأس نوبة النوب بعد فراغه من لعب الكرة بالحوش السلطاني فقبض على تغري بردي المذكور وهو بقماش لعب الكرة وقيد وأخرج من يومه إلى سجن الإسكندرية ولم يعلم أحد ذنبه عند السلطان حتى ولا تغري بردي المذكور فإني سألته فيما بعد فقال‏:‏ لا أعلم على ماذا أمسكت‏.‏



غير أن المقريزي ذكر أنه له ذنوب وأسباب في مسكه نذكرها بعد أن نذكر قصة مباشره‏.‏
واتفق في مسكه حادثة غريبة وهو أن رجلًا من مباشريه س يقال له ابن الشامية كان بخدمته فلما بلغه القبض عليه شق عليه ذلك وخرج إلى جهة القلعة ليسلم عليه فوافى نزوله من القلعة مقيدًا إلى الإسكندرية فصار يصيح ويبكي ويستغيث وهو ماش معه حتى وصل إلى ساحل النيل ووقف حتى أحدر أستاذه تغري بردي المحمودي في الحراقة إلى جهة الإسكندرية فلما عاين سفره اشتد صراخه إلى أن سقط ميتًا فحمل إلى داره وغسل وكفن ودفن‏.‏
ثم خلع السلطان على الأمير أركماس الظاهري باستقراره رأس نوبة النوب عوضًا عن تغري بردي المذكور وأنعم عليه بإقطاعه أيضًا وأنعم بإقطاع أركماس المذكور وتقدمته على الأمير قاني باي الأبوبكري الناصري المعروف بالبهلوان ثاني رأس نوبة وأنعم بطبلخاناه قاني باي على سودون ميق الأمير آخور الثاني وخلع على الأمير إينال العلائي الناصري باستقراره رأس نوبة ثانيا عوضًا عن قاني باي البهلوان المذكورة وإينال هذا هو الملك الأشرف إينال سلطان زماننا‏.‏
وأما ما وعدنا بذكره من قول المقريزي في سبب مسك تغري بردي المذكور قال‏:‏ وهذا المحمودي من جملة مماليك الملك الناصر فرج‏.‏



فلما قتل فرج خدم عند الأمير نوروز الحافظي بدمشق وصار له ميزة عنده فلما قتل نوروز سجنه الملك المؤيد شيخ بقلعة فما زال محبوسًا بها حتى تنكر المؤيد على الأمير برسباي الأمير الدقماقي نائب طرابلس وسجنه بالمرقب مع المحمودي وإينال الششماني فرأى تغري بردي المحمودي في ليلة من الليالي منامًا يدل على أن برسباي يتسلطن فأعلمه به فعاهده على أن يقدمه إذا تسلطن ولا يعترضه بمكروه‏.‏

فلما كان من سلطنة الملك الأشرف برسباي ما كان وتقدمته للمحمودي فيما مضى وتمادى الحال إلى أن بات بالقصر على عادته فقال لبعض من يثق به من المماليك ما تقدم من منامه بالمرقب وأنه وقع كما رأى وأنه أيضًا رأى منامًا يدل على أنه يتسلطن ولا بد فوشى ذلك المملوك به للسلطان فحرك منه كوامن منها أنه صار يقول‏:‏ لما حججنا أحضرت ابن عجلان ولما مضيت إلى قبرس أسرت ملكها أين كان الأشرف حتى يقال هذا بسعده والله ما كان هذا إلا بسعدي وتنقل كل ذلك إلى السلطان‏.‏



ثم في يوم الاثنين أول شهر رجب قدم الخبر على السلطان بموت المنصور عبد الله ابن الملك الناصر أحمد صاحب اليمن وأن أخاه ملك وبعده ولقب بالأشرف إسماعيل‏.‏

ثم في يوم الاثنين ثامن شهر رجب قدم الأمير جارقطلو المعزول عن نيابة حلب إلى القاهرة وطلع إلى القلعة وقبل الأرض فخلع عليه السلطان باستقراره أمير مجلس عوضًا عن جرباش قاشق بحكم انتقال جرباش إلى طرابلس حسبما تقدم ذكره‏.‏

ثم في تاسع عشر رجب المذكور توجه الزيني عبد الباسط ناظر على الهجن إلى حلب لعمارة سورها ولغير ذلك من المهمات السلطانية بعده عدة خيول قبل ذلك بأيام‏.‏

ثم في يوم الخميس أول شهر رمضان فتح الجامع الذي أنشأه جاني بك الأشرفي الدوادار الثاني بالشارع الاعظم خارج باب زويلة القربيين وأقيم به الجمعة في يوم الجمعة ثانيه‏.‏

ثم في سابع عشر شهر رمضان المذكور قدم عبد الباسط إلى القاهرة حلب وطلع إلى القلعة وخلع السلطان عليه‏.‏



ثم في ثالث عشرينه طلع زين الدين عبد الباسط بهدية إلى السلطان فيها مائتا فرس وحلي كثير ما بين زركش ولؤلؤ وقماش مذهب برسم السلطان صوف وفرو وغيره‏.‏

ثم في عاشر ذي القعدة قدم الخبر على السلطان بأن قاضي قضاة دمشق نجم الدين عمر بن حجي وجد مذبوحًا على فراشه ببستانه بالنيرب خارج دمشق ولم يعرف قاتله واتهم الناس الشريف كاتب سر دمشق ابن الكشك وعبد الباسط بالممالأة على قتله وراحت على من راحت‏.‏
وكان ابن حجي المذكور من أهل دمشق وفضلائهم وقد تقدم من ذكره نبذة في ولايته ثم في رابع عشر ذي القعدة خلع السلطان على الأمير قاني باي البهلوان أحد مقدمي الألوف يمصر باستقراره في نيابة ملطية زيادة على ما بيده من إقطاع تقدمة ألف بديار مصر عوضًا عن أزدمر شايا المقئم ذكره لعجزه عن القيام بقتال التركمان وأعيد أزدمر شايا إلى إقطاعه بحلب كما كان أولًا‏.‏



ثم في يوم الاثنين سلخ ذي القعدة خلع السلطان على بهاء الدين محمد ابن الفاضي نجم الدين عمر بن حجي باستقراره قاضي قضاة دمشق عوضًا عن والده بحكم وفاته وولي بهاء الدين هذا القضاء قبل أن يستكمل عذاره‏.‏

ثم في سابع عشرين ذي الحجة قدم مبشر الحاج وأخبر بسلامة الحاج ورخاء الأسعار بمكة وأنه قرىء مرسوم السلطان بمكة المشرفة في الملأ بمنع الباعة من بسط البضائع أيام الموسم في المسجد الحرام ومن ضرب الناس الخيام بللمسجد المذكور على مصاطبه وأمامها ومن تحويل المنبر في يوم الجمعة والعيدين من مكانه إلى جانب الكعبة حتى يسند إليها فأمر أن يترك مكانه مسامتًا لمقام إبراهيم الخليل عليه السلام ويخطب الخطيب عليه هناك‏:‏ وأن تسد أبواب المسجد بعد انقضاء الموسم إلا أربعة أبواب من كل جهة باب واحد وأن تسد الأبواب الشارعة من البيوت إلى سطح المسجد فامتثل جميع ذلك‏.‏

قال المقريزي‏:‏ وأشبه هذا قول عبد الله بن عمر رضي الله عنه وقد سأله رجل عن دم البراغيث فقال‏:‏ عجبًا لكم يا أهل العراق تقتلون الحسين بن علي وتسألون عن البراغيث وذلك أن مكة استقرت دار مكس حتى إنه يوم عرفة قام المشاعلي والناس بذلك الموقف العظيم يسألون الله مغفرة ذنوبهم فنادى معاشر الناس كافة‏:‏ من اشترى بضاعة وسافر بها إلى غير القاهرة حل دمه وماله للسلطان فأخر التجار القادمون من الأقطار حتى ساروا مع الركب المصري على ما جرت به هذه العادة المستجدة منذ سنين لتؤخذ منهم مكوس بضائعهم ثم إذا ساروا من القاهرة إلى بلادهم من البصرة والكوفة والعراق أخذ منهم المكس ببلاد الشام وغيرها فهذا لا ينكر وتلك الأمور بعثنا بإنكارها‏.‏
قلت‏:‏ أنا لا أتابعه على ما أعاب وأبلق خير من أسود‏.‏



وكونه رسم برد التجار إلى الديار المصرية لتؤخذ منهم المكوس لايلزم أنه لايفعل معروفًا آخر‏.‏
وأما جميع ما أبطله ورسم بمنعه ففيه غاية الصلاح والتعظيم للبيت العتيق‏.‏
أما منع الباعة بالحرم فكان من أكبر المصالح والمعروف فإنه كان يقوم الشخص في طوافه وعبادته وأذنه ملأى من صياح الباعة والغوغاء من كثرة ازدحام الشراة‏.‏

وأما نصب الخيام فكان من أكبر القبائح ولعل الله تعالى يغفر للملك الأشرف جميع ذنوبه بإبطال ذلك من الحرم الشريف فإنه قيل إن بعض الناس كان إذا نصب خيامه بالمسجد الحرام نصب به أيضًا بيت الراحة وحفر له حفرة بالحرم وفي هذا كفاية‏.‏

وأما تحويل المنبر فإنه قيل للسلطان إن المنبر في غاية ما يكون من الثقل وأنه كلما ألصق بالبيت الشريف انزعج منه وتصدع فمنع بسبب ذلك وقد صار الآن يحول إلى القرب من البيت غير أنه لا يلصق به فحصلت المصلحة من الجهتين‏.‏

وأما غلق أبواب المسجد في غير أيام الموسم إلا أربعة فيعرف فائدة ذلك من جاوره بمكة ويطول الشرح في ذكر ما يتأتى من ذلك من المفاسد وإن كان فيه بعض مصلحة لسكان مكة‏.‏



ثم في رابع عشرين ذي الحجة قبض بالمدينة على أميرها الشريف خشرم بن دوغان بن جعفر بن هبة الله بن جماز بن منصور بن جماز فإنه لم يقم بالمبلغ الذي وعد به واستقر عوضه في إمرة المدينة الشريفة مانع بن علي بن عطية بن منصور بن جماز بن شيحة بن هاشم بن قاسم بن مهنا بن داود بن قاسم بن عبد الله بن طاهر بن يحيى بن الحسين بن جعفر بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه‏.‏

ثم في يوم الجمعة ثالث المحرم سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة قدم الحمل من جزيرة قبرس ومبلغه خمسون ألف دينار مشخصة فرسم السلطان بضربها دنانير أشرفية فضربت بقلعة الجبل والسلطان ينظر إليها إلى أن تمت‏.‏

ثم في يوم السبت حادي عشر المحرم المذكور ركب السلطان من قلعة الجبل بغير قماش الخدمة ونزل إلى دار الأمير جاني بك الأشرفي الدوادار الثاني بحدرة البقر ليعوده في مرضه‏.‏

ثم في يوم الأربعاء ثاني عشرينه قدم الركب الأول من الحاج وقدم المحمل من الغد ببقية الحاج ومعهم الشريف خشرم في الحديد وقدم معهم أيضًا الأمير بكتمر السعدي من المدينة وكان له بها من العام الماضي‏.‏



ثم في يوم الثلاثاء ثاني عشر صفر من سنة إحدى وثلاثين خلع السلطان على قاضي القضاة محب الدين أحمد بن نصر الله البغدادي الحنبلي وأعيد إلى قضاء الحنابلة بالديار المصرية بعد عزل قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز الحنبلي‏.‏

ولم يكن عزل عز الدين المذكور لسوء سيرته بل إنه سار في القضاء على طريق غير معتادة وهو أنه صار يمشي في الأسواق ويشتري ما يحتاجه بيده من الأسواق وإذا ركب أردف خلفه على بغلته عبده ويمر على هذه الهيئة بجميع شوارع القاهرة‏.‏

وكان كثير التردد إلي في كل وقت لأنه كان من جمله أصحاب الوالد فكان يأتي من المدرسة الصالحية ماشيًا ويجلس حيث انتهى به المجلس فلم يحسن ذلك ببال أعيان الدولة وحملوه على أنه يفعل ذلك تعمدًا ليقال وقالوا للسلطان وكان له إليه ميل زائد‏:‏ هذا مجنون‏.‏
ولا زالوا به حتى عزله وأعاد القاضي محب الدين‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء تاسع عشر صفر المذكور ركب السلطان من القلعة بغير قماش الخدمة وقد صار ركوب السلطان بغير قماش الخدمة عادة وكان يقبح ذلك في سالف الأعصار وأول من فعل ذلك الملك الناصر فرج ثم المؤيد ثم الأشرف هذا‏.‏



وسار حتى شق القاهرة ودخل من باب زويلة وخرج من باب النصر إلى خليج الزعفران فرأى البستان الذي أنشأه هناك وعاد من خارج القاهرة على تربته التي عمرها بجوار تربة الملك الظاهر برقوق بالصحراء ثم سار حتى طلع إلى القلعة‏.‏
ثم في ليلة الجمعة‏.‏
سابع شهر ربيع الأول قرىء المولد النبوي بالحوش السلطاني من قلعة الجبل على العادة‏.‏

ثم في يوم الخميس ثالث عشر شهر ربيع الأول المذكور أنعم السلطان بإقطاع الأمير بكتمر السعدي على الأمير قجقار السيفي بكتمر جفق الزردكاش المعروف بجغتاي والإقطاع إمرة طبلخاناه بعد موت بكتمر السعدي‏.‏



وكان بكتمر من محاسن الدهمر معدودًا من أرباب الكمالات‏.‏

كان فقيهًا جنديًا شجاعًا عالمًا هنيًا قويًا عاقلًا مقدامًا عفيفًا لطيفًا لا أعلم في أبناء جنسه من يدانيه أو يقاريه في كثرة محاسنه‏.‏
صحبته سنين وانتفعت بفضله ومعرفته وأدبه‏.‏

وقد استوعبنا ترجمته في تاريخنا المنهل الصافي ويأتي ذكره أيضًا في الحوادث من هذا عقم النساء فما يلدن شبيهه إن النساء بمثله عقم ثم في آخر شهر ربيع الأول استقر تمرباي التمربغاوي الدوادار الثالث دوادارًا ثانيًا بعد موت الأمير جاني بك الأشرفي الدوادار ولم ينعم عليه بإمرة إلا بعد مدة طويلة أنعم عليه بإمرة عشرة‏.‏
وأما جاني بك فيأتي ذكره في الوفيات مطولًا إن شاء الله تعالى‏.‏



ثم في شهر ربيع الآخر من هذه السنة تشكى التجار الشاميون من حملهم البضائع التي يشترونها من بندر جدة إلى القاهرة فوقع الاتفاق على أن يؤخذ منهم بمكة عن كل حمل قل ثمنه أو كثر ثلاثة دنانير ونصف وأن يعفوا عن حمل ما يقبضونه من جدة إلى مصر فإذا حملوا ذلك إلى دمشق أخذ مكسها هناك على ما جرت به العادة وتم ذلك‏.‏

قال المقريزي‏:‏ وفي هذا الشهر يعني عن جمادى الأولى من سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة كانت الفتنة الكبيره بمدينة تعز من اليمن وذلك أن الملك الأشرف إسماعيل ابن الملك الأفضل عباس بن المجاهد علي بن المؤيد داود المظفر يوسف بن المنصور عمر بن علي بن رسول صاحب اليمن لما مات قام بعده ابنه الملك الناصر أحمد بن الأشرف إسماعيل وقام بعد الناصر أحمد الملك المنصور عبد الله في جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وثمانماثة وفي جمادى الآخرة سنة ثلاثين وثمانمائة فأقيم بعده أخوه الملك الأشرف إسماعيل بن أحمد الناصر فتغيرت عليه نيات الجند كافة من أجل وزيره شرف الدين إسماعيل بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عمر العلوي فإنه أخر صرف جوامكهم ومرتباتهم فتغيرت منه القلوب وكثرت حساده لاستبداده على السلطان وانفراده بالتصرف دونهم وكان يليه في الرتبة الأمير شمس الدين علي بن الحسام ثم القاضي نور الدين علي المحالبي مشد الاستيفاء‏.‏

فلما اشتد الأمر على العسكر وكثرت إهانة الوزير لهم وإطراحه جانبهم ضاقت عليهم الأحوال حتى كادوا يموتوا جزعًا فائفق تجهيز خزانة من عدن وبرز الأمر بتوجه طائفة من العبيد والأتراك إليها لتلفيها فسألوا أن ينفق فيهم أربعة دراهم لكل واحد منهم يرتفق بها فامتنع الوزير ابن العلوي من ذلك وقال‏:‏ ليمضوا غصبًا إن كان غرض في الخدمة وحين وصول الخزانة يكون خيرًا وإلا ففسح الله لهم للدهر بهم حاجة والسلطان غني عنهم فهيج هذا القول خفاء بواطنهم وتحالف العبيد والترك على الفتك بالوزير وإثارة فتنة فبلغ الخبر السلطان فأعلم به الوزير فقال‏:‏ ما يسووا شيئًا بل نشق كل عشرة في موضع وهم أعجز من ذلك‏.‏



فلما كان يوم الخميس تاسع جمادى الأولى هذه قبيل المغرب هجم جماعة من العبيد والترك دار العدل بتعز وافترقوا أربع فرق‏:‏ فرقة دخلت من باب الدار وفرقة دخلت من باب السر وفرقة وقفت تحت الدار وفرقة أخذت بجانب آخر‏.‏

فخرج إليهم الأمير سنقر أمير جاندار فهبروه بالسيوف حتى هلك وقتلوا معه عليًا المحالبي مشد الدواوين وعدة رجال ثم طلعوا إلى الأشرف وقد اختفى بين نسائه وتزيا بزيهن فأخذوه ومضوا إلى الوزير العلوي فقال لهم‏:‏ ما لكم في قتلي فائدة أنا أنفق على العسكر نفقة شهرين فمضوا إلى الأمير شمس الدين علي بن الحسام فقبضوا عليه وقد اختفى وسجنوا الأشرف في طبقة المماليك ووكلوا به وسجنوا ابن العلوي الوزير وابن الحسام قريبًا من الأشرف ووكلوا بهما وقد قيدوا الجميع‏.‏



وصار كبير هذه الفتنة برقوق من جماعة الأتراك فصعد هو وجماعة ليخرج الملك الظاهر يحيى ابن الأشرف إسماعيل بن عباس من ثعبات فامتنع أمير البلد من الفتح ليلًا وبعث الظاهر إلى برقوق أن يمهل إلى الصبح فنزل برقوق ونادى في البلد بالأمان والاطمئنان والبيع والشراء وأن السلطان هو الملك الظاهر يحيى بن الأشرف‏.‏

هذا وقد نهب العسكر عند دخولهم دار العدل جميع ما في دار السطنة وأفحشوا في نهبهم فسلبوا الحريم ما عليهن وانتهكوا منهن ما حرم الله ولم يدع في الدار ما قيمته الدرهم الواحد‏.‏



فلما أصبح يوم الجمعة عاشره اجتمع بدار العدل الترك والعبيد وطلبوا بني زياد وبني السنبلي والخدام وسائر أمراء الدولة والأعيان‏.‏
فلما تكامل جمعهم وقع بينهم الكلام فيمن يقيمونه فقال بنو زياد‏:‏ وما ثم غير يحيى فاطلعوا له هذه الساعة‏.‏
فقام الأمير زين الدين جياش الكاملي والأمير برقوق وطلعا إلى ثعبات في جماعة من الخدام والأجناد فإذا الأبواب مغلقة فصاحوا بصاحب البلد حتى فتح لهم ودخلوا إلى القصر وسلموا على الظاهر يحيى بالسلطنة وسألوه أن ينزل معهم إلى دار العدل فقال‏:‏ حتى يصل العسكر أجمع‏.‏
ففكوا القيد من رجليه وطلبوا العسكر بأسرهم فطلعوا بأجمعهم وأطلعوا معهم بعشرة جنائب فتقدم الترك والعبيد وقالوا للظاهر‏:‏ لا نبايعك حتى تحلف لنا أنك لا يحدث علينا منك شيء بسبب هذه الفعلة ولا ما سبق قبلها فحلف لهم وهم يرددون عليه الأيمان وذلك بحضرة قاضي القضاة موفق الدين علي بن الناشري ثم حلفوا له على ما يحب ويختار‏.‏
فلما انقضى الحلف وتكامل العسكر ركب ونزل إلى دار العدل بأبهة السلطنة ودخلها بعد صلاة الجمعة فكان يومًا مشهودًا‏.‏



وعندما استقر بالدار أمر بإرسال ابن أخيه الأشرف إسماعيل إلى ثعبات فطلعوا به وقيدوه بالقيد الذي كان الطاهر يحيى مقيدًا به وسجنوه بالدار التي كان الظاهر مسجونًا بها‏.‏

ثم حمل بعد أيام إلى الدملوة ومعه أمه وجاريته وأنعم السلطان على أخيه الملك الأفضل عباس بما كان له وخلع عليه وجعله نائب السلطنة كما كان أول دولة الناصر وخمدت الفتنة‏.‏

وكان الذي حرك هذه الفتنة بنو زياد فقام أحمد بن محمد بن زياد الكاملي بأعباء هذه الفتنة لحنقه من الوزير ابن العلوي فإنه كان قد مالأ على قتل أخيه جياش وخذل عن الأخذ بثأره وصار يمتهن بني زياد‏.‏



ثم ألزم الوزير ابن العلوي وابن الحسام بحمل المال وعصرا على كعابهما وأصداغهما وربطا من تحت أبطيهما وعلقا منكسين وضربا بالشيب والعصي وهما يوردان المال فأخذ من ابن العلوي مابين نقد وعروض ثمانون ألف دينار ومن ابن الحسام مبلغ ثلاثين ألف دينار‏.‏
واستقر الأمير برقوق أمير جاندار‏.‏
واستقر الأمير بدر الدين محمد الشمسي أتابك العساكر‏.‏
واستقر ابنه العفيف أمير آخور‏.‏
ثم استقر الأمير بدر الدين المذكور أستادارًا وشرع في النفقة على العسكر‏.‏
وظهر من السلطان نبل وكرم وشهامة بحيث أطاعته العساكر بأجمعهم فإن له قوة وشجاعة حتى قيل إن قوسه يعجز من عندهم من الترك عن جره‏.‏



ومدحه الفقيه يحيى بن رويك بقصيدة أولها‏:‏ الوافر بدولة ملكنا يحيى اليماني بلغنا ما نريد من الأماني وعدة القصيدة واحد وأربعون بيتًا وأجيز عليها بألف دينار‏.‏
وبهذه الكائنة اختل ملك بني رسول من اليمن‏.‏
انتهى كلام المقريزي‏.‏
قلت‏:‏ وقد خرجنا عن المقصود بطول هذه الحكاية غير أن في ذكرها نوعًا من الأخبار والتعريف بالممالك‏.‏

ولنرجع الى ما نحن بصدده من أحوال الملك الأشرف برسباي صاحب الترجمة‏.‏

ولما كان يوم الاثنين خامس جمادى الآخرة خلع السلطان على الأمير جارقطلو أمير مجلس باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية بعد موت الأمير الكبير يشبك الساقي الأعرج‏.‏

وكان يشبك الساقي المذكور من أفراد العالم وهو أحد من أدركناه من الملوك من أهل المعرفة والذوق والفضل والرأي والتدبير كما سنبينه في ترجمة وفاته من هذا الكتاب إن شاء الله‏.‏



ثم في يوم السبت عاشر جمادى الآخرة المذكورة كتب السلطان بإحضار جرباش الكريمي المعروف بقاشق نائب طرابلس ليستقر أمير مجلس على عادته أولًا عوضًا عن الأمير الكبير جارقطلو وكتب إلى الأمير الكبير طرباي الظاهري المقيم بالقدس بطالًا باستقراره في نيابة طرابلس‏.‏

ثم في يوم السبت أول شهر رجب عمل السلطان الخدمة بالإيوان بدار العدل من القلعة وأحضرت رسل مراد بك بن عثمان متملك برصا وأدرنابولي وغيرهما من ممالك الروم فكان موكبًا جليلًا أركب فيه الأمراء والمماليك السلطانية وأجناد الحلقة وغيرهم على عادة هيئة خدمة الإيوان من تلك الأشياء المهولة‏.‏

وقد بطل خدم الإيوان من أيام الملك الظاهر جقمق وذهب من كان يعرف ترتيبه حتى لو أراد أحد من الملوك أن يفعله لا يمكنه ذلك‏.‏



ثم في سابع شهر رجب المذكور خلع السلطان على القاضي الدين بن البارزي المعزول قبل تاريخه عن كتابة السر ثم عن نظر السر بالديار المصرية باستقراره في كتابة سر دمشق عوضًا عن بدر الدين حسين بحكم وفاته من غير سعي في ذلك بل طلبه السلطان وولاه‏.‏
وكان القاضي كمال الدين المذكور من يوم عزل من وظيفة نظر الجيش بعد كتابة السر ملازمًا على أجمل حالة وأحسن طريقة من الاشتغال بالعلم والوقار والسكينة وهو هيئة عمله من الحشم والخدم وبسط يديه بالإحسان لكل أحد وترداد الأكابر والأعيان والفضلاء إلى بابه‏.‏
وسافر في ثاني عشرينه‏.‏



ثم في حادي عشره أدير محمل الحاج على العادة في كل سنة‏.‏

ثم في ثالث عشرينه قدم الأمير جرباش الكريمي معزولًا عن نيابة طرابلس فخلع السلطان عليه باستقراره أمير مجلس على عادته أولًا‏.‏
كل ذلك والسلطان في قلق من جهة جاني بك الصوفي‏.‏

ثم في عشرين شعبان خلع السلطان على الأمير قانصوه النوروزي أمراء الطبلخانات باستقراره في نيابة طرسوس وأضيف إقطاعه إلى الديوان المفرد ثم في يوم الثلاثاء ثامن عشرين شوال أمسك السلطان الأمير قطج من تمراز أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية ثم الأمير جرباش الكريمي قاشق أمير مجلس فحمل قطج في الحديد إلى الإسكندرية فسجن بها وأخرج جرباش الكريمي بغير قيد إلى ثغر دمياط بطالًا‏.‏



كل ذلك بسبب جاني بك الصوفي ولما تحدث السلطان نفسه بما ثم خلع السلطان على الأمير إينال العلائي الناصري رأس نوبة ثاني باستقراره في نيابة غزة عوضًا عن تمراز القرمشي بحكم قدوم تمراز للديار المصرية‏.‏
وأنعم السلطان بإقطاع إينال المذكور على الأمير تمرباي التمر بغاوي الدوادار الثاني‏.‏
ثم كتب بإحضار الأمير بيبغا المظفري من القدس وكان نقل إلى القدس من دمياط من نحو شهر واحد فقدم من القدس إلى القاهرة في يوم الخميس حادي عشرين ذي القعدة وطلع إلى القلعة وخلع السلطان عليه باستقراره أمير مجلس عوضًا عن جرباش الكريمي قاشق‏.‏



ومنزلة أمير مجلس في الجلوس عند السلطان يكون ثاني الميمنة تحت الأمير الكبير فلما ولي بيبغا هذا إمرة مجلس أجلسه السلطان على الميسرة فوق الأمير إينال الجكمي أمير سلاح لما سبق له من ولايته أتابكية العساكر بالديار المصرية قبل تاريخه فصار في الحقيقة رتبته أعظم من رتبة الأمير الكبير جارقطلو بجلوسه فوق أمير سلاح لأن الأمير الكبير لا يمكنه الجلوس فوق أمير سلاح إلا لضرورة‏.‏

وصار بيبغا هذا دائمًا جلوسه فوقه غير أن إقطاع الأمير الكبير أكثر متحصلًا من إقطاعه وأيضًا لالتفات السلطان إليه فإنه كان أكثر كلامه في الموكب السلطاني معه في كل تعلقات المملكة وليس ذلك لمحبته فيه غير أنه كان يداريه بذلك اتقاء فحشه‏.‏



وكان سبب القبض عليه أولًا أن السلطان شكا له بعض الأجناد من ظلم كاشف التراب فقال الملك الأشرف‏:‏ الكاشف ماله منفعة فبادره بيبغا هذا في الملأ وقال له‏:‏ أنت ما عملت كاشف ما تعرف فعظم ذلك على الأشرف وأسرها في نفسه ثم قبض عليه وكذا كان وقع لبيبغا المذكور مع الملك المؤيد حتى قبض عليه أيضًا وحبسه‏.‏

وكان هذا شأنه المغالظة مع الملوك في الكلام غير أنه كان مناصحًا للملوك ظاهرًا وباطنًا ولهذا كانت الملوك لاتبرح تغضب عليه ثم ترضى لعلمهم بسلامة باطنه‏.‏














صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 25-01-2012, 02:15 AM   رقم المشاركة:583
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 54
المشاركات: 8,675
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الملك الأشرف برسباي (6)

سلطنة الملك الأشرف برسباي (6)







وكان الملك الأشرف يمازحه في بعض الأحيان ويسلط عليه بعض الجراكسة بأن يزدري جنس التتار ويعظم الجراكسة فإذا سمع بيبغا ذلك سب القائل وهجر عليه وأخذ في تفضيل الأتراك على طائفة الجراكسة في الشجاعة والكرم والعظمة فيشير عليه بعض أمراء الأتراك بالكف عن ذلك فلا يلتفت ويمعن والملك الأشرف يضحك من ذلك ويساعده على غرضه حتى يسكت‏.‏

وقيل إنه جلس مرة في مجلس أنس مع جماعة من الأمراء فأخذ بيبغا في تعظيم ملك التتار جنكزخان وزاد وأمعن واخترق اختراقات عجيبة فقال له الأمير طقز الظاهري الجركسي‏:‏ وأيش هو جنكزخان فلما سمع بيبغا ذلك أخذ الطبر وأراد قتل طقز حقيقة وقال له‏:‏ كفرت فأعاقه الأمراء عنه حتى قام طقز من المجلس وراح إلى حال سبيله‏.‏
وقيل إنه لم يجتمع به بعد ذلك‏.‏
ومع هذا كله كان لجنونه طلاوة ولانحرافه حلاوة على أنه كان من عظماء الملوك وأحسنها طريقة‏.‏

ثم في يوم الخميس سادس ذي الحجة من سنة إحدى وثلاثين المذكورة أمسك السلطان الأمير أزبك المحمدي الدوادار الكبير وأخرجه من ليلته بطالًا إلى القدس بعد أن قبض السلطان على عدة من خاصكيته‏.‏



ولذلك أسباب أعظمها أمر جاني بك الصوفي وأشياء أخر منها‏:‏ أن في أواخر ذي القعدة بلغ السلطان أن جماعة من مماليكه وخاصكيته يريدون الفتك به وقتله ليلًا فقبض على جماعة منهم السيفي سنطباي الأشرفي وغيره في أيام متفرقة ونفى جماعة منهم إلى الشام وقوص بعد أن عاقب جماعة منهم فكثرت القالة في ذلك‏.‏
قيل إنه سأل بعضهم بأن قال‏:‏ لو قتلتموني من الذي تنصبونه بعدي في السلطنة فقالوا‏:‏ الأمير أزبك وقيل غير ذلك‏.‏

وأخذ السلطان في الاستعداد والحذر وسقط عليه أيضًا مرارًا سهام نشاب من أطباق المماليك السلطانية فهذا كان السبب لقبض أزبك وغيره‏.‏
وأنا أقول‏:‏ إن جميع ماوقع من مسك الأمراء وضرب جماعة من الخاصكية بالمقارع ونفي بعضهم إنما هو لسبب جاني بك الصوفي لاغير‏.‏
ثم في يوم السبت ثامنه خلع السلطان على الأمير أركماس الظاهري رأس نوبة النوب باستقراره دوادارًا كبيرًا عوضًا عن أزبك المذكور‏.‏



وخلع على الأمير تمراز القرمشي المعزول عن نيابة غزة باستقراره رأس نوبة وأنعم عليه بإقطاع أركماس المذكور‏.‏

وأنعم بإقطاع تمراز الذي كان السلطان أنعم عليه به بعد مجيئه من غرة وهو تقدمة ألف أيضًا على الأمير يشبك السودوني شاد الشراب خاناه‏.‏
وأنعم بطبلخاناه يشبك السودوني على الأمير قرانجا الأشرفي الخازندار‏.‏
وخلع السلطان في هذه الأيام على صفي الدين جوهر السيفي قنقباي اللالا باستقراره خازندارًا عوضًا عن الأمير خشقدم الظاهري الرومي بحكم انتقاله زمامًا عوضًا عن الأمير كافور الشبلي الصرغتمشي الرومي بعد وفاته في السنة الماضية‏.‏



وكانت وظيفة الخازندارية شاغرة في يوم تاريخه والسلطان ينظر فيمن يوليه من الخدام من قدماء خدام الملوك فرشح مرجان خادم الوالد فخافه الخدام من شدة بأسه وحولوا الأشرف عنه‏.‏

وكان الطواشي جوهر الجلباني الحبشي لالا ابن السلطان له حنو وصحبة قديمة بجوهر هذا فكلم السلطان بسببه ونعته بالدين والعفة والعقل والتدبير ولا زال بالسلطان حتى طلبه وولاه الخازندارية دفعة واحدة فإنه كان من أصاغر الخدام لم تسبق له رئاسة قبل ذلك وإنما كان يعرف بين الخدام بأخي اللالا فنال جوهر هذا من الحرمة والوجاهة والاختصاص بالملك الأشرف ما لم ينله خادم قبله‏.‏
ثم في سابع عشرين ذي الحجة من سنة إحدى وثلاثين المذكورة قدم مبشر الحاج العراقي وأخبر بسلامة الحاج وأنه قدم محمل العراق في أربعمائة جمل جهزه السلطان حسين بن علي ابن السلطان أحمد بن أويس من الحلة‏.‏



وكان السلطان حسين هذا قد استولى على ششتر والحلة وصاهر العرب فقوي بأسه بهم وقاتل شاه محمد بن قرا يوسف صاحب بغداد وتم أسره بهذه البلاد المذكورة وجهز الحاج وكان له سنين قد انقطع لاستيلاء هذا الزنديق شاه محمد بن قرا يوسف على العراق فإنه كان محلول العقيمة لا يتدين بدين وقتل العلماء وأباد الناس وهو أحد أسباب خراب بغداد والعراق هو وأخوته كما سيأتي ذكره وذكر أقاربه في وفيات هذا الكتاب عند وفاتهم وذهاب روحهم الخبيثة اللعينة إلى جهنم وبئس المصير‏.‏

ثم في يوم الاثنين خامس عشر المحرم سنة اثنتين وثلانين وثمانمائة حدث مع غروب الشمس برق ورعد شديد متوال ثم مطر غزير خارج عن الحد وكان الوقت في أثناء فصل الخريف‏.‏



قتلة الخواجا نور الدين علي التبريزي العجمي المتوجه برسالة الحطي ملك الحبشة إلى ملوك الفرنج ولما كان يوم الثلاثاء رابع عشرين جمادى الأولى من سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة استدعى السلطان قضاة الشرع الشريف إلى بين يديه فاجتمعوا‏.‏

وندب السلطان قاضي القضاة شمس الدين محمدًا البساطي المالكي للكشف عن أمره وإمضاء حكم الله فيه وكان التبريزي مسجونًا فى سجن السلطان فنقله القاضي من سجن السلطان إلى سجنه وادعى عليه بالكفر وبأمور شنيعة وقامت عليه بينة معتبرة بذلك فحكم بإراقة دمه‏.‏



فشهر في يوم الأربعاء خامس عشرين جمادى الأولى المذكورة على جمل بالقاهرة ومصر وبولاق ونودي عليه‏:‏ هذا جزاء من يجلب السلاح إلى بلاد العدو ويلعب بالدينين وصار وهو راكب الجمل يتشاهد ويقرأ القرآن ويشهد الناس أنه باق على دين الإسلام والخلق صحبته أفواجًا ومن الناس من يبكي لبكائه وهم العامة الجهلة‏.‏
والذي أقوله في حقه‏:‏ إنه كان زنديقًا ضالًا مستخفًا بدين الإسلام‏.‏

ولا زالوا به إلى أن وصلوا إلى بين القصرين فأنزل عن الجمل وأقعد تحت شباك المدرسة الصالحية وضربت عنقه في الملأ من الخلائق التي لا يعلم عددها إلا الله تعالى‏.‏
فنسأل الله السلامة في الدين والموت على الإسلام‏.‏
وكان خبر هذا التبريزي أنه كان أولًا من جملة تجار الأعاجم بمصر وغيرها وكان يجول في البلاد بسبب المتجر على عادة التجار فاتفق أنه توجه إلى بلاد الحبشة فحصل له بها الربح الهائل المتضاعف‏.‏
وكان في نفسه قليل الدين مع جهل وإسراف فطلب الزيادة في المال فلم يرم بوصله إلى مراده إلا أن يتقرب إلى الحطي ملك الحبشة بالتحف‏.‏



فصار يأتيه بأشياء نادرة لطيفة من ذلك أنه صار يصنع له الصلبان من الذهب المرضع بالفصوص الثمينة ويحملها إليه غاية الاحترام والتعظيم كما هي عادة النصارى في تعظيمهم للصليب وأشياء هذه المقولة‏.‏
ثم ما كفاه ذلك حتى إنه صار يبتاع السلاح المثمن من الخوذ والسيوف الهائلة والزرديات والبكاتر بأغلى الأثمان ويتوجه بها إلى بلاد الحبشة وصار يهون عليهم أمر المسلمين ويعرفهم ما المسلمون فيه بكل ما تصل القدرة إليه فتقرب بذلك من الحطي حتى صار عنده بمنزلة عظيمة‏.‏
فعند ذلك ندبه الحطي بكتابه إلى ملوك الفرنج عندما بلغه أخذ قبرس وأسر ملكها جينوس يحثهم فيه على القيام معه لإزالة دين الإسلام وغزو المسلمين وإقامة الملة العيسوية ونصرتها وأنه يسير في بلاد الحبشة‏.‏



في البر بعساكره وأن الفرنج تسير في البحر بعساكرها في وقت معين إلى سواحل الإسلام وحمله مع ذلك مشافهات‏.‏

فخرج التبريزي هذا من بلاد الحطي بكتابه وبما حمله من المشافهات لموك الفرنج بعزم واجتهاد وسلك في مسيره من بلاد الحبشة البرية حتى صار من وراء الواحات ثم سلك من وراء الواحات إلى بلاد المغرب وركب منها البحر إلى بلاد الفرنج وأوصل إليهم كتاب الحطي وما معه من المشافهات ودعاهم للقيام مع الحطي في إزالة الإسلام وأهله واستحثهم في ذلك فأجابه غالبهم وأنعموا عليه بأشياء كثيرة فاستعمل بتلك البلاد عدة ثياب مخمل مذهبة باسم الحطي ورقمها بالصلبان فإنه شعارهم‏.‏



قلت‏:‏ لولا أنه داخلهم في كفرهم وشاركهم في مأكلهم ومشربهم طابت نفوسهم لإظهار أسرارهم عليه وكانوا يقولون‏:‏ هذا رجل مسلم يمكن أنه يتجسس أخبارنا وينقلها للمسلمين ليكونوا منا على حذر وربما أمسكوه بل وقتلوه بالكلية‏.‏

ثم خرج من بلاد الفرنج وسار في البحر حتى قدم الإسكندرية ومعه الثياب المذكورة ورهبان من رهبان الحبشة‏.‏
وكان له عدة عبيد فيهم رجل دين فنم عليه بما فعله ودلهم على ما معه من القماش وغيره فأحيط بمركبه وبجميع ما فيها فوجدوا بها ما قاله العبد المذكور فحمل هو والرهبان وجميع ما معه من القاهرة‏.‏
فسعى بمال كبير في إبقاء مهجته وساعده في ذلك ممن يتهم في دينه فلم يقبل السلطان ذلك وأمر به فحبس ثم قتل حسبما ذكرناه عليه من الله ما يستحقه .‏
ثم في يوم الخميس تاسع شهر رجب خلع السلطان على جلال الدين محمد ابن القاضي بدر الدين محمد بن مزهر باستقراره في وظيفة كتابة السر بالديار المصرية عوضًا عن والده بحكم وفاته وله من العمر دون العشرين سنة ولم يطر شاربه‏.‏



وخلع السلطان على القاضي شرف الدين أبي بكر بن سليمان سبط ابن العجمي المعروف بالأشقر أحد أعيان موقعي الدست باستقراره نائب كاتب السر ليقوم بأعباء الديوان عن هذا الشاب لعدم معرفته وقلة دربته بهذه الوظيفة‏.‏
وكانت ولاية جلال الدين المذكور لكتابة السر على حمل تسعين ألف دينار من تركة أبيه‏.‏
ثم في يوم الخميس ثالث عشرين شهر رجب المذكور قدم الأمير سودون من عبد الرحمن نائب الشام إلى القاهرة وصحبته القاضي كمال الدين محمد بن البارزي كاتب سر دمشق وطلعا إلى القلعة فخلع السلطان عليهما خلع الاستمرار‏.‏

واجتمع السلطان به غير مرة أعني بسودون من عبد الرحمن فكلمه سودون فيما يفعله مماليكه الجلبان بالمباشرين وغيرهم وخوفه عاقبة المماليك القرانيص من ذلك فقال له الملك الأشرف‏:‏ قد عجزت عن إصلاحهم ثم كشف رأسه ودعا عليهم بالفناء والموت غير مرة فقال له الأتابك جارقطلو‏:‏ ‏"‏ ضع فيهم السيف وأقم عوضهم وما دام رأسك تعيش فالمماليك كثير ومائة من القرانيص خير من ألف من هؤلاء الأجلاب ولولا حرمة السلطان لكان صغار عبيد القاهرة كفؤًا لهم‏.‏

وكان سبب ذلك أنهم صاروا يضربون مباشري الدولة وينهبون بيوتهم ووقع منهم في دوران المحمل في هذه السنة أمور شنيعة إلى الغاية وتقاتلوا مع العبيد حتى قتل بينهما جماعة وأشياء غير ذلك‏.‏



فمال السلطان إلى كلام تجار قطلو وأراد مسك جماعة كبيرة منهم ونفي آخرين وتفرقة جماعة أخر على الأمراء وقال‏:‏ أحسب أن مائة ألف دينار ما كانت ومتى حصل نفع المماليك المشتروات لأستاذهم أو لذريته‏.‏
فلما رأى الأمير بيبغا المظفري ميل السلطان لكلام جارقطلو أخذ في معارضته ورد كلامه فكان من جملة ما قاله‏:‏ والله لولا المماليك المشتروات ما أطاعك واحد منا وأشار بخروج جاني بك الصوفي من السجن واختفائه بالقاهرة وخل عنك كلام هذا وأمثاله وكان عبد الباسط مساعدًا لجارقطلو ثم التفت بيبغا وقال لعبد الباسط‏:‏ أنت تكون سببًا لزوال ملك هذا فعند ذلك أمسك الأشرف عما كان عزم عليه لعلمه بنصيحة بيبغا المظفري له‏.‏

وانفض المجلس بعد أن أمرهم السلطان بكتمان ما وقع عند السلطان من الكلام‏.‏
فلم يخف ذلك عن أحد وبلغ المماليك الأشرفية فتحلفوا لجارقطلو ولعبد الباسط ولسودون من عبد الرحمن‏.‏
فلما كان يوم الجمعة ثاني شعبان نزل المماليك الأشرفية من الأطباق إلى بيت الوزير كريم الدين بن كاتب المناخ ونهبوه لتأخر رواتبهم‏.‏

وسافر فيه الآمير سودون من عبد الرحمن إلى محل كفالته وكان السلطان أراد عزله وإبقاعه بمصر فوعد بخمسين ألف دينار حتى خلع عليه باستمراره فكلمه بعض أصحابه في ذلك فقال‏:‏ أحمل مائة ألف دينار ولا أقعد بمصر في تهديد الأجلاب‏.‏
ثم لما كان يوم الثلاثاء سادس شعبان ثارت الفتنة بين المماليك الجلبان وبين الأمير الكبير جارقطلو‏.‏



وكان ابتداء الفتنة

أنه وقع بين بعض المماليك السلطانية وبين مماليك الأمير الكبير جارقطلو وضربت الجلبان بعض مماليك جارقطلو فأخذ المملوك يدافع عن نفسه ورد على بعضهم وكان شج بعض المماليك السلطانية‏.‏

فعند ذلك قامت قيامتهم وحرك ذلك ما كان عندهم من الكمين من أستاذهم جارقطلو فتجمعوا على المملوك المذكور وضربوه فهرب إلى بيت أستاذه واحتمى به‏.‏

فعادت المماليك إلى إخوتهم واتفقوا على جارقطلوا وترددوا إلى بابه غير مرة‏.‏
وباتت الناس على تخوف من وقوع الفتنة لوقوع هذه القضية‏.‏

وأصبحوا من الغد في جمع كثير من تحت القلعة وقد اتفقوا على قتل جارقطلو ومماليكه فماج الناس لذلك وأغلقوا الأسواق خشية من وقوع النهب وتزاحم الناس على شراء الخبز وأغلقت الدروب وانتشرت الزعر وأهل الفساد وتعوق مباشرو الدولة من النزول من القلعة إلى دورهم‏.‏



وأرسل السلطان إليهم جماعة بالكف عن ماهم فيه وهددهم إن لم يرجعوا فلم يلتفتوا إلى كلامه‏.‏
وساروا بأجمعهم إلى بيت الأمير الكبير جارقطلو وكان سكنه ببيت الأمير طاز بالشارع الأعظم عند حمام الفارقاني فأغلق جارقطلو بابه وأصعد مماليكه على طبلخاناته فوق باب داره ليمنعوا المماليك السلطانية من كسر الباب المذكور وإحراقه‏.‏

وتراموا بالنشاب وأقام الأجلاب يومهم كله مع كثرتهم لا يقدرون على الأمير الكبير جارقطلو ولا على مماليكه مع كثرة عددهم لعدم معرفتهم بالحروب ولقلة دربتهم وسلاحهم‏.‏
هذا والسلطان يرسل إليهم بالكف عما هم فيه وهم مصممون على ما هم فيه يومهم كله‏.‏
ووقع منهم أمور قبيحة في حق أستاذهم وغيره‏.‏
فلما وقع ذلك غضب السلطان غضبًا عظيمًا‏.‏

وأراد أن يوسع الأمراء في حق مماليكه فخوفه الأمراء سوء عاقبة ذلك فأخذ يكثر من الدعاء عليهم سرًا وجهرًا وباتوا على ذلك‏.‏



فلما أصبحوا يوم الخميس ثامن شعبان استشار الملك الأشرف الأمراء في أمر مماليكه فأشاروا عليه بأن يرسل يطلب من الأمير الكبير جارقطلو المماليك الذين كانوا سببًا لقيام هذه الفتنة‏.‏

وكانت المماليك الجلبان لما رأوا في الأمس حالهم في إدبار أرسلوا يطلبون غرماءهم من مماليك جارقطلو من السلطان فلم يجبهم السلطان إلى ذلك‏.‏
فأرسل السلطان بعد ذلك للأمير الكبير يطلب مماليكه الذين كانوا في أول هذه الفتنة فأرسل إليه بجماعة منهم فأخذهم السلطان وضربهم ضربًا ليس بذاك ثم أمر بحبسهم‏.‏

ووافق ذلك عجز المماليك الجلبان عن قتال الأمير الكبير لعدم اجتماع كلمتهم ولفرار أكثرهم وطلوعهم إلى الطبقة فأذعنوا بالصلح وخمدت الفتنة ولله الحمد بعد أن كاد أمر هذه الوقعة أن يتسع إلى الغاية لأن غالب الأمراء شق عليهم ما وقع للأمير الكبير وقالوا‏:‏ إذا كان هذا يقع للأمير الكبير فنحن من باب أولى وأحق لأعظم من هذا‏.‏
وتنبه من كان عنده كمين من الملك الأشرف من المماليك المؤيدية شيخ وغيرهم وظهر للسطان لوايح من ذلك فاحتار بين مماليكه وأمرائه إلى أن وقع الصلح‏.‏
ومن يومئذ تغير خاطر جارقطلو من الملك الأشرف في الباطن مع خصوصيته بالأشرف حتى أبدى بعض ما كان عنده في سفرة آمد حسبما يأتي ذكره‏.‏
ثم ورد الخبر على السلطان بأن في خامس شعبان هذا ورد إلى ميناء الإسكندرية خمسة أغربة فيها مقاتلة الفرنج مشحونة بالسلاح وباتوا بها وقد استعد لهم المسلمون‏.‏

فلما أصبح النهار واقعوهم وقد أدركهم الزيني عبد القادر بن أبي الفرج الأستادار وكان مسافرًا بتروجة ومعه غالب عرب البحيرة نجدة للمسلمين‏.‏



فلما كثر جمع المسلمين انهزم الفرنج وردوا من حيث أتوا في يوم الأحد حادي عشرة ولم يقتل من المسلمين سوى فارس واحد من جماعة ابن أبي الفرج‏.‏

قلت قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا وكفى الله المؤمنين القتال ‏"‏‏.‏
كل ذلك والسلطان مشغول بتجهيز تجريدة إلى بلاد الشرق‏.‏

فلما كان ثاني عشر شعبان المذكور أنفق السلطان في ثلاثمائة وتسعين مملوكًا من المماليك السلطانية لكل مملوك خمسين دينارًا وفي أربعة من أمراء الألوف وهم‏:‏ أركماس الظاهري الدوادار الكبير وقرقماس حاجب الحجاب وحسين بن أحمد المدعو تغري برمش البهسني ويشبك السودوني المعروف بالمشد لكل واحد الفي دينار‏.‏
وأنفق أيضًا في عدة من أمراء الطبلخانات والعشرات فبلغت نفقة الجميع نحو ثلاثين ألف دينار ورسم بسفرهم إلى الشام فسافروا في سابع عشرين شعبان المذكور‏.‏
ثم في يوم الجمعة رابع عشر شهر رمضان حملت جامكية المماليك السلطانية إلى القلعة لتنفق فيهم على العادة فامتنعوا من قبضها وطلبوا زيادة لكل واحد ستمائة درهم وصمموا على ذلك‏.‏

وترددت الرسل بينهم وبين السلطان إلى أن زيد في جوامك عدة منهم وسكن شرهم وأخذوا الجامكية في يوم الاثنين ثامن عشره‏.‏



ثم بعد ذلك وقع بين المماليك الجلبان وبين العبيد فتجمع السودان وقاتلوهم فقتل بينهم عدة وصاروا جمعين لكل جمع عصبية‏.‏

ثم في يوم الأربعاء تاسع ذي القعدة ورد الخبر على السلطان بأخذ الأمراء المتوجهين إلى جهة بلاد الشرق مدينة الرها من نواب قرايلك‏.‏
وكان من خبر ذلك أن العساكر المصرية لما سارت من القاهرة إلى جهة الشام لأخذ خرتبرت وقد مات متوليها ونازلها عسكر قرايلك صاحب آمد فلما وصلوا إلى مدينة حلب ورد عليهم الخبر بأخذ قرايلك قلعة خرتبرت وتحصينها وتسليمها لولده فأقاموا بحلب إلى أن ورد عليهم الأمير سودون من عبد الرحمن نائب الشام بعساكر دمشق ثم جميع نواب البلاد الشامية بعساكرها وتشاوروا في السير لها فأجمع رأيهم على المسير‏.‏

فمضوا بأجمعهم‏:‏ العسكر المصري والعسكر الشامي إلى جهة الرها فأتاهم بالبيرة كتاب أهل الرها بطلب الأمان وقد رغبوا في الطاعة فأمنوهم وكتبوا لهم كتابًا‏.‏



وساروا من البيرة وبين أيديهم مائتا فارس من عرب الطاعة كشافة فوصلت الكشافة المذكورون إلى الرها في شوال فوجدوا الأمير هابيل بن الأمير عثمان بن طرعلي المدعو قرايلك صاحب آمد قد وصل إليها ودخلها وحصنها وجمع فيها خلائق من أهل الضياع بمواشيهم وعيالهم وأموالهم فنزلوا عليها فرموهم بالنشاب من فوق أسوار المدينة‏.‏

فلما رأى هابيل قلة العرب برز إليهم في نحو ثلاثمائة رجل من عسكره وقاتلهم فثبتوا له وقاتلوه فقتل بين الفريقين جماعة والأكثر من العرب فأخذ هابيل رؤوسهم وعلقها على أسوار المدينة‏.‏
وبينما هم في ذلك أدركهم العسكر المصري والشامي ونزلوا على ظاهر الرها يوم الجمعة العشرين من شوال فوجدوا هابيل قد حصن المدينة وجعل جماعة من عساكره على أسوارها فلما قرب العسكر من سور مدينة الرها رماهم الرجال من أعلى السور بالنشاب والحجارة فتراجع العسكر عنهم ونزلوا بخيامهم إلى بعد الظهر‏.‏



فركبوا الجميع وأرسلوا إلى أهل الرها بالأمان وأنهم إن لم يكفوا عن القتال أخربوا المدينة فلم يلتفتوا إلى كلامهم ورموهم بالنشاب‏.‏
فاتفق العسكر حينئذ على الزحف وركبوا بأجمعهم وزحفوا على المدينة وجدوا في قتالها‏.‏
فلم يكن غير ساعة إلا وأخذوا المدينة وأستولوا عليها‏.‏

وتعلق أعيان البلد ومقاتلتها بالقلعة فانتشر العسكر وأتباعهم بالمدينة ينهبون ويأخذون ما وجدوا ويأسرون من ظفروا به وأمعنوا في ذلك حتى خرجوا عن الحد‏.‏
وأصبحوا يوم السبت جدوا في حصار القلعة وأرسلوا إلى من بها بالأمان فلم يقبلوا واستمروا بالرمي بالنشاب والحجارة وغير ذلك‏.‏
ونصبوا على القلعة المكاحل والمدافع وأخذوا في النقوب وباتوا ليلة الأحد على ذلك‏.‏



وأصبحوا يوم الأحد على ما هم عليه من القتال والحصار إلى وقت الضحى فضعف أمر من بالقلعة بعد قتال شديد وطلبوا الأمان فكفوا عند ذلك عن قتالهم‏.‏
ونزلت رسلهم إلى الأمير سودون من عبد الرحمن نائب الشام وهو مقدم العساكر وكلموهم في نزولهم وتسليمهم القلعة وحلفوه هو والأمير قصروه نائب حلب على أنهم لا يؤذونهم ولا يقتلون أحدًا منهم فركنوا إلى أيمانهم‏.‏
ونزل الأمير هابيل بن قرايلك ومعه تسعة من أعيان أمراء أبيه في وقت الظهر من يوم الأحد ثاني عشرين شوال المذكور فتسلمه الأمير أركماس الظاهري الدوادار الكبير‏.‏
وركب الأمير سودون من عبد الرحمن ومعه بقية النواب إلى القلعة ليتسلموها فوجدوا المماليك السلطانية قد وقفوا على باب القلعة ليدخلوا إليها فكلمهم النواب في عدم دخولهم وقالوا لهم‏:‏ نحن أعطيناهم أمانًا ومنعوهم من الدخول إليها فأفحشوا في الرد على النواب فراجعوهم في ذلك فهم المماليك بقتالهم وهاجموا القلعة بغير رضا النواب والأمراء ودخلوها‏.‏
فشق ذلك على النواب وعادوا إلى مخيمهم‏.‏
فمد المماليك أيديهم هم والتركمان والأعراب والغلمان في النهب والسبي حتى نهبوا جميع ما كان بالقلعة وأسروا النساء والصبيان وأفحشوا بها إلى الغاية‏.‏



ثم ألقوا النار فيها فأحرقوها بعدما أخلوها من جميع ما كان فيها وقتلوا من كان بها وبالمدينة ثم أخربوا المدينة وألقوا النار فيها فاحترقت واحترق في الحريق جماعة من النسوة فإنهن اختفين في الأماكن من البلد خوفًا من العسكر فلما احترقت المدينة احترقن الجميع في النار التي أضرمت بسكك المدينة وخباياها واحترق أيضًا معهن عدة كبيرة من أولادهن‏.‏

هذا بعد أن أسرفوا في القتل بحيث إنه كان الطريق قد ضاق من كثرة القتلى‏.‏
وفي الجملة فقد فعلوا بمدينة الرها فعل التمرلنكيين وزيادة من القتل والأسر والإحراق والفجور بالنساء فما شاء الله كان‏.‏

ثم رحلوا من الغد في يوم الاثنين ثالث عشرينه وأيديهم قد امتلأت من النهب والسبي فقطعت منهم عدة نساء من التعب فمتن عطشًا وبيعت منهن بحلب وغيرها عدة كبيرة‏.‏



قال المقريزي‏:‏ وكانت هذه الكائنة من مصيبات الدهر‏:‏ الوافر وكنا نستطب إذا مرضنا فجاء الداء من قبل الطبيب أفأما بالعهد من قدم لقد عهدنا ملك مصر إذا بلغه عن أحد من ملوك الأقطار قد فعل ما لا يجوز أو فعل ذلك رعيته بعث ينكر عليه ويهدمه فصرنا نحن نأتي من الحرام بأشنعه ومن القبيح بأفظعه وإلى الله المشتكى انتهى كلام المقريزي‏.‏
قلت‏:‏ لم يكن ما وقع من هؤلاء الغوغاء بإرادة الملك الأشرف ولا عن أمره ولا عن حضوره‏.‏
وقد تقدم أن نواب البلاد الشامية وأكابر الأمراء منعوهم من دخول القلعة بالجملة فلم يقدروا على ذلك لكثرة من كان اجتمع بالعسكر من التركمان والعرب النهابة كما هي عادة العساكر‏.‏
وإن كان كون الأشرف جهز العسكر إلى جهة الرها فهذا أمر وقع فيه كل أحد من ملوك الأقطار قديمًا وحديثًا ولا زالت الملوك على ذلك من مبدأ الزمان إلى آخره معروف ذلك عند كل أحد‏.‏



ثم في ليلة الخميس ثامن ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين المذكورة قدم السيد الشريف شهاب الدين أحمد بن علي بن إبراهيم بن عدنان الحسيني من دمشق بطلب من السلطان بعد أن خرج أكابر الدولة إلى لقائه واستمر بالقاهرة إلى يوم الخميس خامس عشر ذي الحجة فخلع السلطان عليه باستقراره كاتب السر الشريف بالديار المصرية عوضًا عن جلال الدين محمد بن مزهر بحكم عزله وعملت الطرحة خضراء برقمات ذهب فكان له موكب جليل إلى الغاية‏.‏

ثم في يوم الجمعة سادس عشره خلع السلطان على جلال الدين محمد بن مزهر المقدم ذكره واستقر في توقيع المقام الناصري محمد ابن السلطان‏.‏
ثم في يوم السبت رابع عشرينه قدم القاهرة الأمير هابيل بن قرايلك المقبوض عليه من الرها ومعه جماعة في الحديد فشهروا بالقاهرة إلى القلعة وسجنوا بها‏.‏
وقد تخلف العسكر المصري بحلب وفي هذه السنة كان خراب مدينة تبريز وسبب ذلك أن صاحبها إسكندر بن قرا يوسف بن قرا محمد بن بيرم خجا التركماني زحف على مدينة السلطانية وقتل متملكها من جهة القان شاه رخ بن تيمورلنك في عدة من أعيان المدينة ونهب السلطانية وأفسد بها غاية الإفساد‏.‏

فسار إليه شاه رخ في جموع كثيرة فخرج إسكندر من تبريز وجمع لحربه ولقيه وقد نزل خارج تبريز‏.‏



فانتدب شاه رخ لمحاربة إسكندر المذكور الأمير عثمان بن طر علي المدعو قرايلك صاحب آمد وقد أمده شاه رخ بعسكر كثيف وقاتله خارج تبريز في الجمعة سادس عشر ذي الحجة قتالًا شديدًا قتل فيه كثير من الفئتين إلى أن كانت الكسرة على إسكندر وجماعته وانهزم وهم في أثره يطلبونه ثلاثة أيام ففاتهم إسكندر‏.‏

فنهبت الجغتاي عامة بلاد أذربيجان وكرسي أذربيجان تبريز وقتلوا وسبوا وأسروا وفعلوا أفاعيل أصحابهم من أعوان تيمور حتى لم يدعوا بها ما تراه العين‏.‏
ثم ألزم شاه رخ أهل تبريز بمال كبير ثم جلاهم بأجمعهم إلى سمرقند فما ترك في تبريز إلا ضعيفًا أو عاجزًا لا خير فيه‏.‏
ثم بعد مدة طويلة رحل جهة بلاده‏.‏
وبعد رحيله انتشرت الأكراد بتلك النواحي تعبث وتفسد حتى فقدت الأقوات وبيع لحم الكلب الرطل بعدة دنانير‏.‏
قلت‏:‏ وقد تكرر قتال إسكندر هذا لشاه رخ المذكور غير مرة وهو في وقعة تكون الكسرة والذلة عليه وهو لا يرعوي ولا يستحي ولا يرجع عن جهله وغيه‏.‏
وقد نسبه بعض الناس للشجاعة لكثرة مواقعته مع شاه رخ المذكور أقول‏:‏ ليس ذلك من الشجاعة إنما هو من قلة مروءته وإفراط جهله وسخفه وجنونه وعدم إشفاقه على رعيته وبلاده حيث يقاتل من لا قبل له به ولا طاقة بدفعه فهذا هو الجنون بعينه وإن طاب له من هذا الكحل فليكتحل‏.‏
إسكندر فإنه بعد هزيمته جال في البلاد وتشتت شمله وتبددت عساكره وسار بلاد الأكراد وقد وقع بها الثلوج ثم سار إلى قلعة سلماس فحصره الأكراد وقاسى شدائد إلى أن نجا منها بنفسه وسار إلى جهة من الجهات ‏.‏















صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 25-01-2012, 02:17 AM   رقم المشاركة:584
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 54
المشاركات: 8,675
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الملك الأشرف برسباي (7)

سلطنة الملك الأشرف برسباي (7)








ثم في يوم

الأحد رابع عشرين المحرم سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة

قدم إلى القاهرة رسول ملك الشرق شاه رخ بن تيمورلنك بكتابه يطلب فيه شرح البخاري للحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر وتاريخ الشيخ تقي الدين المقريزي المسمى بالسلوك لدول الملوك ويعرض أيضًا في كتابه بأنه يريد أن يكسو الكعبة ويجري العيش بمكة فلم يلتفت السلطان إلى كتابه ولا إلى رسوله وكتب له بالمنع في كل ما طلبه‏.‏

ثم في يوم الخميس سادس عشرين صفر خلع السلطان على قاضي القضاة علم الدين صالح البلقييي وأعيد إلى قضاء الشافعية بعد عزل الحافظ شهاب الدين بن حجر‏.‏

وخلع أيضًا على القاضي زين الدين عبد الرحمن التفهني وأعيد أيضًا إلى قضاء الحنفية بعد عزل قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني‏.‏


واستقر القاضي صدر الدين أحمد بن العجمي في مشيخة خانقاه شيخون عوضًا عن التفهني وخلع عليه في يوم الاثنين أول شهر ربيع الأول‏.‏
ثم في يوم الثلاثاء سلخ شهر ربيع الأول المذكور خلع السلطان على القاضي سعد الدين إبراهيم ابن القاضي كريم الدين عبد الكريم بن سعد الدين بركة المعروف بابن كاتب جكم باستقراره ناظر الخواص الشريفة بعد موت والده‏.‏
ثم في يوم السبت رابع شهر ربيع الآخر خلع السلطان على قاضي القضاة بدر الدين محمود العييي المقذم ذكره باستقراره في حسبة القاهرة عوضًا عن الأمير إينال الششماني مضافًا لما معه من نظر الأحباس‏.‏
ثم في يوم الخميس تاسع شهر ربيع الآخر المذكور خلع السلطان على الأمير شهاب الدين أحمد الدوادار المعروف بابن الأقطع وقد صار قبل تاريخه زردكاشًا باستقراره في نيابة الإسكندرية عوضًا عن آقبغا التمرازي بحكم عزله وقدومه إلى القاهرة على إمرته فإنه كان ولي نيابه إسكندرية على إقطاعه‏:‏ تقدمة ألف بالديار المصرية‏.‏



ثم في خامس عشرينه خلع السلطان على آقبغا الجمالي الكاشف باستقراره أستادارًا بعد عزل الزيني عبد القادر بن أبي الفرج على أن آقبغا يحمل مائة ألف دينار بعد تكفية الديوان فكذب وتخومل وعزل بعد مدة يسيرة حسبما نذكر وكان أصل آقبغا هذا من الأوباش من مماليك الأمير كمشبغا الجمالي أحد أمراء الطبلخانات وصار يتردد إلى إقطاع أستاذه كمشبغا المذكور ثم خدم بلاصيًا عند الكشاف ثم ترقى حتى ولي الكشف في دولة الملك الأشرف هذا وأثرى وكثر ماله فحسن له شيطانه أن يكون أستادارًا وأخذ يسعى في ذلك سنين إلى أن سمح له الملك الأشرف بذلك وتولى الأستادارية وأستاذه الأمير كمشبغا الجمالي في قيد الحياة من جملة أمراء الطبلخانات فلم تحسن سيرته وعزل بعد مدة‏.‏

وفي هذا الشهر وقع الطاعون بإقليم البحيرة والغربية بحيث إنه أحصي من مات من أهل المحلة زيادة على خمسة آلاف إنسان‏.‏


وكان الطاعون أيضًا قد وقع بغزة والقدس وصفد ودمشق من شعبان في السنة الخالية واستمر إلى هذا الوقت وعد ذلك من النوادر لأن الوقت كان شتاء ولم يعهد وقوع الطاعون في فصل الربيع‏.‏
ويعلل الحكماء ذلك بأنه سيلان الأخلاط في فصل الربيع وجمودها في الشتاء فوقع في هذه السنة بخلاف ذلك‏.‏
وكان قدم الخبر بوقوع الطاعون بمدينة برصا من بلاد الروم وأنه زاد عدة من يموت بها في يوم على ألف وخمسمائة إنسان‏.‏

ثم بدأ الطاعون بالديار المصرية في أوائل ربيع الأخر‏.‏
قلت‏:‏ وهذا الطاعون هو الفناء العظيم الذي حصل بالديار المصرية وأعمالها في سنة ثلاث وثلاثين المذكورة‏.‏



ثم في يوم الخميس أول جمادى الأولى نودي بالقاهرة بصيام ثلاثة أيام وأن يتوبوا إلى الله تعالى من معاصيهم وأن يخرجوا من المظالم ثم إنهم يخرجون في يوم الأحد رابع جمادى الأولى المذكور إلى الصحراء‏.‏
فلما كان يوم الأحد رابعه خرج قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني في جمع موفور إلى الصحراء خارج القاهرة وجلس بجانب تربة الملك الظاهر برقوق ووعظ الناس فكثر ضجيج الناس وبكاؤهم في دعائهم وتضرعهم ثم انفضوا‏.‏
فتزايدت عدة الأموات في هذا اليوم عما كانت في أمسه‏.‏

ثم في ثامن جمادى الأول هذا قدم كتاب إسكندر بن قرا يوسف صاحب تبريز أنه قدم إلى بلاده وقصده أن يمشي بعد انقضاء الشتاء لمحاربة قرايلك فلم يلتفت السلطان إلى كتابه لشغله بموت مماليكه وغيرهم بالطاعون‏.‏


ثم ورد كتاب قرايلك أيضًا على السلطان يسأل فيه العفو عن ولده هابيل وإطلاقه فلم يسمح له السلطان بذلك‏.‏
ثم عظم الوباء في هذا الشهر وأخذ يتزايد في كل يوم‏.‏

ثم ورد الخبر أيضًا أنه ضبط من مات من النحريرية بالوجه البحري إلى يوم تاريخه تسعة آلاف سوى من لم يعرف وهم كثير جدًا وأنه بلغ عدة الأموات في الإسكندرية في كل يوم نحو المائة وأنه شمل الوباء غالب الأقاليم بالوجه البحري‏.‏
ثم وجد في هذا الشهر بنيل مصر والبرك كثير من السمك والتماسيح قد طفت على وجه الماء ميتة واصطيدت سمكة تسمى بنية كبيرة فإذا هي كأنما صبغت بدم من شدة ما بها من الاحمرار‏.‏



ثم وجد في البرية مابين السويس والقاهرة عدة كبيرة من الظباء والذئاب موتى‏.‏
ثم قدم الخبر بوقوع الوباء أيضًا ببلاد الفرنج‏.‏
ثم في يوم الخميس سلخه ضبطت عدة الأموات التي صلي عليها بمصليات القاهرة وظواهرها فبلغت ألفين ومائة ولم يرد منها في أوراق الديوان غير أربعمائة ونيف وببولاق سبعين‏.‏

وفشا الطاعون في الناس وكثر بحيث إن ثمانية عشر إنسانًا من صيادي السمك كانوا في موضع واحد فمات منهم في يوم واحد أربعة عشر ومضى الأربعة ليجهزوهم إلى القبور فمات منهم وهم مشاة ثلاثة فقام الواحد بشأن الجميع حتى أوصلهم إلى القبور فمات هو أيضًا قاله الشيخ تقي الدين المقريزي في تاريخه ثم قال أيضًا‏:‏ وركب أربعون رجلًا في مركب وساروا من مدينة مصر نحو بلاد الصعيد فماتوا بأجمعهم قبل وصولهم إلى الميمون‏.‏


ومرت امرأة من مصر تريد القاهرة وهي راكبة على حمار مكاري فماتت وهي راكبة وصارت ملقاة بالطريق يومها كله حتى بدأ يتغير ريحها فدفنت ولم يعرف لها أهل‏.‏

وكان الإنسان إذا مات تغير ريحه سريعًا مع شدة البرد‏.‏
وشنع الموت بخانقاه سرياقوس حتى بلغت العدة في كل يوم نحو المائتين‏.‏
وكثر أيضًا بالمنوقية والقليوبية حتى كان يموت في الكفر الواحد ستمائة إنسان‏.‏
قلت‏:‏ والذي رأيته أنا في هذا الوباء أن بيوتًا كثيرة خلت من سكانها مع كثرة عددهم وأن الإقطاع الواحد كان ينتقل في مدة قليلة عن ثلاثة أجناد وأربعة وخمسة‏.‏



ومات من مماليك الوالد رحمه الله في يوم واحد أربعة من أعيان الخاصكية وهم‏:‏ أزدمر الساقي وملج السلاح دار وبيبرس الخاصكي ويوسف الرماح ماتوا الجميع في يوم واحد فتحيرنا بمن نبدأ بتجهيزه ودفنه على اختلاف سكناهم وقلة التوابيت والدكك وبالله لم أشهد منهم غير يوسف الرماح وأرسلت لمن بقي غيري مع أن كل واحد منهم أهل لنزول السلطان للصلاة عليه‏.‏

ثم أصبح من الغد مات سنقر دوادار الوالد الثاني وكان من أكابر الخاصكية من الدولة المؤيدية‏.‏
هذا خلاف من مات منهم من الجمدارية ومن مماليك الأمراء‏.‏

وأما من مات من عندنا من المماليك والعبيد والجواري والخدم فلا يدخل تحت حصر‏.‏


ومات من إخوتي وأولادهم سبعة أنفس ما بين ذكور وإناث وأعظمهم أخي إسماعيل فإنه مات وسنه نحو العشرين سنة قال المقريزي‏:‏ ثم تزايدت عدة الأموات عما كانت فأحصي في يوم الاثنين رابع جمادى الآخرة من خرج عن أبواب القاهرة فبلغت عدتهم ألفًا ومائتي ميت سوى من خرج عن القاهرة من أهل الحكور والحسينية وبولاق والصليبة ومدينة مصر والقرافتين والصحراء وهم أكثر من ذلك‏.‏
ولم يورد بديوان المواريث بالقاهرة سوى ثلاثمائة وتسعين وذلك أن أناسًا عملوا التوابيت للسبيل فصار أكثر الناس يحملون موتاهم عليها ولا يوردون الديون أسماءهم‏.‏

قال‏:‏ وفي هذه الأيام ارتفعت أسعار الثياب التي يكفن بها الأموات وارتفع سعر سائر ما يحتاج إليه المرضى كالسكر وبزر الرجلة والكمثرى على أن القليل من المرضى هو الذي يعالج بالأدوية بل بعضهم يموت موتًا سريعًا في ساعة وأقل منها‏.‏



وعظم الوباء في المماليك السلطانية سكان الطباق بالقلعة الذين كثر فسادهم وشرهم وعظم عتوهم وضرهم بحيث إنه كان يصبح منهم أربعمائة وخمسون مملوكًا مرضى فيموت منهم في اليوم زيادة على الخمسين مملوكًا‏.‏
انتهى كلام المقريزي‏.‏
قلت‏:‏ والذي رأيته أنا أنه مات بعض أعيان الأمراء مقدمي الألوف فلم يقدروا له على تابوت حتى أخذ له تابوت من السبيل‏.‏

وأما الأخ رحمه الله فإنه لما توفي إلى رحمة الله تعالى وجدنا له تابوتًا غير أنه لا عدة فيه فلما وضع الأخ فيه طرح عليه سلاري سمور من قماشه على أن الغاسل أخذ من عليه قماشًا يساوي عشرة آلاف درهم ومع هذا لم ينهض أهل الحانوت بكسوة تابوته‏.‏
وبلغ عدة من صلي عليه من الأموات بمصلى باب النصر في يوم الأحد عاشر جمادى الآخرة خمسمائة وخمسة وقد أقام هناك جماعة كبيرة بأدويه وأقلام لضبط ذلك‏.‏


وبطلت الصلاة بالمصلاة وإنما صار الناس يصلون على أمواتهم صفًا واحدًا من باب االمصلى إلى تجاه باب دار الحاجب فكان يصلى على الأربعين والخمسين معًا دفعة واحدة‏.‏

ومات لشخص بخدمتنا يسمى شمس الدين الذهبي ولد فخرجنا معه إلى المصلى وكان سن الميت دون سبع سنين فلما أن وضعناه للصلاة عليه بين الأموات جيء بعدة كبيرة أخرى إلى أن تجاوز عددهم الحد ثم صلي على الجميع‏.‏

وتقدمنا لأخذ الميت المذكور فوجدنا غيرنا أخذه وتبرك لنا غيره في مقدار عمره فأخذه أهله ولم يفطنوا به ففهمت أنا ذلك وعرفت جماعة أخر ولم نعلم أباه بذلك وقلنا لعل الذي أخذه يواريه أحسن مواراة وليس للكلام في ذلك فائدة غير زيادة في الحزن‏.‏



فلما دفن الصبي وأخذ أهل الحانوت التابوت صاحوا وقالوا‏:‏ ليس هذا تابوتنا هذا عتيق وقماشه أيضًا خلق‏.‏
فأشرت إليهم بالسكات وهددهم بعض المماليك بالضرب فأخذوه ومضوا فكانت هذه الواقعة من الغرائب المهولة‏.‏

كل ذلك والطاعون في زيادة ونمو حتى أيقن كل أحد أنه هالك لا محالة‏.‏
وكنا نخرج من صلاة الجمعة إلى بيتنا وقد وقف جماعة من الأصحاب والخدم فنتعادد إلى الجمعة الثانية فينقص منا عدة كبيرة ما بين ميت ومريض‏.‏
واستسلم كل أحد للموت وطابت نفسه لذلك وقد أوصى وتاب وأناب ورجع عن أشياء كثيرة‏.‏


وصار غالب الشباب في يد كل واحد منهم سبحة وليس له دأب إلا التوجه للمصلاة للصلاة على الأموات وأداء الخمس والبكاء والتوجه إلى الله تعالى والتخشع وماتت عندنا وصيفة مولدة بعد أن مرضت من ضحى النهار إلى أن ماتت قبل المغرب فأصبحنا وقد عجز الخدم عن تحصيل تابوت لها فتولت تغسيلها أمها وجماعة من العجائز وكفنوها في أفخر ثيابها على أحسن وجه غير أننا لم نلق لها نعشًا‏.‏

وقد ألزمني التوجه للصلاة على الأمير الكبير بيبغا المظفري وعلى الشهابي أحمد بن الأمير تمراز النائب فوقفت على الباب والميتة محمولة على أيدي بعض الخدم إلى أن اجتازت بنا جنازة امرأة فأنزلت التابوت غصبًا ووضعتها عند الميتة واشتالتا على أعناق الرجال وسارت أمها وبعض الخدم معها إلى أن قاربت التربة فأخذوها من التابوت ودفنوها‏.‏



ثم بلغ في جمادى الأخرة المذكورة عدة من صلي عليه بمصلاة باب النصر فقط في يوم واحد زيادة على ثمانمائة ميت‏.‏
ثم في اليوم المذكور بلغ عدة من خرج من الأموات من سائر أبواب القاهرة اثني عشر ألفًا وثلاثمائة ميت محرره من الكتبة الحسبة بأمر شخص من أكابر الدولة وقيل بأمر السلطان‏.‏

ثم بلغ عدة من صلي عليه بمصلاه باب النصر من الأموات في العشر الأوسط من جمادى الأخرة المذكورة ألفًا ونيفًا وثلاثين إنسانًا ويقارب ذلك مصلاة المؤمني بالرميلة فيكون على هذا الحساب مات في هذا اليوم نحو خمسة عشر ألف إنسان‏.‏


قال المقريزي‏:‏ واتفق في هذا الوباء غرائب منها‏:‏ أنه كان بالقرافة الكبرى والقرافة الصغرى من السودان نحو ثلاثة آلاف إنسان ما بين رجل وامرأة وصغير وكبير ففنوا بالطاعون حتى لم يبق منهم إلا القليل ففروا إلى أعلى الجبل وباتوا ليلتهم سهارًا لا يأخذهم نوم لشدة ما نزل بهم من فقد أهليهم وظلوا يومهم من الغد بالجبل فلما كانت الليلة الثانية مات منهم ثلاثون إنسانًا وأصبحوا فإلى أن يأخذوا في دفنهم مات منهم ثمانية عشر‏.‏

قال‏:‏ واتفق أن إقطاعًا بالحلقة تنقل في أيام قليلة إلى تسعة نفر وكل منهم يموت‏.‏
ومن كثرة الشغل بالمرضى رالأموات تعطلت الأسواق من البيع والشراء وتزايد ازدحام الناس في طلب الأكفان والنعوش فحملت الأموات على الألواح وعلى الأقفاص وعلى الأيدي‏.‏
وعجز الناس عن دفن أمواتهم فصاروا يبيتون بها في المقابر والحفارون طول ليلتهم يحفرون‏.‏
وعملوا حفائر كبيرة بلغ في الحفرة منها عدة أموات‏.‏
وأكلت الكلاب كثيرًا من أطراف الأموات‏.‏

وصار الناس ليلهم كله يسعون في طلب الغسال والحمالين والأكفان وترى النعوش في الشوارع كأنها قطارات جمال لكثرتها متواصلة بعضها في إثر بعض‏.‏
انتهى كلام المقريزي‏.‏



ثم في يوم الجمعة خامس عشر جمادى الآخرة المذكورة جمع الشريف شهاب الدين أحمد كاتب السر بالديار المصرية بأمر السلطان أربعين شريفًا اسم كل شريف منهم محمد وفرق فيهم من ماله خمسة آلاف درهم وأجلسهم بالجامع الأزهر فقرأوا ما تيسر من القرآن الكريم بعد صلاة الجمعة ثم قاموا هم والناس على أرجلهم ودعوا الله تعالى وقد غص الجامع بالناس فلم يزالوا يدعون الله حتى دخل وقت العصر فصعد الأربعون شريفًا إلى سطح الجامع وأذنوا جميعًا ثم نزلوا وصلوا مع الناس صلاة العصر وانفضوا‏.‏

وكان هذا بإشارة بعض الأعاجم وأنه عمل ذلك ببلاد الشرق في وباء حدث عندهم فارتفع عقيب ذلك‏.‏
ولما أصبح الناس في يوم السبت أخذ الوباء يتناقص في كل يوم بالتدريج حتى انقطع‏.‏


غير أنه لما نقلت الشمس إلى برج الحمل في يوم ثامن عشر جمادى الآخرة المذكورة ودخل فصل الربيع وأخذ الطاعون يتناقص غير أنه فشا الموت من يومئذ في أعيان الناس وأكابرهم ومن له شهرة بعدما كان أولًا في الأطفال والموالي والغرباء والخدم وفشا أيضًا ببلاد الصعيد وبغالب الدواب والعجب أن الشريف كاتب السر الذي جمع الأشراف بجامع الأزهر مات بعد ذلك باثني عشر يومًا وولي أخوه كتابة السر عوضه وقبل أن يلبس الخلعة وأما من مات في هذا الوباء من الأعيان فجماعة كبيرة يأتي ذكر بعضهم في وفيات هذه السنة من هذا الكتاب‏.‏

ثم في يوم الاثنين تاسع شهر رجب خلع السلطان على الأمير الطواشي زين الدين خشقدم الرومي اليشبكي نائب مقدم المماليك باستقراره مقدم المماليك السلطانية بعد موت الأمير فخر الدين ياقوت الأرغون شاوي الحبشي‏.‏



وخلع السلطان على الطوشي فيروز الركني الرومي باستقراره في نيابة مقدم المماليك عوضًا عن خشقدم المذكور‏.‏
ثم في سادس عشر شهر رجب المذكور قدم الأمير تغري بردي المحمودي من ثغر دمياط وكان قد نقل إليه من سجن الإسكندرية قبل تاريخه بمدة فرسم السلطان أن يتوجه من قليوب إلى دمشق ليكون أتابكًا بها عوضًا عن الأمير قاني باي الحمزاوي بحكم حضور قاني باي المذكور إلى القاهرة ليكون بها من جملة مقدمي الألوف‏.‏
ثم في ثالث عشرينه خلع السلطان على الشيخ بدر الدين حسن بن القدسي الحنفي باستقراره في مشيخة الشيوخ بالشيخونية بعد موت القاضي صدر الدين أحمد بن العجمي‏.‏
ثم ورد الخبر على السلطان بحركة قرايلك على البلاد الحلبية وأن شاخ رخ بن تيمورلنك قد شتى بقراباغ فأخذ السلطان في تجهيز عسكر للسفر‏.‏


هذا وقد أشيع بالقاهرة بأن الأمير جاني بك الصوفي مات بالطاعون ودفن ولم يعرف به أحد فلم تطب نفس السلطان لهذا الخبر واستمر على ما هو عليه من القلق بسببه‏.‏

ثم في يوم الأربعاء ثالث شعبان منع السلطان نواب القضاة من الحكم ورسم أن يقتصر القاضي الشافعي على أربعة نواب والحنفي على ثلاثة والمالكي والحنبلي كل منهما على اثنين‏.‏
قلت‏:‏ نعمة طائلة خمسة عشر قاضيًا بمصر بل ونصف هذا فيه كفاية‏.‏



ثم في يوم الاثنين ثامن شعبان أدير محمل الحاج على العادة في كل سنة ولم يعهد دورانه في شعبان قبل ذلك غير أن الضرورة بموت المماليك الرماحة اقتضت تأخير ذلك وكان الجمع فيه من الناس دون العادة لكثرة وجد الناس على موتاهم‏.‏

ثم في يوم السبت ثامن عشر شهر رمضان قدم شهاب الدين أحمد بن صالح بن السفاح كاتب سر حلب باستدعاء ليستقر في كتابة السر بالديار المصرية ويستقر عوضه في كتابه سر حلب ابنه زين الدين عمر على أن يحمل شهاب الدين المذكور عشرة آلاف دينار‏.‏


وكانت كتابة السر شغرت من يوم مات الشريف شهاب الدين أحمد الدمشقي وباشر أخوه عماد الدين أبو بكر أيامًا قليلة ومات أيضًا بالطاعون فباشر القاضي شرف الدين أبو بكر الأشقر نائب كاتب السر إلى يوم تاريخه بعد أن سعى في كتابة السر جماعة كبيرة بالقاهرة فاختار السلطان ابن السفاح هذا وبعث بطلبه وخلع عليه في عشرينه باستقراره في كتابة السر فباشر الوظيفة بقلة حرمة وعدم أبهة مع حدة مزاج وخفة وجهل بصناعة الإنشاء‏.‏
على أنه باشر كتابة السر بحلب سنين قبل ذلك ومع هذا كله لم ينتج أمره لعدم فضيلته فإنه كان يظهر من قراءته للقصص ألفاظًا عامية وبالجملة فإنه كان غير أهل لهذه الوظيفة‏.‏



ثم في يوم السبت رابع عشرين شوال قدم المماليك السلطانية من تجريدة الرها إلى القاهرة وكانوا من يوم ذاك بمدينة حلب وتخلفت الأمراء بها‏.‏
ثم في يوم الاثنين ثالث ذي القعدة خلع السلطان على الصاحب كريم الدين عبد الكريم بن كاتب المناخ باستقراره أستادارًا مضافًا إلى الوزر عوضًا عن آقبغا الجمالي بحكم عجز آقبغا عن القيام بالكلف السلطانية‏.‏
ثم في سادس ذي القعدة أمسك السلطان آقبغا المذكور وأهين وعوقب على المال فحمل جملة ثم أفرج عنه واستقر كاشفًا للجسور بعد أيام‏.‏


وفي يوم الثلاثاء ثامن عشر ذي القعدة أيضًا ويوافقه خامس عشر مسرى أو في النيل ستة عشر ذراعًا فركب السلطان الملك الأشرف من قلعة الجبل ونزل حتى خلق المقياس وعاد ثم في ليلة السبت خامس عشر ذي القعدة ظهر للحاج المصري وهم سائرون من جهة البحر المالح كوكب يرتفع ويعظم ثم تفرق منه شرر كبار ثم اجتمع‏.‏
لما أصبحوا اشتد عليهم الحر فهلك من مشاة الحاج ثم من الركبان عالم كبير وهلك أيضًا من جمالهم وحميرهم عدة كبيرة كل ذلك من شدة الحر والعطش وهلك أيضًا في بعض أودية الينبع جميع ما كان فيه من الإبل والغنم‏.‏
ثم في يوم الثلاثاء ثامن ذي الحجة ركب السلطان من قلعة الجبل ونزل إلى بيت ابن البارزي المطل على النيل بساحل بولاق وسار بين يديه غرابان في النيل حربية فلعبا كما لو حاربا الفرنج ثم ركب السلطان من وقته سريعًا وسار إلى القلعة‏.‏
ثم في عاشر ذي الحجة توجه زين الدين عبد الباسط ناظر الجيش إلى زيارة القدس الشريف وعاد في يوم تاسع عشرينه‏.‏



ثم ورد الخبر على السلطان في هذا الشهر بتوجه الأمير قصروه نائب حلب منها والأمراء المجردون معه لمحاربة قرقماس بن حسين بن نعير فلقوا جمائعه تجاه قلعة جعبر فانهزم قرقماس عن بيوته فأخذ العسكر في نهب ماله فرد عليهم العرب وهزموهم وقتلوا كثيرًا من العساكر وممن قتل الأمير قشتم المؤيدي أتابك حلب وغيره وعاد العسكر إلى حلب بأسوء حال فعظم ذلك على الملك الأشرف إلى الغاية‏.‏

قال المقريزي‏:‏ وكان في هذه السنة حوادث شنيعة وحروب وفتن فكان بأرض مصر بحريها وقبليها وبالقاهرة ومصر وظواهرها وباء عظيم مات فيه على أقل ما قيل مائة ألف إنسان والمجازف يقول هذه المائة ألف من القاهرة ومصر فقط سوى من مات بالوجه القبلي والبحري وهم مثل ذلك‏.‏


قلت‏:‏ وليس في قول القائل إن هذه المائة ألف من القاهرة ومصر فقط مجازفة أبدًا فإن الوباء أقام أزيد من ثلاثة أشهر ابتداء وانتهاء وانحطاطًا وأقل من مات فيه دون العشرين كل يوم وأزيد من مات فيه نحو خمسة عشر ألف إنسان وبهذا المقتضى ما ثم مجازفة ومتحصل ذلك يكون بالقياس أزيد مما قيل انتهى‏.‏

قال أعني المقريزي‏:‏ وغرق ببحر القلزم مركب فيه حجاج وتجار تزيد عدتهم على ثمانمائة إنسان لم ينج منهم سوى ثلاثة رجال وهلك باقيهم‏.‏
وهلك في ذي القعدة أيضًا بطريق مكة فيما بين الأزلم والينبع بالحر والعطش ثلاثة آلاف إنسان ويقول المكثر خمسة آلاف‏.‏



وغرق في نيل مصر في مدة يسيرة اثنتا عشرة سفينة تلف فيها من البضائع والغلال ما قيمته مال عظيم‏.‏
وكان بغزة والرملة والقدس وصفد ودمشق وحمص وحماة وحلب وأعمالها وباء عظيم هلك فيه خلائق لا يحصي عددهم إلا الله تعالى‏.‏
وكان ببلاد المشرق بلاء عظيم وهو آن شاه رخ بن تيمور ملك الشرق قدم إلى تبريز في عسكر يقول المجازف عدتهم سبعمائة ألف‏.‏
قلت‏:‏ يغفر الله لقائل هذا اللفظ فإنه تجاوز حد المجازفة في قوله ‏.‏
قال‏:‏ فأقام شاه رخ على خوي نحو شهرين وقد فر منه إسكندر بن قرا يوسف فقدم عليه الأمير عثمان بن طرعلي المدعو قرايلك التركماني صاحب آمد في ألف فارس فبعثه على عسكر لمحاربة إسكندر وسار في أثره وقد جمع إسكندر جمعًا يقول المجازف إنهم سبعون ألفًا فاقتتل الفريقان خارج تبريز فقتل بينهما آلاف من الناس وانهزم إسكندر وهم في أثره يقتلون ويأسرون وينهبون فأقام إسكندر ببلاد الكرج ثم بقلعة سلماس وحصرته العساكر مدة فنجا وجمع نحو الأربعة آلاف فبعث إليه شاه رخ عسكرًا أوقعوا به وقتلوا من معه فنجا بنفسه جريحًا‏.‏


وفي مدة هذه الحروب ثار أصبهان بن قرا يوسف ونزل على الموصل ونهب تلك الأعمال وقتل وأفسد فسادًا كبيرًا‏.‏

وكانت بعراقي العرب والعجم نهوب ومقاتل حيث إن شاه محمد بن قرا يوسف متملك بغداد من عجزه لا يتجاسر على أن يتجاوز سور بغداد‏.‏
وخلا أحد جانبي بغداد من السكان وزال عن بغداد اسم التمدن ورحل منها حتى الحياك وجف أكثر النخل من أعمالها‏.‏
ومع هذا كله وضع شاه رخ على أهل تبريز مالًا ذهبت في جباياته نعمهم ثم جلاهم بأجمعهم إلى بلاده وكثر الإرجاف بقدومه إلى الشام فأوقع الله في عسكره البلاء والوباء حتى عاد إلى جهة بلاده‏.‏



وعاد قرايلك إلى ماردين فنهبها ثم عاد ونهب ملطية وما حولها‏.‏
وكان أيضًا ببلاد الحبشة بلاء لا يمكن وصفه‏.‏
وذلك أنا أدركنا ملكها داود بن سيف أرعد ويقال له الحطي ملك أمحرة وهم نصارى يعقوبية فلما مات في سنة اثنتي عشرة وثمانمائة قام من بعده ابنه تدرس بن داود فلم تطل مدته ومات فملك بعده أخوه أبرم ويقال إسحاق بن داود وفخم أمره وذلك أن بعض مماليك الأمير بزلار نائب الشام ترقى في الخدم وعرف بألطنبغا مغرق حتى باشر ولاية قوص من بلاد الصعيد‏.‏

ففر إلى الحبشة واتصل بالحطي هذا وعلم أتباعه لعب الرمح ورمي النشاب وغير ذلك من أدوات الحرب‏.‏
ثم لحق بالحطي أيضًا بعض المماليك الجراكسة وكان زردكاشًا فعمل له زردخاناه ملوكية‏.‏


وتوجه إليه مع ذلك رجل من كتاب مصر الأقباط النصارى يقال له فخر الدولة فرتب له ملكه وجبى له الأموال وجند له الجنود حتى كثر ترفهه بحيث أخبرني من شاهده وقد ركب في موكب جليل وبيده صليب من ياقوت أحمر قد قبض عليه ووضع يده على فخذه فصار يبين ويظهر لهذا الصليب الياقوت طرفان كبيران من قبضته فشرهت نفسه إلى أخذ ممالك الإسلام لكثرة ما وصف له هؤلاء من حسنها‏.‏
فبعث بالتبريزي التاجر ليدعو الفرنج للقيام معه وأوقع بمن في مملكته من المسلمين فقتل منهم وأسر وسبى عالمًا عظيمًا‏.‏

وكان ممن أسر منصور ومحمد ولدا سعد الدين محمد بن أحمد بن علي بن ولصمع المجبرتي ملك المسلمين بالحبشة فعاجله الله بنقمته وهلك في ذي القعدة وأقيم ابنه إندراس بن إسحاق فهلك أيضًا لأربعة أشهر فأقيم بعده عمه حزبناي ابن داود بن سيف أرعد فهلك في شهر رمضان سنة أربع وثلاثين فأقيم بعده ابن أخيه سلمون بن إسحاق بن داود بن سيف أرعد فكانت على أمحرة أربعة ملوك في أقل من سنة‏.‏



وقد خرجنا عن المقصود على أنه فيما ذكرنا فوائد يحتمل التطويل بسببها‏.‏

ثم إن السلطان أخذ في تجهيز عسكر إلى البلاد الحلبية إلى أن انتهى أمرهم‏.‏
فلما كان يوم الاثنين سابع عشرين محرم سنة أربع وثلاثين وثمانمائة برز الأمراء المجردون من القاهرة إلى الريدانية خارج القاهرة وهم الأمير الكبير جارقطلو أتابك العساكر والأمير إينال الجكمي أمير سلاح والأمير آقبغا التمرازي أمير مجلس والأمير تمراز القرمشي رأس نوبة النوب والأمير قرا مرادخجا الشعباني الظاهري برقوق أمير جاندار وعدة من أمراء الطبلخانات والعشرات وخمسمائة مملوك من المماليك السلطانية‏.‏

وكان سبب تجردهم ورود الخبر على السلطان بنزول قرايلك في أول هذا الشهر على معاملة ملطية وأنه نهبها وأحرقها وحصر ملطية فخرج إليه الأمير قصروه نائب حلب وقد أردفه الأمير سودون من عبد الرحمن نائب الشام بعساكر الشام فأردفهم السلطان أيضًا بالعسكر المذكور‏.‏


فلما أن رحلوا من الريدانية ورد الخبر ثانيًا من قبل نواب البلاد الشامية بعود قرايلك إلى بلاده وأن المصلحة تقتضي عدم خروج العسكر من مصر في هذه السنة فرسم السلطان بعودهم من خانقاه سرياقوس في يوم الجمعة أول صفر فرجعوا من وقتهم‏.‏

واستعيدت منهم النفقة السلطانية التي أنفقت فيهم عند سفرهم فاحتاجوا إلى رد ما اشتروه من الأمتعة بعدما استعملوها والأزواد على من ابتاعوها منهم غصبًا ثم احتاجوا إلى استعادة ما أنفقوه على غلمانهم وخدمهم وقد تصرفت الغلمان فيها واشتروا منها احتياجهم ودفعوا منها إلى أهليهم ما ينفقونه في غيبتهم فكل واحد من هؤلاء استعيد منه ما تصرف فيه‏.‏

فنزل من أجل هذا بالناس ضرر عظيم وكثرت القالة في السلطان ونفرت القلوب منه وتحدث الناس بذلك أيامًا وسنين ولعله صار مثلًا يضرب به إلى يوم القيامة‏.‏



ثم في يوم الاثنين حادي عشر صفر المذكور ركب السلطان من قلعة الجبل في موكب جليل ملوكي احتفل له ولبس قماش الموكب الكلفتاه والفوقاني الصوف الذي بوجهين أحمر وأخضر كما كان يلبس الملك الظاهر برقوق وغيره من الملوك وجر الجنائب بين يديه والجاويشية تصيح أمامه وسار وحوله الطبردارية وعلى رأسه السنجق السلطاني حتى عبر من باب زويلة فشق القاهرة وخرج من باب الشعرية يريد الصيد بالدير والمنزلة فتوجه إلى الصيد فبات هناك ليلة الثلاثاء وأصبح اصطاد الكراكي وعاد إلى مخيمه وأكل السماط‏.‏


ثم ركب وعاد في آخر يوم الثلاثاء إلى القلعة بعدما شق القاهرة في عوده أيضًا على تلك الهيئة وهذا أول ركوبه إلى الصيد منذ تسلطن‏.‏
ثم في خامس عشرينه ركب للصيد ثانيًا وعاد من الغد‏.‏
وتكرر ركوبه لذلك غير مرة وأنا ملازمه في جميع ركويه للصيد وغيره‏.‏
وفي هذا الشهر توقف الناس والتجار في أخذ الذهب من كثرة الإشاعة بأنه ينادى عليه فنودي في يوم السبت سلخ صفر المقدم ذكره أن يكون سعر الدينار الأشرفي بمائتين وخمسة وثلاثين والدينار الإفرنتي بمائتين وثلاثين وهدد من زاد على ذلك بأنه يسبك في يده فعاد الضرر على الناس في الخسارة لانحطاط سعر الدينار خمسين درهمًا فإنه كان يتعامل به الناس بمائتين وخمسة وثمانين‏.‏














صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 25-01-2012, 02:18 AM   رقم المشاركة:585
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 54
المشاركات: 8,675
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الملك الأشرف برسباي (8)

سلطنة الملك الأشرف برسباي (8)








ثم في يوم الثلاثاء رابع شهر ربيع الأول
رسم السلطان بجمع الصيارف
وللتجار فجمعوا وأشهد عليهم أن لا يتعاملوا بالدراهم القرمانية ولا الدراهم اللنكية ولا القبرسية وأن هذه الثلاثة أنواع تباع بسوق الصاغة على حساب وزن كل درهم منها بستة عشر درهمًا من الفلوس حتى يدخل بها إلى دار الضرب وتضرب دراهم أشرفية خالصة من الغش ونودي بذلك وأن تكون المعاملة بالدراهم الأشرفية والدراهم البندقية والمؤيدية فإن هذه الثلاثة فضة خالصة ليس فيها نحاس بخلاف الدراهم التي منع من معاملتها فإن عشرتها إذا سبكت تجيء ستة لما فيها من النحاس‏.‏


ثم نودي بعد ذلك بأن يكون سعر الأشرفي بمائتين وثمانين والإفرنتي بمائتين وسبعين واستمر ذلك جميعه لا يقدر أحد على مخالفة شيء منه‏.‏
قلت‏:‏ وهذا بخلاف ما نحن فيه الآن فإن لنا نحو ستة أشهر والناس فيه بحسب اختيارهم في المعاملة بعد أن نودي على الذهب والفضة بعدة أسعار غير مرة فلم يلتفت أحد للمناداة وأخذوا فيما هم فيه من المعاملة بالدراهم التي لا يحل المعاملة بها لما فيها من الغش والنحاس‏.‏
وقد استوعبنا ذلك كله مفصلًا باليوم في تاريخنا حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور إذ هو ضابط لهذا الشأن مشحون بما يقع في الزمان من ولاية وعزل وغريبة وعجيبة‏.‏



ثم تكرر ركوب السلطان في شهر ربيع الأول هذا للصيد غير مرة بعدة نواح‏.‏
كل ذلك والخواطر مشغولة بأمر جاني بك الصوفي والفحص عنه مستمر والناس بسبب ذلك في جهد وبلاء فما هو إلا أن يكون الرجل له عدو وأراد هلاكه أشاع بأن جاني بك الصوفي مختف عنده فعند ذلك حل به بلاء الله المنزل من كبس داره ونهب قماشه وهتك حريمه وسجنه في أيدي العواتية ثم بعد ذلك يصير حاله إلى أحد أمرين‏:‏ إما أن يضرب ويقرر بالعقوبة وإما أن تبرأ ساحته ويطلق بعد أن يقاسي من الأهوال ما سيذكره إلى أن يموت‏.‏
ولقد رأيت من هذا النوع أعاجيب منها أن بعض أصحابنا الخاصكية ضرب بعض السقايين على ظهره ضربة واحدة فرمى السقاء المذكور قربته وترك حمله وصاح‏:‏ هذا الوقت أعرف السلطان بمن هو مختف عندك ومشى مسرعًا خطوات إلى جهة القلعة فذهب خلفه حواشي الخاصكي المذكور ليرجعوه فلم يلتفت فنزل إليه الخاصكي بنفسه حافيًا وتبعه إلى الشارع الأعظم حتى لحقه وقد أعاقه الناس له فأخذ الخاصكي يتلطف به ويترضاه ويبوس صدره غير مرة ويترقق له وقد علاه اصفرار ورعدة والناس تسخر من حاله لكونه ما يعرف باللغة العربية إلا كلمات هينة فصار مع عدم معرفته يريد ملاطفة السقاء المذكور فيتكلم بكلام إذا سمعه الشخص لا يكاد يتمالك نفسه وسخر الناس وأهل حارته بكلامه أشهرًا وسنين‏.‏



فلما انتهى أمره وبلغني ما وقع له كلمته فيما فعله ولمته في ذلك فقال‏:‏ خل عنك هذا الكلام والله إن إينال السلحدار وأخاه يشبك الصوفي ضربا بالمقارع وعصرا أيامًا ولم يصرخ أحد في حقهما بما أراد هذا السقاء أن يقوله عني‏.‏

واستمر الخاصكي في قلبه حزارة من السقاء المذكور إلى أن تأمر عشرة فيأول دولة الملك الظاهر جقمق فطلب السقاء المذكور فوجده قد مات في شعبان من السنة الحالية ثم في أواخر شهر ربيع الأول المذكور لهج السلطان بسفره إلى البلاد الشامية لمحاربة قرايلك‏.‏
واستهل شهر ربيع الأخر أوله الأحد والسلطان والأمراء في الاهتمام بحركة السفر‏.‏


ثم في يوم الخميس رابع عشرين جمادى الأولى خلع السلطان على قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن حجر وأعيد إلى قضاء الشافعية بالديار المصرية بعد عزل قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني‏.‏

ثم في جمادى الآخرة خلع السلطان على الأمير جاني بك السيفي يلبغا الناصري نائب رأس نوبة النوب المعروف بجانبك الثور باستقراره في نيابة الإسكندرية بعد موت أحمد بن الأقطع‏.‏

ثم في يوم الاثنين حادي عشرين شوال خرج محمل الحاج إلى الريدانية خارج القاهرة صحبة الأمير قراسنقر الظاهري‏.‏

وحجت في هذه السنة زوجة السلطان الملك الأشرف وأم ولده الملك العزيز يوسف خوند جلبان الجاركسية بتجمل كبير إلى الغاية وفي خدمتها الزيني خشقدم الظاهري الزمام وهو أمير الركب الأول والزيني عبد الباسط ناظر الجيش‏.‏



قال المقريزي‏:‏ وحججت أنا في هذه السنة رجبية وقد استجد بعيون القصب من طريق الحجاز بئر احتفرت فعظم النفع بها وذلك أني أدركت بعيون القصب أنه كان يخرج من بين الجبلين ماء يسيح على الأرض فينبت فيه من القصب الفارسي وغيره شيء كثير ويرتفع في الماء حتى يتجاوز قامة الرجل في عرض كبير فإذا نزل الحاج عيون القصب أقاموا يومهم على هذا الماء بغتسلون منه ويبتردون به‏.‏

ثم انقطع هذا الماء وجفت تلك الأعشاب فصار الحاج إذا نزل هناك احتفر حفائر يخرج منها ماء رديء إذا بات ليلة واحدة في القرب نتن فأغاث الله العباد بهذا البئر وخرج ماؤها عذبًا‏.‏


وكان قبل ذلك بشهرين قد حفر الأمير شاهين الطويل بئرين بموضع يقال له زعم وقيقاب وذلك أن الحاج كان إذا ورد الوجه تارة يجد فيه الماء وتارة لا يجد فيه فلما هلك الناس من العطش في السنة الماضية بعث السلطان بشاهين هذا كما تقدم ذكره فحفر البئرين بناحية زعم حتى لا يحتاج الحاج إلى ورود الوجه فتروى الحاج منهما وعدم الانتفاع بهما وبطل سلوك الحاج على طريق الوجه من هذه السنة‏.‏
انتهى كلام المقريزي‏.‏
قلت‏:‏ وفرغت سنة أربع وثلانين ولم يسافر السلطان ولا أحد من أمرائه إلى البلاد الشامية‏.‏



ثم في يوم الاثنين ثالث عشرين محرم سنة خمس وثلاثين وثمانمائة وصلت زوجة السلطان خوند جلبان بعد أن حجت وقضت المناسك وقدم محمل الحاج صحبة الأمير قراسنقر‏.‏

ثم في يوم الخميس سابع شهر ربيع الآخر من سنة خمس وثلاثين وثمانمائة المذكورة نزل عدة من المماليك الجلبان من الأطباق إلى بيت الصاحب كريم الدين بن كاتب المناخ وهو يومئذ وزير وأستادار يريدون الفتك به وكان علم من الليل فتغيب واستعد وهرب من بيته فلم يظفروا به ولا بشيء في داره فعادوا بعد أن أفسدوا فيما حوله من بيوت جيرانه‏.‏

وكان لهم من أيام الطاعون قد كفوا عن هذه الفعلة فبلغ السلطان نزولهم فغضب وأخذ في الدعاء عليهم أيضًا بالفناء والوباء حتى قال له التاج الوالي بعد أن زال ما عنده‏:‏ وسط هؤلاء المعرصين ولا تدع بعود الطاعون على المسلمين فقال له السلطان‏:‏ يجوز قتل المسلم بغير استحقاق فقال التاج‏:‏ وهؤلاء مسلمون فقال السلطان‏:‏ نعم فقال التاج‏:‏ والله ما هو صحيح فضحك السلطان وأمر به فلكمه الخاصكية لكمًا مزعجًا فقال‏:‏ انظر صدق مقالتي هذا فعل مسلم بمسلم ‏.‏

ثم أصبح الصاحب كريم الدين استعفى من وظيفة الأستادارية فأعفاه السلطان واستدعى الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله في يوم السبت ثالث عشرين شهر ربيع الآخر المذكور وأخلع عليه باستقراره أستادارًا عوضًا عن الصاحب كريم الدين بعد انقطاع ابن نصر الله في بيته عدة سنين وهذه ولاية ابن نصر الله الثانية لوظيفة الأستادارية‏.‏



ثم في يوم الثلاثاء خامس عشرين جمادى الأولى ركب السلطان من القلعة بغير قماش الموكب ونزل إلى بيت زين الدين عبد الباسط ناظر الجيش ثم ركب من بيت عبد الباسط إلى بيت القاضي سعد الدين إبراهيم بن كاتب جكم ناظر الخواص فجلس عنده أيضًا قليلًا ثم ركب وعاد إلى القلعة‏.‏

فلما كان يوم سادس عشرينه حمل عبد الباسط وسعد الدين ناظر الخاص تقادم جليلة إلى السلطان بسبب نزوله إليهما‏.‏

وفي هذه السنة تكرر ركوب السلطان ونزوله إلى الصيد وعبوره إلى القاهرة وتوجهه إلى النزه بخلاف ما كان عليه أولًا غير مرة‏.‏


ثم في يوم الثلاثاء ثاني جمادى الآخرة عزل السلطان الصاحب بدر الدين بن نصر الله عن الأستادارية وخلع من الغد على آقبغا الجمالي باستقراره استادارًا عوضًا عن ابن نصرالله المذكور وهذه ولاية آقبغا الثانية ولزم ابن نصر الله داره على عادته وكان سبب عزل الصاحب بدر الدين عن الأستادارية أنه لما بلغ آقبغا الجمالي عزل الصاحب كريم الدين بن كاتب المناخ عن الأستادارية سأل في الحضور وكان متولى كشف البحيرة فأجيب فحضر وسعى في الوظيفة على أنه يحمل عشرة آلاف دينار وإن سافر السلطان إلى الشام حمل معه نفقة شهرين‏.‏

مبلغ أربعين ألف دينار فأجيب وأبقي الكشف أيضًا معه وأضيف إليه كشف الوجه البحري‏.‏

ثم في يوم السبت سابع عشرينه خلع السلطان على قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني وأعيد إلى قضاء الحنفية بالديار المصرية عوضًا عن زين الدين عبدالرحمن التفهني الحنفي بحكم طول مرضه فباشر العيني القضاء والحسبة ونظر الأحباس معًا لخصوصيته عند الملك الأشرف فإنه كان يقرأ له تواريخ الملوك وينادمه‏.‏



ثم في يوم الثلاثاء أول شهر رجب خلع السلطان على الأمير صلاح الدين محمد ابن الصاحب بدر الدين بن نصرالله باستقراره محتسب القاهرة عوضًا عن العيني بحكم عزله برغبته عنها وكان صلاح الدين هذا منذ عزل عن الأستادارية وعزل أبوه عن نظر الخاص وصودرا ملازمين لدارهما‏.‏

ثم في يوم الخميس ثالث شهر رجب أدير المحمل على العادة في كل سنة إلا أنه عجل به في هذا اليوم لأجل حركة السلطان إلى السفر إلى البلاد الشامية‏.‏

وكان السلطان أيضًا في هذه السنة أشاع سفره كما قال في العام الماضي وتجهز لذلك هو وأمراؤه‏.‏

ثم في عشرينه قدم الأمير سودون من عبد الرحمن نائب الشام باستدعاء وصحبته القاضي كمال الدين محمد بن البارزي السر بدمشق فباتا بتربة الملك الظاهر برقوق بالصحراء ثم صعدا من الغد في يوم الاثنين حادي عشرينه إلى القلعة وقبلا الأرض ولما انفضت الخدمة نزل الأمير سودون من عبد الرحمن إلى مكان بغير خلعة فعلم كل أحد أنه معزول عن نيابة الشام‏.‏


فلما كان الغد وهو يوم الثلاثاء ثاني عشرين شهر رجب عملت الخدمة بالقصر السلطاني على العادة وحضر الأمراء الخدمة على العادة فقدم سودون من عبد الرحمن قدام جارقطلو وحجبه في دخولهما على السلطان وجلس جارقطلو على ميمنة السلطان وجلس سودون من عبد الرحمن على ميسرة السلطان إلى أن قرىء الجيش ونجزت العلامة‏.‏

ودخل السلطان من الخرجة إلى داخل القصر الأبلق وجلس به واستدعى الخلع وخلع على الأمير سودون من عبد الرحمن نائب الشام باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية عوضًا عن جارقطلو وخلع على جارقطلو باستقراره في نيابة الشام عوضًا عن سودون من عبد الرحمن وقبلا الأرض‏.‏

وفي الوقت تحول سودون من عبد الرحمن إلى ميمنة السلطان وذهب جارقطلو إلى ميسرة السلطان وذهب جارقطلو إلى ميسرة السلطان بعكس ما كان أولًا ولما خرجا من لخدمة السلطانية حجب جارقطلو سودون من عبد الرحمن‏.‏

كل ذلك لما ثبت عند السلطان من القواعد القديمة الكائنة إلى يومنا هذا‏.‏



وفي هذا اليوم رسم السلطان بإبطال حركة سفر السلطان إلى البلاد الشامية فتكلم الناس أن سبب حركة السلطان للسفر إنما كانت بسبب سودون من عبد الرحمن لما أشاعه عنه المتغرضون من أنه يريد الوثوب على السلطان وليس الأمر كذلك وإنما كان لعزل سودون من عبد الرحمن أسباب‏:‏ أحدها‏:‏ أنه طالت أيامه في نيابة الشام وزادت عظمته وكثرت مماليكه وحواشيه فخاف الملك الأشرف عاقبته فعزله‏.‏

وثانيها‏:‏ وهو الأقوى عندي‏:‏ أن السلطان لما استدعاه بكتاب على يد الأمير ناصر الدين محمد بن إبراهيم بن منجك وعاد معه ابن منجك فلما كان في بعض الطريق تحادثا فكان من جملة كلام سودون من عبد الرحمن لابن منجك‏:‏ أنا أدخل أيضًا إلى مصر أميرًا بعد طول مدتي في نيابة دمشق فنقلها ابن منجك برمتها إلى الملك الأشرف فتحقق الملك الأشرف عند ذلك ما كان أشيع عنه فبادر وعزله‏.‏


وكان مراد سودون من عبد الرحمن بقوله‏:‏ أدخل مصر أميرًا غير ما حمله عليه ابن منجك وهو أن مراد سودون من عبد الرحمن أنه اعتاد بنيابة الشام وأنه يكره الإقامة بمصر وأن بعض نيابات البلاد الشامية أحب إليه من أن يكون أتابكًا بمصر وأشياء غير ذلك‏.‏
ثم في يوم الخميس ثاني شعبان خلع السلطان على الأمير جارقطلو خلعة السفر وخرج من يومه إلي مخيمه بالريدانية خارج القاهرة‏.‏
وقد استقر الأمير قراجا الخازندار الأشرفي مسفره‏.‏



ثم خلع السلطان من الغد في يوم الجمعة ثالثه على القاضي كمال الدين محمد بن البارزي كاتب سر دمشق باستقراره في قضاء دمشق مضافًا لكتابة سرها عوضًا عن شهاب الدين أحمد بن ثم في يوم الاثنين سادس عشرين شهر رمضان خلع السلطان على دولات خجا الظاهري باستقراره والي القاهرة عوضًا عن التاج الشوبكي وأخيه عمر‏.‏

ودولات خجا هو أحد أصاغر المماليك الظاهرية برقوق ومن شرارهم وكان وضيعًا تركي الجنس كثير الشر يمشي على قدميه بالأسواق في بعض الأحيان‏.‏


وكان الملك الأشرف يعرفه أيام جنديته ويتوقى شره فلما تسلطن ولاه الكشوفية ببعض النواحي فأباد أهل تلك الناحية ثم ولاه الكشف بالوجه القبلي فتنوع في عذاب أهل الفساد وقطاع الطريق أنواعًا كثيرة منها‏:‏ أنه كان إذا قبض على الحرامي أمسكه ونفخ بالكير في دبره حتى تندر عيناه وينفلق دماغه‏.‏

ومنها أنه كان يعلق الرجل منكسًا ولا يزال يرمي عليه بالنشاب إلى أن يموت وأشياء كثيرة من ذلك‏.‏

فلما ولي الولاية بالقاهرة كان أول ما بدأ به أنه أفرج عن جميع أهل الجرائم من الحبوس وحلف لهم أنه متى ظفر بأحد منهم وقد سرق ليوسطنه‏.‏
وأرهب إرهابًا عظيمًا وصار يركب في الليل ويطوف بحرمة زائدة عن الحد وصدق في يمينه في السراق فما وقع له سارق ممن أطلقه وقد كتب أسماءهم عنده إلا وسطه فذعر أهل الفساد منه وانكفوا عن السرقة‏.‏



ثم أخذ في التضييق على الناس وإلزامهم بإلزامات منها‏:‏ أنه أمرهم بكنس الشوارع ثم رشها بالماء وبتعليق كل سوقي قنديلًا على دكانه وعاقب على ذلك خلائق‏.‏

ثم منع النساء من الخروج إلى الئرب في أيام الجمع وأشياء كثيرة إلى ثم أرسل السلطان يطلب قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن الكشك ليستقر في كتابة سر مصر بعد موت شهاب الدين أحمد بن السفاح على أنه يحمل بسبب ذلك عشرة آلاف دينار فقدم جوابه في يوم الاثنين ثالث شوال كتاب الأمير جارقطلو نائب الشام على يد نجاب وهو يعتذر لعدم حضوره بضعف بصره وألام تعتريه وأرسل بمبلغ من الذهب له صورة فأعفاه السلطان عن ذلك‏.‏
واستدعى السلطان الصاحب كريم الدين عبد الكريم بن كاتب المناخ وخل عليه في يوم الثلاثاء رابعه باستقراره كاتب السر الشريف مضافًا إلى الوزر ولم يقع ذلك في الدولة التركية لأحد أن الوزر وكتابة السر اجتمعا لواحد معًا‏.‏
ونزل الصاحب كريم الدين في موكب جليل وباشر وظيفة كتابة السر والوزر مع بعده عن صناعة الإنشاء وعن كل فضيلة وقلة دربته بقراءة القصص والمطالعات من الأعمال والأقطار‏.‏


وكان مع ما هو فيه من الجهل أجهر العينين لا ينظر في الكتابة إلا من قريب وفي صوته خشونة فكان إذا أمسك الكتاب في يده ليقرأه على السلطان تنظر أعاجيب من تبحره في الكتاب بعينه ثم من توقفه في القراءة ثم من اللحن الفاحش الخارج عن الحد مع أن قراءته للكتب ما كانت إلا نادرًا وفي الغالب لا يقرؤها على السلطان إلا القاضي شرف الدين الأشقر نائب كاتب السر‏.‏

وكنت أظن أن الأشرف إنما ولى كريم الدين هذا لكتابة السر ليطيب خاطره ويقويه حتى يعيده إلى وظيفة الأستادارية فإنه كان ماهرًا بتدبير أمور الوزر والأستادارية جيد التنفيذ فيها إلى الغاية لم تر عيني بعده أحسن تدبيرًا وتصرفًا منه في فنه غير أنه ليس من خيل هذا الميدان وبين معرفته بفنه والدربة بصناعة الإنشاء زحام إلى أن كان بعض الأيام والأشرف جالس وقدم الصاحب كريم الدين هذا فلما رآه الأشرف من بعيد قال لمن حوله‏:‏ هل رأيتم كاتب سر أحشم من هذا ولا أمثل فقال له من حضر‏:‏ لا والله يا خوند فعند ذلك تحققت خلاف ما كنت أظن وعلمت أن القوم في واد والأمم السالفة في واد‏.‏



ثم في يوم الخميس ثالث عشر شوال المذكور ابتدأ السلطان بالجلوس في الإيوان بدار العمل من قلعة الجبل وكان قد ترك الملوك الجلوس به بعد الملك الظاهر برقوق في يومي الاثنين والخميس إلا في النادر أيام خدمة الإيوان عند قدوم قصاد ملوك الأقطار فتشعث الإيوان ونسيت عوائده ورسومه إلى أن اقتضى رأي السلطان في هذه الأيام بعمارته وتجديد عهده فأزيل شعثه وتتبعت رسومه وجلس الملك الأشرف به وعمل الخدمة السلطانية فيه وعزم على ملازمته في يومي الخدمة ورسم بحضور القضاة وغيرهم ممن كان له عادة بحضور خدمة دار العدل فلم يتم ذلك وتركه كأنه لم يكن‏.‏

ثم في ثاني عشرين شوال هذا قدم الخبر من مكة المشرفة بأن عدة زنوك قدمت من الصين إلى سواحل الهند وأرسى منها اثنان بساحل عدن فلم تنفق بها بضائعهم من الصيني والحرير والمسك وغير ذلك لاختلال حال اليمن‏.‏


فكتب كبير هذين المركبين الزنكيين إلى الشريف تركات بن حسن بن عجلان أمير مكة وإلى سعد الدين إبراهيم بن المرة ناظر جدة يستأذن في قدومهم إلى جدة فكتبا الى السلطان في ذلك ورغباه في كثرة ما يتحصل في قدومهم من المال فكتب لهم السلطان بالقدوم إلى جدة وإكرامهم‏.‏

ثم في يوم الاثنين أول ذي القعدة استدعى السلطان القضاة الأربعة جميع نوابهم في الحكم بالقاهرة ومصر إلى القلعة لتعرض نوابهم على السلطان وقد ساءت القالة فيهم عند السلطان فدخل القضاة الأربعة إلى مجلس السلطان وعوق نوابهم عن العبور إلى السلطان فلما جلسوا خاشنهم السلطان في اللفظ بسبب كثرة نوابهم وانفض المجلس على أن يقتصر الشافعي على خمسة عشر نائبًا بمصر والقاهرة والحنفي على عشرة نواب والمالكي على سبعة والحنبلي على خمسة ونزلوا على ذلك‏.‏
فلم يزل عبد الباسط وغيره بالسلطان حتى زادهم شيئًا بعد شيء إلى أن عادت عدتهم إلى ما كانت عليه والسلطان لا يعلم بذلك‏.‏
ثم في سابعه خلع السلطان على التاج الشوبكي باستقراره والي القاهرة بعد عزل دولات خجا المقدم ذكره وقد أقمع دولات خجا المفسدين وأبادهم‏.‏



ثم في يوم الأحد ثامن عشرين ذي القعدة أيضًا ورد الخبر على السلطان بموت جينوس بن جاك متملك قبرس فعين السلطان شخصًا من الأعيان ومعه ستون مملوكًا للتوجه إلى قبرس فخرجوا في يوم الجمعة خامس عشرين ذي الحجة من سنة خمس وثلاثين وثمانمائة ومعهم خلعة لجوان بن جينوس باستقراره في مملكة جزيرة قبرس عوضًا عن والده جينوس نيابة عن السلطان ومطالبته بما تأخر على أبيه وهو أربعة وعشرون ألف دينار وبما التزم في كل سنة وهو خمسة آلاف دينار وساروا على ذلك إلى ما يأتي ذكره‏.‏

وانسلخت هذه السنة بيوم الأربعاء الموافق لرابع أيام النسيء وهي سنة تحويل تحول الخراج فيها من أجل أنه لم يقع فيها نوروز فحولت سنة ست إلى سنة سبع وثلاثين‏.‏


قال المقريزي رحمه الله‏:‏ واتفق في سنة ست وثلاثين هذه غرائب منها‏:‏ أن يوم الخميس كان أول المحرم ووافقه أول يوم من تشرين وهو رأس سنة اليهود فاتفق أول سنة اليهود مع أول سنة المسلمين ويوم الجمعة وافقه أول توت وهو أول سنة النصارى القبط فتوالت أوائل سني الملل الثلاث في يومين متوالين واتفق مع ذلك أن طائفة اليهود الربانيين يعملون رؤوس سنيهم وشهورهم بالحساب وطائفة القرائين يعملون رؤوس سنيهم وشهورهم برؤية الأهلة كما هي عند أهل الإسلام فيقع بين طائفتي اليهود في رؤوس السنين والشهور اختلاف كبير فاتفق في هذه السنة مطابقة حساب الربانئي والقرائين فعمل الطائفتان جميعًا رأس سنتهم يوم الخميس وهذا من النوادر التي لا تقع إلا في الأعوام المتطاولة ‏.‏
ثم في يوم الاثنين سادس عشرين المحرم من سنة ست وثلاثين المذكورة عزل السلطان آقبغا الجمالي عن الأستادارية وجعل الزنجير الحديد في رقبته وأنزله على حمار من القلعة إلى بيت التاج الوالي بسويقة الصاحب ليعاقبه على استخراج المال‏.‏



وأصبح السلطان من الغد خلع على الصاحب كريم الدين عبد الكريم بن كاتب المناخ بإعادته إلى وظيفة الأستادارية عوضًا عن آقبغا المذكور مضافًا إلى الوزر وعزله عن وظيفة كتابة السر‏.‏

ورسم السلطان للقاضي شرف الدين الأشقر نائب كاتب السر أن يباشر الوظيفة إلى أن يستقر فيها أحد وعين جماعة كبيرة للوظيفة المذكورة فلم يقع اختيار السلطان على أحد منهم‏.‏

ورسم السلطان بطلب القاضي كمال الدين ابن البارزي قاضي قضاة دمشق وكاتب سرها ليستقر في كتابة سر مصر‏.‏


وخرج القاصد بطلبه من القاهرة في يوم الأحد ثاني صفر من سنة ست وثلانين وثمانمائة ليستقر في كتابة سر مصر وأن بركز عوضه في قضاء القضاة بدمشق بهاء الدين محمد ابن القاضي نجم الدين عمر بن حجي وأن يستقر عوضه في كتابة سر دمشق قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن الكشك الحنفي ويستقر ولد ابن الكشك شمس الدين محمد في قضاء الحنفية بدمشق عوضًا عن أبيه ويستقر جمال الدين يوسف بن الصفي في نظر جيش دمثسق عوضًا عن بهاء الدين بن حجي‏.‏
ثم في سابع صفر قدمت الرسل المتوجهة إلى قبرس‏.‏

وكان من خبرهم أنهم لما توجهوا إلى دمياط ركبوا منها البحر المالح في شينيين وساروا حتى وصلوا إلى الملاحة في يوم السبت عاشر المحرم من سنة ست وثلاثين المذكورة‏.‏
فلما وصلوا إلى الملاحة سار أعيانهم في البر إلى الأفقسية وهي مدينة قبرس ودار ملكها‏.‏
وبلع متملك قبرس مجيئهم فخرج إلى لقائهم وزير الملك في أكابر أهل قبرس فأنزلوهم هناك وباتوا ليلتهم بالمكان المذكور‏.‏



وأصبحوا من الغد وهو يوم الاثنين ثاني عشر المحرم عبروا المدينة ودخلوا على الملك جوان بن جينوس بن جاك في قصره فإذا هو قائم على قدميه فسلموا عليه وبلغوه الرسالة وأوصلوه كتاب السلطان كل ذلك وهو قائم على قدميه فأذعن بالسمع والطاعة وقال أنا مملوك السلطان ونائبه وقد كنت على عزم أن أرسل التقدمة فبلغني قدومكم فأمسكت عن ذلك‏.‏

فكلموه أن يحلف على طاعة السلطان فأجابهم إلى ذلك واستدعى القسيسين وحلف على الوفاء وعلى الاستمرار على الطاعة والقيام بما يجب عليه من ذلك‏.‏
فعند ذلك أفيض عليه التشريف السلطاني المجهز له على يد كبير القوم فلبسه وقد أظهر السرور والبشر بذلك‏.‏
ثم خرجت الرسل من عنده فداروا بالمدينة وهم ينادى بين أيديهم باستقرار الملك جوان في نيابة السلطنة بمدينة الأفقسية وسائر ممالكها وأن لأهل قبرس الأمان والاطمئنان ومروهم بطاعته وطاعة السلطان إلى أن داروا البلد‏.‏
ثم أنزلوهم في بيت قد أعد لهم وأجري عليهم من الرواتب مايليق بهم من كل ما عندهم‏.‏


ثم حمل إليهم فيما بعد سبعمائة ثوب صوف قيمتها عشرة آلاف دينار وذلك مما تأخر على أبيه ثم أظهر خصم أربعة آلاف دينار أخرى ووعد بحمل العشرة آلاف دينار الباقية بعد سنة‏.‏

ثم بعث إليهم أيضًا بأربعين ثوبًا صوفًا برسم الهدية للسلطان ثم أرسل لكل من الرسل شيئًا بحسب مقامه وعلى قدره‏.‏

ثم أخذ في تجهيزهم وتسفيرهم حتى كان سفرهم من قبرس بعد عشرة أيام من قدومهم إلى اللمسون فأقاموا بها إلى أن تهيأوا وركبوا البحر وساروا فيه ستة أيام ووصلوا إلى ثغر دمياط‏.‏

ثم خرجوا من مراكبهم وركبوا المراكب في بحر النيل إلى أن قدموا القاهرة وطلعوا إلى السلطان وعرفوه ما وقع لهم مفصلًا وما معهم من الصوف وغيره فقبل السلطان ذلك‏.‏



وقرأ السلطان كتاب متملك قبرص فإذا هو يتضمن السمع والطاعة وأنه نائب السلطان فيما تحت يده من البلاد والمملكة وأنه في طي علمه ومن جملة مماليكه فسر السلطان بذلك غاية السرور فإنه كان أشيع بمصر أنه لما ملك بعد أبيه خرج عن طاعة السلطان ومنع الجزية فوقع خلاف ذلك‏.‏

ثم في يوم السبت ثامن صفر خلع السلطان على حسن بك بن سالم الدوكري أحد أمراء التركمان وهو ابن أخت قرايلك باستقراره في نيابة البحيرة عوضًا عن أمير علي وأنعم عليه بمائة قرقل ومائة قوس ومائة تركاش وثلاثين فرسًا ووجهه إلى محل تحكمه بمدينة دمنهور فأقام بها سنين عديدة وإلى الآن متوليها هو ولده وهو يومئذ متولي جعبر‏.‏


ثم ورد الخبر على السلطان بامتناع ابن الكشك من ولاية كتابة سر دمشق وأنه استعفى من ذلك فأعفاه السلطان ورسم باستقرار القاضي تاج الدين عبد الوهاب بن أفتكين أحد موقعي الدست بدمشق في كتابة سر دمشق‏.‏

وكتب أيضًا باستقرار محيي الدين يحيى بن حسن بن عبد الوسع الحبحابي المغربي المالكي في قضاء المالكية بدمشق عوضًا عن القاضي شهاب الدين أحمد بن محمدد الأموي بعد موته‏.‏



ثم في يوم الاثنين أول شهر ربيع الأول قدم إلى القاهرة رسول ملك الفطلان من الفرنج بكتابه وقد نزل على جزيرة صقلية في ثاني عشرين رمضان بما ينيف على مائة قطعة حربية وتضمن كتابه الإنكار على الدولة ما تعتمده من التجارة في البضائع وأن رعيته الفرنج لا يشترون من السلطان ولا من أهل دولته بضاعة وأنهم لا يشترون إلا من التجار ثم أعاب على السطنة صناعة المتجر فرد السلطان رسوله ردًا قبيحًا وكتب له جرابًا بمثل ذلك‏.‏
ثم في هذا الشهر تكرر توجه السلطان إلى الصيد غير مرة قبليًا وبحريًا فأبعد ما وصل قبليًا إلى إطفيح وبحريًا إلى شبين القصر بالشرقية‏


ثم في تاسع عشر شهر ربيع الأول قدم القاضي كمال الدين محمد بن البارزي من دمشق بعد أن خرج أكابر الدولة إلى لقائه وطلع إلى السلطان وقبل الأرض ثم نزل إلى داره‏.‏
وطلع من الغد إلى القلعة في يوم السبت العشرين من شهر ربيع الأول المذكور وخلع السلطان عليه باستقراره في كتابة السر بالديار المصرية عوضًا عن شهاب الدين أحمد بن السفاح بعد شغور الوظيفة مدة طويلة وهذه ولاية كمال الدين المذكور لكتابة السر ثاني مرة ونزل في موكب جليل‏.‏
قال المقريزي‏:‏ وسر الناس به سرورًا كبيرًا لحسن سيرته وكفايته وجميل طريقته وكرمه وكثرة حيائه فالله يؤيده بمنه انتهى كلام المقريزي‏.‏
قلت‏:‏ هو كما قاله المقريزي وزيادة حتى إنني لا أعلم في عصرنا هذامن يدانيه في غزير محاسنه‏.‏
رحمه الله تعالى‏.‏



ثم في يوم الخميس أول جمادى الأولى قدم الأمير مقبل الحسامي الدوادار كان نائب صفد وكان السلطان قد ركب من القلعة إلى خارج القاهرة فلقيه السلطان وخلع عليه وعاد مقبل المذكور في خدمة السلطان إلى القلعة‏.‏
ثم نزل مقبل في دار أعدت له فأقام بالقاهرة إلى يوم ثم في يوم الخميس ثامنه خلغ السلطان على الأمير أسنبغا الطياري أحد أمراء العشرات واستقر في نظر جدة عوضًا عن سعد الدين إبراهيم بن المرة وأذن لابن المرة المذكور أن يتوجه إلى خدمته‏.‏

فلما كان يوم حادي عشر جمادى الأولى المذكورة نودي في الناس بالإذن في السفر إلى الحجاز رجبية صحبة الأمير أسنبغا الطياري المذكور فسر الناس بذلك سرورًا زائدًا لأن ابن المرة كان لا يدع أحدًا أن يسافر معه خوفًا عليهم من قطاع الطريق‏.‏


ثم في سابع عشرين جمادى الأولى المذكورة سافر الوزير كريم الدين بن كاتب المناخ إلى جهة الوجه القبلي وهو يوم ذاك يباشر الوزارة والأستادارية معًا وكان سفره إلى الوجه القبلي لتحصيل ما يقدر عليه من الجمال والخيل والبغال والغنم والمال لأجل سفر السلطان إلى جهة البلاد الشامية‏.‏
كل ذلك والناس يأخذون ويعطون في سفر السلطان فإنه وقع منه التجهيز للسفر غير مرة ثم تغيرعزمه عن ذلك‏.‏

ثم في تاسع عشرينه قدم إلى القاهرة كتاب القان شاه رخ بن تيمورلنك صاحب ممالك العجم وجغتاي على يد بعض تجار العجم يتضمن أنه يريد كسوة الكعبة وأرعد فيه وأبرق ولم يخاطب السلطان فيه إلا بالأمير برسباي‏.‏



وقد تكررت مكاتبته للسلطان بسبب كسوة الكعبة غير مرة وهو لا يلتفت إليه ولا يسمح له بذلك بل يكتب له بأجوبة خشنة محشونة بالتوبيخ والوعيد والبهدلة حتى إنه كلما ورد منه كتاب وأجابه السلطان بتلك الأجوية الخشنة لا يشك الناس أن شاه رخ يرد إلى البلاد الشامية عقيب ذلك فلم يظهر له خبر ولا نظر له أثر‏.‏

وقد استخف الملك الأشرف بشأنه حتى إنه صار إذا أتاه قاصده لا يلتفت إليه ولا إلى ما في يده من الكتب بالكلية‏.‏


ويأتي إن شاء الله تعالى ذكر ما فعله ببعض قصاده من الضرب والبهدلة في محله من هذا الكتاب‏.‏
قلت‏:‏ لا أعرف للملك الأشرف في سلطنته حركة بعد افتتاحه لقبرس أحسن من ثباته مع شاه رخ المذكور في أمر الكسوة وعدم اكتراثه به فإنه أقام بفعلته هذه حرمة للديار المصرية ولحكامها إلى يوم القيامة‏.‏

ثم في يوم الجمعة خامس عشر جمادى الآخرة أنفق السلطان في المماليك المجردين إلى مكة وهم خمسون مملوكًا لكل واحد منهم مبلغ ثلاثين دينارًا وتجهزوا للسفر إلى مكة صحبة الأمير أسنبغا الطياري فلما كان يوم الإثنين ثامن عشر جمادى الآخرة المذكورة برز فيه الأمير أسنبغا الطياري بمن معه من المماليك السلطانية والحجاج‏.‏
وفيه خلع السلطان على سعد الدين إبراهيم بن المرة ليكون رفيقًا للأمير أسنبغا الطياري في التكلم على بندر جدة‏.‏
وفي هذه الأيام قوي عزم السلطان على السفر وظهر للناس حقيقة ذلك من تجهيز أمور السلطان وتعلقاته للسفر‏.‏
وأيضا فإنه رسم في هذه الأيام بصرف نفقة المماليك السطانية بسبب السفر‏.‏



ثم في يوم الخميس حادي عشرين جمادى الآخرة المذكورة أنفق السلطان في الأمراء نفقة السفر‏.‏
فعند ذلك اضطرب الناس وأخذوا في تجهيز أمورهم وتيقنوا صدق القالة‏.‏
فحمل السلطان إلى الأمير الكبير أتابك العساكر سودون من عبد الرحمن أكياس فضة حسابًا عن ثلائة آلاف دينار وإلى كل من أمراء لألوف وهم عشرة أنفس لكل واحد الذي دينار وإلى كل من أمراء الطلبخانات خمسمائة دينار وإلى كل من أمراء العشرات مائتي دينار وكل ذلك فضة حسابًا عن الذهب من سعر الدينار بمائتين وعشرين درهمًا والدينار يومئذ بمائتين وثمانين فالنفقة على هذا الحكم تنقص مبلغًا كبيرًا غير أنه من هو المشاحح لذلك ولسان الحال يقول‏:‏ يد الخلافة لا تطاولها يد‏.‏

وكان هذا أيضًا بخلاف القاعدة فإن الملوك أن تنفق أولًا على المماليك السلطانية ثم تنفق على الأمراء فكان ذلك بخلاف ما كان‏.‏


وكان له سبب فيما قيل وهو أن الملك الأشرف كان عنده بخل وعدم محبة للسفر من مبدأ أمره إلى أيام سلطنته وكان أشاع في السنين الماضية أنه يريد السفر لقتال قرايلك‏:‏ يوهم قرايلك بذلك ليرسل إليه بالدخول في طاعته وكان قرايلك أرسل إلى السلطان في ذلك لما كان ولده هابيل في حبس الملك الأشرف فلما مات هابيل بالطاعون في سنة ثلاث وثلاثين في محبسه أمسك قرايلك عن مكاتبات السلطان وأخذ في ضرب معاملاته وصار السلطان في كل سنة يتجهز للسفر ويشيع ذلك إرداعًا لقرايلك فلم يلتفت قرايلك لذلك‏.‏
فلما طال الأمر على السلطان حقق ما كان أشاعه من السفر مخافة العار والقالة في حقه‏.‏
وتأييد ما قيل أنني سمعته يقول في بعض منازله في سفره إلى آمد وأظنه في العودة‏:‏ لو سألني قرايلك في الصلح والدخول في طاعتي بمقدار ما سأله للأمير جكم من عوض نائب حلب لما مشيت لقتاله أو أقل من ذلك لرضيت فهذا الخبر يقوي القول المقدم ذكره‏.‏



واستمر السلطان في انتظار قدوم رسل قرايلك بالصلح في كل يوم وساعة وهو يترجى أنه إذا بلغه صحة سفر السلطان إلى قتاله يرسل قضاعه في السؤال بالصلح وأرباب دولته تشير عليه بالتربص والتأني في أمر السفر مخافة من وقوعهم في الكلف الكثيرة فأشاروا عليه بأن ينفق في الأمراء أولًا فربما يأتي رسول قرايلك في السؤال ويبرم الصلح فيكون استعادة المال منهم أهون من استعادته من المماليك السلطانية‏.‏

فحسن ذلك ببال السلطان وهو كما قيل في الأمثال إن كلمة الشح مطاعة وأنفق في الأمراء وعوق نفقة المماليك إلى أن كان يوم سلخ جمادى الآخرة‏.‏
فلما يئس من قرايلك أخذ في نفقة المماليك السلطانية في سلخ الشهر المذكور فأنفق على عدة كبيره من المماليك السلطانية لا يحضرني عدتهم‏.‏


قال المقريزى‏:‏ وهم ألفان وسبعمائة‏.‏
وفي ظني أنهم كانوا أكئر من ذلك غير أني لم أحرر عدتهم‏.‏

فجلس السلطان بالمقعد الذي على باب البحرة من الحوش السلطاني بقلعة الجبل وأعطى لكل مملوك صرة فيها ألف درهم وخمسون درهمًا فضة أشرفية عنها من الفلوس اثنان وعشرون ألف درهم وهي مصارفة مائة دينار من حساب صرف كل دينار بمائتين وعشرين درهمًا فلوسًا وكان صرف الدينار يوم ذاك بمائتين وثمانين درهما‏.‏
كما حملت النفقة أيضًا للأمراء على هذا الحساب‏.‏
وكانت المماليك السلطانية اتفقوا على أنهم لا يأخذون إلا مائة دينار ذهبًا ودخلوا على ذلك‏.‏
فلما استدعى الديوان أول اسم من طبقة الرفرف خرج صاحبه وأخذ وباس الأرض وعاد إلى حال سبيله‏.‏



واستدعى الديوان من هو بعده فخرج واحد بعد واحد إلى أن تمت الطبقة ولم يتفوه أحد منهم بكلمة في معنى ما اتفقوا عليه‏.‏

ولما نزلوا بعد القبض للنفقة صار بعضهم يوبخ البعض خفية على ترك ما اتفقوا عليه إلى أن قال لهم بعض المماليك المئيدية‏:‏ احمدوا الله على هذا العطاء فوالله لو لم ينفق السلطان فيكم وأمركم بالسفر معه من غير نفقة لخرجتم معه صاغرين وأولهم أنا‏.‏
قلت‏:‏ تلك أمة قد خلت‏.‏
وهؤلاء القوم يأكلون الأرزاق صدقة عن تلك الأمم السالفة فإننا لا نعلم بقتال وقع في هذا القرن أعني عن قرن التسعمائة غير وقعة تيمورلنك مع نواب البلاد الشامية على ظاهر حلب لا مع العساكر المصرية‏.‏
وأما ما وقع بعد ذلك من الوقائع في الدولة الناصرية فرج والدولة المؤيدية شيخ والدولة الظاهرية ططر والدولة المنصورية محمد بن ططر فهو فرع من القتال لا القتال المعهود بعينه‏.‏


وتصديق ذلك أنه لم تكن وقعة وقعت في هذه الدول أعظم من وقعة شقحب ومع ذلك لم يقتل في المصاف خمسون رجلًا من الطائفتين‏.‏
وما وقع بعد ذلك من الوقائع فتنجلي الوقعة ولم يقتل فيها رجل واحد‏.‏
وقد ثبت عند المؤرخين أنه قتل في الوقعة التي كانت بين تيمورلنك وبين ملك دلي أحد ملوك الهند في المصاف زيادة على عشرة آلاف نفس في أقل من يوم ونحن لا نطالب أحدًا بذلك غير أن الازدراء بالغير على ماذا ‏.‏
ثم في يوم الثلاثاء ثالث شهر رجب قدم الصاحب كريم الدين عبد الكريم من الوجه البحري بعد أن أخذ خيول أهله وجمالهم وأغنامهم وأموالهم هو وأتباعه فما عفوا ولا كفوا‏.‏
ثم في يوم الخميس ثاني عشر شهر رجب المذكور أدير محمل الحاج ولم يعمل فيه ما جرت به العادة من التجمل ولعب الرماحة بل أوقف المحمل تحت القلعة وأعيد ولم يتوجه إلى مصر ثم في يوم السبت رابع عشر شهر رجب المذكور خرجت مدورة السلطان وخيام الأمراء من القاهرة ونصبت بالريدانية لأجل سفر السلطان‏.‏



ثم في يوم الاثنين سادس عشره خرج أمراء الجاليش مقدمة لعسكر السلطان وهم الأمير سودون من عبد الرحمن أتابك العساكر والأمير إينال الجكمي أمير سلاح والأمير قرقماس الشعباني الناصري حاجب الحجاب والأمير قاني باي الحمزاوي والأمير سودون ميق والجميع مقدمو ألوف ونزلوا بخيمهم بطرف الريدانية تجاه مسجد التبن‏.‏

رسم السلطان بإخراج البطالين من الأمراء من الديار المصرية
فرسم للأمير ألطنبغا المرقبي حاجب الحجاب كان في الدولة المؤيدية شيخ بالتوجه إلى القدس ثم رسم له أن يتوجه صحبة السلطان إلى السفر فسافر في ركاب السلطان وهو يوم ذاك من جملة أمراء العشرات


ثم رسم السلطان بإخراج الأمير أيتمش الخضري الظاهري المعزول عن الأستادارية قبل تاريخه إلى القدس فخرج إليه ومنع السلطان من بقي من أولاد الملوك من الأسياد من ذرية الملك الناصر محمد بن قلاوون وغيره من سكنى القلعة وطلوعها في غيبة السلطان وأخرجوا من دورهم فيها‏.‏

وكانوا لما منعوا من سنين من سكن القلعة ورسم لها الملك الأشرف بالنزول منها والركوب حيث شاءوا سكن أكثرهم بالقاهرة وظواهرها فذلوا بعد عزهم وتهتكوا بعد تحجبهم وبقي من أعيانهم طائفة مقيمة بالقلعة وتنزل إلى القاهرة في حاجاتهم ثم تعود إلى دورهم فلما كان سفر السلطان في هذه السنة أخرجوا الجميع منها ومنعوا من سكنى القلعة فنزلوا وتفرقوا بالأماكن بالقاهرة‏.‏



والعجب أن الملك الناصر محمد بن قلاوون كان فعل ذلك بأولاد الملوك من بني أيوب فجوزي في ذريته وكان الملك الكامل محمد ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب فعل ذلك بأولاد الخلفاء الفاطميين فكل واحد من هؤلاء جوزي في أولاده بمثل فعله ووقع ذلك لابن الملك الأشرف ولغيره ولا يظلم ربك أحدًا‏.‏

ثم في يوم سابع عشره خلع السلطان على دولات خجا الظاهري بإعادته إلى ولاية القاهرة عوضًا عن التاج بن سيفة الشوبكي بحكم سفره مع السلطان مهمندارًا وأستادار الصحبة‏.‏

هذا وقد ترشح الأمير آقبغا التمرازي أمير مجلس لإقامته بالقاهرة في غيبة السلطان وترشح الأمير حسين بن أحمد المدعو تغري برمش البهنسي للإقامة بباب السلسلة في غيبة السلطان حسبما يأتي ذكره‏.‏


سفر السلطان الأشرف برسباي إلى آمد لما كان يوم الخميس تاسع عشر شهر رجب من سنة ست وثلاثين وثمانمائة الموافق لأول فصل الربيع وانتقال الشمس إلى برج الحمل ركب السلطان الملك الأشرف برسباي من قلعة الجبل ببقية أمرائه ومماليكه وعبى أطلابه وتوجه في الساعة الثالثة من النهار المذكور إلى مخيمه بالريدانية خارج القاهرة تجاه مسجد التبن فسار في موكب جليل إلى الغاية وقد خرج الناس لرؤيته إلى أن وصل إلى مخيمه وصحبته من الأمراء المقدمين‏:‏ الأمير جقمق العلائي أمير آخور والأمير أركماس الظاهري الدوادار والأمير تمراز القرمشي رأس النوب والأمير يشبك السودوني المعروف بالمشد والأمير جانم ابن أخي الملك الأشرف والأمير جاني بك الحمزاوي فهؤلاء من مقدمي الألوف وسافر معه جماعة كثيرة من أمراء الطبلخاناه مثل الأمير قراخجا الشعباني الظاهري برقوق ثاني رأس نوبة والأمير قراسنقر من عبد الرحمن الظاهري برقوق والأمير قراجا الأشرفي شاد الشرابخاناه والأمير تمرباي التمربغاوي الحوادار الثاني والأمير شيخ الركني الأمير آخور الثاني والأمير خجا سودون السيفي بلاط الأعرج أحد رؤوس النوب والأمير تغري بردي البكلمشي المؤذي أحد رؤوس النوب فهؤلاء الذين يحضرني الآن أسماؤهم‏.‏











توقيع 

 



ألفريد
صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 25-01-2012, 02:19 AM   رقم المشاركة:586
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 54
المشاركات: 8,675
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الملك الأشرف برسباي (9)


سلطنة الملك الأشرف برسباي (9)







وسافر معه عدة كبيرة من الأمراء العشرات وخلع على الأمير حسين بن أحمد المدعو تغري برمش باستقراره في نيابة الغيبة ورسم له بسكنى باب ألمجسلة والحكم بين الناس‏.‏

ورسم باستقرار الأمير آقبغا التمرازي أمير مجلس بإقامته بالقاهرة وبسكنه بقصر بكتمر عند الكبش والأمير برد بك الإسماعيلي قصقا الحاجب الثاني‏.‏
وعين أيضًا عدة من أمراء العشرات والحجاب بالإقامة بالقاهرة‏.‏

واستقر بالقلعة المقام الجمالي يوسف ابن السلطان الملك الأشرف وهو أعظم مقدمي الألوف والأمير خشقدم الظاهري الزمام الرومي والأمير تنبك البردبكي نائب قلعة الجبل والأمير إينال الظاهري أحد رؤوس النوب المعروف بأبزى‏.‏

وخلع على الأمير إينال الششماني أحد أمراء العشرات ورأس نوبة باستقراره أمير حاج الموسم وخلع على الوزير الأستادار الصاحب كريم الدين بإقامته بالقاهرة وأن يتوجه أمين الدين إبراهيم بن الهيصم ناظر الدولة صحبة السلطان‏.‏



وبات السلطان ليلة الجمعة بالريدانية واشتغل بالمسير من الغد في يوم الجمعة بعد الظهر إلى البلاد الشامية ومعه من ذكرنا من الأمراء والخليفة المعتضد بالله داود والقضاة الأربعة وهم‏:‏ قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن حجر الشافعي وقاضي القضاة بدر الدين محمود العينتابي الحنفي وقاضي القضاة شمس الدين محمد البساطي المالكي وقاضي القضاة محب الدين أحمد البغدادي الحنبلي‏.‏
ومن مباشري الدولة‏:‏ القاضي كمال الدين محمد بن البارزي كاتب السر وزين الدين إبراهيم ابن كاتب جكم ناظر الخواص والقاضي شرف الدين أبو بكر الأشقر نائب كاتب السر وأئمة السلطان الذين يصلون به الخمس ونديمه ولي الدين بن قاسم الشيشيني فهؤلاء الذين سمحت القريحة بذكرهم‏.‏
وكان سفر السلطان في الغد من يوم خروجه من القاهرة بخلاف عادة الملوك‏.‏
وسار السلطان بعساكره لا يتجاوز في سيره المنازل إلى أن وصل إلى مدينة غزة في أول شعبان بعد أن خرج نائبها الأمير إينال العلائي الناصري أعني الملك الأشرف إينال إلى ملاقاته هو وأعيان غزة ودخل السلطان إليها في موكب عظيم سلطاني وأقام بها إلى أن رحل منها في يوم الخميس رابعه بعد أن نزل بالمسطبة خارج غزة ثلاثة أيام وسار إلى جهة دمشق ونحن في خدمته إلى أن وصل إلى مدينة دمشق في يوم الاثنين خامس عشر شعبان‏.‏



واجتاز بمدينة دمشق بأبهة السلطنة وشعار الملك في موكب جليل وحمل الأمير جارقطلو نائب الشام القبة والطير على رأسه إلى أن نزل بالذهليز السلطاني بمنزلة برزة خارج دمشق وكذلك جميع أمرائه وعساكره نزلوا بخيامهم بالمنزلة المذكورة ولم ينزلوا بمدينة دمشق شفقة على أهل دمشق‏.‏

وأقام السلطان بمخيمه خمسة أيام وركب فيها غير مرة ودخل دمشق وطلع إلى قلعتها مرارًا‏.‏
ثم رحل السلطان من دمشق بأمرائه وعساكره في يوم السبت عشرينه يريد البلاد الحلبية فحصل للعسكر بعيض مشقة لعدم إقامته بدمشق من أجل راحة البهائم ولم يعلم أحد قصد السلطان في سرعة السير لماذا وسار السلطان حتى وصل إلى حمص ثم إلى حماة فخرج الأمير جلبان نائب حماة إلى ملاقاة السلطان بعساكر حماه فأقام السلطان بظاهر حماة المذكورة ثلاثة أيام ثم رحل منها يريد حلب‏.‏



ولم يدخل السلطان حماة بأبهة السلطنة كما دخل دمشق لما سبق ذلك من قواعد الملوك السالفة‏:‏ أن السلطان لا يدخل أبدًا من مدن البلاد الشامية بأبهة السلطنة إلا دمشق وحلب ثم مصر وباقي البلاد يدخلها على عادة سفره إلا الملك المؤيد شيخ فإنه لما سافر إلى البلاد الشامية في واقعة نوروز الحافظي عمل بحماة الموكب السلطاني ودخلها بأبهة السلطنة وحمل على رأسه القبة والطير الأمير الكبير استقلالًا بنائبها فإنه لا يحمل القبة والطير على رأس السلطان إلا أحد هؤلاء الأربعة‏:‏ الأمير الكبير أو ابن السلطان أو نائب الشام أو نائب حلب‏.‏

وكان لعمل الملك المؤيد الموكب بحماه سبب وهو أنه كان في أيام إمرته في الدولة الناصرية فرج لما حاصر الأمير نوروز الحافظي بها تلك المدة الطويلة‏.‏

وقع من حقه من أهل حماة أمور شنيعة صار في نفسه من ذلك حزازة فلما ملك البلاد وتسلطن أراد أن ينكيهم بما هو فيه من العظمة ويريهم ما آل أمره إليه ‏.‏



وسار السلطان الملك الأشرف من حماة إلى أن وصل إلى حلب في يوم الثلاثاء خامس شهر رمضان ودخلها على هيئة دخوله إلى دمشق بأبهة السلطنة وحمل القبة والطير على رأسه الأمير قوروه من تمراز نائب حلب وشق السلطان مدينة حلب في موكب عظيم إلى أن خرج منها على هيئته ونزل بمخيمه بظاهر حلب برأس العين ونزل مبه جميع عساكره بخيلهم ولم ينزل أحد منهم بمدينة حب فأقام السلطان بمكانه المذكور خمسة عشر يومًا يركب فيها ويدخل إلى حلب ويطلع على قلعتها‏.‏

وكانت إقامة السلطان بحلب هذه المدة ليرد عليه بها قصاد الأمير عثمان بن طرعلي المدعو قرايلك في طلب الصلح فلم يرد عليه أحد ممن يعتمد السلطان على كلامه فعند ذلك تهيأ السلطان للخروج إلى جهة آمد‏.‏



وسار من حلب في يوم الاثنين حادي عشرين شهر رمضان مخففًا من الأثقال والخيام الهائلة ونزل القضاة بمدينة حلب وصحب الخليفة أمير المؤمنين المعتضد داود وهو في ترسيم الأمير قراسنقر العبد رحماني أحد أمراء الطبلخاناه كما هي العادة في مشي بعض الأمراء مع الخلفاء في الأسفار كالترسيم عليه وهذا أيضًا من القواعد القديمة‏.‏

واستمر السلطان في سيره بجميع عساكره غير أنهم في خفة من أثقالهم إلى أن وصل البيرة وقد نصب جسر المراكب على بحر الفرات لتعدية العساكر السلطانية عليه إلى جهة الشرق فنزل السلطان في البر الغربي الذي جهة حلب وأقام بمخيمه وأمر الأمراء أن تعدي إلى تلك الجهة بأطلابها قبله ثم يسير السلطان بالعساكر بعدهم لئلا تروح العساكر على الجسر المذكور لأن الجسر وإن كان محكمًا فهو موضوع على المراكب والمراكب مربوطة موثوقة بالسلاسل فهو على كل حال ليس بالثابت تحت الأقدام ولا بد أن يرتج عند المرور عليه وكانت سعة الجسر بنحو أن يمر عليه قطاران من الجمال المحملة ‏.‏



فأخذت الأمراء في التعدية إلى جهة البيرة والسلطان بعساكره في خيامهم إلى أن انتهى حال الأمراء فأذن السلطان عند ذلك للعساكر بالمرور على الجسر المذكور إلى البيرة من غير عجلة فكأنه استحثهم على السرعة فحملوا جمالهم للتعدية ووقع بينهم أمور وضراب ومخاصمة بسبب التعدية يطول شرحها إلى أن عدى غالبهم‏.‏
فعند ذلك ركب السلطان بخواصه ومر على الجسر المذكور إلى أن عداه‏.‏
ونزل بقلعة البيرة في يوم السبت سادس عشرين شهر رمضان ونزلت العساكر المصرية والشامية على شاطىء بدر الفرات وغيره فأقام السلطان بالبيرة إلى أن رتب أمورها وترك بها أشياء كثيرة من الأثقال السلطانية ورحل منها في أواخر شهر رمضان المذكور إلى جهة آمد حتى نزل على مدينة الرها في ليلة عيد الفطر فوجدناها خرابًا خالية من أهاليها وأصحابها لم يسكنها إلا من عجز عن الحركة من ضعف بدنه أو لقلة ماله‏.‏

ونزل السلطان على ظاهرها من جهة الشرق وعيد بها عيد الفطر ودخلت أنا إلى مدينة الرها وطلعت إلى قلعتها فإذا هي مدينة لطيفة وقلعتها في غاية الحسن على أنها صغيرة جدًا‏.‏



ثم أصبح السلطان يوم عيد الفطر وقد اشتغل بالمسير إلى جهة آمد وإلى الآن لم يعرف لقرايلك خبر والأقوال فيه مختلفة فمن الناس من يقول إنه تهيأ ويريد قتال العساكر السلطانية ومن الناس من يقول إنه دخل إلى آمد وحصنها ومن الناس من يقول إنه ترك بمدينة آمد ابنه بعد أن حصنها وتوجه إلى قلعة أرقنين وأرقنين على يسار المتوجه إلى آمد‏.‏

وسار السلطان بعساكره من الرها وعليهم الأسلحة وآلة الحرب إلى أن نزل إلى آمد في يوم الخميس ثامن شوال وقبل نزول السلطان عليها صف عساكره عدة صفوف ووراءهم الثقل والخدم حتى ملؤوا الفضاء طولًا وعرضًا‏.‏

ومشى السلطان هو والخليفة ومباشرو الدولة حولهما بغير سلاح يوهم أن المباشرين المذكورين هم قضاة الشرع لكون لبسهم على هيئة لبس الفقهاء وليس بينهم وبين القضاة فرق بل كان فيهم مثل القاضي كمال الدين بن البارزي كاتب السر وهو أفضل من قضاة كثيرة وسار السلطان بهم أمام عسكره‏.‏
وقد هال أهل آمد ما رأوه من كثرة العساكر وتلك الهيئة المزعجة التي قل أن يجتمع في عساكر الإسلام مثلها من ترادف العساكر بعضها على بعض حتى ضاق عليهم اتساع تلك البراري وخلف العساكر المذكورة الأطلاب الهائلة والكوسات تدق والبوقات تزعق وقد تجاوز عدد أطلاب الأمراء لكثرة ما اجتمع على السلطان من العساكر المصرية والنواب بالبلاد الشامية وأمراء التركمان والعربان فكانت عدة الأطلاب التي بها الطبول والزمور تزيد على مائة طلب ما بين أمراء مصر المقدمين وبعض الطبلخانات ونائب دمشق وأمرائها وهم عدة كثيرة ونائب حلب وأمرائها وطرابلس وأمرائها وكذلك حماة وصفد وغزة ونواب القلاع وأمراء التركمان الذين تضرب على بابهم الطبول فدقت عند قدوم السلطان جميع طبول هؤلاء وزعقت الزمور يدًا واحدة فانطبق الفضاء طبلًا وزمرًا حربية هذا مع كثرة البراشم والأجراس المعلقة على خيول الحرب الملبسة بالعدد الكاملة وقلاقل الجمال‏.‏



وعند القرب من مدينة آمد أخذت العساكر تلتم حتى شرف أجناد كثيرة على الهلاك من عظم ازدحام بعضهم على بعض ومع هذا أعرض العساكر مدد العين وصار الرجل من العسكر إذا تكلم مع رفيقه لا يسمع رفيقه كلامه إلا بعد جهد كبير لعظيم الغوغاء فانذهل أهل آمد مما عاينوا من كثرة هذه العساكر وشدة بأسها وحسن زيهم ومن التجمل الزائد في العدد والألات والخيول والأسلحة والكثرة الخارجة عن الحد في العدد‏.‏

وكان قرايلك قبل أن يخرج من مدينة آمد أمر أن يطلق الماء على أراضي آمد من خارج البلد من دجلة ففعلوا ذلك فارتطمت خيول كثير من العسكر بالماء والطين فلم يكترث أحد بذلك ومشى العسكر صفًا واحدًا وخلف كل صف صفوف لا تعد واستمروا في سيرهم المذكور إلى أن حاذوا خندق آمد وقد بهت أهلها لما داخلهم من الرعب والخوف مما طرقهم من العساكر ولم يرم منهم أحد بسهم في اليوم المذكور إلا نادرًا ولا علا أحد منهم على شرفات البلد إلا في النادر أيضًا وصاروا ينظرون العساكر من الفروج التي بين الشرفات‏.‏



ولم يكن لآمد المذكورة قلعة بل سور المدينة لاغير إلا أنه في غاية الحسن من إحكام بنيانه وكل بدنة بالسور المذكور تحمى البدنة الأخرى فلهذا يصعب حصارها ويبعد أخذها عنوة فوقف العسكر حول آمد ساعة‏.‏

ثم مال السلطان بفرسه إلى جهة بالقرب من مدينة آمد ونزل به في مخيمه وأمر الناس بالنزول في منازلهم وأمرهم بعدم قتال أهل آمد على أن أوباش القوم تراموا بالسهام قليلًا فتوجه كل واحد إلى مخيمه ونزل الجميع بالقرب من آمد كالحلقة عليها غير أنهم على بعد منها بحيث إنه لا يلحقهم الرمي من السور وأحدقت العساكر بالمدينة من جهتها الغربية وكان الموضع الذي نزلنا به هو أقرب الأماكن للمدينة المذكورة‏.‏



ونزل السلطان بمخيمه وقد ثبت عنده رحيل قرايلك من آمد وأنه ترك أحد أولاده بها فأقام بمخيمه إلى صبيحة يوم السبت عاشر شوال فركب وزحف بعساكره على مدينة آمد بعد أن كلمهم السلطان في تسليمها قبل ذلك وترددت الرسل بينه وبينهم فأبى من بها من الإذعان لطاعة السلطان وتسليم المدينة إلا يإذن قرايلك‏.‏
ولما زحف السلطان على المدينة اقتحمت عساكر السلطالط خندق آمد وقاتلوا من بها قتالًا شديدًا حتى أشرف القوم على الظفر وأخذ المدينة وردم غالب خندق مدينة آمد بالحجارة والأخشاب‏.‏

وبينما الناس في أشد ما هم فيه من القتال أخذ السلطان في مقت المماليك وتوبيخهم وصار كلما جرح واحد من عساكره وأتي له به يزدريه ويهزأ به وينسب القوم للتراخي في القتال‏.‏



ثم لبس هو سلاحه بالكامل وأراد أن يقتحم المدينة بنفسه حتى أعاقه عن ذلك أعيان أمرائه وهو راكب على فرسه وعليه السلاح الكامل من الخوف إلى الركب واقف على فرسه بمخيمه حيث يجلس والناس وقوف وركبان بين يديه تعده بالنصر والظفر في اليوم المذكور وإن لم يكن في هذا اليوم فيكون في الغد وتذكر له أن القلاع لا تؤخذ في يوم ولا يومين وهو يتكلم بكلام معناه أن عساكره تتهاون في قتال أهل آمدة فلا زالت الأمراء به حتى خلع عن رأسه خوذته ولبس تخفيفة على العادة واستمر القرقل عليه إلى أن ترضاه الأمراء وخلع قرقله فحمي الحر واشتدت القائلة وسئمت الناس من القتال هذا مع ما بلغهم من غضب السلطان بعد أن لم يبقوا ممكنًا في القتال وقد أثخنت جراحات الأمراء والمماليك من عظم القتال‏.‏
كل ذلك والسلطان ساخط عليهم بغير حق فعند ذلك فتر عزم القوم عن القتال من يومئذ وما أرى هذا الذي وقع إلا خذلانًا من الله تعالى لأمر سبق وإلا فالعساكر الذين اجتمعوا على آمد كان يمكنهم أخذ عدة مدن مثل آمد وغيرها‏.‏
ولما انقضى القتال وتوجه كل واحد إلى مخيمه وهو غير راض في الباطن وجد أهل آمد راحة كبيرة بعودة القوم عنهم وبلعوا ريقهم وأخذوا في تقوية أبراج المدينة وسورها بعد أن كان أمرهم قد تلاشى مما دهمهم من شدة قتال من لا قبل لهم بقتاله‏.‏



ونزل السلطان بمخيمه وندب الأمراء والعساكر للزحف على هيئة ركوبهم يوم السبت في يوم الثلاثاء وهو أيضًا في حال غضبه فابتدأ الأمير قوروه نائب حلب والأمير مقبل نائب صفد والأمير جقمق العلائي الأمير آخور في الكلام مع السلطان في تسكين غضبه وقالوا‏:‏ يا مولانا السلطان القلاع كما في علم السلطان ما تؤخذ في يوم واحد ولا في شهر وثم من القلاع ما حاوره تيمورلنك مع كثرة عساكره عشر سنين‏.‏

يا مولانا السلطان الحصون ما تبنى إلا للمنع ولولا ذاك ما بنى أحد حصنًا‏.‏
وقد اجتهد مماليك السلطان وأمراؤه في القتال وجرح الغالب منهم وكان ممن خرح من الأعيان‏:‏ الأمير تغري بردي المحمودي رأس نوبة النوب وهو كان يوم ذاك أتابك العساكع بدمشق والأمير سودون ميق أحد مقدمي الألوف بديار مصر والأمير تنبك من سيدي بك الناصري المعروف بالبهلوان أحد امراء العشرات ورأس نوبة وأما من المماليك والخاصكية فكثير‏.‏



فكان آخر كلام السلطان للأمراء‏:‏ إن العساكر تركب صحبة الأمراء في يوم الثلاثاء وتزحف على المدينة ويكون الذي يركب مع الأمراء للزحف المماليك القرانيص وأنا ومماليكي الأجلاب نكون خلفهم أراد بذلك عدم معرفة مماليكه بطرق الحرب فحمل الناس كلامه على أنه يفعل ذلك شفقة على مماليكه وأنه يريد هلاك من سواهم‏.‏
وقامت قيامة القوم وتنكرت القلوب على السلطان في الباطن وتطاولت أعناق أمرائه إلى الوثوب عليه واتفق كثير منهم على ذلك لولا أن بعضهم مات من جراحه وتخوف بعضهم أيضًا من بعض وعدم موافقة جماعة أخر من أعيان الأمراء لذلك‏.‏

وكان ممن اتهم بالوثوب على ما قيل الأتابك جارقطلو نائب الشام وطرباي نائب طرابلس ومقبل نائب صفد وتغري بردي المحمودي مات بعد أيام من جرح أصابه وسودون ميق مات أيضًا من جرح أصابه والأمير جانبك الحمزاوي مات في عود الملك الأشرف إلى مصر بعد أن ولاه نيابة غزة على كره منه وجماعة كثيرة غير هؤلاء على ما قيل‏.‏
وكان الذي لم يوافقهم على الوثوب الأمير قوروه والأمير إينال الجكمي أمير سلاح والأمير جقمق الأمير آخور وأما الأمير سودون من عبد الرحمن ألابك العساكر فلم يكن من هؤلاء ولامن هؤلاء لطول مرضه من يوم خرج من مصر وهو في محفة وكل ذلك لم يتحققه أحد غير أن القرائن الواقعة بعد ذلك تدل على صدق هذه المقالة‏.‏



ولما خرج الأمراء من عند السلطان بعد أن امتثلوا ما رسم به من الزحف في يوم الثلاثاء بلغ السلطان عن الأمراء والمماليك نوع مما ذكرناه فاضطرب أمره وصار يحاور المدينة وهو في الحقيقة محصور من احتراسه من أمرائه ومماليكه وأخذ في الندم على سفره وفتر عزمه عن أخذ المدينة في الباطن وضعف عن تدبير القتال‏.‏

كل ذلك والموكب السلطاني يعمل في كل يوم والأمراء تحضره ويركب السلطان ويسير إلى حيث شاء ومعه الأمراء والنؤاب غير أن البواطن معمورة بالغش ويمنعهم من إظهار ما في ضمائرهم موانع هذا والقتال مستمر في كل يوم بل في كل ساعة بين العسكر السلطاني وبين أهل آمد غير أنه لم يقع يوم مثل يوم السبت المذكور وقتل خلائق من الطائفتين كثيرة وصار السلطان يضايق أهل آمد بكل ما وصلت قدرته إليه هذا وقد قوي أمرهم واشتد بأسهم لما بلغهم من اختلاف عساكر السلطان وصاروا يصيحون من أعلى السور‏:‏ الله ينور جارقطلو وانطلقت ألسنتهم بالوقيعة والسب والتوبيخ من السلطان إلى من دونه‏.‏



وبينما السلطان فيما هو فيه قدم عليه الأمير دولات شاه الكردي صاحب أكل من ديار بكر فأكرمه السلطان وخلع عليه‏.‏

ثم لما بلغ الأشرف أحمد ابن الملك العادل سليمان ابن المجاهد غازي ابن الكامل محمد بن العادل أبي بكر ابن الأوحد عبد الله ابن المعظم توران شاه ابن السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن السلطان الملك الكامل محمد ابن السلطان الملك العادل أبي بكر بن أيوب بن شاذي الأيوبي صاحب حصن كيفا قدوم السلطان الملك الأشرف إلى آمد خرج من الحصن في قليل من عسكره في أوائل في القعدة يريد القدوم أعلى السلطان فاعترضه في مسيره جماعة من أعوان قرايلك على حين غفلة وقد نزل عن فرسه لصلاة العصر وقاتلوه إلى أن قتل الملك الأشرف المذكور من سهم أصابه وانهزم بقية من كان معه وانتهبوا فقدم جماعة منهم على الملك الأشرف وعرفوه بقتل الملك الأشرف صاحب الحصن فعظم عليه ذلك إلى الغاية‏.‏



ومن هذا اليوم أخذ السلطان في أسباب الرحيل عن آمد غير أنه صار يترقب حركة يرحل بها لتكون لرحيله مندوحة‏.‏
ثم ندب السلطان جماعة كبيرة من التركمان والحربان من عسكره لسع قتلة الملك الأشرف صاحب الحصن‏.‏
وكان منذ نزل السلطان على آمد وأتباع العسكر السلطاني من التركمان والعربان تعيث وتنهب في قرى آمد وغيرها ويأتون بما يأخذونه للعساكر المذكورة وصارت الغلمان تخرج من الوطاق إلى جهات آمد وتحصد الزروع وتأتي بها الأجناد حتى صار أمام خيمة كل جندي جرن كبير من الزرع وهو الذي قام بعلوفه خيول العسكر في طول مدة الإقامة على آمد ولولا ذلك لكان لهم شأن آخر‏.‏
ولما ندب السلطان الجماعة المذكورة لتتبع قتلة الملك الأشرف وغيره خرجوا إلى جهة من الجهات فوافوا جماعة كبيرة من أمراء قرايلك وقاتلوهم حتى هزموهم وأسروا منهم جماعة كبيرة من أمراء قرايلك وفرسانه وأتوا بهم إلى السلطان وهم نيف على عشرين نفسًا فأمر السلطان بقيدهم فقيدوا‏.‏



ثم توجهوا ثانيًا فوافقوا جماعة أخر فقاتلوهم أيضًا وأسروا منهم نحو الثلاثين ومن جملتهم قرا محمد أحد أعيان أمراء قرايلك فأحضر السلطان قرا محمد وهدده بالتوسيط إن لم يسلم له آمد فأخذوا قرا محمد المذكور ومروا إلى تحت سور المدينة فكلمهم قرا محمد المذكور في تسليم المدينة فلم يلتفتوا إليه فأخذوه وعادوا‏.‏
وأصبح السلطان فوسط منهم تحت سور آمد واتفق في توسيط هؤلاء غريبة وهو أن بعضهم حمل للتوسيط فاضطرب من أيدي حملته فوقع منهم إلى الأرض فقام بسرعة وهرب إلى أن ألقى بنفسه إلى الخندق بعد أن تبعه جماعة فلم يقدروا على تحصيله ثم خرج من الخندق وقد أرخي إليه من سور آمد حبل وتشبث به إلى قريب الشرفة فانقطع الحبل فوقع إلى الأرض ثم جر ثانيًا إلى أعلى المدينة ونجا وقيل إنه مات بعد ثلاثة أيام من طلوعه والله أعلم‏.‏



ثم بلغ السلطان أن قرايلك نزل من قلعة أرقنين بجماعة من عساكره يريد أن يكبس على السلطان في الليل أو يتوجه بهم إلى حلب فندب السلطان جماعة من الأمراء والمماليك في عمل اليزك بالنوبة في كل ليلة لحفظ العساكر ثم رسم السلطان للأمير جارقطلو نائب الشام بالتوجه لقرايلك بقلعة أرقنين وندب معه جماعة من النواب والأمراء والعساكر المصرية وكنت أنا معهم فخرجنا من الوطاق السلطاني في الليل بجموع كثيرة وجددنا في السير حتى وافينا قرايلك وهو بمخيمه تحت قلعة أرقنين بمن الظهر والعصر وكان غالب العسكر قد تخلف بعدنا‏.‏

فتقدم بعض العسكر السلطاني من التركمان والعربان ومثل الأمير مقبل الحسامي نائب صفد وآقبغا الجمالي المعزول عن الأستادارية وجماعة أخر جمن الأعيان من أمراء مصر والشام واقتتلوا مع القرايلكية قتالًا جيدًا إلى أن كانت الكسرة فينا وقتل منا جماعة كثيرة من التركمان والعربان وأمراء دمشق وغيرهم مثل الأمير تمرباي الجقمقي أحد أمراء دمشق والأمير بخت خجا أيضًا من أمراء دمشق وجرح أكثر من كان معنا من الخاصكية والمماليك كل ذلك وسنجق السلطان إلى الآن لم يصل إلينا‏.‏



وأما جارقطلو فإنه لما قوي الحر عليه نزل على نهر بالقرب من أرقنين ليروي خيوله منه وصار الرائد يرد عليه بأن القوم قد التقوا مع عساكر قرايلك وهم في قلة وقد عزموا على القتال فلم يلتفت إلى ذلك وسار على هينته فتركه بعض عساكره وساروا حتى لحقوا بمن تقدمهم وقاتلوا القرايلكية وهم من تقدم ذكرهم ممن قتل من أمراء دمشق‏.‏

ولما أن بلغ من معنا من الأمراء المصريين ما وقع لجماعتنا ساقوا أيضًا حتى وافي جماعة منهم العسكر السلطاني فعند ذلك تراجع القوم وكروا القرايلكية وهزموهم أقبح هزيمة وتعلق قرايلك بقلعة أرقنين وتحصن بها ونهبت عساكره وتمزقوا كل ممزق‏.‏
ثم عدنا إلى جهة الوطاق بآمد في آخر النهار اله على أقبح وجه ممن باشر القتال وهم القليل وأما غالب العسكر فلم ير القتال بعينه‏.‏
وصار الأمير أزبك جحا بين يدي السلطان يثني على التركمان والعربان ويقول‏:‏ يا مولانا هولاء هم العسكر الذي ينتصر الملوك بهم لا غيرهم ذلك على طائفة من المماليك إلى الغاية وشنعوا القاله فيه لكونه تكلم ومن يومئذ تحقق السلطان ما قيل عن جارقطلو من تقاعده عن قتال قرايلك وأكثر أهل آمد من هذا اليوم الدعاء للأمير جارقطلو المذكور من أعلى السور خرجوا عن الحد فلم يدر الناس هل كان ذلك مكيدة من مكايد قرايلك الخلف بين العسكر بسبب ذلك أم كان ذلك عن حقيقة والله أعلم‏.‏



هذا والسلطان مجتهد في عماره قلعة من الخشب تجاه أبراج ومكاحل النفط ترمى في كل يوم بالمدافع والمناجنيق منصوبة يرمى بها وأيضًا على الأبراج وأهل آمد في أسوأ ما يكون من الحال هذا مع عدم التفات السلطان لحصار آمد الالتفات الكلي لشغل خاطره من جهة اختلاف عساكره وهو بتلك البلاد بين يدي عدوه وقد تورط في الإقامة على حصار آمد والشروع ملزم‏.‏

وطالت إقامته على آمد بعساكره نحو خمسة وثلاثين يومًا وقد ضاق الحال أيضًا على أهل آمد فعند ذلك ترددت الرسل بين السلطان وبين قرايلك في الصلح وكان قرايلك هو البادىء في ذلك حتى تم وانتظم الصلح بينهما على أن قرايلك يقبل الأرض للسلطان ويخطب باسمه في بلاده ويضرب السكة على الدينار والدرهم باسمه فأجاب إلى ذلك فأرسل إليه السلطان حمي القاضي شرف الدين الأشقر نائب كاتب السر وأرسلت أنا معه بعض أعيان مماليك الوالد ممن كان في صحبتي من المماليك السلطانية فتوجه إليه القاضي شرف الدين المذكور بالخلع والفرس الذي جهزه السلطان إليه بقماش ذهب ونحو ثلاثين قطعة من القماش السكندري‏.‏
ولما بلغ قرايلك مجيء القاضي شرف الدين نزل من قلعة أرقنين بمخيمه ولقي القاضي شرف الدين المذكور وسلم عليه ثم قام وقبل الأرض فألبسه القاضي شرف الدين الخلعة وكانت كاملية مخمل كفوي بمقلب سمور وفوقانيًا بوجهين أحمر وأخضر بطراز عريض إلى الغاية‏.‏



ثم قدم له الفرس صحبة الأوجاقي فقام إليه فأمره القاضي شرف الدين بتقبيل حافر الفرس فامتنع من ذلك قليلًا ثم أجاب بعد أن قال‏:‏ والله إن هذه عادة تعيسة أو معنى ذلك‏.‏

ثم أخذ في الكلام مع القاضي شرف الدين فأخذ القاضي شرف الدين يعظه ويحذره مخالفة السلطان وسوء عاقبة ذلك فقال‏:‏ وأنا من أين والسلطان من أين أنا رجل تركماني في جهة من الجهات ثم شرع يذكر قلة رأي السلطان في مجيئه إلى بلاده وقال‏:‏ أنا يكفيني نائب حلب وهو بعض نواب السلطان وما عسى كان يفعل السلطان لو أخذ آمد وكل شيء في آمد ما يساوي بعض ما تكلفه ثم قال‏:‏ والله لو أعطاني السلطان نصف ما ذهب من الكلف في نعل خيوله وخيول عساكره لرضيت ودخلت في طاعته ثم قال‏:‏ لو كان مع السلطان أمير من جنس هذا وأشار إلى مملوك الوالد الذي توجه مع القاضي شرف الدين مما خلاه يجيء إلى هنا وكان المملوك المذكور تتريا فقال شرف الدين‏:‏ بلى مع السلطان جماعة من جنسه فقال‏:‏ لا والله كان عندكم واحد نفيتموه إلى القدس بطالًا يعني بذلك الأمير قرامراد خجا الشعباني أمير جاندار وأحد مقدمي الألوف‏.‏
ثم قام قرايلك وقلع الخلعة من عليه وألبسها بعض حواشيه ثم فعل بالكاملية أيضًا كذلك وانفض المجلس وبات شرف الدين تلك الليلة عنده ولم يجتمع به غير المرة الأولى‏.‏



وعند السفر دخل إليه من الغد وسلم عليه فأنعم على قرايلك بأربعة أكاديش يساوي ثمنها أربعة آلاف درهم فلوسًا عند صاحب الغرض‏.‏
وعاد القاضي شرف الدين إلى السلطان فاجتمعت به قبل السلطان وعرفني جميع ما حكيته فاتفقنا على جواب نمقناه يحسن ببال السلطان من جنس كلام قرايلك لا يخفى على الذوق السليم معناه‏.‏

فلما دخل إلى السلطان وأعاد عليه الجواب المذكور سر السلطان قليلًا بذلك وعظم سرور من حضر من القوم ومعظم سرورهم بعودهم إلى بلادهم وأوطانهم سالمين مما هالهم مما كانوا فيه من المشقة وقد اعتادوا بالترف والأمن وقلة القتال‏.‏

وفي الحال أخذ السلطان في أسباب الرحيل ورحل في ليلة الخميس ثالث عشر ذي القعدة في النصف الثاني من الليل من غير ترتيب ولا تطليب ولا تعبية ورحلت العساكر من آمد كالمنهزمين لا يلوي أحد على أحد بل صار كل واحد يسير على رأيه‏.‏



وعند رحيل القوم أطلق الغلمان النيران في الزروع المحصودة برسم عليق خيول الأجناد فإنه كان كل جندي من الأجناد صار أمام خيمته جرن كبير مما يحصده غلامه ويأتيه به من زروع آمد فلما انطلق النار في هذه الأجران انطبق الوطاق بالدخان إلى الجو حتى صار الرجل لا ينظر إلى الرجل الذي بجانبه‏.‏

ورحل الناس على هذه الهيئة مسرعين مخافة أن يسير السلطان ويتركهم غنيمة لأهل آمد‏.‏
وبالله لو نزلوا في ذلك الوقت لأمسكوا من اختاروا مسكه قبضًا باليد ولو أرادوا النهب لغنموا وسعموا إلى الأبد لأن السلطان سار قبل رحيل نصف عسكره‏.‏
وسار القوم من آمد إلى جهات متفرقة إلى أن طلع النهار وقد تمزقت العساكر في طرقات متعددة لا تعرف طائفة خبر طائفة أخرى لبعد ما بينهم من المسافة‏.‏



فتوجه أتابك العساكر سودون من عبد الرحمن وهو مريض ملازم ركوب المحفة من طريق ماردين السالكة إلى مدينة الرها ومعه طائفة كبيرة ممن تبعه من العسكر السلطاني وتوجهت طائفة أخرى من العسكر من الطريق التي سلكناها في الذهاب إلى آمد من جهة قلعة أرقنين التي بها قرايلك وتبعهم خلائق وعدة أطلاب فافترق الأمراء من مماليكهم وأطلابهم وتشتت شملهم‏.‏

وسار السلطان من الطريق الوسطى من على الجبل المعروف قراضاغ وهذا الطريق أقرب الطرق كالمفازة غير أنه عسر المسلك إلى الغاية من الطلوع والنزول وضيق الطرقات‏.‏

وكنت أنا معه بهذا الطريق المذكور وأكل السبع رجلًا من غلماننا ووقع ذلك لجماعة أخر واصطادت الناس السباع من الأوكار وسرنا حتى نزلنا عن الجبل إلى فضاء غربي الجبل المذكور ومسافة الموضع الذي نزل السلطان به عن أرقنين التي بها قرايلك مقدار نصف بريد تخمينًا‏.‏
وعند نزول السلطان بالمنزلة المذكورة علم بمن فقده من عساكره وتأمل من معه منهم فإذا هم على النصف من عسكره وأيضا فيهم الذي تاه عن جماله ومنهم من لا يعرف طلبه أين ذهب وهو الأمير قرقماس الشعباني حاجب الحجاب نزل بالمنزلة المذكورة وليس معه غير أصحابه وطائفة نحو خمسة أنفس وهجان وغلام فنصب السيبة واستظل تحتها من الشمس وقد سار طلبه بجميع مماليكه ورخته من جهة لا يعرف متى تعود إليه ومثله فكثيرمن الأجناد والأمراء‏.‏



فلما رأى الملك الأشرف نفسه في قلة من عساكره ولم يبق معه إلا شرذمة قليلة ولم يعلم أين ذهب الباقون شق عليه ذلك وتخؤف من كبس قرايلك في الليل ولم يجد بدًا من المبيت في المكان المذكور لتمزق عساكره‏.‏
فلما دخل الليل ندب السلطان الأمير جقمق العلائي الأمير آخور الكبير ومعه جماعة لحفظ العسكر في الليل فركب الأمير جقمق بمماليكه ومن انضاف إليه قلت‏:‏ ومن تلك الليلة المذكورة علمت حال قرايلك وهمته فإنه لو كان بقية ما ترك عساكرنا في تلك الليلة بخير لأن الصلح الذي كان وقع بينه السلطان الملك الأشرف كلا شيء‏:‏ كان فسخ مجلس لا غير وقد بلغه ما لعسكرنا من الشتات والتفرق وعلم بجميع ما نحن فيه لقرب المسافة بينا ترك الإيقاع بنا إلا عجزًا وجبنًا وضعفًا‏.‏
وأيضًا من كان بمدينة آمد لو كان فيهم منعة وقوة بعد ما عاينوا ما وقع لعسكرنا عند الرحيل من التمزق وعظم الاضطراب لنزلوا واستولوا على جماعة من العسكر وباقي العسكر لا يعرفون بذلك من عظم الغوغاء وشغل كل واحد بنفسه مع شدة سواد الليل وظلمته‏



ولما أصبح السلطان بكرة يوم الجمعة بهذه المنزلة المذكورة سار كل منها ما يريد مدينة الرها حتى وصلها بمن معه من العسكر وأقام بها حتى اجتمع به من كان ذهب من عساكره في الطرقات‏.‏

وأخذ السلطان في إصلاح أمر مدينة وطلب الأمير إينال العلائي الناوري نائب غزة وأراد أن يخلع عليه بنيابة فامتنع من ذلك أشد امتناع وأفحش في الرد وخاشن السلطان في اللفظ وصمم على عدم القبول لذلك فغضب السلطان منه واشتد حنقه وهم بالإيقاع به فخشي عاقبة ذلك من عظم شوكة إينال المذكور وأخذ يثني على نفسه من كونه يحكم على أمرائه ومماليكه وأشياء من هذا المعنى إلى أن قال‏:‏ أنا حكمي ما يسمعه إلا مماليكي وطلب الأمير قراجا الأشرفي شاد الشراب خاناه وخلع عليه باستقراره في نيابة الرها وخلع على القاضي شرف الدين نائب كاتب السر باستقراره كاتب سر الرها وخرجا من بين يدي السلطان بالخلع على كره‏.‏



ثم لما توجه الأمير إينال العلائي نائب غزة إلى مخيمه كلمه الناس من أصحابه فيما وقع منه من تمنعه ومخاشنته في الكلام مع السلطان أو كأنه خشي عواقب ما وقع منه فاعتذر من خراب مدينة الرها وأنه ليس بها ما يقوم بأوده وبلغ السلطان ذلك فضمن له ما طلبه وخلع عليه من يومه المذكور باستقراره في نيابة الرها ثم استعفى شرف الدين من كتابة سر الرها فأعفي بعد أن حمل خمسمائة‏.‏
دينار للخزانة الشريفة‏.‏

ثم أمر السلطان المماليك السلطانية بدفع ما معهم من الشعير للأمير إينال المذكور ليكون له حاصل بالرها فبعث كل واحد منهم بشيء من عليق خيوله فاجتمع من ذلك شونة كبيرة ثم أنعم السلطان على الأمير إينال المذكور بأشياء كثيرة وأصلح أمره وسار بعساكره عن الرها إلى أن نزل البيرة‏.‏
قلت‏:‏ وإينال هذا هو الملك الأشرف سلطان زماننا‏.‏

ولما نزل السلطان بالبيرة أقام بها إلى أن عدت عساكره الجسر الذي نصب على بحر الفرات إلى البر الغربي ثم عدى السلطان إلى البر الغربي المذكور وأقام به يومه ورحل من آخر النهار المذكور بعساكره حتى وصل إلى حلب في خامس عشر ذي القعدة ونزل بظاهرها بالمنزلة التي نزل بها في ذهابه إلى آمد ونزل حوله جميع عساكره بعد أن أجهدهم التعب وماتت خيولهم وتلفت أموالهم من غير فائدة ولا قيام حرمة غير أن لسان الحال ينشد قول القائل‏:‏ الوافر‏:‏ مشيناها خطى كتبت علينا ومن كتبت عليه خطى مشاها وأقام السلطان بحلب نحو العشرة أيام وأمر النواب بالبلاد الشامية بالمسير إلى محل كفالتهم وخلع على الأمير جانبك الحمزاوي أحد مقدمي الألوف باستقراره في نيابة غزة عوضًا عن إينال العلائي المنتقل إلى نيابة الرها فامتنع جانبك الحمزاوي من ذلك امتناعًا كليًا فألبسه الخلعة كرهًا‏.‏



قيل‏:‏ إن جانبك المذكور لما لبس الخلعة وخرج هز رأسه وأمسك لحية نفسه كالمتوعد وبلغ الأشرف ذلك فقال‏:‏ حتى يصل إلى غزة فمات بالقرب من بعلبك‏.‏
وكان جانبك ممن اتهم بالممالأة من الأمراء في آمد وتكلم الناس في موت نجانبك المذكور‏:‏ أنه اغتيل بالسم لقول الملك الأشرف في حقه‏:‏ حتى يصل إلى غزة فقلت لبعض الإخوان‏:‏ يمكن أن يكون ذلك من طريق الكشف والكرامة فضحك الحاضرون وانفض المجلس‏.‏
ثم خلع السلطان على الأمير قاني باي الأبو بكري الناصري المعروف بالبهلوان أتابك حلب بانتقاله إلى أتابكية دمشق بعد مرت الأمير تغري بردي المحمودي بآمد من جرح أصابه في حصار آمد وكان المحمودي أيضًا ممن اتهم بالوثوب على الملك الأشرف‏.‏
وخلع على الأمير قطج من تمراز أحد مقدمي ألوف حلب باستقراره أتابك حلب عوضًا عن قاني باي المذكور وخلع السلطان على الأمير كمشبغا الأحمدي الظاهري أحد أمراء العشرات ورأس نوبة بتوجهه إلى الديار المصرية مبشرًا بعود السلطان إلى الديار المصرية‏.‏
وصار السلطان يركب ويسير بحلب وطلع إلى قلعتها غير مرة إلى أن خرج منها في يوم الخميس خامس في ذي الحجة من سنة ست وثلاثين المقدم ذكرها يريد جهة دمشق‏.‏

















صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 25-01-2012, 02:20 AM   رقم المشاركة:587
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 54
المشاركات: 8,675
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الملك الأشرف برسباي (10)


سلطنة الملك الأشرف برسباي (10)







وسار حتى نزل بحماة وأقام بها أيامًا ثم رحل منها بعساكره إلى جهة دمشق حتى دخلها في يوم الخميس تاسع عشر ذي الحجة ونزل بقلعتها ونزلت عساكره بمدينة دمشق‏.‏

ودام بدمشق إلى أن برز منها يوم السبت ثامن عشرين ذي الحجة يريد الديار المصرية بعد أن خلع على جميع نواب البلاد الشامية باستمرارهم ولم يحرك ساكن في الظاهر والله متولي السرائر‏.‏

ثم سار السلطان حتى وصل غزة وقد استقر في نيابتها من دمشق الأمير يونس الركني أحد مقدمي الألوف بدمشق وكان يونس المذكور وليها مرة أخرى قبل ذلك‏.‏

وأقام السلطان بغزة ثلاة أيام ثم رحل منها يريد القاهرة حتى وصلها في يوم الأحد العشرين من محرم سنة سبع وثلاثين وثمانمائة ودخل في موكب جليل من باب النور بأبهة الملك وشعار السلطنة وعلى رأسه القبة والطير تولى حملها الأمير الكبير سودون من عبد الرحمن وهو مريض وقد ساعده جماعة من حواشيه في حملها‏.‏



وشق السلطان القاهرة وقد زينت لقدومه أحسن زينة وسار حتى نزل بمدرسته التي أنشأها بخط العنبريين من القاهرة وصلى بها ركعتين ثم ركب منها وسار حتى خرج من باب زويلة وطلع إلى القلعة بعد أن خرج المقام الجمالي يوسف ولده إلى ملاقاته بالخانقاه وعاد معه‏.‏

وكان لقدومه يوم مشهود وسر الناس بسلامته وعاد السلطان إلى مصر بعد أن أتلف في هذه السفره نحو الخمسمائة ألف دينار من النقد وتلف له من السلاح والمتاع والخيل والجمال والبغال مثل ذلك وأنفق الأمراء بمصر والشام والعساكر المصرية والشامية مثل ذلك وتلف لأهل آمد وما حولها من الغلال والزراعات والمواشي شيء كثير إلى الغاية وقتل أيضًا خلائق ومع هذا كله كانت سفرة كثيرة الضرر قليلة النفع‏.‏

ولم ينل أحد في هذه السفرة غرضًا من الأغراض ولا سكنت فتنة ولا قامت حرمة ولا ارتدع عدو‏.‏

ولهج غالب الناس بأن السلطان سعده لا يعمل إلا وهو بقلعته وحيثما تحرك بنفسه بطل سعده وعدوا حركته مع التركمان في نيابته بطرابلس ثم واقعته مع الأمير جقمق نائب الشام لما أمسكه جقمق وحبسه ثم سفرته هذه إلى آمد‏.‏
قلت‏:‏ الحركات والسكون بيد الله ولما طلع السلطان إلى القلعة خلع على الأمراء وأخذ في إصلاح أمره وخلع على التاج بإعادته إلى ولاية القاهرة بعد عزل دولات خجا الظاهري‏.‏



ثم خلع السلطان على الأمير آقبغا الجمالي المعزول عن الأستادارية قبل تاريخه باستقرارا في ولاية الوجه القبلي عوضًا عن داؤد التركماني وكان السلطان أنعم على آقبف المذكور بإمرة عشرة بعد موت الأمير تنبك من سيدي بك المعروف بالبهلوان بآمد‏.‏
ثم في يوم الثلاثاء ثاني عشر شهر ربيع الأول من سنة سبع وثلانين المذكورة رسم السلطان بإخراج الأمير الكبير سودون من عبد الرحمن إلى القدس بطالًا فاستعفى من السفر وسأل أن يقيم بداره بطالًا فأجيب إلى ذلك ولزم داره إلى ما يأتي ذكره‏.‏

وأنعم السلطان بأقطاعه على الديوان المفرد ولم يقرر أحدًا غيره في أتابكية العساكر بالديار المصرية وهذا شيء لم نعهد بمثله‏.‏
وضرب رنك السلطان على البيمارستان المنصوري بالقاهرة‏.‏



وكانت العادة جرت من مدة سنين أن كل من يلي الإمرة الكبرى يكون هو الناظر على البيمارستان المذكور فلما نفدت هذه الوظيفة تكلم السلطان على نظرها وضرب اسمه على بابها‏.‏

ثم في يوم السبت أول شهر ربيع الآخر خلع السلطان على دولات خجا المعزول عن ولاية القاهرة باستقراره في ولاية المنوفية والقليوبية‏.‏
ثم في يوم الاثنين ثالث شهر ربيع الآخر المذكور ركب السلطان من قلعة الجبل ونزل إلى الصيد وعاد في خامسه‏.‏

ثم في يوم الاثنين عاشره خلع السلطان على الأمير إينال الششماني الناصري ثاني رأس نوبة باستقراره في نيابة صفد بعد موت الأمير مقبل الحسامي الدوادار ومقبل أيضًا هو أحد من اتهم بالوثوب على السلطان في آمد‏.‏
ثم في حادي عشره خلع السلطان على آقبغا الجمالي المقدم ذكره باستقراره كاشف الوجه البحري عوضًا عن حسن بك ابن سالم الدوكري وأضيف إليه كشف الجسور أيضًا‏.‏
ثم في ثالث عشره ركب السلطاني ونزل إلى البيمارستان المنصوري للنظر في أحواله فنزل به وأقام ساعة ثم ركب وعاد إلى القلعة‏.‏
ثم في يوم الأحد ثامن عشرين جمادى الأولى خلع السلطان على حسين الكردي باستقراره كاشف الوجه القبلي بعد قتل آقبغا الجمالي في خامس عشرينه في حرب كان بينه وبين عرب البحيرة وقتل معه جماعة من مماليكه ومن العربان‏.‏



ثم خلع السلطان على الوزير الأستادار كريم الدين ابن كاتب المناخ كاملية بفرو وسمور بمقلب سمور لتوجهه إلى البحيرة وصحبته حسين الكردي المقدم ذكره لعمل مصالحها واسترجاع ما نهبه أهل البحيرة من متاع آقبغا الجمالي بعد قتله وكتب إليهم السلطان بالعفو عنهم وأن آقبغا تعدى عليهم في تحريق بيوتهم وسبي أولادهم ثم في أول جمادى الآخرة أمر السلطان بعد من بالإسكندرية من القزازين وهم الحياك فأحصي في يوم الثلاثاء أول جمادى الآخرة المذكورون فبلغت عدتهم ثمانمائة نول بعد ما بلغت عدتهم في أيام نيابة ابن محمود الأستادار في سنة بضع وتسعين وسبعمائة أربعة عشر ألف نول ونيفًا فانظر إلى هذا التفاوت في هذه السنين القليلة وذلك لظلم ولاة الأمور وسوء سيرتهم وعدم معرفتهم لكونهم يطمعون في النزر اليسير بالظلم فيفوتهم أموال كثيرة مع العدل والفرق بين العامر والخراب ظاهر‏.‏



ثم في يوم الاثنين ثاني عشر شهر رجب أدير محمل الحاج على العادة في كل سنة‏.‏
ثم في سابع عشرين شهر رجب المذكور قدم الأمير بربغا التنمي الحاجب الثالث بدمشق إلى القاهرة بسيف الأمير جارقطلو نائب دمشق وقد مات بعد مرضه بخمسة وأربعين يومًا في يوم تاسع عشره فعين السلطان عوضه لنيابة دمشق الأمير قصروه من تمراز نائب حلب وكتب له بذلك‏.‏
ثم في يوم تاسع عشرينه عين السلطان الأمير خجا سودون السيفي بلاط الأعرج أحد أمراء الطبلخاناه ورأس نوبة أن يتوجه إلى قصروه بالتقليد والتشريف‏.‏
وفي اليوم خلع السلطان على الأمير قرقماس الشعباني الناصري المعروف أهرام ضاغ حاجب الحجاب باستقراره في نيابة حلب عوضًا عن قصروه وأن يكون مسفره الأمير شاد بك الجكمي أحد أمراء الطبلخانات ورأس نوبة‏.‏
وخلع السلطان على الأمير يشبك السودوني ثم الظاهري ططر المعروف بالمشد باستقراره حاجب الحجاب عوضًا عن قرقماس المذكور وأنعم بإقطاع قرقماس على الأمير آقبغا التمرازي أمير مجلس وخلع عليه باستقراره أمير سلاح وبإقطاع آقبغا على الأمير يشبك المذكور‏.‏



وخلع السلطان على الأمير إينال الجكمي أمير سلاح باستقراره أتابك العساكر وكانت شاغرة من يوم لزم سودون من عبد الرحمن بيته واستقر عوضه في إمرة سلاح آقبغا التمرازي المقدم ذكره‏.‏
وخلع السلطان على الأمير جقمق العلاني الأمير آخور باستقرار أمير مجلس عوضًا عن آقبغا التمرازي المقدم ذكره‏.‏

وخلع على الأمير حسين بن أحمد المدعو تغري برمش باستقراره أمير آخور عوضًا عن جقمق العلائي‏.‏
فخرج الجميع وعليهم الخلع والتشاريف وجلسوا على المسطبة التي يجلس عليها مقدم المماليك عند باب السر في انتظار الخيول التي أخرجها السلطان لهم بسروج الذهب والكنابيش ما خلا تغري برمش فإنه فارقهم من داخل القصر ونزل إلى باب السلسلة وتسلمه من وقته‏.‏



فقعدوا الجميع على المسطبة صفًا واحدًا وجلس فوق الجميع إينال الجكمي ثم تحته قرقماس نائب حلب ثم آقبغا التمرازي الذي استقر أمير سلاح ثم الأمير جقمق الذي استقر أمير مجلس ثم الأمير يشبك المولى حاجب الحجاب إلى أن حضرت الخيول وركبوا ونزل كل واحد إلى داره‏.‏

فلما نزل جقمق العلائي إلى داره عرفه أصحابه وحواشيه أن وظيفة الأمير آخورية كانت خيرًا له من وظيفة أمير مجلس وإن كان ولا بد فيولى أمير سلاح فيكون ما فاته من منفوع الأمير آخورية يتعوضه من قيام الحرمة بوظيفة أمير سلاح‏.‏

وبلغ السلطان ذلك فرسم في الحال إلى آقبغا التمرازي أن يكون أمير مجلس على عادته وتكون الخلعة التي لبسها خلعة الرضى والاستمرار وأن يكون جقمق أمير سلاح ونزل الأمر إلى كل منهما بذلك فامتثلا المرسوم الشريف واستمر كل منهما على ما قرره السلطان ثانيًا‏.‏



وفي اليوم المذكور رسم السلطان بإخراج الأمير سودون من عبد الرحمن إلى ثغر دمياط وسببه أن السلطان لما بلغه موت جارقطلو استشار بعض خواصه فيمن يوئيه نيابة الشام فذكروا له سودون من عبد الرحمن وأنه يقوم للسلطان بمبلغ كبير من ذهب في نظير ذلك‏.‏

وكان في ظن السلطان أن سودون من عبد الرحمن قد استرخت أعضاؤه وتعطلت حركته من طول تمادي المرض به وقد أمن من جهته ما يختشيه فقال السلطان‏:‏ سودون من عبد الرحمن تلف ولم يبق فيه بقية لذلك فقالوا‏:‏ يا مولانا السلطان هو المتكلم في ذلك فلم يحملهم السلطان على الصدق وأرسل إليه في الحال يعرض عليه نيابة الشام فقبل وقال‏:‏ مهما أراد السلطان مني فعلته له فلما عاد الجواب على السلطان بذلك علم أن غالب ما به تضاعف وأن فيه بقية لكل شيء فأمر في الحال بإخراجه إلى ثغر دمياط‏.‏



ثم خلع السلطان على الأمير بربغا التنمي أحد حجاب دمشق وأعاده إلى دمشق‏.‏
ثم في يوم الخميس سابع شعبان من سنة سبع وثلاثين المذكورة خلع السلطان على الأمير الكبير إينال الجكمي باستقراره في نظر البيمارستان المنصوري على العادة‏.‏
وكان تولية إينال المذكور للإمرة الكبرى بغير إقطاع الأتابكية بل باستمراره على إقطاعه القديم غير أنه أنعم السلطان عليه بقرية حجة ومردة من أعمال نابلس وكانت من جملة إقطاع الأمير الكبير ثم خلع عليه بنظر البيمارستان المذكور فهذا الذي حصل له من جهة الأتابكية ولم ينله منها إلا مجرد الاسم فقط‏.‏

وفي شهر رجب وشعبان قرر السلطان على جميع بلاد الشرقية والغربية والمنوفية والبحيرة وسائر الوجه القبلي خيولًا تؤخذ من أهل النواحي فكان يؤخذ من كل قرية خمسة آلاف درهم فلوسًا عن ثمن الفرس المقرر عليها ويؤخذ من بعض النواحي عشرة آلاف عن ثمن فرسين ويحتاج أهل الناحية إلى مغرم آخر لمن يتولى أخذ ذلك منهم فنزل بسبب ذلك على فلاحي القرى بلاء الله المنزل‏.‏



وأحصى كتاب ديوان الجيش قرى أرض مصر العامرة كلها قبليها وبحريها فكانت ألفين ومائة وسبعيبن قرية وقد ذكر المسبحي في تاريخه أنها كانت في القرن الرابع عشرة آلاف قرية عامرة فانظر إلى تفاوت ما بين الزمنين مع أمن هذا الزمان وكثرة فتن ذلك الزمان غير أن السبب معروف والسكات أجمل‏.‏

ثم في يوم الخميس رابع عشر شعبان برز قرقماس نائب حلب إلى محل كفالته وعليه جمل كبيرة من الديوان‏.‏
ثم في تاسع عشر شعبان
ختن السلطان ولده المقام الجمالي
يوسف وختن معه نحو الأربعين صبيًا بعدما كساهم وعمل لذلك مهمًا هائلًا للرجال بالحوش السلطاني وللنساء بالدور من القلعة‏.‏



ثم في يوم السبت ثالث عشرينه فقد الوزير كريم الدين ابن كاتب المناخ بعد أن كان استعفى غير مرة من إحدى الوظيفتين‏:‏ إما الوز أو الأستادارية فلم يعفه السلطان فلما تسحب في هذا اليوم طلب السلطان أمين الدين إبراهيم بن الهيصم ناظر الدولة وخلع عليه باستقراره وزيرًا عوضًا عن الصاحب كريم الدين المذكور‏.‏

ثم في يوم الأربعاء سابع عشرين شعبان المذكور ظهر الصاحب كريم الدين المقدم ذكره وطلع إلى القلعة فخلع عليه السلطان سلاريًا من قماشه‏.‏
ثم طلع كريم الدين من الغد فخلع عليه السلطان ثانيًا خلعة جليلة باستمراره على وظيفة الأستادارية ونزل إلى داره في موكب جليل وقد سر به غالب أعيان الدولة فإن السلطان كان ألزم زين الدين عبد الباسط بوظيفة الأستادارية فقال له‏:‏ يا مولانا السلطان ما يليق بي هذه الوظيفة فقال‏:‏ يليها دوادارك جانبك فتبرم أيضًا من ذلك فخاشنه السلطان في الكلام وأهانه فأوعد بحمل مبلغ كبير من المال مساعدة للأستادار ثم حسن للسلطان في الباطن ولاية القاضي سعد الدين إبراهيم ناظر الخاص أستاذارًا وكلمه السلطان في ذلك فأبى سعد الدين إبراهيم أيضًا وأخذ يستعفي وبينما هم في ذلك ظهر كريم الدين فتنفس خناق عبد الباسط وغيره بظهور كريم الدين واستمراره على وظيفته‏.‏
وقدم الخبر في هذا الشهر من مكة المشرفة بأن الوباء قد اشتد بها وبأوديتها حتى بلغ عدة من يموت بمكة في اليوم خمسين نفسًا ما بين رجل وامرأة‏.‏



وفي شهر رمضان المذكور تحرك عزم السلطان على السفر إلى جهة آمد لقتال قرايلك وكتب إلى بلاد الشام بتعبئة الإقامات من الشعير وغيره على العادة‏.‏
وكان سبب حركة السلطان لذلك لما ورد عليه الخبر في يوم ثامن عشره أن الأمير إينار العلائي نائب الرها كان بينه وبين أعوان قرايلك وقعة هائلة‏.‏
وسببه أن بعض عساكر حلب أو عساكر الرها خرج يسير فرسه فلما كان بين بساتين الرها صادف طائفة من التركمان فقاتلهم وهزمهم وبلغ ذلك الأمير إينال فخرج مسرعًا من مدينة الرها نجدة لمن تقدم ذكره فخرجت عليه ثلاثة كمائن من القرايلكية فقاتلهم فكانت بينهم وقعة هائلة قتل فلما بلغ السلطان ذلك شق عليه وعزم على السفر ثم كتب السلطان إلى سائر البلاد الشامية بخروج نواب الممالك للحاق الأمير قرقماس نائب حلب بالرها ثم بطل ذلك وكتب بمنعهم من المسير حتى يصح عندهم نزول قرايلك على الرها بعساكره وجموعه فإذا صح لهم ذلك ساروا لقتاله‏.‏



وفي يوم الثلاثاء عشرين شوال كتب السلطان باستقرار خليل بن شاهين الشيخي ناظر الإسكندرية وحاجبها في نيابة الإسكندرية مضافًا على النظر والحجوبية عوضًا عن الأمير جانبك السيفي يلبغا الناصري فرج المعروف بالثور‏.‏

وفي شوال هذا قدم على السلطان الخبر من بغداد على يد قاصد كان السلطان وجهه قبل ذلك لكشف أخبار الشرق وأخبر‏:‏ أن أصبهان بن قرا يوسف لما ملك بغداد من أخيه شاه محمد بن قرا يوسف أساء السيرة بحيث إنه أخرج جميع أهل بغداد منها بعيالهم بعد أن أخذ جميع أموالهم من جليل وحقير فتشتتوا بنسائهم وأولادهم في نواحي الأقطار وصارت بغداد ليس بها سوى نحو ألف رجل من جند أصبهان المذكور لا غير وأنه لم يبق بها سوى ثلاثة أفران تخبز الخبز فقط ولم يبق بها سكان ولا بيعة ولا أسواق‏.‏
فكان فعل أصبهان هذا أقبح من فعل أخيه شاه محمد فإن شاه محمد لما تنصر ومال إلى دين النورانية قتل العلماء وأباد الفقهاء والصلحاء لا غير وترك من دونهم‏.‏
فجاء هذا الزنديق الفاسق تجاوز فعل شاه محمد من أنه أخرج جميع أهل بغداد وكان غرض أصبهان بذلك أن يخرب بغداد حتى لا يبقى لأخيه إسكندر ولا غيره طمع فيها فمد يده في ذلك حتى صارت بغداد خرابًا يبابًا لا يأويها إلا البوم ‏.‏



قال‏:‏ وإنه أخرب أيضًا الموصل حتى صارت مثل بغداد وأعظم من أنه سلب نعم أهلها وأمر بهم فأخرجوا منها وتمزقوا في البلاد واستولت عليها العربان فصارت الموصل منزلة من منازل العرب بعد أن كانت تضاهي دار السلام‏.‏

قال أعني القاصد‏:‏ وان أصبهان أيضًا أخذ أموال أهل المشهد وأزال نعمهم وتشتتوا في البلاد‏.‏
قلت‏:‏ لا أعلم في طوائف التركمان ولا في أوباش عساكر جغتاي ولا في جهال التتار أوحش سريرة ولا أقبح طريقة ولا أسوأ سيرة ولا أضعف دينًا ولا أعدم مروءة ولا أقل نخوة ولا أبشع خبرًا من هؤلاء الزنادقة الكفرة الفسقة أولاد قرا يوسف‏.‏
وعندي أن النصارى أمثل من هؤلاء فإنهم متمسكون بدين على زعمهم وهؤلاء زنادقة لا يتدينون بدين كفرة ملحدون‏.‏

حدثني الأمير علي باي المؤيدي العجمي رحمه الله بعد عوده من عند أصبهان المذكور لما أرسله السلطان الملك الظاهر جقمق في الرسلية إليه بأشياء‏:‏ منها أنه كان يمد السماط بين يديه في بكرة أيام شهر رمضان وأنه سأل علي باي في الأكل معه من جملة عساكره فامتنع فقال له‏:‏ أمير علي باي بتتعب نفسك سخرة بني آدم هو مثاله مثال الزرع‏:‏ يطلع ويكبر ثم يحصد ويزول إلى الأبد وما ثم شيء ذلك فخل عنك ما أنت فيه وكل واشرب‏.‏



قال‏:‏ ثم سألت عن أصبهان من بعض خواصه عن أحواله فكان من جملة ما قاله إنه لا يتعبد على ملة من الملل منذ بلغ الحلم إلى يومنا بخلاف أخيه شاه محمد فإنه كان أولًا أيام أبيه قرا يوسف يصوم ويصلي ويظهر التنسك إلى أن مات أبوه فأظهر الميل إلى دين النصرانية وصار يتعبد على ملتهم‏.‏

فهذا الخبر عن شاه محمد وأصبهان وأضف إليهما إسكندر أيضًا فإنه كان أيضًا من هذه المقولة في الباطن ثم من بعدهم أخوهم جهان شاه بن قرا يوسف ملك في زماننا هذا فإنه أيضًا على طريقهم من الفسق والفجور والانهماك في المسكرات وجميع أفعاله في الباطن تقارب أفعال إخوته غير أنه يظهر خلاف ذلك لئلا ينفر الناس عنه وتسوء القالة فيه وقد استوعبنا أحوال هؤلاء الفسقة في تاريخنا الصافي والمستوفى بعد الوافي بأوسع من هذا فلينظر هناك‏.‏

ثم في يوم الأربعاء أول ذي القعدة توجه الأمير جقمق العلائي أمير سلاح إلى مكة المشرفة حاجًا وسار معه كثير ممن قدم من المغاربة وغيرهم وبسط بالإحسان إليه ذهابًا وإيابًا‏.‏



قال المقريزي‏:‏ وفي هذه السنة يعني عن سنة سبع وثلاثين طلق رجل من بني مهدي من أرض البلقاء امراته وهي حامل فنكحها رجل غيره ثم فارقها فنكحها رجل ثالث فولدت عنده ضفدعًا في قدر الطفل فأخذوه ودفنوه خوف العار‏.‏

ثم في يوم الاثنين ثالث محرم سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة قدم قاصد قرايلك صاحب آمد بكتاب قرايلك ومعه تسعة أكاديش تقدمة للسلطان ودراهم قليلة عليها اسم السلطان لا غير فلم يحسن ذلك ببال أحد‏.‏

ثم في يوم الاثنين حادي عشر المحرم سنة ثمان وثلاثين المذكورة أمسك السلطان الأمير بردبك الإسماعيلي أحد امراء الطبلخانات وحاجب ثاني وأخرجه إلى دمياط وأنعم بإقطاعه على الأمير تغري بردي البكلمشي المعروف بالمؤذي أحد رؤوس النوب وخلع على الأمير جانبك السيفي يلبغا الناصري المعروف بالثور المعزول قبل تاريخه عن نيابة الإسكندرية باستقراره حاجبًا ثانيًا عوضًا عن بردلك الإسماعيلي المقدم ذكره‏.‏

وفي هذا الشهر أيضًا خلع السلطان على دولات خجا وأعيد إلى ولاية القاهرة عوضًا عن التاج بن سيفة الشوبكي‏.‏



ثم قي يوم الخميس سابع عشرين المحرم عملت الخدمة السلطانية بالإيوان المسمى دار العدل من قلعة الجبل بعد ما هجرت مدة لقدوم رسول القان معين الدين شاه رخ بن تيمور ملك المشرق‏.‏
وأحضر الرسول المذكور إلى الموكب بدار العمل وقد هاله ما رآه من حسن زي هذا الموكب‏.‏
وكان الرسول المذكور من أشراف شيراز يقال له السيد تاج الدين علي فحضر تاج الدين المذكور إلى بين يدي السلطان ولم يقبل الأرض لكونه من السادة الأشراف‏.‏

ودفع ما على يده من الكتاب ثم قدم ما معه من الهدية فتضمن كتابه وصول هدية السلطان المجهزة إليه وأنه نذر أن يكسو الكعبة البيت الحرام وطلب أن يبعث إليه من يتسلمها ويعلقها من داخل البيت‏.‏
وتاريخ الكتاب في ذي الحجة سنة ست وثلاثين‏.‏



وكان قدوم القاصد من هراة إلى هرمز ومن هرمز إلى مكة ثم قدم صحبة ركب الحاج فأنزله السلطان بمكان وأجرى عليه ما يليق به من الرواتب‏.‏
واشتملت هدية شاه رخ المذكور على ثمانين ثوب حرير أطلس وألف قطعة فيروزج ليست بذاك مبلغ قيمة الجميع ثلاثة آلاف دينار لا غير‏.‏
ثم في يوم السبت سادس صفر عقد السلطان مجلسًا بين يديه بالقضاة الأربعة بسبب نذر شاه رخ بن تيمور أن يكسو الكعبة فلما جلسوا للكلام بعد أن سألهم السلطان في معنى ذلك أجاب قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني الحنفي بأن نذره لا ينعقد فلم يتكلم أحد وانفض المجلس على ذلك‏.‏

وصار السلطان يقول‏:‏ للعيني مندوحة في منع شاه رخ من الكسوة‏.‏
ثم عين السلطان الأمير أقطوه الموساوي الظاهري برقوق للتوجه إلى شاه رخ برد الجواب صحبة قاصده‏.‏



ثم في يوم الاثنين خامس عشر المذكور ثارت مماليك السلطان الجلبان سكان الطباق بقلعة الجبل وطلبوا القبض على مباشري الدولة بسبب تأخر جوامكهم ففر المباشرون منهم ونزلوا إلى بيوتهم فنزل في أثرهم جمع كبير‏.‏
منهم ومضوا إلى بيت عبد الباسط ناظر الجيش ونهبوه وأخذوا ما قدروا عليه‏.‏
ثم خجوا وقصدوا بيت الوزير أمين الدين بن الهيصم وبيت الأستادار كريم الدين ابن كاتب المناخ ونهبوهما أيضًا ولم يقدروا على قبض أحد من هؤلاء الثلاثة لفرارهم منهم وغلقت الأسواق وخاف كل أحد على بيته‏.‏
هذا وقد صمم المماليك على الفتك بعبد الباسط‏.‏
والعجب أن
السلطان يغضب لعبد الباسط
بل انحرف عليه وأمر بنفيه إلى الإسكندرية لكسر الشر ولم يقع منه في حق مماليكه المذكورين أمر من الأمور إما لمحبته فيهم أو لبغضه في عبد الباسط‏.‏

ولزم عبد الباسط داره وتردد الناس للسلام عليه والسلطان مصمم على سفره إلى ثغر الإسكندرية‏.‏
وأصبح الناس يوم الثلاثاء سادس عشره وإذا بهجة عظيمة فغلقت جميع شوارع المدينة لإشاعة كاذبة بأن المماليك قد نزلوا ثانيًا لنهب بيت عبد الباسط فاضطرب الناس وهرب عبد الباسط من داره وانزعج إلى الغاية فكان هذا أعظم وأشنع من يوم النهب‏.‏



ثم ظهر للناس أن المماليك لم يتحركوا ولا نزل منهم‏.‏
وأما عبد الباسط فإنه لا زال يسعى ويتكلم له خواص السلطان في‏.‏
خروجه إلى الإسكندرية حتى تم له ذلك وطلع إلى القلعة في يوم سابع عشره بعد أن التزم عبد الباسط بأن يقوم للوزير من ماله بخمسمائة ألف درهم مصرية تقوية له وأن السلطان يساعد أستاداره كريم الدين بعليق المماليك شهرًا هذا بعد أن قدم عبد الباسط للأشرف تقدمة من المال في خفية من الناس لإقامة حرمته ولم يخف ذلك عن أحد‏.‏
وأخذ أمر عبد الباسط في انحطاط وصار السلطان يهدده إن لم يل الأستادارية هو أو مملوكه جانبك وهو يتبرم من ذلك كله‏.‏

ثم استعفى الصاحب أمين الدين إبراهيم بن الهيصم من الوزارة فعين السلطان شمس الدين بن سعد الدين بن قطارة القبطي لنظر الدولة وألزمه بتكفية يومه‏.‏
ورسم السلطان بطلب أرغون شاه النوروزي من دمشق وهو يومذاك أستادار السلطان بدمشق ليستقر في الوزارة عوضًا عن ابن الهيصم على عادته قديمًا بعدما عرض السلطان الوزارة على الأستادار كريم الدين ابن كاتب المناخ فأبى كريم الدين قبول ذلك وقال‏:‏ يا مولانا السلطان يختار السلطان إما أكون وزيرًا أو أستادارًا‏.‏
وأما جمعهما معًا فلا أقدر على ذلك‏.‏



فغضب السلطان عليه وهم بضربه ومسكه فضمنه القاضي سعد الدين ابن كاتب جكم ناظر الخاص ونزل الجميع إلى دورهم إلى أن عملت مصالح الجماعة‏.‏
فلما كان يوم السبت عشرين صفر خلع السلطان على أستاداره الصاحب كريم الدين باستمراره وخلع على الصاحب أمين الدين بن الهيصم باستقراره في نظر الدولة على عادته قديمًا كما كان قبل الوزارة وألزمه بتكفية الدولة إلى حين قدوم أرغون شاه من الشام وانفض الموكب‏.‏
فلما نزل الصاحب أمين الدين بالخلعة إلى داره اختفى في ليلة الاثنين ولم يعلم له خبر‏.‏
فأصبح السلطان في يوم الاثنين ثاني عشرينه أمسك الصاحب كريم الدين الأستادار وخلع في الحال على جانبك دوادار عبد الباسط باستقراره أستادارًا عوضًا عن صاحب كريم الدين بن كاتب المناخ فلبس جانبك الخلعة ولم يقدر عبد الباسط أن يتكلم في حقه كلمة واحدة‏.‏
وكان قصد الملك الأشرف أنه متى تكلم أو تمنع عبد الباسط من ذلك قبض عليه فأحس عبد الباسط بالشر فكف عن الكلام‏.‏

ثم ألزم السلطان القاضي سعد الدين إبراهيم ابن كاتب جكم ناظر الخواص بوظيفة الوزارة فلم يوافق على ذلك وانفض المجلس على ذلك‏.‏



وفي هذا اليوم خرج قاصد شاه رخ الشريف تاج الدين من الديار المصرية إلى جهة مرسله وصحبته الأمير أقطوه الموساوي وعلى يده هدية من السلطان إلى شاه رخ المذكور وكتاب جواب كتابه يتضمن منعه من كسوة الكعبة بأن العادة قد جرت قديمًا وحديثًا أن لا يكسو الكعبة إلا ملوك مصر والعادة اعتبرت في الشرع في مواضع وأن للكسوة أوقافًا تقوم بعملها لا يحتاج إلى مساعدة في ذلك وإن أراد الملك وفاء نذره فليبع الكسوة ويتصدق بثمنها في فقراء مكة فهو أكثر ثوابًا حيث يتعدى نفع ذلك إلى جماعة كبيرة وأشياء من هذه المقولة‏.‏

ثم في يوم الخميس خامس عشرينه بعد انقضاء الموكب من القصر وتوجه السلطان إلى الحوش على العادة غضب على القاضي سعد الدين إبراهيم ناظر الخواص بسبب تمنعه من ولاية الوزارة وأمر به فضرب بين يديه ضربًا مبرحًا ثم أقيم ونزل إلى داره‏.‏



ثم طلب السلطان الصاحب كريم الدين ابن كاتب المناخ من محبسه بالقلعة وأمر به فعري من ثيابه وضربه بالمقارع زيادة على مائة شيب ثم ضربه على أكتافه بالعصي ضربًا مبرحًا وعصرت رجلاه بالمعاصير ثم أعيد إلى محبسه يومه وأنزل من الغد في يوم الجمعة على بغل في أسوإ حال ومضي به إلى بيت التاج وإلى القاهرة كان وهو يومذاك شاد الدواوين ليورد ما ألزم به بعد أن حوسب فوقف عليه خمسة وخمسون دينار ذهبًا صولح عنها بعشرين ألف دينار فنزل إلى بيت التاج وأخذ في بيع موجوده وإيراد المال المقرر عليه إلى أن أفرج عنه في ثامن عشر ربيع الأول بعدما حمل نحو العشرين ألف دينار وضمنه فيما بقي أعيان الدولة‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء أول شهر ربيع الآخر من سنة ثمان وثلاثين المذكورة خلع السلطان على القاضي سعد الدين ناظر الخواص خلفة الرضى والاستمرار على وظيفته نظر الخواص وخلع على أخيه القاضي جمال الدين يوسف ابن القاضي كريم الدين عبد الكريم ابن كاتب جكم باستقراره وزيرًا على كره منه بعد تمنع زائد وكان منذ تغيب ابن الهيصم لا يلي الوزارة أحد والقاضي سعد الدين ناظر الخاص يباشرها ويسدد أمورها من غير لبس تشريف فغرم فيها جملة كبيرة لعجز جهاتها عن مصارفها‏.‏

والقاضي جمال الدين يوسف المذكور هو عظيم الدولة في زماننا هذا وناظر جيشها وخاصها كان وهي أول ولاياته للمناصب الجليلة على ما يأتي ذكر ولاياته لغيرها مفصلًا في هذا الكتاب وغيره‏.‏



وخلع السلطان على شمس الدين بن قطارة باستقراره ناظر الدولة فكان الوزير وناظر الدولة في طرفي نقيض فالوزير في الغاية من حسن الشكالة والزي البهيج وسنه دون العشرين سنة وناظر الدولة في الغاية من قبح الشكالة والزي الرديء وسنه نحو السبعين سنة .‏
ثم في يوم الأحد رابع شهر ربيع الأخر قدم الأمير أرغون شاه النوروزي الأعور أستادار السلطان بدمشق إلى مصر بطلب حسبما تقدم ذكره ليلي الوزارة‏.‏
وطلع إلى القلعة من الغد بتقادم جليلة وخلع عليه باستمراره على أستادارية السلطان بدمشق على عادته‏.‏
وفي هذا ثم في جمادى الأولى وقع الشروع في حركة السلطان إلى السفر لقتال قرائلك والفحص أيضًا عن جانبك الصوفي‏.‏

وفي خامس عشره خلع على دولات خجا والي القاهرة باستقراره في ولاية منفلوط وشغرت الولاية إلى يوم الأحد سابع عشره فاستقر فيها علاء الدين علي بن الطبلاوي‏.‏
ثم في يوم السبت أول جمادى الآخرة خلع السلطان على الصاحب كريم الدين عبد الكريم ابن كاتب المناخ باستقراره كاشف الوجه القبلي ورسم السلطان أن يستقر محمد الصغير المعزول عن الكشف قبل تاريخه دوادار الصاحب كريم الدين وأمير علي الذي كان كاشفًا بالوجه القبلي والوجه البحري رأس نوبته ونزل إلى داره من القلعة في موكب جليل كل ذلك والصاحب كريم الدين لم يتغير زيه من لبس الكتبة ولم يلبس الكلفتاه ولا تقلد بسيف‏.‏

وكان الصاحب أمين الدين إبراهيم بن الهيصم قد خرج من اختفائه وطلع إلى السلطان بشفاعة الأمير إينال الأبو بكري الأشرفي الخازندار فطلبه السلطان هذا اليوم وخلع عليه باستقراره شريكًا لعبد العظيم بن صدقة الأسلمي في نظر ديوان المفرد‏.‏



ثم في يوم الأحد سادس عشر جمادى الآخرة المذكورة أمسك السلطان القاضي سعد الدين إبراهيم ناظر الخاص وأخاه الصاحب جمال الدين يوسف رسم عليهما ثم أفرج عنهما من الغد وخلع على سعد الدين المذكور باستمراره وأعفي الصاحب جمال الدين من الوزارة بعد أن ألزمهما بحمل ثلاثين ألف دينار‏.‏

وألزم السلطان تاج الدين عبد الوهاب بن الشمس نصر الله الخطير لبن الوجيه توما ناظر الإسطبل بولاية الوزارة وخلع عليه من الغد في يوم الثلاثاء ثامن عشره فباشر ابن الخطير هذه الوزارة أقبح مباشرة من العجز والتشكي والقلق وعدم القيام بالكلف السلطانية مع قيام السلطان معه وإقامه حرمته وهو مع ذلك يزداد في أعين الناس إلا بهدلة‏.‏

وظهر منه في أيام مباشرته الوزارة حدة زائدة وطيش وخفة بحيث إنه جلس مرة للمباشرة فكثر الناس عنده لقضاء حوائجهم فضاق خلقه منهم فقام إلى باب الدخول وضم جميع سراميج الناس الذين كانوا في مجلسه في ذيله وخرج حافيًا إلى خارج داره وألقاهم إلى الأرض ودخل بسرعة وقال‏:‏ اخرجوا إلى سراميجكم لا يأخدوها فقال له بعضهم‏:‏ تعيش رأس مولانا الصاحب‏.‏



وسخر الناس من ذلك مدة طويلة وهو إلى الآن في قيد الحياة يتشحط في أذيال الخمول .‏
ثم في يوم الأربعاء تاسع عشر جمادى الآخرة المذكورة أنعم السلطان على تمراز المؤيدي الخازندار بإمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق بعد موت الأمير أركماس الجلباني وأنعم بطبلخانة تمراز المذكور على الأمير سنقر العزي الناصري نائب حمص بعد عزله عن نيابة حمص بالأمير ثم في يوم الأحد ثالث عشرينه خرجت تجريدة من القاهرة إلى البحيرة ومقدم العساكر الأمير الكبير إينال الجكمي والأمير جقمق أمير سلاح والأمير يشبك حاجب الحجاب والأمير قاني باي الحمزاوي في عدة من الأمراء‏.‏

وسبب ذلك أن لبيدًا قدم منهم طائفة إلى السلطان بهدية وسألوا أن ينزلوا البحيرة فلم يجابوا إلى ذلك ولكن خلع عليهم وتوجهوا فعارضهم أهل البحيرة في طريقهم وأخذوا منهم خلعهم‏.‏

وكان السلطان يلهج كثيرًا بإخراج تجريدة إلى البحيرة فبلغهم ذلك فأخذوا حذرهم‏.‏
واتفق مع ذلك أن شتاء هذه السنة لم يقع فيه المطر المعتاد بأراضي مصر فقدمت طائفة من لبيد إلى البحيرة لمحل بلادهم وصالحوا أهل البحيرة وساروا إلى محارب وغيرها بالوجه القبلي لرعي الكشيح من أراضي البور من أعمال الصعيد وكان السلطان قد كتب إلى كاشف الصعيد بأن لا يمكنهم من المراعي حتى يأخذ منهم مالًا فغضبوا من ذلك وأظهروا الخلاف فخرجت إليهم هذه التجريدة المقدم ذكرها‏.‏



وفي هذا الشهر ندب السلطان قاضي القضاة شهاب الدين بن حجر أن يكشف عن شروط واقفي المدارس والخوانك ويعمل بها فسر الناس بذلك غاية السرور وكثر الدعاء للسلطان بسبب ذلك فبدأ أولًا بمدرسة الأمير صرغتمش بخط الصليبة وقرأ كتاب وقفها وقد حضر معه القضاة الثلاثة فأجمل ابن حجر في الأمر فلم يعجب الناس ذلك لاستيلاء المباشرين على الأوقاف والتصرف فيها بعدم شرط الواقف وضياع مصالحها فشد في ذلك وأراد عزل جماعة من أرباب وظائفها فروجع في ذلك وانفض المجلس وقد اجتهد الأكلة في السعي بإبطال ذلك حتى أبطله السلطان‏.‏

قلت‏:‏ ولو ندب السلطان لهذا الأمر أحد فقهاء الأمراء والأجناد الذين هم أهل الدين والصلاح لينظر في ذلك بالمعروف لكانت هذه الفعلة تقاوم فتحه لقبرس لضياع مصالح أوقاف الجوامع والمساجد بالديار المصرية والبلاد الشامية لاستيلاء الطمعة عليها وتقريرمن لا يستحق في كثير من وظائفها بغير شرط الواقف ومنع من يستحق العطاء بشرط الواقف ولهذا قررت الملوك السالفة وظيفة نظر الأوقاف لهذا المعنى وغيره فترك ذلك وصار الذي يلي نظر الأوقاف شريكًا لمن تقدم ذكره فيما يتناولونه من ريع الأوقاف والكلام فيما يعود نفعه عليه من جهة حل وقف وبيعه أو لواحد استولى على جهة وقف وأكله بتمامه فيبعث خلفه ويبلصه في شيء له ولأعوانه ويترك الذي قررت هذه الوظيفة بسببه من قديم الزمان وهو ما تقدم ذكره من النظر في أمر الأوقاف والعمل فيما يعود نفعه على الوقف وعلى أرباب وظائفه من الفقهاء ثم في يوم الاثنين ثامن شهر رجب أدير المحمل على العادة في كل سنة‏.‏



ثم في يوم الأربعاء خامس عشر شعبان وصل سيف الأمير طرباي نائب طرابلس فرسم السلطان بنقل الأمير‏.‏
جلبان نائب حماه إلى نيابة طرابلس عوضًا عن طرباي‏.‏
وأصبح من الغد في يوم الخميس سادس عشر شعبان خلع السلطان على الأمير قاني باي الحمزاوي أحد مقدمي الألوف باستقراره في نيابة حماه ونعم بإقطاع قاني باي الحمزاوي وتقدمته على الأمير خجا سودون السيفي بلاط الأعرج وأضاف طبلخانة خجا سودون المذكور إلى الدولة تقوية للوزير التاج الخطير‏.‏
وفي هذا الشهر خرج الأمير قرقماس الشعباني نائب حلب منها بالعساكر ونزل العمق على ما سنحكيه بعد عوده إلى حلب مفصلًا‏.‏
ثم في يوم الثلاثاء رابع شوال قدم على السلطان كتاب القان شاه رخ ملك الشرق يتضمن الوعيد وأنه عازم على زيارة القدس الشريف وأرعد في كتابه وأبرق وأنكر على السلطان أخذ الرشوة من القضاة وأخذ المكوس من التجار ببندر جدة وتعاطيه نوع المتجر فلم يلتفت السلطان إلى كلامه ولا استوعب الكتاب لآخره بل طلب التاج ابن سيفة وخلع عليه بإعادته إلى ولاية القاهرة عوضًا عن علاء الدين علي بن الطبلاوي بحكم عزله ولزومه داره بعدما غرم ركب الأهوال في زورته ثم ماسلم حتى ودعا ثم في ثامن عشره خرج محمل الحاج صحبة أمير الحاج الأمير تمرباي التمربغاوي الدوادار الثاني وأمير الركب الأول الأمير صلاح الدين محمد بن نصر الله محتسب القاهرة‏.‏
وحجت في هذه السنة خوند فاطمة بنت الملك الظاهر ططر زوجة السلطان الملك‏.‏



وفي هذا الشهر ظهر الأمير جانبك الصوفي ببلاد الروم وكان السلطان من يوم فر من سجن الإسكندرية إلى يومنا هذا لم يقف له على خبر بعد أن اجتهد في تحصيله غاية الاجتهاد وأوذي بسببه خلائق لا تدخل تحت حصر فأخذ السلطان في خبره وأعطى إلى أن قدم عليه في أواخر هذا الشهر كتاب الأمير قرقماس نائب حلب بذلك‏.‏
وكان خبر معرفة قرقماس بظهوره أنه وصل معه إلى حلب في يوم الثلاثاء حادي عشر شوال رجل تركماني يقال محمد كان قبض عليه قرقماس بالعمق ومعه كتاب جانبك المذكور في سابع شوال إليه وإلى غيره فسجنه قرقماس بقلعة حلب وجهز الكتب في ضمن كتابه إلى السلطان فلما بلغ السلطان ذلك وتحققه انزعج غاية الانزعاخ‏.‏















صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 25-01-2012, 02:21 AM   رقم المشاركة:588
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 54
المشاركات: 8,675
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الملك الأشرف برسباي (11)


سلطنة الملك الأشرف برسباي (11)








ثم قدم كتاب الأمير بلبان نائب درندة أنه ورد عليه كتاب الأمير جانبك الصوفي يدعوه إلى طاعته فقبض على قاصده وحبسه وأرسل بكتابه إلى السلطان‏.‏
ثم في يوم السبت سابع عشرين ذي القعدة عاد الأمير قرقماس نائب حلب إليها بعد ما كانت غيبته عنها بالعمق ومرج دابق وعينتاب خمسة وسبعين يومًا وقد فاته أخذ قيصرية لاستيلاء إبراهيم بن قرمان عليها وكان قصد السلطان أخذها واستنابة أحد من أمراء السلطان بها‏.‏
قلت‏:‏ ولنذكر ما وعدنا بذكره لسبب سفر قرقماس نائب حلب منها وسببه أن الأمير صارم الدين إبراهيم بن قرمان صاحب لارندة وقونية من بلاد الروم أراد أخذ مدينة قيصرية من الأمير ناصر الدين محمد بن دلغادر وقد تغلب عليها ناصر الدين المذكور وأخذها من بني قرمان وولى عليها ابنه سليمان فترامى ابن قرمان في هذه الأيام على السلطان بأن يملكه قيصرية ووعد بعشرة آلاف دينار في كل سنة وثلاثين بختيًا وثلاثين فرسًا سوى خدمة أركان الدولة‏.‏
فكتب السلطان إلى نائب حلب أن يخرج إلى العمق ويجمع العساكر لأخذ قيصيرية فخرج قرقماس إلى العمق وجمع تركمان الطاعة وكتب إلى ابن قرمان أن يسير بعسكره إلى قيصرية‏.‏



فلما بلغ ابن دلغادر خروج عسكر حلب لأخذ قيصرية منه بعث في الحال بامرأته خديجة خاتون بتقدمة للسلطان ومعها مفاتيح قيصرية وأن يكون زوجها المذكور نائب السلطنة بها وأن يفرج عن ولدها فياض المقبوض عليه قبل تاريخه من سجنه بقلعة الجبل ووعد لذلك أيضًا بمال‏.‏
فقدمت خديجة خاتون المذكورة في أواخر شوال إلى مصر وقدمت ما معها من الهدية وتكلمت بما هو غرض زوجها فقبل هديتها وأفرج لها عن ولدها فياض وخلع عليه بنيابة مرعش‏.‏

وبينما السلطان في ذلك كان نزول قرقماس نائب حلب فى يوم الاثنين أول ذي القعدة من العساكر على عينتاب فأتاه الخبر بأن حمزة بن دلغادر خرج عن طاعة السلطان بمن معه وتوجه إلى ابن عمه سليمان بن ناصر الدين بك ابن دلغادر بعدما بعث إليه وحلفه وأن دوادار جانبك الصوفي ومحمد بن كندغدي بن رمضان التركماني وصلا إلى الأمير ناصر الدين محمد بن دلغادر بأبلستين وحلفاه أنه إذا قدم عليه الأمير جانبك الصوفي لا يسلمه إلى أحد ولا يخذله وأن جانبك كان عند الأمير إسفنديار أحد ملوك الروم فسار من عنده يريد سليمان بن دلغادر فخرج إليه سليمان وتلقاه هو وأمراء التركمان‏.‏



وقبل أن يصل هذا الخبر إلى السلطان جهز خديجة خاتون إلى العود إلى زوجها ناصر الدين بك فخرجت خديجة ومعها ولدها فياض وسارت والسلطان ليس له علم بما وقع لابن دلغادر مع جانبك الصوفي‏.‏
واستمر قرقماس على عينتاب إلى أن بلغه أن الأمير صارم الدين إبراهيم بن قرمان جمع عساكره ونزل على قيصرية فوافقه أهلها وسلموها له وفر سليمان بن ناصر الدين بك منها فبلغه ظهور جانبك الصوفي وأنه اجتمع عليه الأمير أسلماس بن كبك ومحمد بن فقدم سليمان على أبيه ناصرالدين بأبلستين ولم يبلغهما إلى الآن خبر الإفراج عن ولده فياض وخروجه من مصر مع أمه خديجة وأخذ ناصر الدين بك يداري السلطنة ليفرج عن ابنه فياض وندب ابنه سليمان لقتال أعوان جانبك الصوفي كل ذلك قبل أن يرد عليه جانبك الصوفي بمدة وقيل إنه كان أتاه خفية‏.‏

وبينما هم في ذلك وصلت خديجة خاتون وولدها فياض إلى زوجها ناصر الدين محمد بن دلغادر فبلغ ناصر الدين مراده بالإفراج عن ولده وترك مداراة السلطان‏.‏



وانضم إلى جايبك الصوفي حسبما نذكره في مواضعه من هذه الترجمة إن شاء الله تعالى‏.‏
وبلغ ذلك قرقماس نائب حلب فعاد من سفرته بغير طائل‏.‏

ومن يومئذ اشتغل فكر السلطان الملك الأشرف بأمر جانبك الصوفي وتحقق أمره بعدما كان يظنه وأخذ في عزل جماعة من النواب ممن يخشى شرهم وتخوف من قرقماس تخوفًا عظيمًا في الباطن لئلا يميل إلى جانبك الصوفي‏.‏
فأول ما بدأ به السلطان أن عزل الأمير قانصوه النوروزي عن نيابة طرسوس ونقله إلى حجوبية الحجاب بحلب عوضًا عن الأمير طوغان السيفي تغري بردي أحد مماليك الوالد ونقل طوغان المذكور إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق واستقر الأمير جمال الدين يوسف ابن قلدر في نيابة طرسوس عوضًا عن قانصوه‏.‏
ثم في صفر من سنة تسع وثلاثين وثمانمائة ورد الخبر على السلطان أن شاه رخ بن تيمورلنك أرسل إلى السلطان مراد بك ابن عثمان متملك الروم وإلى الأمير صارم الدين إبراهيم بن قرمان المقدم ذكره وإلى قرايلك وأولاده وإلى ناصر الدين بك بن دلغادر بخلع على أنهم نوابه في ممالكهم فلبس الجميع خلعه فشق ذلك على السلطان من كون ابن عثمان لبس خلعته حتى قيل له إنه فعل ذلك في مجلس أنسه استهزاء به‏.‏
قلت‏:‏ لبس الخلعة والفشارما إليه‏.‏



ثم في يوم الاثنين ثاني شهر ربيع الأول من سنة تسع وثلاثين المذكورة خلع السلطان على القاضي شرف الدين أبي بكر نائب كاتب السر باستقراره في كتابة سر حلب عوضًا عن زين الدين عمر بن السفاح بعد امتناع شرف الدين من ذلك أشد امتناع‏.‏

وسبب ذلك أن ابن السفاح المذكور كتب إلى السلطان مرارًا عديدة بالحط على قرقماس نائب حلب وأنه يريد الوثوب على السلطان والخروج عن الطاعة وآخر ما ورد كتابه بذلك في نصف صفر من هذه السنة أعني سنة تسع وثلاثين‏.‏

فلما وقع ذلك كتب السلطان إلى الأمير قرقماس المذكور بالحضور وقد يئس السلطان من حضوره لما قوي عنده من خروجه عن الطاعة وقلق السلطان قلقًا زائدًا بعدما طلبه خوفًا من عدم حضوره فلم يكن بأسرع من مجيء نجاب قرقماس نائب حلب المقدم ذكره في خامس عشرين صفر يستأذن في قدوم قرقماس إلى الديار المصرية وقد بلغه شيء مما رمي به‏.‏

فغضب السلطان عند ذلك على زين الدين عمر بن السفاح ورسم بعزله واستقرار شرف الدين المذكور عوضه وتحقق السلطان أنه لو كان قرقماس مخامرًا لما استأذن في الحضور فسر السلطان بذلك وكتب له الجواب بأنه تقدم الطلب له‏.‏



وأما قرقماس فإنه لما ورد عليه الطلب من السلطان خرج على الفور من حلب على الهجن في خواصه وسار حتى قدم إلى خارج القاهرة في يوم الجمعة سادس شهر ربيع الأول المذكور وطلع من الغد إلى القلعة فلم يخلع السلطان عليه خلعة الاستمرار لكونه استعفى عن نيابة حلب فما صدق السلطان بأنه تلفظ بذلك‏.‏

ولما كان يوم الاثنين تاسع شهر ربيع الأول خلع السلطان على الأمير الكبير إينال الجكمي أتابك العساكر بالديار المصرية باستقراره في نيابة حلب عوضًا عن الأمير قرقماس الشعباني المقدم ذكره وخلع على الأمير جقمق العلائي أمير سلاح باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية عوضًا عن إينال الجكمي وخلع على قرقماس نائب حلب باستقراره أمير سلاح عوضًا عن الأمير جقمق العلائي‏.‏

وكان استقرار إينال الجكمي بعد الأتابكية في نيابة حلب بخلاف القاعدة غير أن السلطان أكرمه غاية الإكرام ووعده بنيابة دمشق لطول مرض الأمير قصروه نائب الشأم‏.‏

وبالغ حتى إنه أسر له إن مات قصروه قبل وصول إينال إلى حلب فليقم بدمشق حتى يرسل إليه السلطان بنيابتها‏.‏

وظهر أيضًا ثم في سابع عشره خلع السلطان على الأمير الكبير جقمق العلائي بنظر البيمارستان المنصوري على العادة‏.‏
وورد الخبر على السلطان‏:‏ أن بمدينة بروسا التي يقال لها برصا من بلاد الروم وباء عظيمًا دام بممالك الروم نحو أربعة أشهر



ثم ورد الخبر على السلطان بأن الأمير ناصر الدين بك ابن دلغادر قبض على الأمير جانبك الصوفي في سابع عشر شهر ربيع الأول وكان السلطان قدم عليه من البلاد الشامية كتاب وفي ضمنه كتاب من عند شاه رخ بن تيمورلنك يتضمن تحريض جانبك الصوفي على أخذ البلاد الشامية وأنه سيقدم عليه ابنه أحمد جوكي وبابا حاجي نجدة له على قتال سلطان مصر فقبض على حامل هذا الكتاب وحبس فلما بلغ السلطان ذلك كتب إلى نواب البلاد الشامية بالتأهب والاستعداد لنجدة نائب حلب الأمير إينال الجكمي إذا استدعاهم ولم يكترث السلطان بقبض جانبك الصوفي وقال‏:‏ هذه حيلة‏.‏

وكان من خبر جانبك الصوفي والقبض عليه وهو خلاف ما نقل عنه قبل ذلك لاختلاف الأقوال في أمره فخبره من هذا الوجه‏:‏ أنه لما فر من الإسكندرية دخل القاهرة بعد أمور ودام بها سنين مختفيًا في حاراتها وظواهرها إلى أن خرج منها متنكرًا وسار إلى البلاد الشامية ثم إلى بلاد الروم فظهر بتوقات في شوال من السنة الماضية أعني سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة فقام متوليها الأمير أركج باشا بمعاونته وأنعم عليه وكتب إلى ناصر الدين محمد بن دلغادر نائب أبلستين وإلى أسلماس بن كبك وإلى محمد بن قطبكي وإلى قرايلك ونحوهم من أمراء التركمان بالقيام معه والاستعداد لنصرته‏.‏



فانضم إلى جانبك الصوفي عند ذلك جماعة كبيرة فتهيأ وخرج بهم من توقات فوافاه الأمير قرمش الأعور أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية المقدم ذكره في واقعة جانبك الصوفي لما قبض عليه بالقاهرة‏.‏

وكان من خبر قرمش المذكور أن الملك الأشرف أمسكه بعد أن قبض على الأمير جانبك الصوفي بمدة يسيرة وحبسه بثغر الإسكندرية ثم أطلقه وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق فلما خرج الأمير تنبك البجاسي عن طاعة الملك الأشرف وافقه قرمش هذا وبقي من حزبه إلى أن انكسر البجاسي وقبض عليه فاختفى قرمش المذكور ولم يظهر له خبر إلى هذا اليوم فكأنه كان مختفيًا بتلك البلاد فلما ظهر أمر جانبك الصوفي توجه إليه
وسار الأمير جانبك الصوفي بمن انضم عليه ومعه الأمير قرمش من توقات إلى الأمير محمد بن ترايلك صاحب قلعة جمركشك فأكرمهم محمد المذكور وقواهم فشنوا منها الغارات على مدينة دوركي وضايقوا أهلها ونهبوا نواحيها فاتفق ورود كتاب شاه رخ ملك الشرق على قرايلك يأمره بالمسير بأولاده وعساكره لقتال إسكندر بن قرا يوسف سريعًا عاجلًا فكتب قرايلك إلى ولده محمد بالقدوم عليه لذلك فترك محمد جانبك الصوفي ومن معه على دوركي وتوجه إلى أبيه‏.‏
فسار جانبك إلى أسلماس وابن قطبكي واجتمعوا ونزلوا على ملطية وحصروها وكادهم سليمان بن ناصر الدين بك ابن دلغادر وكتب إلى جانبك أنه معه‏:‏ فكتب إليه أنه يقدم عليه وكان تقدم بينهما مكاتبات حسبما تقدم ذكره ومواعدات بمجيء جانبك إلى أبلستين فلم يقع ذلك وأرسل جانبك إليه بالقدوم عليه مع الأمير قرمش الأعور فأكرمه سليمان وركب وسار مع الأمير قرمش في وخمسين فرسًا إلى جهة جانبك الصوفي حتى قدم عليه‏.‏



فتلقاه جانبك وعانقه وعادا بمن معهما على حصار ملطية فأظهر سليمان من النصاحة ما أوجب ركون جانبك إليه‏.‏
فأخذ سليمان في الحيلة على جانبك المذكور بكل ما تصل قدرته إليه ولازال به حتى خرج جانبك معه في عدة من أصحابه ليستريحا بمكان للنزهة فيه ورتبا قرمش وبقية العسكر على حصار ملطية فلما نزل سليمان وجانبك للنزهة ورأى أن حيلته تمت وثب جماعة سليمان على جانبك الصوفي وقيدوه وأركبوه على أكديش وسار به ليلته ومن الغد حتى وصل إلى بيوته بأبلستين وحبسه عنده فلم يفطن قرمش وأصحابه بمسك جانبك حتى جاوز جانبك بلادًا سعيدة‏.‏
ولما قبض سليمان على جانبك الصوفي أرسل يعرف السلطان بذلك وأما السلطان لما بلغه خبر القبض على جانبك الصوفي لم يحمل ذلك على الصدق وأخذ فيما هو فيه‏.‏
فورد عليه في يوم الخميس حادي عشر شهر ربيع الآخر سيف الأمير قصروه نائب الشأم على يد الأمير علي بن إينال باي بن قجماس فعين السلطان الأمير إينال الجكمي نائب حلب إلى نيابة دمشق عوضًا عن قصروه ورسم لتغري برمش الأمير آخور الكبير بنيابة حلب عوضًا عن إينال الجكمي غير أنه لم يخلع على تغري برمش المذكور إلا بعد أيام حسبما يأتي ذكره‏.‏

ثم في ثالث عشره نودي بعرض أجناد الحلقة ليستعدوا للسفر إلى الشام ولا يعفى أحد منهم وجمع السلطان قضاة القضاة بين يديه وسألهم في أخذ أموال الناس للنفقة المتحوجة لقتال شاه رخ بن تيمور فكثر الكلام وانفضوا من غير أن يفتوه بذلك‏.‏



فقيل إن بعض الفقهاء قال‏:‏ كيف نفتيه بأخذ أموال المسلمين وكان لبس زوجته يوم طهور ولدها يعني الملك العزيز يوسف ما قيمته ثلاثون ألف دينار وهي بدلة واحدة وإحدى نسائه ولم يعرف القائل لذلك من هو من الفقهاء غير أنه أشيع ذلك في أفواه الناس‏.‏
ولما بلغ الناس ذلك كثر قلقهم من هذا الخبر‏.‏
ثم في يوم الاثنين خامس عشر شهر ربيع الآخر المذكور ابتدأ السلطان بعرض أجناد الحلقة فتجمع بالحوش السلطاني منهم عدة مشايخ وأطفال وعميان وعرضوا على السلطان فقال لهم‏:‏ لا أنا ما أعمل كل عمل الملك المؤيد شيخ عن أخذ المال منكم ولكن اخرجوا جميعكم فمن قدر منكم على فرس ركب فرسًا ومن قدر على حمار ركب حمارًا فنزلوا على ذلك إلى بيت الأمير أركماس الظاهري الدوادار الكبير فحل بهم عند ذلك بلاء الله المنزل وتحكم فيهم الأكلة وصاروا في أيديهم كالفريسة في يد فارسها و ذلك لعدم معرفة أركماس المذكور بالأحكام وقلة دربته بالأمور فإنه كان رجلًا غتميًا لا يعرف باللغة التركية فكيف اللغة العربية ففاز المتمولون وتورط المفلسون‏.‏
قلت‏:‏ وعدت هذه الفعلة من غلطات الملك الأشرف كونه يندب لهذا الأمر المهم مثل أركماس هذا وقد تقدم أن الملوك السالفة كانت تندب لهذا الأمر مثل الأمير طشتمر الدوادار ومثل سودون الشيخوني ومثل يونس الدوادار وآخرهم جقمق دوادار المؤيد وكل واحد من هؤلاء كان شأنه مع من يعرضه كالطبيب الحاذق العارف بمرض من يعالجه‏:‏ ينظر إلى وجه المعروض عليه ويسأله عن إقطاعه وعن متحصله سؤالاص لا يخفاه بعد ذلك شيء من حاله فعند ذلك ينظر في أمره بفراسته إن كان إقطاعه يقوم بسفره ألزمه بالسفر غصبًا على رغم أنفه لا يسمع في أمره رسالة ولا شفاعة وإن كان لا يقوم بسفره ألزمه بالإقامة وندبه لحفظ جهة من الجهات ومشى في جميع عرضه على ذلك وقد انتصف الناس من كونه ألزم كل واحد بما هو في قدرته‏.‏



فكان هذا العرض بخلاف هذا جميعه‏:‏ ترك فيه من إقطاعه يعمل في السنة مائة ألف حيث هو من جهته رجل من أرباب الشوكة أو باذل مال وألزم بالسفر من إقطاعه يعمل في السنة خمسة آلاف درهم فلوسًا كونه فقيرًا ولا عصبية له ‏.‏
وبينما السلطان في ذلك ورد عليه كتاب أصبهان بن قرا يوسف صاحب بغداد يشتمل على التودد وأنه هو وأخاه إسكندر يقاتلان شاه رخ وتاريخه قبل قدوم أحمد جوكي بن شاه رخ وبابا حاجي بعساكر شاه رخ وقبل موت قرايلك‏.‏
ثم في سابع عشره قدم أيضًا قصاد إسكندر بن قرا يوسف صحبة الأمير شاهين الأيدكاري الناصري أحد حجاب حلب وعلى يدهم رأس الأمير عثمان بن طرعلي المدعو قرايلك ورأس ولديه وثلاثة رؤوس آخر وكان السلطان توجه في هذا اليوم إلى الصيد فقدم من الغد يوم الخميس ثامن عشره فأمر بالرؤوس الستة فطيف بها على رماح وقد زينت القاهرة لذلك فرحًا بموت قرايلك ثم علقت الرؤوس على باب زويلة ثلاثة أيام‏.‏
وكان من خبر موته أنه لما سار إسكندر بن قرا يوسف من تبريز لقتاله إلى أن نزل بالقرب من أرزن وبلغ قرايلك مجيئه جهز ابنه علي بك ومعه فرقة من العسكر وهو تابعهم فالتقوا هم وإسكندر فاستظهر عسكر قرايلك في أول الأمر‏.‏
ثم إن إسكندر ثبت وحمل عليه بمن معه حملة رجل واحد على عسكر قرايلك فكسرهم وذلك خارج أرزن الروم المذكورة‏.‏



فعندما انهزم قرايلك ساق إسكندر خلفه فقصد عسكر قرايلك أرزن الروم ليتحصنوا بها فحيل بينهم وبينها وقبل أن يتجاوزوا عنها أرمى قرايلك بنفسه إلى خندقها ليفوز بمهجته وعليه آلة الحرب فوقع على حجر فشج دماغه ثم قام فحمل إلى قلعة أرزن الروم بحبال فدام بها أيامًا قليلة ومات في العشر الأول من صفر في هذه السنة بعد أن أقام في الأمر نيفًا وخمسين سنة‏.‏
ومات وقد قارب المائة سنة من العمر ودفن خارج أرزن الروم فتتبع إسكندر بن قرا يوسف قبره حتى عرفه ونبش عليه وأخرجه وقطع رأسه ورأس ولديه وثلاثة رؤوس آخر من أمرائه ممن ظفر به إسكندر في الوقعة وأرسل الجميع مع قاصده إلى الملك الأشرف حسبما تقدم‏.‏
هذا ما كان من موتة قرايلك ويأتي بقية ترجمته وأصله فى الوفيات من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى‏.‏



ثم في يوم السبت عشرينه خلع السلطان على الأمير حسين بن أحمد البهسني المدعو تغري برمش الأمير آخور الكبير باستقراره نائب حلب عوضًا عن الأتابك إينال‏.‏
الجكمي وسافر من الغد إلى محل كفالته وتولى الأمير آخورية عوضه الأمير جانم الأشرفي وكتب بانتقال الجكمي إلى نيابة الشام عوضًا عن قصروه بحكم وفاته‏.‏
وفي هذا اليوم حضر قصاد إسكندر بن قرا يوسف بين يدي السلطان بكتابه فقرىء وأجيب بالشكر والثناء ووجه إليه مالًا وغيره من القماش السكندري ما قيمته عشرة آلاف دينار ووعده بمسير السلطان إلى تلك البلاد‏.‏
ثم نزل السلطان إلى الإسطبل السلطاني وعرضه بنفسه وأرسل إلى الصاحب كريم الدين ابن كاتب المناخ وإلى الأمير يلخجا بجمال كثيرة وكان ندبهما للسفر إلى بندر جدة‏.‏

ثم في تاسع عشرين شهر ربيع الآخر المذكور توجه الأمير شاد بك الجكمي أحد أمراء الطبلخانات ورأس نوبة إلى الأمير ناصر الدين محمد بن دلغادر بمال وخيل وقماش سكندري وغير ذلك وإلى ولده سليمان بمثل ذلك وكتب لهما أن يسلما شاد بك المذكور الأميرجانبك الصوفي ليحمله إلى قلعة حلب فسار شاد بك في هذا اليوم تأتي بقية أمره في عوده‏.‏
ثم في يوم الثلاثاء خامس عشر جمادى الأولى خلع السلطان على جوهر الصفوي الجلباني اللالا باستقراره زمام الدار بعد موت خشقدم الظاهري الرومي وكانت شاغرة من يوم مات خشقدم المذكور‏.‏



ولما كان يوم السبت ثامن عشر جمادى الآخرة المذكورة برز الصاحب كريم الدين والأمير يلخجا الساقي أحد أمراء العشرات ورأس نوبة بمن معهما من الحاج إلى ظاهر القاهرة ثم ثم في يوم الخميس ثالث عشرين جمادى الآخرة المذكورة خلع السلطان على السيفي آقباي اليشبكي الجاموس أحد دوادارية السلطان الأجناد باستقراره في نيابة الإسكندرية عوضًا عن خليل بن شاهين الشيخي بحكم عزله‏.‏
ثم في ثاني عشرينه وصل الأمير أقطوه الموساوي الظاهري برقوق المتوجه في الرسالة إلى شاه رخ بن تيمورلنك وقدم من الغد إلى القاهرة الشيخ صفا رسول شاه رخ المذكور بكتابه فأنزل وأجري عليه الرواتب ثم ورد الخبر على السلطان أن رسل أصبهان بن قرا يوسف صاحب بغداد سارت إلى القان معين الدين شاه رخ وهو مقيم على قراباغ بدخوله تحت طاعته وأنه من جملة خدمه فأقامت رسله ثلاثين يومًا لا تصل إلى شاه رخ ثم قدموا بين يديه فأجابه بالإنكار على أصبهان المذكور من كونه أخرب العراق وبغداد وأبطل مسير الحج من بغداد ثم أمره بعمارة بغداد وأن يعمرها وإلا فقد مشى عليه وأخرب دياره وأكثر له من الوعيد وأنه أمهله في ذلك مدة سنة وكان أصبهان بعث بهدية فأخذها ولم يعوضه عنها شيئًا وإنما جهز له خلعة بنيابة بغداد وتقليدًا ثم خلع على رسله وأمرهم بالعود إليه وتبليغه ما ذكره لهم بتمامه وكماله‏.‏
قلت‏:‏ وفي الجملة إن جور أولاد تيمورلنك أحسن من عدل بني قرا يوسف‏.‏



ثم في يوم السبت ثاني شهر رجب أحضر السلطان الملك الأشرف الشيخ صفا رسول شاه رخ إلى بين يديه وهو جالس على المقعدة بالإسطبل السلطاني بمن معه من قصاد شاه رخ وقرىء كتابه فإذا هو يتضمن أنه يأمر السلطان أن يخطب له ويضرب السكة باسمه ثم أخرج الشيخ صفا خلعة السلطان بنيابة مصر ومعها تاج ليلبسه السلطان وخاطب السلطان بكلام لم يسع السلطان معه صبرًا‏.‏

وعندما رأى السلطان الخلعة أمر بها فمزقت تمزيقًا وأمر بالشيخ صفا المذكور فضرب ضربًا مبرحًا خارجًا عن الحد ثم أقيم بعد ذلك وأمر به فسحب إلى بركة ماء بالإسطبل فألقي فيها منكوسًا وغمس فيها غير مرة حتى أشرف على الهلاك وكان الوقت شتاء شديد البرد‏.‏
كل ذلك ولم يستجرىء أحد من الأمراء أن يتكلم في أمر الشيخ صفا بكلمة واحدة من نوع الشفاعة لشدة غضب السلطان‏.‏

ولقد لازمت الملك الأشرف كثيرًا من أوائل سلطنته إلى هذا اليوم ولم أره غضب مثلها قبلها‏.‏



ثم طلب السلطان الشيخ صفا المذكور وحدثه بكلام طويل محصوله يقول لصفا‏:‏ إنك تتوجه إلى شاه رخ وتذكر له ما حل بك من الإخراق والبهدلة والعذاب وأنه قد ولاني نيابة مصر إلا أنا فإني لا أرتضيه شحنة لي على بعض قرى أقل أعمالي وإن كان له قوة فهو يظهر ذلك بعد هذا الإخراق بك ويمشي على أعمالنا وإن لم يأت في العام القابل فكل ما يأتي منه بعد ذلك فهو ثم رسم السلطان بإخراجه مع رفقته في البحر المالح إلى مكة فتوجهوا وحجوا ثم عادوا إلى شاه رخ وبلغوه ذلك فلم يتحرك بحركة وهاب ملوك مصر بهذه الفعلة إلى أن مات‏.‏

ولعمري لقد كانت هذه الواقعة من الملك الأشرف حسنة من حسناته التي قامت بفعلتها حرمة العساكر المصرية إلى يوم القيامة‏.‏
قلت‏:‏ ولا أعرف للملك الأشرف فعلة فعلها في أيام سلطنته أحسن ولا أعظم ولا أجمل من إقدامه على هذا الأمر من ضرب قاصد شاه رخ وتمزيق خلعته فإنه خالف في ذلك جميع أمرائه وأرباب دولته لأن الجميع أشاروا عليه بالمحاسنة في رد الجواب إلا هو فإن الله عز وجل وفقه إلى ما فعل ولله الحمد ومن يومئذ عظم أمر الملك الأشرف وتلاشى أمر شاه رخ في جميع بلاد الإسلام‏.‏

ثم خلع السلطان على شيخ الشيوخ بخانقاه سرياقوس محب الدين محمد بن الأشقر باستقراره في كتابة السر بالديار المصرية عوضًا عن القاضي كمال الدين بن البارزي بحكم عزله‏.‏



ثم جهز السلطان تجريدة من الأمراء والمماليك السلطانية إلى البلاد الشامية بسبب ظهور جانبك الصوفي وغيره وقد بلغ السلطان أن ابن دلغادر أطلق جانبك الصوفي‏.‏
ثم في حادي عشر شهر رجب المذكور قدم الأمير شاد بك الجكمي من بلاد أبلستين لأخذ جانبك الصوفي بغير طائل بعد أن قاسى شدائد من عظم البرد والمطر والثلوج حتى إنه هلك من أصحابه جماعة كبيرة من ذلك‏.‏
وكان من خبر شاد بك أنه لما وصل إلى ناصر الدين بك ابن دلغادر تلقاه وأكرمه وأخذ ما معه من الهدية والتحف والمال قلت‏:‏ الدورة على هذا لا على غيره ثم أخذ ناصرالدين بك ابن دلغادر يسوف بالأمير شاد بك من يوم إلى يوم إلى أن طال الأمر وظهر لشاد بك أنه لا يمكنه منه فكلمه في ذلك فاعتذر ناصرالدين بك بعدم تسليمه من أنه يخاف من أن يعاير بذلك وأيضًا مما ورد عليه من كتب شاه رخ وغيره من ملوك الأقطار بالتوصية عليه وأشياء من هذه المقولة والمقصود‏:‏ أنه منعه منه ثم أطلقه وأعاده إلى حاله الأول وأحسن فعظم ذلك على السلطان إلى الغاية ولم أسأل الأمير شاد بك هل اجتمع بالأمير جانبك الصوفي عند ابن دلغادر أم لا‏.‏
ولما أن عاد شاد بك من عند ابن دلغادر من غير قضاء حاجة اضطرب الناس وتحدث كل أحد بما في نفسه من المغيبات‏.‏



وكثر قلق السلطان وأخذ يستحث الأمراء المجردين في السفر‏.‏
وأدير محمل الحاج في يوم الاثنين خامس عشرين شهر رجب من غير لعب الرماحة على العادة في كل سنة لشغل خاطر السلطان‏.‏

ثم في يوم الأربعاء خامس عشرين شعبان برز الأمراء المجردون من القاهرة إلى الريدانية خارج القاهرة وهم‏:‏ الأمير الكبير تجقمق العلائي الناصري الظاهري والأمير أركماس الظاهري الدوادار والأمير يشبك السودوني المشد وهو يومذاك حاجب الحجاب والأمير تنبك البردبكي نائب القلعة كان والأمير قرا خجا الحسني والأمير تغري بردي البكلمشي المؤذي والأمير خجا سودون السيفي بلاط الأعرج فأقاموا إلى يوم سابع عشرينه وسافروا إلى جهة البلاد الشامية‏.‏
ثم نقل حسن بن أحمد البهسني نائب القدس إلى حجوبية الحجاب بحلب بسفارة أخيه تغري برمش نائب حلب عوضًا عن الأمير قانصوه النوروزي بحكم انتقال قانصوه إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق‏.‏
ثم في يوم الاثنين سابع شهر رمضان خلع السلطان على الأمير غرس الدين خليل بن شاهين الشيخي المعزول عن نيابة الإسكندرية باستقراره وزيرًا بالديار المصرية عوضًا عن التاج الخطير الأسلمي‏.‏



ثم في يوم الخميس رابع عشرين شهر رمضان قدم إلى القاهرة الأمير أسلماس بن كبك التركماني مفارقًا لجانبك الصوفي فأكرمه السلطان وأنعم عليه ثم خلع عليه في يوم الخميس أول شوال خلعة السفر ورسم بتجهيزه‏.‏

ثم في يوم الخميس ثامن شوال عزل السلطان الوزير خليل بن شاهين الشيخي عن الوزارة وألزم الصاحب أمين الدين بن الهيصم بشد أمور الدولة ومراجعة عبد الباسط في جميع أحوال الدولة فمشت الأحوال‏.‏
قلت‏:‏ وهذا كان قصد السلطان أن يلقي الأستادارية والوزارة فى رقبة عبد الباسط وقد وقع ذلك ‏.‏

ومن يوم ذلك أخذ عبد الباسط يحسن للسلطان طلب الصاحب كريم الدين ابن كاتب المناخ وإعادته للوزارة فيقول له السلطان‏:‏ هذا شيء صار يتعلق بك افعل فيه ما شئت فكتب في يوم تاسعه بإحضار الصاحب كريم الدين من بندر جدة على يد نجاب بعد فراغ شغله ليلي الوزارة‏.‏



حدثني الصاحب كريم الدين قال‏:‏ كان أولأ إذا كتب إلي عبد الباسط ورقة في حاجة يخاطبني فيها مخاطبة ليست بذاك إلى أن أضيف إليه التكلم في الوزارة وطلبت من بندر جدة فصارت كتبه تأتيني بعبارة عظيمة وترقق زائد وتحشم كبير‏.‏

فلما أن قدمت وعدت إلى الوزارة امتنع مما كان يفعله معي في ولايتي الأولى من الإفراجات التي كان لا يخلو يوم إلا ويأتيني شيء منها فصار في ولايتي هذه كلما قيل له أن يرسل إلي لأفرج له عن شيء يقول‏:‏ خلوه يكفيه الذي هو فيه نحن يجب علينا مساعدته قلت له‏:‏ فكان يساعد قال‏:‏ إي والله ثم في سابع عشرين شوال كتب بعزل الأمير إينال العلائي الناصري ونائب الرها وقدومه إلى القاهرة‏.‏
وخلع السلطان على الأمير شاد بك الجكمي أحد أمراء الطبلخاناه ورأس نوبة ثاني باستقراره في نيابة الرها على إقطاعه عوضًا عن إينال المذكور‏.‏
وكتب أيضًا بعزل الأمير إينال الششماني الناصري عن نيابة صفد وأن يتوجه إلى القدس بطالًا وأن يستقر عوضه في نيابة صفد الأمير تمراز المؤيدي أحد مقدمي الألوف بدمشق‏.‏



ثم في أواخر ذي القعدة قدم الخبر على السلطان أن شاه رخ بن تيمورلنك رحل عن حاضرة مملكة أذربيجان وهي تبريز بعد أن استناب عليها جهان شاه بن قرا يوسف عوضًا عن أخيه إسكندر وزوج جهان شاه المذكور أيضًا بنساء اسكندر المذكور بحكم الشرع لكون إسكندر كان في عصمته أزيد من ثمانين امرأة‏.‏

ونزل شاه رخ في أواخر ذي القعدة على مدينة السلطانية وعزم على أنه لا يرحل عنها إلى ممالكه حتى يبلغ غرضه من إسكندر بن قرا يوسف‏.‏
فلم يلتفت السلطان إلى ذلك وأخذ فيما هو فيه من أمر جانبك الصوفي غير أنه صار في تخوف من أن يردف شاه رخ جانبك الصوفي بعسكر إذا تم أمره من إسكندر‏.‏



وأما العسكر المجرد من مصر وغيرها فإنه لما توجه إلى حلب سار منها نائبها تغري برمش البهسني بعساكر حلب وصحبته الأمير قاني باي الحمزاوي نائب حماه بعساكر حماه ونزل على عينتاب وقد نزل جانبك الصوفي مرغش فتوجهوا إليه من الدربند أمام العسكر المصري ونزلوا على بزرجق يعني‏:‏ سويقة باللغة العربية ثم عدوا الجسر وقصدوا ناصر الدين بك دلغادر نائب أبلستين من طريق دربند كينوك فلم يقدروا على سلوكه لكثرة الثلوج فمضوا إلى دربند آخر من عمل بهسنا وساروا منه بعد مشقة يريدون أبلستين وساروا حتى طرقها تغري برمش المذكور بمن معه في يوم الثلاثاء تاسع شهر رمضان فلم يدرك ناصرالدين بن دلغادر بها فأمر تغري برمش بنهب أبلستين وإحراقها فنهبت وأحرقت بأجمعها ثم أمر العسكر بنهب جميع قراها وإحراقها فنهبوها وأخذوا منها شيئًا كثيرًا‏.‏
ثم عاد نائب حلب بمن معه والأغنام تساق بين يديه بعد أن امتلأت أيدي العساكر من النهب وترك أبلستين خرابًا قاعًا صفصفًا وعاد إلى حلب بعد غيبته عنها خمسين يومًا كل ذلك وأمراء مصر بحلب‏.‏
ثم بلغ تغري برمش بعد قدومه إلى حلب أن ناصرالدين بن دلغادر نزل بالقرب من كينوك فجهز إليه أخاه حسنًا حاجب حجاب حلب وحسن هو الأسن ومعه مائة وخمسون فارسًا إلى عينتاب تقوية للأمير خجا سودون وقد نزل بها بعد أن انفرد عن العسكر المصري من يوم خرج من الديار المصرية فتوجه حسن المذكور بمن معه إلى خجا سودون وأقام عنده‏.‏



فلما كان يوم رابع عشرين ذي الحجة من سنة تسع وثلاثين المذكورة وصل إليهم الأمير جانبك الصوفي ومعه الأمير قرمش الأعور والأمير كمشبغا المعروف بأمير عشرة أحد أمراء حلب وكان توجه من حلب وانضم على جانبك الصوفي قبل تاريخه بمدة طويلة ومعه أيضًا أولاد ناصر الدين بك ابن دلغادر الجميع ما عدا سليمان فنزلوا على مرج دلوك ثم ركبوا وساروا منه إلى قتال خجا سودون بعينتاب فركب خجا سودون أيضًا بمماليكه وبمن معه من التركمان والعربان وقاتلهم آخر النهار وباتوا ليلتهم‏.‏
وأصبحوا يوم الثلاثاء خامس عشرين ذي الحجة تقدم حسن حاجب الحجاب بمن معه من التركمان والعربان أمام خجا سودون فتقدم إليهم جانبك الصوفي بمن معه وهم نحو الألفي فارس فقاتلته العساكر المذكورة وقد تفرقوا فرقتين‏:‏ فرقة عليها خجا سودون وحسن حاجب الحجاب المقدم ذكره وفرقة عليها الأمير تمرباي اليوسفي المؤيدي دوادار السلطان بحلب وتركمان الطاعة في كل فرقة منهما‏.‏
وتصادم الفريقان فكانت بينهم وقعة هائلة انكسر فيها جانبك الصوفي وأمسك الأمير قرمش الأعور والأمير كمشبغا أمير عشرة وهما كانا جناحي مملكته وثمانية عشر فارسًا من أصحاب جانبك الصوفي وانهزم جانبك في أناس وتبعهم العساكر فلم يقدروا عليهم فعادوا فأخذ خجا سودون قرمش وكمشبغا بمن معهما وقيد الجميع وسيرهم إلى حلب وكتب بذلك إلى السلطان‏.‏



فقدم الخبر على السلطان في صفر من سنة أربعين وثمانمائة ومع المخبر رأس الأمير قرمش الأعور ورأس الأمير كمشبغا أمير عشرة وأنه وسط من قبض معهما بحلب فشهر الرأسان بالقاهرة ثم ألقيا في سراب الأقذار بأمر السلطان ولم يدفنا‏.‏

ودقت البشائر لذلك أيامًا وفرح السلطان بذلك وأرسل إلى نائب حلب وإلى خجا سودون بالشكر والثناء‏.‏
ومن يوم ذاك أخذ أمر جانبك الصوفي في إدبار بعد ما كان اجتمع عليه ملوك وخلائق لقلة سعده‏.‏
قلت‏:‏ كان جانبك الصوفي خاملًا لايتحرك بحركة إلا وانعكست عليه طول عمره وقد استوعبنا أحواله في تاريخنا المنهل الصافي ويأتي من ذكره هنا أيضًا نبذة في الوفيات وغيرها إن شاء الله تعالى‏.‏



ثم في أول شهر ربيع الأول من سنة أربعين المذكورة رسم السلطان بعزل تمراز المؤيدي عن نيابة صفد لسوء سيرته وكثرة ظلمه ونقله إلى نيابة غزة عوضًا عن الأمير يونس الركني ونقل يونس المذكور إلى نيابة صفد عوضًا عن تمراز للمذكور أعني أن كلًا منهما ولي عن الآخر وحمل إليهما التقليد والتشريف الأمير دولات باي المحمودي الساقي أحد أمراء العشرات ورأس نوبة بسفار صهره الأمير جانم الأشرفي الأمير الآخور الكبير‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء سادس شهر ربيع الأول المذكور خلع السلطان على الصاحب كريم الدين عبد الصاحب كريم ابن كاتب المناخ بعد قدومه من بندر جدة باستقراره وزيرًا على عادته وكانت شاغرة من مدة طويلة ويقوم بمصارفها الزينب عبد الباسط بن خليل‏.‏

ثم أرسل السلطان يطلب الأمراء المجردين إلى الديار المصرية بعدما أنعم على الأمير الكبير جقمق بألف دينار وعلى كل مقدم ألف أيضًا من المجردين بخمسمائة دينار فقدموا القاهرة في يوم الاثنين سابع عشر جمادى الأولى من سنة أربعين المذكورة وطلعوا إلى القلعة وقبلوا الأرض وخلع السلطان عليهم الخلع السنية وأركبهم خيولًا بقماش ذهب‏.‏



وتأخر عن الأمراء المذكورين الأمير خجا سودون وكانت هذه عادته إلى أن قدم في يوم الاثنين ثامن جمادى الآخرة من سنة أربعين المذكورة وطلع إلى القلعة وخلع السلطان عليه وأنعم عليه بإمرة طبلخاناه زيادة على ما بيده من تقدمة ألف ثم خلع السلطان على القاضي كمال الدين ابن البارزي باستقراره قاضي قضاة دمشق عوضًا عن السراج عمرو بن موسى الحمصي مسؤولًا في ذلك مرغوبًا في ولايته‏.‏

ثم في يوم الخميمس عاشر شهر رجب من سنة أربعين المذكورة
خلع السلطان على الأمير إينال العلائي الناصري
المعزول عن نيابة الرها وهو يوم ذاك من جملة مقدمي الألوف بالديار المصرية باستقراره في نيابة صفد عوضًا عن الأمير يونس الركني ورسم بتوجه يونس المذكور إلى القدس بطالًا‏.‏
وخلع على الأمير طوخ من تمراز المعروف بيني بازق أن يستقر مسفر الأمير إينال المذكور‏.‏



ثم في رابع عشر شهر رجب المذكور أنعم بإقطاع الأمير إينال وتقدمته على الأمير قراجا الأشرفي شاد الشراب خاناه وأنعم بطبلخانة قراجا على الأمير إينال الأبو بكري الأشرفي الخازندار وخلع عليه باستقراره شاد الشراب خاناه عوضه أيضًا وخلع السلطان على الأمير السيفي علي باي الساقي الخاصكي الأشرفي باستقراره خازندارًا عوضًا عن إينال المذكور

ثم في يوم الأحد عاشر شهر رمضان عمل السلطان مشورة بالأمراء لما ورد عليه الخبر بأن ناصر الدين بك بن دلغادر ونزيله جانبك الصوفي زخفا بمن معهما على بلاد ابن قرمان فاتفق رأي الجميع على سفر السلطان إلى بلاد الشام‏.‏

وأخذ الأمراء في أهبة السفر
ثم انتقض ذلك بعد أيام وكتب لنواب الشام بالمسير إلى نحو بلاد ابن قرمان نجدة لابن قرمان فإن القوم أخذوا آق شهر ونازلوا قلاعًا آخر‏.‏
ثم في يوم الخميس خامس شوال خلع السلطان على قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني وأعيد إلى قضاء القضاة بالديار المصرية عوضًا عن الحافظ شهاب الدين بن حجر‏.‏



ثم في يوم الثلاثاء أول ذي القعدة قدم سيف الأمير تمرباي اليوسفي المؤيدي دوادار السلطان بحلب وفيه أيضًا قدم سيف الأمير آقباي اليشبكي الجاموس نائب الإسكندرية بعد موتهما فخلع السلطان في ثالثه على الزيني عبد الرحمن بن علم الدين داؤد بن الكويز أحد الدوادارية الصغار باستقراره في نيابة الإسكندرية عوضًا عن آقباي اليشبكي بحكم وفاته‏.‏

ثم في يوم الخميس ثاني عشرين ذي الحجة خلع السلطان على الأمير صلاح الدين محمد بن الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله باستقراره كاتب السر الشريف بالديار المصرية بعد عزل القاضي محب الدين بن الأشقر مضافًا لما بيده من حسبة القاهرة ونظر دار الضرب ونظر الأوقاف ومنادمة السلطان ونزل في موكب جليل وقد لبس العمامة المدورة والفرجية هيئة أرباب الأقلام وترك زي الأجناد فإنه كان في مبدأ أمره على هيئة الأجناد وكانت ولايته بغير خاطر عبد الباسط بل على رغم أنفه‏.‏

ثم في ليلة الأحد تاسع محرم سنة إحدى وأربعين وثمانمائة بلغ الزيني عبد الباسط والوزير كريم الدين والقاضي سعد الدين ناظر الخاص بأن المماليك السلطانية على عزم نهب دورهم فوزعوا ما عندهم واختفوا ثم طلعوا إلى الخدمة السلطانية على تخوف‏.‏
















صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 25-01-2012, 02:22 AM   رقم المشاركة:589
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 54
المشاركات: 8,675
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الملك الأشرف برسباي (12)


سلطنة الملك الأشرف برسباي (12)







وقد بلغ السلطان ذلك فأخذ يتوعدهم ويدعو عليهم بالطاعون فلم يلتفت منهم أحد إلى كلامه ونزل عدة كبيرة منهم في يوم الأحد سادس عشره إلى دار عبد الباسط وإلى بيت مملوكه جانبك الأستادار ودار الوزير كريم الدين ونهبوا ما وجدوا فيها وأفحشوا إلى الغاية ولم يعترضوا لأحد في الطرقات خوفًا من ثم في ثاني عشرين المحرم ورد الخبر على السلطان بأن نائب دوركي توجه في خامس عشر المحرم في عدة نواب تلك الجهات وغيرهم في نحو الفي فارس وساروا حتى طرقوا بيوت الأمير ناصر الدين بن دلغادر وقد نزل هو والأمير جانبك الصوفي بمكان على بعد يومين من مرعش فنهبوا ما هناك وأحرقوا ففر ابن دلغادر وجانبك الصوفي في نفر قليل وذلك أن جموعهما كانت مع سليمان بن ناصر الدين بن دلغاعر على حصار قيصرية الروم فسر السلطان بذلك وأرسل إلى نائب دوركي بخلعة وشكره ثم قدم الخبر على السلطان أن الأمير إينال الجكمي نائب الشام خرج من دمشق بعساكرها يريد حلب وقد سارت جميع نواب الشام ليوافوا نائب حلب ويتوجهوا الجميع مددًا لابن قرمان بعد أن أرسل إينال الجكمي تقدمة هائلة للسلطان‏.‏



ووصلت التقدمة المذكورة إلى القاهرة في يوم السبت سابع صفر المذكور وهي ذهب نقد عشرة آلاف دينار وخيول مائتا فرس منها ثلاثة أرؤس بسروج ذهب وكنابيش زركش وسمور عشرة أبدان ووشق عشرة أبدان وقاقم عشرة أبدان وسنجاب مائة بدن وبعلبكي خمسمائة ثوب وأقواس حلقة مائة قوس وجمال بخاتي ثلاث قطر وجمال عراب ثلاثمائة جمل وثياب صوف مربع مائة ثوب‏.‏
ثم في يوم السبت خامس شهر ربيع الأول خلع السلطان على الأمير خليل بن شاهين الشيخي المعزول عن نيابة الإسكندرية والوزارة قبل تاريخه باستقراره في نيابة الكرك وسار إليها من وقته‏.‏
ثم في يوم السبت تاسع عشر شهر ربيع الأول المذكور من سنة إحدى وأربعين المذكورة خلع السلطان على الصاحب جمال الدين يوسف ابن القاضي كريم الدين عبد الكريم بن سعد الدين بركة المعروف بابن كاتب جكم باستقراره ناظر الخاص الشريف بعد موت أخيه القاضي سعد الدين إبراهيم الآتي ذكره في الوفيات إن شاء الله تعالى‏.‏



ثم في شهر ربيع الآخر كملت عمارة الجامع الذي أنشأه السلطان بخانقاه سرياقوس على الدرب المسلوك وطوله خمسون ذراعًا في عرض خمسين ذراعًا ورتب فيه إمامًا للصلوات الخمس وخطيبًا وقراء يتناوبون القراءة وأرباب وظائف من المؤذنين والفراشين وجاء الجامع المذكور في غاية الحسن إلا أن سقوفه واطئة قليلًا‏.‏
ثم في يوم السبت ثالث جمادى الأولى ركب السلطان من قلعة الجبل إلى الصيد بعدما شق القاهرة وخرج من باب القنطرة وهذه أول ركبة ركبها للصيد فى هذه السنة وتداول ذلك منه في هذا الشهر غير مرة‏.‏
وفيه قدم الأمير تمراز المؤيدي نائب غزة والسلطان يتصيد‏.‏

وعاد السلطان في خامسه وشق القاهرة حتى خرج من باب زويلة ومضى إلى القلعة‏.‏
ثم أصبح من الغد أمسك تمراز المؤيدي المذكور وقيده وأرسله إلى سجن الإسكندرية فسجن بها وذلك لسوء سيرته ولكمين كان عنده من الملك الأشرف فإن تمراز هذا كان ممن ركب مع الأمير تنبك البجاسي نائب الشام ثم اختفى وظهر وأنعم عليه السلطان بإقطاع دمشق ثم نقله إلى إمرة مائة بعد سفرة آمد لشجاعة ظهرت منه في قتال القرايلكية ثم نقله إلى نيابة صفد فلم تحمد سيرته فعزله وولاه نيابة غزة فشكي منه أيضًا ورمي بعظائم فطلبه وأمسكه ثم قتله بعد مدة‏.‏
فكان ما عاشه من يوم واقعة البجاسي ليوم تاريخه فائدة‏.‏



ولما أن أمسك السلطان تمراز استدعى الأمير جرباش الكريمي قاشق من ثغر دمياط ليوليه نيابة غزة فقدم جرباش وامتنع عن نيابة غزة فرسم له بالعود إلى الثغر بطالًا كما كان أولًا‏.‏

ثم في سابع عشره خلع السلطان على الأمير آق بردي السيفي قجماس أحد أمراء العشرات باستقراره في نيابة غزة عوضًا عن تمراز المذكور بمال بذله في ذلك‏.‏
وقدم الخبر على السلطان بموت جانبك الصوفي واختلفت الأقاويل في أمره إلى أن كان يوم السبت سابع عشر جمادى الأولى من سنة إحدى وأربعين المذكورة قدم مملوك تغري برمش نائب حلب إلى القاهرة برأس الأمير جانبك الصوفي فدقت البشائر لذلك وسر السلطان غاية إذا تم أمر بدا نقصه توق زوالًا إذا قيل تم فأمر السلطان بالرأس فطيف بها على رمح بشوارع القاهرة والمشاعلي ينادي عليها‏:‏ هذا جزاء من يخالف على الملوك ويخرج عن الطاعة ثم ألقيت في قناة سراب‏.‏

وكان من خبر موت جانبك الصوفي المذكور أنه لما كبس عليه وعلى ابن دلغادر نائب دوركي في محرم هذه السنة كما تقدم وانكسر هو وابن دلغادر فمقته ابن دلغادر وافترقا من يومئذ‏.‏



فسار ابن دلغادر على وجهه يريد بلاد الروم وقد تشتت شمله وقصد جانبك الصوفي أولاد قرايلك‏:‏ محمدًا ومحمودًا وقدم عليهما فأكرماه وأنزلاه عندهما‏.‏
فأخذ تغري برمش نائب حلب يدبر عليه بكل ما تصل القدرة إليه ولا زال حتى استمالهما أعني محمدًا ومحمودًا ابني قرايلك ووعدهما بجملة مال إن قبضا على جانبك المذكور يحمل إليهما خمسة آلاف دينار فمالا إليه ووعداه أن يقبضا على جانبك المذكور فعلم جانبك بالخبر فشاور أصحابه في ذلك فأشاروا عليه بالفرار إلى جهة من الجهات فبادر جانبك وخرج من عندهما ومعه عشرون فارسًا من أصحابه لينجو بنفسه‏.‏

وبلغ ذلك القرايلكية فركبوا وأدركوه فقاتلهم فأصابه سهم سقط منه عن فرسه فأخذوه وسجنوه عندهم وذلك في يوم الجمعة خامس عشرين شهر ربيع الآخر من هذه السنة فمات من الغد فقطع رأسه حمل إلى السلطان فهذا القول هو المشهور‏.‏

وقيل إن جانبك الصوفي مات بالطاعون عند أولاد قرايلك بعد أن أوعدهما تغري برمش بالمال المقدم ذكره ولم يقبلا منه ذلك واستمرا على إكرامه‏.‏



فلما مات جانبك الصوفي بالطاعون أخفيا ذلك وقطعا رأسه وبعثا بها إلى تغري برمش‏.‏
قلت‏:‏ والقول الأول هو المتداول بين الناس‏.‏
ويأتي بقية ذكر جانبك الصوفي في الوفيات من هذا الكتاب في محله إن شاء الله تعالى‏.‏
قال المقريزي بعد أن ساق نحو ما حكيناه بالمعنى واللفظ مخالف‏:‏ وحملت إليه الرأس يعني عن الملك الأشرف فكاد يطير فرحًا وظن أنه قد أمن فأجرى الله على الألسنة أنه قد انقضت أيامه وزالت دولته فكان كذلك هذا‏.‏
وقد قابل نعم الله عليه في كفاية عدوه بأن تزايد عتوه وكثر ظلمه وساءت سيرته فأخذه الله أخذًا وبيلًا وعاجله بنقمته فلم يهنه انتهى كلام المقريزي‏.‏
قلت‏:‏ وما عسى الملك الأشرف كان يظلم في تلك المدة القصيرة فإن خبر جانبك الصوفي ورد عليه في سابع عشر جمادى الأولى وابتدأ بالسلطان مرض موته من أوائل شعبان ولزم الفراش من اليوم المذكور وهو ينصل ثم ينتكس إلى أن مات في ذي الحجة‏.‏

غير أن الشيخ تقي الدين المقريزي رحمه الله كان له انخراقات معروفة عنه وهو معذور في ذلك فإنه أحد من أدركنا من أرباب الكمالات في فنه ومؤرخ زمانه لا يدانيه في ذلك أحد مع معرفتي بمن عاصره من مؤرخي العلماء ومع هذا كله كان مبعودًا في الدولة لا يدنيه السلطان مع حسن محاضرته وحلوا منادمته‏.‏



على أن الملك الظاهر برقوق كان قربه ونادمه وولاه حسبة القاهرة في أواخر دولته ومات الملك الظاهر فلم يمش حاله على من جاء بعده من الملوك وأبعدوه من غير إحسان فأخذ هو أيضًا في ضبط مساوئهم وقبائحهم فمن أساء لا يستوحش‏.‏

على أنه كان ثقة في نفسه دينًا خيرًا وقد قيل لبعض الشعراء‏:‏ إلى متى تمدح وتهجو‏.‏
فقال‏:‏ ما دام المحسن يحسن والمسيء يسيء انتهى‏.‏

ثم في يوم الجمعة ثامن جمادى الآخرة ورد الخبر على السلطان بأن إسكندر بن قرا يوسف نزل قريبًا من مدينة تبريز فبرز إليه أخوه جهان شاه بن قرا يوسف المقيم بها من قبل شاه رخ بن تيمورلنك فكانت بينهما وقعة هائلة انهزم فيها إسكندر إلى قلعة ألنجا من عمر تبريز فنازلها جهان شاه إلى أن حصره بها أيامًا وأن الأمير حمزة بن قرايلك متملك ماردين وأرزن أخرج أخاه علي بك من مدينة آمد وملكها منه‏.‏

فقلق السلطان من هذين الخبرين وعزم على أن يسافر بنفسه إلى البلاد الشامية وكتب بتجهيز الإقامات بالشام ثم أبطل ذلك بعد أيام‏.‏



ورسم في يوم السبت سابع شهر رجب بخروج تجريدة من الأمراء إلى البلاد الشامية وعين ثمانية نفر من الأمراء مقدمي الألوف‏:‏ وهم قرقماس أمير سلاح وآقبغا التمرازي أمير مجلس وأركماس الظاهري الدوادار الكبير وتمراز القرمشي رأس نوبة النوب ويشبك السودوني حاجب الحجاب وجانم الأشرفي الأمير آخور الكبير وخجا سودون وقراجا الأشرفي‏.‏

ثم في يوم الاثنين تاسع شهر رجب نودي بأن أحدًا من العبيد لا يحمل سلاحًا ولا يمشي بعد المغرب وأن المماليك السلطانية لا يتعرض لأحد من العبيد‏.‏
وكان سبب هذه المناداة أنه لما أدير المحمل في يوم الخميس خامس شهر رجب المذكور فلما كان أول ليلة من الزينة نزل جماعة كبيرة من المماليك الأشرفية الذين بالأطباق من قلعة الجبل وأخذوا في نهب الناس وخطف النساء والصبيان فاجتمع عدد كبير من العبيد السود وقاتلوا المماليك الأجلاب فقتل من العبيد خمسة نفر وجرح عدة في المماليك وخطفت العمائم وأخذت الأمتعة‏.‏

ثم أخذت المماليك تتتبع العبيد فقتلوا منهم جماعة وقد كفت العبيد أيديهم عن قتالهم خوفًا من السلطنة واختفى كثير من العبيد وقل مشي المماليك في الليل إلى أن نودي لهم بهذه المناداة فسكن الشر ومشى كل من الطائفتين على حاله الأول‏.‏
ثم رسم السلطان بمنع المماليك من النزول من الأطباق إلى القاهرة إلا لضرورة‏.‏



ثم في عاشر شهر رجب أنفق السلطان على الأمراء المجردين لكل أمير ألفي دينار أشرفية‏.‏
ثم في يوم الأربعاء ثامن عشره ركب السلطان من قلعة الجبل ونزل إلى خليج الزعفران فنزل به وأكل السماط ثم ركب في يومه وعاد إلى القلعة فأصبح من الغد متوعك البدن ساقط الشهوة للغداء ولزم الفراش وهذا أوائل مرضه الذي مات منه غير أنه تعافى بعض أيام ثم مرض ثم تعافى حسبما يأتي ذكره‏.‏

وورد الخبر فيه بوقوع الوباء في بلاد الصعيد‏.‏
واستهل شعبان يوم الاثنين والسلطان مريض فأخرج فيه مالًا وفرقه على الفقراء والمساكين‏.‏
فلما كان يوم الثلاثاء تاسعه تعافى السلطان وخلع على الأطباء لعافيته وركب من الغد ونزل من القلعة إلى القرافة وتصدق على أهل القرافتين وعاد وهو غير صحيح البدن‏.‏
ثم في يوم السبت ثالث عشر شعبان المذكور نزل السلطان من القلعة إلى خارج القاهرة وعاد ودخل من باب النصر ثم نزل بالجامع الحاكمي وقد قيل له إن بالجامع المذكور دعامة قد ملئت ذهبًا ملأها الحاكم بأمر الله لمعنى أنه إذا خرب يعمر بما في تلك الدعامة‏.‏



فلما بلغ الملك الأشرف ذلك شرهت نفسه لأخذ المال المذكور فقيل له إنك تحتاج إلى هدم جميع الدعائم التي بالجامع المذكور حتى تظفر بتلك الدعامة المذكورة ثم لا بد لك من عمارتها ويصرف على عمارتها جملة كثيرة لا تدخل تحت حصر فقال السلطان ما معناه‏:‏ إن الذي نأخذه من الدعامة يصرف على عمارة ما نهدمه ولا ينوبنا غير تعب السر وركب فرسه وعاد إلى القلعة‏.‏

ثم في يوم الخميس خامس عشرين شعبان المذكور برز الأمير قرقماس أمير سلاح وقد صار مقدم العساكر وصحبته من تقدم ذكره من الأمراء إلى الريدانية خارج القاهرة من غير أن يرافقهم في هذه التجريدة أحد من المماليك السلطانية فأقاموا بالريدانيه إلى أن سافروا منها في يوم السبت سابع عشرين شعبان وهذه التجريدة آخر تجريدة جردها الملك الأشرف من الأمراء‏.‏

وكتب السلطان إلى الأمير إينال الجكيم نائب الشام وغيره من النواب ان يسافروا صحبة الأمراء المذكورين إلى حلب ويستدعوا حمزة بك بن قرايلك إلى عندهم فإن قدم عليهم خلع عليه بنيابة السلطنة فيما يليه من أعمال ديار بكر وإن لم يقدم عليهم مشوا عليه بأجمعهم وقاتلوه حتى أخذوه‏.‏

قلت‏:‏ الطويل أيا دارها بالخيف إن مزارها قريب ولكن بين ذلك أهوال ثم قدم الخبر على السلطان بأن محمد بن قرايلك توجه إلى أخيه حمزة بك المقدم ذكره باستدعائه وقد حقد عليه حمزة قتله للأمير جانبك الصوفي‏.‏



فإن حمزة لما بلغه نزول جانبك الصوفي على أخويه محمد ومحمود وكتب في الحال إلى أخيه محمد هذا بأن يبعث بالأمير جانبك الصوفي إليه مكرمًا مبجلًا أراد حمزة أن يأخذ جانبك إلى عنده ليخوف به الملك الأشرف فمال محمد إلى ما وعد به تغري برمش نائب حلب وقتل جانبك الصوفي وبعث برأسه إليه فأسرها حمزة في نفسه وما زال يعد أخاه المذكور ويمنيه إلى أن قدم عليه وفي ظن محمد أن أخاه حمزة يوليه بعض بلاده فما هو إلا أن صار في قبضته قتله في الحال‏.‏

قلت‏:‏ هذا شأن الباغي الجزاء من جنس عمله وذلك أنه مثل ما فعل بجانبك الصوفي فعل به .‏

ثم في يوم الثلاثاء أول شهر رمضان ظهر الطاعون بالقاهرة وظواهرها وأول ما بدأ في الأطفال والإماء والعبيد والمماليك‏.‏

وكان الطاعون أيضًا قد عم البلاد الشامية بأسرها‏.‏
ثم في يوم الأربعاء ثالث عشرين شهر رمضان المذكور ختمت قراءة البخاري بين يدي السلطان بقلعة الجبل وقد حضر قضاة القضاة والعلماء والفقهاء على العادة هذا وقد تخوف السلطان من الوباء فسأل من حضر من الفقهاء عن الذنوب التي ترتكبها الناس هل يعاقبهم الله بالطاعون فقال له بعض الجماعة‏:‏ إن الزنا إذا فشا في الناس ظهر فيهم الطاعون وإن النساء يتزين ويمشين في الطرقات ليلًا ونهارًا فأشار آخر أن المصلحة منع النساء من المشي في الأسواق فنازعه آخر فقال‏:‏ لا تمنع إلا المتبهرجات وأما العجائز ومن ليس لها من يقوم بأمرها لا تمنع من تعاطي حاجتها‏.‏



وتباحثوا في ذلك بحثًا كبيرًا إلى أن مال السلطان إلى منعهن من الخروج إلى الطرقات مطلقًا ظنًا من السلطان أن بمنعهن يرتفع الطاعون‏.‏
ثم خلع السلطان على من له عادة بلبس ثم أمرهم باجتماعهم عنده من الغد فاجتمعوا يوم الخميس واتفقوا على ما مال إليه السلطان فنودي بالقاهرة ومصر وظواهرهما بمنع جميع النساء بأسرهن من الخروج من بيوتهن وأن لا تمر امرأة في شارع ولا في سوق البتة وتهدد من خرجت من بيتها بالقتل وأنواع البهدلة فامتنع جميع النساء من الخروج قاطبة فتياتهن وعجائزهن وإمائهن من الخروج إلى الطرقات‏.‏
وأخذ والي القاهرة والحجاب في تتبع الطرقات وضرب من وجدوا من النساء وتشددوا في الردع والضرب والتهديد فامتنعن بأجمعهن فعند ذلك نزل بالأرامل أرباب الصنائع ومن لا يقوم عليها أحد لقضاء حاجتها ومن تطوف على الأبواب تسأل الناس من الضر والحاجة بأس شديد‏.‏
ثم في يوم السبت سادس عشرينه أفرج السلطان عن جميع المسجونين حتى أرباب الجرائم وأغلقت السجون بالقاهرة ومصر وانتشرت السراق والمفسدون في البلد وامتنع من له عند شخص حق أن يطالبه‏.‏



قلت‏:‏ كان حال الملك الأشرف في هذه الحركة كقول القائل‏:‏ الخفيف رام نفعًا فضر من غير قصد ومن البرما يكون عقوقا ثم في سابع عشرينه عزم السلطان على أن يولي الحسبة لرجل ناهض فذكر له جماعة فلم يرضهم ثم قال‏:‏ عندي واحد ليس بمسلم ولا يخاف الله وأمر فأحضر إليه دولات خجا الظاهري برقوق المعزول عن ولاية القاهرة قبل تاريخه غير مرة فخلع عليه باستقراره في حسبة القاهرة عوضًا عن القاضي صلاح الدين محمد بن الصاحب بدر الدين بن نصر الله كاتب السر بحكم عزله وكان رغبة السلطان في ولاية دولات خجا هذا بسبب النساء لما يعلم من شدته وقلة رحمته وجبروته‏.‏

وعندما خلع عليه حرضه على عدم إخراج النسوة إلى الطرقات هذا بعد أن تكلم جماعة كبيرة من أرباب الدولة مع السلطان بسبب ما حل بالنسوة من الضرر لعدم خروجهن فأمر السلطان عند ذلك فنودي بخروج الإماء لشراء حوائج مواليهن من الأسواق وأن لا تنتقب واحدة منهن بل يكن سافرات عن وجوههن قصد بذلك حتى لا تتنكر إحداهن في صفة الجواري وتخرج إلى الأسواق وأن تخرج العجائز لقضاء أشغالهن وأن تخرج النساء إلى الحمامات ولا يقمن بها إلى الليل‏.‏



وصار دولات خجا يشدد على النسوة وعاقب منهن جماعة كبيرة حتى انكف الجميع عن الخروج البتة‏.‏
وأهل شوال يوم الخميس وقد حل بالناس من الأنكاد والضرر ما لا يوصف من تزايد الطاعون وتعطل كثير من البضائع المبتاعة على النسوة لامتناعهن من المشي في الطرقات وأيضًا مما نزل بالنسوة من موت أولادهن وأقاربهن فصارت المرأة يموت ولدها فلا تستطيع أن ترى قبره خوفًا من الخروج إلى الطرقات ويموت أعز أقاربها من غير أن تزوره في مرضه فشق ذلك عليهن إلى الغاية هذا مع تزايد الطاعون‏.‏
قلت‏:‏ كل ذلك لعدم أهلية الحكام واستحسان الولاة على الخواطىء وإلا فالحرة معروفة ولو كانت في الخمارة والفاجرة معروفة ولو كانت في البيت الحرام ولا يخفى ذلك على الذوق السليم غير أن هذا كله وأمثاله لولاية المناصب غير أهلها وأما الحاكم النحرير الحاذق الفطن إذا قام بأمر نهض به وتتبع الماء من مجاريه وأخذ ما هو بصدده حتى أزاله في أسرع وقت وأهون حال ولا يحتاج ذلك إلى بعض ما الناس فيه وهو ذهاب الصالح بالطالح والبريء مع المجرم وتحكم مثل هذا الجاهل في المسلمين الذي هو من مقولة من قال‏:‏ الطويل ولوشاربك لخصهم بثلاثة قرون وأذناب وشق حوافر وما أحسن قول أبي الطيب المتنبي في هذا المعنى‏:‏ الطويل ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى .‏



كل ذلك والسلطان شهوته ضعيفة عن الأكل ولونه مصفر وآثار المرض تلوح على وجهه غير أنه يتجلد كقول القائل‏:‏ الكامل ثم في هذا اليوم خلع السلطان على الأمير أسنبغا بن عبد الله الناصري الطياري باستقراره حاجبًا ثانيًا عوضًا عن الأمير جانبك السيفي يلبغا الناصري المعروف بالثور بحكم وفاته بمكة المشرفة في حادي عشر شعبان‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء سادس شوال المذكور خلع السلطان على قاضي القضاة شهاب الدين بن حجر وأعيد إلى القضاء بعد عزل القاضي علم الدين صالح البلقيني بعد أن ألزم أنه يقوم لعلم الدين صالح المذكور بما حمله إلى الخزانة الشريفة وقد بدا للسلطان أنه لا يولي بعد ذلك أحدًا من القضاة بمال مما داخله من الوهم بسبب عظم الطاعون وأيضًا لمرض تمادى به‏.‏

وفيه ركب السلطان من قلعة الجبل ونزل إلى خليج الزعفران وأقام به يومه في مخيمه يتنزه ثم ركب وعاد إلى القلعة في آخر النهار بعد أن تصدق على الفقراء بمال كثير فتكاثرت الفقراء على متولي الصدقة وجذبوه حتى أرموه عن فرسه فغضب السلطان من ذلك وطلب سلطان الحرافيش وشيخ الطوائف وألزمهما بمنع الجعيدية من السؤال في الطرقات وألزمهم بالتكسب وأن من يشحذ منهم قبض عليه وأخرج لعمل الحفير‏.‏



فامتنعوا من الشحاذة وخلت الطرقات ولم يبق من السؤال إلا العميان والزمنى وأرباب العاهات‏.‏
قلت‏:‏ وكان هذا من أكبر المصالح وعد ذلك من حسن نظر الملك الأشرف في أحوال الرعية فإن هؤلاء الجعيدية غالبهم قوي سوي صاحب صنعة في يده فيتركها ويشارك ذوي العاهات الذين لا كسب لهم إلا السؤال ولولا ذلك لماتوا جوعًا وأيضا أن غالبهم يجلس بالشوارع ويتمنى ثم يقسم على الناس بالأنبياء والصلحاء وهو يتضجر من قسوة قلوب الناس ويقول‏:‏ لي مقدار كيت وكيت باقول في حب رسول الله أعطوني هذا النزر اليسير فلم يعطني أحد‏.‏
ويجتاز به وهو يقول‏:‏ ذلك اليهودي والنصراني فيسمعون لمقالته في هذا المعنى‏.‏
وهذا من المنكرات التي لا ترتضيها الحكام وكان من شأنهم أنهم إذا سمعوا هذا القول أخذوا القائل وأوجعوه بالضرب والحبس والمناداة على الفقراء بعدم التقسيم في سؤالهم والتحجر عليهم بسبب ذلك فلم يلتفت أحد منهم إلى ذلك حتى ظهر للسلطان بعض ما هم عليه في هذه المرة فمنعهم فما كان أحسن هذا لو دام واستمر‏.‏
كل ذلك والسلطان يتشاغل بركوبه وتنزهه مما به من التوعك وهو لا يظهره‏.‏



فلما كان يوم الأربعاء سابع شوال انتكس السلطان ولزم الفراش‏.‏
كل ذلك ودولات خجا محتسب القاهرة يتتبع النسوة ويردعهن بالعذاب والنكال حتى إنه ظفر مرة بامرأة وأراد أن يضربها فذهب عقلها من الخوف وتلفت وحملت إلى بيتها مجنونة وتم بها ذلك أشهرًا وامرأة أخرى أرادت أن تخرج خلف جنازة ولدها فمنعت من ذلك فأرمت بنفسها من أعلى الدار ثم في يوم الجمعة تاسع شوال اتفق حادثة غريبة وهو أن العامة لهجت بأن الناس يموتون يوم الجمعة بأجمعهم قاطبة وتقوم القيامة فتخوف غالب العامة من ذلك‏.‏
فلما كان وقت الصلاة من يوم الجمعة المذكور حضر الناس إلى الصلاة وركبت أنا أيضًا إلى جامع الأزهر والناس تزدحم على الحمامات ليموتوا على طهارة كاملة فوصلت إلى الجامع وجلست به وأذن المؤذنون ثم خرج الخطيب على العادة ورقي المنبر وخطب وأسمع الناس إلى أن فرغ من الخطبة الأولى وجلس للاستراحة بين الخطبتين فطال جلوسه ساعة كبيرة فتقلق الناس إلى أن قام وبدأ في الخطبة الثانية وقبل أن يتم كلامه قعد ثانيًا واستند إلى جانب المنبر ساعة طويلة كالمغشي عليه فاضطرب الناس لما سبق من أن الناس تموت في يوم الجمعة بأجمعهم وظنوا صدق المقالة وأن الموت أول ما بدأ بالخطيب‏.‏



وبينما الناس في ذلك قال رجل‏:‏ الخطيب مات فارتج الجامع وضج الناس وتباكوا وقاموا إلى المنبر وكثر الزحام على الخطيب حتى أفاق وقام على قدميه ونزل عن المنبر ودخل إلى المحراب وصلى من غير أن يجهر بالقراءة وأوجز في صلاته حتى أتم الركعتين‏.‏

وقدمت عدة جنائز فصلى عليها الناس وأمهم بعضهم‏.‏
وبينما الناس في الصلاة على الموتى إذا الغوغاء صاحت بأن الجمعة ما صحت والخطيب صلى بعد أن انتقض وضوءه لما غشي عليه وتقدم رجل من الناس وأقام وصلى الظهر أربعًا‏.‏

وبعد فراغ هذا الذي صلى أربعًا قام جماعة أخر وأمروا فأذن المؤذنون بين يدي المنبر وطلع رجل إلى المنبر وخطب خطبتين على العادة ونزل ليصلي فمنعوه من التقدم إلى المحراب وأتوا بإمام الخمس فقدموه حتى صلى بهم جمعة ثانية فلما انقضت صلاته بالناس قام آخرون وصاحوا بأن هذه الجمعة الثانية لم تصح وأقاموا الصلاة وصلى بهم رجل آخر الظهر أربع ركعات فكان في هذا اليوم بجامع الأزهر إقامة الخطبة مرتين وصلاة الظهر مرتين‏.‏
فقمت أنا في الحال وإذا بالناس تطير على السلطان بزوال من أجل إقامة خطبتين في موضع واحد في يوم واحد‏.‏



هذا ومرض السلطان في زيادة ونمو وكلما ترجح قليلًا خلع على الأطباء ودقت البشائر إلى أن عجز عن القيام في العشر الثاني من شوال‏.‏
هذا وقد كثر الموت بالمماليك السلطانية ثم بالدور السلطانية ومات عدة من أولاد السلطان والحريم والجواري‏.‏

وخرج الحاج في يوم الاثنين تاسع عشره صحبة أمير الحاج آقبغا من مامش الناصري المعروف بالتركماني ونزل إلى بركة الحاج فمات به عدة كبيرة من الحجاج منهم ابن أمير الحاج وابنته في الغد‏.‏
وبعده في يوم الأربعاء حادي عشرينه ضبط عدة من صلي عليه من الأموات بالمصليات فزادت عدتهم على ألف إنسان‏.‏

ثم في يوم الخميس ثاني عشرينه خلع السلطان على الأطباء لعافيته وفرح الناس وبينما هم في ذلك إذ وسط السلطان طبيبيه في يوم السبت رابع عشرينه وهما اللذان خلع عليهما بالأمس‏.‏

وكان من خبر الأطباء أنه لما خلع السلطان عليهما بالأمس وأصبح السلطان من الغد فرأى حاله في إدبار وكان قد قلق من طول مرضه فشكا ما به لرئيس الأطباء العفيف الأسلمي فأمر له بشيء يشربه فشربه السلطان فلم يوافق مزاجه وتقيأه لضعف معدته‏.‏



وكان خضر الحكيم كثيرًا ما يتحشر عند رؤساء الدولة حتى صار يداخل السلطان في أيام مرضه اقتحامًا على الرئاسة واستمر يلاطف السلطان مع العفيف‏.‏
وأصبح العفيف وطلع إلى القلعة ودخل على عادته وإذا بالسلطان قد امتلأ عليه غضبًا وقد ظن في نفسه أن الحكماء مقصرون في علاجه ومداواته وأنهم أخطؤوا في التدبير والملاطفة فحال ما وقع بصره على العفيف سبه ونهره وكان في المجلس القاضي صلاح الدين بن نصر الله كاتب السر والصفوي جوهر الخازندار وعدة أخر من الأمراء الخاصكية ثم قال له السلطان‏:‏ إيش هذا الذي أسقيتني البارحة فقال العفيف‏:‏ هو كيت وكيت يا مولانا السلطان واطلب الأطباء واسألهم هل هو موافق أم لا فلم يلتفت السلطان إلى كلامه وطلب عمر بن سيفا والي القاهرة وأمره بتوسيطه فأخذه وخرج وتماهل في أمره حتى تأتيه الشفاعة‏.‏

وبينما العفيف في ذلك إذ طلع خضر الحكيم وهو مسرع كون العفيف قد سبقه إلى مجلس السلطان فكلمه العفيف في أن السلطان إذا سأله عما وصفه له العفيف في أمسه لا يعترض عليه ليسكن بذلك غضب السلطان‏.‏
فحال ما دخل خضر المذكور على السلطان أمر بتوسيطه أيضًا فأخذ من بين يدي السلطان أخذًا مزعجًا وأضيف إلى العفيف وهو يظن أن ذلك من حنق السلطان وليس الأمر على حقيقته‏.‏



وتربص الوالي في أمرهما فأرسل السلطان من استحثه في توسيطهما هذا بعد أن وقف ندماء السلطان إلى الأشرف وقبلوا له الأرض غير مرة وقبلوا يده مرارًا عديدة بسببهما والشفاعة فيهما وسألوه أن يعاقبهما بالضرب فأبى إلا توسيطهما‏.‏

وأخذ السلطان يستحث الوالي برسول بعد رسول من الخاصكية والوالي يتنقل بهما من مكان إلى آخر تسويفًا إلى أن أتى بهما إلى الحدرة عند باب الساقية من قلعة الجبل‏.‏

وبينما هم في ذلك أتاه رجل من قبل السلطان وقال له‏:‏ أمرني السلطان أن أحضر توسيطهما أو تحضر تجيب السلطان بما تختاره من الجواب عن ذلك فلم يجد عمر بدًا من أن أخذ العفيف أولًا وحمله فاستسلم ولم يتحرك حتى وسط‏.‏

فلما رأى خضر ذلك طار عقله وصاح وهو يقول‏:‏ عمر الحكيم أتوسط عندي للسلطان ثلاثة آلاف دينار ويدعني أعيش فلم يلتفت الوالي إلى كلامه وأمر به فأخذ فدافع عن نفسه بكل ما تصل قدرته إليه وخاف خوفًا شديدًا فتكاثروا عليه أعوان الوالي حتى حملوه وهو يتمرغ فوسط توسيطًا معذبًا لتلويه واضطرابه ثم حملا إلى أهليهما‏.‏



فعند ذلك تحقق الناس عظم ما بالسلطان من المرض وشنعت القالة فيه‏.‏
ومن يومئذ تزايد مرض السلطان وصارت الأطباء متخوفة من معالجته ولا يصفون له شيئًا حتى يكون ذلك بمشورة جماعة من الأطباء واستعفى أكثرهم وحمل الرسائل على عدم الطلوع لملاطفته‏.‏
واستمر السلطان ومرضه يتزايد فلما كان يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة جمع السلطان الخليفة والقضاة الأربعة والأمراء وأعيان الدولة وعهد بالسلطنة إلى ولده المقام الجمالي يوسف وكتب العهد القاضي شرف الدين أبو بكر نائب كاتب السر لمرض كاتب السر القاضي صلاح الدين بن نصر الله بالطاعون‏.‏

وجلس السلطان بالمقعد الذي أنشأه على باب الدهيشة المطل على الحوش السلطاني وقد أخرج إليه محمولًا من شدة مرضه وضعف قوته ووقف بين يديه الأمير خشقدم اليشبكي مقدم المماليك السلطانية بالحوش ومعه غالب المماليك السلطانية الجلبان والقرانيص وجلس بجانب السلطان الخليفة المعتضد بالله أبو الفتح داود والقضاة والأمير الكبير جقمق العلائي ومن تأخر عن التجريدة من الأمراء بالديار المصرية‏.‏

وقام عبد الباسط لغيبة كاتب السر صلاح الدين بن نصر الله وشدة مرضه بالطاعون وابتدأ بالكلام في عهد السلطان بالملك من بعده لابنه المقام الجمالي يوسف وقد حضر أيضًا يوسف المذكور مع أبيه في المجلس فاستحسن الخليفة هذا الرأي وشكر السلطان على فعله لذلك‏.‏



فقام في الحال القاضي شرف الدين أبو بكر سبط ابن العجمي نائب كاتب السر بالعهد إلى بين يدي السلطان‏.‏

وأشهد السلطان على نفسه أنه عهد بالملك إلى ولده يوسف من بعده وأمضى الخليفة العهد وشهد بذلك القضاة وجعل الأمير الكبير جقمق العلائي هو القائم بتدبير أمر مملكة المقام الجمالي يوسف وأشهد السلطان على نفسه بذلك أيضًا في العهد‏.‏

ثم التفت السلطان إلى جهة الحوش وكلم الأمير خشقدم مقدم المماليك وقصد يسمع ذلك القول للمماليك السلطانية الجلبان بكلام طويل محصوله يعتب عليهم فيما كانوا يفعلونه في أيامه وأنه كان تغير عليهم ودعا عليهم فأرسل الله تعالى عليهم الطاعون في سنتي ثلاث وثلاثين ثم إحدى وأربعين فمات منهم جماعة كبيرة والآن قد عفا عنهم‏.‏

ثم أوصاهم بوصايا كثيرة منها أن يكونوا في طاعة ولده وأن لا يغيروا على أحد من الأمراء وأن لا يختلفوا فيدخل فيهم الأجانب فيهلكوا وأشياء من ذلك كثيرة سمعتها من لفظه لكن لم أحفظ أكثرها لطول الكلام‏.‏
ثم أخذ يعرف الجميع القرانيص والجلبان أنه يموت وأنه كان عندهم ضيفًا وقد أخذ في الرحيل عنهم وبكى فأبكى الناس وعظم الضجيج من البكاء ثم أمر لهم بنفقة لجميع المماليك السلطانية قاطبة لكل واحد ثلاثين دينارًا فقبل الجميع الأرض وضجوا له بالدعاء بعافيته وتأييده كل ذلك وهو يبكي وعقله صحيح وتدبيره جيد‏.‏



وفي الحال جلس كاتب المماليك واستدعى اسم واحد واحد وقد صرت النفقة المذكورة حتى أخذوا الجميع النفقة فحسن ذلك ببال جميع الناس وكانت جملة النفقة مائة وعشرين ألف دينار وانفض المجلس وحمل السلطان وأعيد إلى مكانه‏.‏

ثم في يوم الجمعة سابع ذي القعدة خلع السلطان على الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله باستقراره في كتابة السر بعد موت ولده صلاح الدين محمد بن حسن بن نصر الله بالطاعون وخلع أيضًا في اليوم المذكور على نصر الدين علي السويفي إمام السلطان باستقراره محتسب القاهرة بعد موت دولات خجا بالطاعون وفرح الناس بموته كثيرًا‏.‏

وتزايد الطاعون في هذه الأيام بالديار المصرية
وظواهرها حتى بلغ عدة من صلي عليه بمصلاة باب النصر فقط في يوم واحد أربعمائة ميت وهي من جملة إحدى عشرة مصلاة بالقاهرة وظواهرها‏.‏

وأما الأمراء المجردون إلى البلاد الشامية فإنهم كانوا في هذا الشهر رحلوا من أبلستين وتوجهوا إلى آق شهر حتى نزلوا عليها وحصروها وليس لهم علم بما السلطان فيه‏.‏



ثم اشتد مرض السلطان في يوم الثلاثاء خامس عشرين ذي القعدة واحتجب عن الناس ومنع الناس قاطبة من الدخول عليه سوى الأمير إينال الأبو بكري الأشرفي شاد الشراب خاناه وعلي باي الأشرفي الخازندار وجوهر اللالا الزمام وصار إذا طلع مباشرو الدولة إلى الخدمة السلطانية على العادة يعرفهم هؤلاء بحال السلطان وليس أحد من أكابر الأمراء يطلع إلى القلعة لمعرفتهم بما السلطان فيه من شدة المرض وأيضًا لكثرة الكلام في المملكة‏.‏

وقد صارت المماليك طوائف وتركوا التسيير إلى خارج القاهرة وجعلوا دأبهم التسيير بسوق الخيل تحت القلعة والكلام في أمر السلطان‏.‏
وبطلت العلامة وتوقف أحوال الناس لاختلاط عقل السلطان من غلبة المرض عليه وخيفت السبل ونقل الناس أقمشتهم من بيوتهم إلى الحواصل مخافة من وقوع فتنة‏.‏
وأخذ الطاعون يتناقص في هذه الأيام وهو أوائل ذي الحجة ومرض السلطان يتزايد‏.‏
وكان ابتداء مرض السلطان ضعف الشهوة للأكل فتولد له من ذلك أمراض كثيرة آخرها نوع من أنواع الملنخوليا وكثر هذيانه وتخليطه في الكلام ولازمه الأرق والسهر مع ضعف قوته‏.‏

هذا مع أن المماليك في هذه الأيام صاروا طائفة وطائفة‏:‏ فطائفة منهم يريدون أن يكون الأمير الكبير جقمق العلائي هو مدبر المملكة كما أوصاه الملك الأشرف وهم الظاهرية البرقوقية والناصرية والمؤيدة والسيفية وطائفة وهم الأشرفية يريدون الاستبداد بأمر ابن أستاذهم كل ذلك من غير مفاوضة في الكلام‏.‏



وبلغ الأمير إينال الأبو بكري المشد ذلك وكان أعقل المماليك الأشرفية وأمثلهم وأعلمهم فأخذ في إصلاح الأمر بين الطائفتين بأن طيب المماليك الأشرفية إلى الحلف على طاعة ابن السلطان والأمير الكبير جقمق العلائي حتى أذعنوا ورضوا‏.‏

فتولى تحليفهم القاضي شرف الدين نائب كاتب السر وحلف الجميع ثم نزل عبد الباسط إلى الأمير الكبير جقمق وحلفه على طاعة السلطان وبعد تحليفه نزل إليه الأمير إينال المشد والأمير علي باي الخازندار وقبل كل منهما يده بمن معهما من أصحابهما فأكرمهم جقمق ووعدهم بكل خير وعادوا إلى القلعة وسكن الناس وبطل الكلام بين الطائفتين‏.‏

فلما كان يوم الأربعاء عاشر ذي الحجة وهو يوم عيد النحر خرج المقام الجمالي يوسف ولي العهد الشريف وصلى صلاة العيد بجامع القلعة وصلى معه الأمير الكبير جقمق العلائي وغالب أمراء الدولة ومشوا في خدمته بعد انقضاء الصلاة والخطبة حتى جلس على باب الستارة وخلع على الأمير الكبير جقمق وعلى من له عادة بلبس الخلع في يوم عيد النحر ثم نزلوا إلى دورهم وقام المقام الجمالي ونحر ضحاياه بالحوش السلطاني‏.‏



هذا وقد حصل للسلطان نوب كثيرة من الصرع حتى خارت قواه ولم يبق إلا أوقات يقضيها واستمر على ذلك والإرجاف يتواتر بموته في كل وقت إلى أن مات قبيل عصر يوم السبت ثالث عشر ذي الحجة من سنة إحدى وأربعين وثمانمائة وسنه يوم مات بضع وستون سنة تخمينًا فارتجت القلعة لموته ساعة ثم سكنوا‏.‏

وفي الحال حضر الخليفة والقضاة الأربعة والأمير الكبير جقمق العلائي وسائر أمراء الدولة وسلطنوا المقام الجمالي يوسف ولقبوه بالملك العزيز يوسف حسبما يأتي ذكره في محله‏.‏

ثم أخذ الأمراء في تجهيز السلطان فجهز وغسل وكفن بحضرة الأمير إينال الأحمدي الفقيه الظاهري برقوق أحد أمراء العشرات بوصية السلطان له وهو الذي أخرج عليه كلفة تجهيزه وخرجته من مال كان الأشرف دفعه إليه في حياته وأوصاه أن يحضر غسله وتكفينه ودفنه‏.‏

ولما انتهى أمر تجهيز الملك الأشرف حمل من الدور السلطانية إلى أن صلي عليه بباب القلعه من قلعة الجبل وتقدم للصلاة عليه قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن حجر لكون الخليفة كان خلع عليه خلعة أطلسين التي خلعها عليه ملك العزيز‏.‏



ثم حمل من المصلى على أعناق الخاصكية والأمراء الأصاغر إلى أن دفن بتربته التي أنشأها بالصحراء خارج القاهرة وحضرت أنا الصلاة عليه ودفنه وكانت جنازته مشهودة بخلاف جنائز الملوك ولم يقع في يوم موته اضطراب ولا حركة ولا فتنة ونزل إلى قبره قبيل المغرب‏.‏
وكان مدة سلطنته بمصر سبع عشرة سنة تنقص أربعة وتسعين يومًا وتسلطن بعده ابنه الملك العزيز يوسف المقدم ذكره بعهد منه إليه‏.‏
وخلف الملك الأشرف من الأولاد العزيز يوسف وابنًا آخر رضيعًا أو حملًا وهما في قيد الحياة الى يومنا هذا‏.‏
فأما العزيز فمسجون بثغر الإسكندرية وأما الأخر فاسمه أحمد عند عمه زوج أمه الأمير قرقماس الأشرفي رأس نوبة وهو الذي تولى تربيته ومن أجل المقام الشهابي أحمد هذا كانت الفتنة بين المماليك الأشرفية والمماليك الظاهرية في الباطن لما أراد الظاهرية إخراجه إلى الإسكندرية‏.‏
وأما من مات من أولاد الملك الأشرف فكثير وخلف من الأموال‏.‏
التحف والخيول والجمال والسلاح شيئًا كثيرًا إلى الغاية‏.‏
وكان سلطانًا جليلًا سيوسًا مدبرًا عاقلًا متجملًا في مماليكه وخيوله‏.‏
وكانت صفته أشقر طويلًا نحيفًا رشيقا منور الشيبة بهي الشكل غير سباب ولا فحاش في لفظه حسن الخلق لين الجانب حريصًا على إقامة ناموس الملك يميل إلى الخير يحب سماع تلاوة القرآن العزيز حتى إنه رتب عدة أجواق تقرأ عنده في ليالي المواكب بالقصر السلطاني دوامًا‏.‏
وكان يكرم أرباب الصلاح ويجل مقامهم وكان يكثر من الصوم في الصيف والشتاء فإنه كان يصوم في الغالب يوم الثالث عشر من الشهر والرابع عشر والخامس عشر يديم على ذلك‏.‏



وكان يصوم أيضًا أول يوم في الشهر وآخر يوم فيه مع المواظبة على صيام يومي الاثنين والخميس في الجمعة حتى إنه كان يتوجه في أيام صومه إلى الصيد ويجلس على السماط وهو صائم ويطعم الأمراء والخاصكية بيده ثم يغسل يديه بعد رفع السماط كأنه واكل القوم‏.‏
وكان لا يتعاطى المسكرات ولا يحب من يفعل ذلك من مماليكه وحواشيه وكان يحب الاستكثار من المماليك حتى إنه زادت عدة مماليكه المشتروات على ألفي مملوك لولا ما أفناهم طاعون سنة ثلاث وثلاثين ثم طاعون سنة إحدى وأربعين هذا فمات فيهما من مماليكه خلائق‏.‏
وكان يميل إلى جنس الجراكسة على غيرهم في الباطن ويظهر ذلك منه في بعض الأحيان وكان لا يحب أن يشهر عنه ذلك لئلا تنفر الخواطر منه فإن ذلك مما يعاب به على الملوك وكان مماليكه أشبه الناس بمماليك الملك الظاهر برقوق في كثرتهم وأيضًا في تحصيل فنون الفروسية ولو لم يكن من مماليكه إلا الأمير إينال الأبو بكري الخازندار ثم المشد لكفاه فخرًا لما اشتمل عليه من المحاسن ولم يكن في دورنا من يدانيه فكيف يشابهه‏.‏

وإلى الآن مماليكه هم معظم عسكر الإسلام‏.‏
وكانت أيامه في غاية الأمن والرخاء من قلة الفتن وسفر التجاريد هذا مع طول مدته في السلطنة‏.‏



وعمر في أيامه غالب قرى مصر قبليها وبحريها مما كان خرب في دولة الملك الناصر فرج ثم في دولة الملك المؤيد شيخ لكثرة الفتن في أيامهما وترادف الشرور والأسفار إلى البلاد الشامية وغيرها في كل سنة‏.‏
ومع هذا كله كان الملك الأشرف منغص العيش من جهة الأمير جانبك الصوفي من يوم فر من سجنه بثغر الإسكندرية في سابع شعبان سنة ست وعشرين وثمانمائة إلى أن مات جانبك قبل موته في سنة أربعين وثمانمائة حسبما تقدم ذكره‏.‏

وكان الأشرف يتصدى للأحكام بنفسه ويقتدي في غالب أموره بطريق الملك المؤيد شيخ غير أنه كان يعيب على المؤيد سفه لسانه إلا الملك الأشرف فإنه كان لا يسفه على أحد من مماليكه ولا خدمه جملة كافية فكان أعظم ما شتم به أحدًا أن يقول له‏:‏ حمار وكان ذلك في الغالب يكون مزحًا‏.‏
ولقد داومت خدمته من أوائل سلطنته إلى أن مات ما سمعته أفحش في سب واحد بعينه كائن من كان‏.‏
وفي الجملة كانت محاسنه أكثر من مساوئه‏.‏

وأما ما ذكره عنه الشيخ تقي الدين المقريزي في تاريخ من المساوىء فلا أقول إنه مغرض في ذلك بل أقول بقول القائل‏:‏ الطويل ومن ذا الذي ترضي سجاياه كلها كفى المرء فخرًا أن تعد معايبه وكان الأليق الإضراب عن تلك المقالة الشنعة في حقه من وجوه عديدة غير أن الشيخ تقي الدين كان ينكر عليه أمورًا منها انقياده إلى مباشري دولته في مظالم العباد ومنها شدة حرصه على المال وشرهه في جمعه‏.‏



وأنا أقول في حق الملك الأشرف ما قلته في حق الملك الظاهر برقوق فيما تقدم فهو بخيل بالنسبة لمن تقدمه من الملوك وكريم بالنسبة لمن جاء بعده إلى يومنا هذا وما أظرف قول من قال‏:‏ الكامل ما إن وصلت إلى زمان آخر إلا بكيت على الزمان الأول وأما قول المقريزي‏:‏ وانقياده لمباشريه يشير بذلك إلى الزيني عبد الباسط فإنه كان يخاف على ماله منه فلا يزال يحسن له القبائح في وجوه تحصيل المال ويهون عليه فعلها حتى يفعلها الأشرف وينقاد إليه بكليته وحسن له أمورًا لو فعلها الأشرف لكان فيها زوال ملكه ومال الأشرف إلى شيء منها لولا معارضة قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني له فيها عندما كان يسامره بقراءة التاريخ فإنه كان كثيرًا ما يقرأ عنده تواريخ الملوك السالفة وأفعالهم الجميلة ويذكر ما وقع لهم من الحروب والخطوب والأسفار والمحن ثم يفسر له ذلك باللغة التركية وينمقها بلفظه الفصيح ثم يأخذ في تحبيبه لفعل الخير والنظر في مصالح المسلمين ويرجعه عن كثير من المظالم حتى لقد تكرر من الأشرف قوله في الملأ‏:‏ لولا القاضي العيني ما حسن إسلامنا ولا عرفنا كيف نسير في المملكة‏.‏



وكان الأشرف اغتنى بقراءة العيني له في التاريخ عن مشورة الأمراء في المهمات لما تدرب بسماعه للوقائع السالفة للملوك‏.‏
قلت‏:‏ وما قاله الأشرف في حق العيني هو الصحيح فإن الملك الأشرف كان أميًا صغير السن لما تسلطن بالنسبة لملوك الترك الذين مسهم الرق فإنه تسلطن وسنه يوم ذاك نيف على أربعين سنة وهو غر لم يمارس التجارب ففقهه العيني بقراءة التاريخ وعرفه بأمور كان يعجز عن تدبيرها قبل ذلك منها‏:‏ لما كسرت مراكب الغزاة في غزوة قبرس فإن الأشرف كان عزم على تبطيلها في تلك السنة ويسيرها في القابل حتى كلمه العيني في ذلك وحكى له عدة وقائع صعب أولها وسهل آخرها فلذلك على أنه كان لا يداخله في أمور المملكة البتة بل كان مجلسه لا ينقضي معه إلا في قراءة التاريخ وأيام الناس وما أشبه ذلك ومن يوم ذاك حبب إلي التاريخ وملت إليه واشتغلت به ‏.‏
وقد تقدم الكلام على أصل الملك الأشرف وكيف ملكه السلطان الملك الظاهر برقوق وعلى نسبته بالدقماقي في أول ترجمته فلا حاجة للعيادة هنا ثانيًا‏.‏
انتهى ترجمة الملك الأشرف برسباي رحمه الله تعالى‏.‏















صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 25-01-2012, 02:23 AM   رقم المشاركة:590
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 54
المشاركات: 8,675
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الملك الأشرف برسباي (13)


سلطنة الملك الأشرف برسباي (13)






السنة الأولى

من سلطنة الأشرف برسباي وهي سنة خمس وعشرين وثمانمائة على أن الملك الصالح محمد ابن ملك الظاهر ططر حكم منها إلى ثامن شهر ربيع الآخر ثم حكم في باقيها الملك الأشرف هذا‏.‏

وفيها أعني سنة خمس وعشرين المذكورة توفي الشيخ الإمام العالم بدر الدين محمود ابن الشيخ الإمام شمس الدين محمد الأقصرائي الحنفي في ليلة الثلاثاء خامس المحرم ولم يبلغ الثلاثين من العمر‏.‏
وكان بارعًا ذكيًا فاضلًا فقيهًا مشاركًا في عدة فنون حسن المحاضرة مقربًا من الملوك‏.‏
وكان يجالس الملك المؤيد شيخًا وينادمه ثم عظم أمره عند الملك الظاهر ططر واختص به إلى الغاية وتردد الناس إلى بابه ورشح إلى الوظائف السنية فعاجلته المنية ومات بعد مدة يسيرة‏.‏

وتوفي الشيخ علاء الدين علي ابن قاضي القضاة تقي الدين عبد الرحمن الزبيري الشافعي في ليلة الأحد ثالث المحرم وقد أناف على ستين سنة بعد أن ناب في الحكم ودرس بعدة مدارس وبرع في الحساب والفرائض‏.‏

وتوفي الأمير سيف الدين آق خجا بن عبد الله الأحمدي الظاهري وهو يلي كشف بالوجه القبلي في العشرين من المحرم‏.‏
وكان تركي الجنس أصله من مماليك الملك الظاهر برقوق وترقى حتى صار من جملة أمراء الطبلخاناه وحاجبًا ثانيًا وتولى الكشف بالوجه القبلي ومات هناك‏.‏
ولم يكن من المشكورين‏.‏



وتوفي الشيخ المحدث شمس الدين محمد بن أحمد بن معالي الحبتي الحنبلي الدمشقي في يوم الخميس ثامن عشرين المحرم‏.‏
وكان يقرأ البخاري عند سلطان وهو أحد فقهاء الحنابلة وأحد ندماء الملك المؤيد شيخ وأصحابه قديمًا ولاه مشيخة المدرسة الخروبية بالجيزة‏.‏

وتوفي مقرىء زمانه العلامة شمس الدين محمد بن علي بن أحمد المعروف بالزراتيني الحنفي إمام الخمس بالمدرسة الظاهرية برقوق في يوم الخميس سادس جمادى الآخرة وقد جاوز سبعين سنة بعد أن كف بصره وانتهت إليه الرئاسة في الإقراء بالديار المصرية ورحل إليه من الأقطار‏.‏

وتوفي الأمير بدر الدين حسن بن السيفي سودون الفقيه الظاهري صهر الملك الظاهر ططر وخال ولده الملك الصالح المقدم ذكره وهو أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية في يوم الجمعة ثالث عشر صفر بقلعة الجبل في حياة والده سودون الفقيه‏.‏
وكان والده سودون الفقيه حمو الملك الظاهر ططر جنديًا لم يتأمر وصار ولده حسن هذا أمير مائة ومقدم ألف قلم تطل أيامه في السعادة فإنه كان أولًا بخدمة صهره الملك الظاهر ططر فلما تسلطن أنعم عليه بإمرة طبلخاناه دفعة واحدة ثم نقله بعد مدة يسيرة إلى إمرة مائة وتقدمة ألف فعاجلته المنية ومات بعد مرض طويل‏.‏
وكان حسن المذكور شابًا جميلًا حسن الشكالة إلا أنه كان بإحدى عينيه خلل‏.‏


وتوفي الشيخ الإمام العالم برهان الدين إبراهيم بن أحمد بن علي البيجوري الشافعي في يوم السبت رابع عشر شهر رجب وقد أناف على السبعين سنة ولم يخلف بعده أحفظ منه لفروع فقه مذهبه مع قلة الاكتراث بالملبس والتقشف وعدم الالتفات إلى الرئاسة‏.‏

وتوفي مقدم العشير بالبلاد الشامية بدر الدين حسن بن أحمد المعروف بابن بشارة في سابع ذي الحجة وكان له رئاسة ضخمة بالنسبة لأبناء جنسه وثروة ومال كثير‏.‏



السنة الثانية


من سلطنة الأشرف برسباي وهي سنة ست وعشرين وثمانمائة‏.‏

فيها توفي قاضي القضاة بالمدينة النبوية ناصر الدين عبد الرحمن محمد بن صالح في ليلة السبت رابع عشرين صفر‏.‏
وكان من الفقهاء أعيان أهل المدينة‏.‏

وتوفي تاج الدين فضل الله بن الرملي القبطي ناظر الدولة في يوم حادي عشرين صفر بعدما باشر وظيفة نظر الدولة عدة سنين وسئل بالوزارة غير مرة فامتنع واستمر على وظيفته ومات وقد أناف على الثمانين سنة‏.‏
قال المقريزي‏:‏ وكان من ظلمة الأقباط وفساقهم‏.‏



وتوفي الأمير ناصر الدين بك محمد بن علي بك بن قرمان متملك بلاد قرمان في صفر من حجر أصابه في حربه مع عساكر خوندكار مراد بك بن عثمان متملك برصا‏.‏
وكان ابن قرمان هذا أسر في أيام الملك المؤيد شيخ حسبما ذكرناه في ترجمة الملك المؤيد وحبس بقلعة الجبل إلى أن أفرج عنه الملك الظاهر ططر بعد موت الملك المؤيد شيخ حسبما ذكرناه في ترجمة المؤيد ووجهه إلى بلاده أميرًا عليها وأولاد قرمان هؤلاء هم من ذرية السلطان علاء الدين كيقباد السلجوقي المقدم ذكره في هذا التاريخ في محله انتهى‏.‏

وتوفي الأمير علاء الدين قطلوبغا بن عبد الله التنمي أحد أمراء الألوف بالديار المصرية ثم نائب صفد بطالًا بدمشق في ليلة السبت سادس عشر شهر ربيع الأول‏.‏
وأصله من مماليك الأمير تنم الحسني نائب الشام ورقاه الملك المؤيد لكون الملك المؤيد كان تزوج ببنت تنم فصار لذلك حواشي تنم كأحد أصحابه‏.‏



وتوفي قاضي القضاة مجد الدين سالم المقدسي الحنبلي في يوم الخميس تاسع عشرين ذي القعدجة وقد بلغ الثمانين وتكسح وتعطل عدة سنين‏.‏
وكان معدودًا من فقهاء الحنابلة وخيارهم‏.‏

وتوفيت خوند زينب بنت السلطان الملك الظاهر برقوق وزوجة الملك المؤيد شيخ ثم من بعده الأتابك قجق العيساوي وماتت تحته في ليلة السبت ثامن عشرين شهر ربيع الآخر‏.‏
وهي آخر من بقي من أولاد الملك الظاهر برقوق لصلبه وأمها أم ولد رومية‏.‏

وتوفي الأمير سيف الدين تنبك بن عبد الله العلائي الظاهري المعروف بتنبك ميق نائب الشام بها في يوم الاثنين ثامن شعبان‏.‏
وتولى نيابة دمشق من بعد الأمير تنبك البجاسي نائب حلب الآتي ذكره‏.‏
وكان تنبك ميق أصله من مماليك الملك الظاهر برقوق وترقى بعد موته إلى أن صار أمير مائة ومقدم ألف في دولة الملك المؤيد شيخ ثم صار رأس نوبة النوب ثم أمير آخور كبيرًا ثم ولاه نيابة دمشق بعد مسك آقباي المؤيدي ثم عزله بعد سنين وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية ولا زال على ذلك حتى خلع عليه الملك الظاهر ططر باستقراره في نيابة دمشق ثانيًا بعد جقمق الأرغون شاوي الدوادار فأقام على نيابة دمشق إلى أن مات في التاريخ المذكور‏.‏
وكان من أكابر المماليك الظاهرية غير أنه لم يشهر بدين ولا شجاعة‏.‏



وتوفي الحافظ قاضي القضاة ولي الدين أبو زرعة أحمد ابن الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم العراقي الشافعي مصروفًا عن القضاء في يوم الخميس سابع عشرين شعبان‏.‏
ومولده في ثالث ذي الحجة سنة اثنتين وستين وسبعمائة‏.‏
واعتنى به والده الحافظ زين الدين عبد الرحيم وأسمعه الكثير ونشأ وبرع في علم الحديث ثم غلب عليه الفقه فبرع فيه أيضًا وأفتى ودرس سنين وتولى نيابة الحكم بالقاهرة ثم تنزه عن ذلك ولزم داره مدة طويلة إلى أن طلبه السلطان وخلع عليه باستقراره قاضي قضاة الديار المصرية بعد وفاة شيخ الإسلام قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن البلقيني في شوال سنة أربع وعشرين وثمانمائة فباشر القضاء بعفة وديانة وصيانة إلى أن صرف بقاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني فلزم داره إلى أن مات‏.‏
ولم يخلف بعده مثله في جمعه بين الفقه والحديث والدين والصلاح‏.‏
وله مصنفات كثيرة ذكرناها في ترجمته في تاريخنا المنهل الصافي إذ هو محل وتوفي الرئيس علم الدين داؤد بن عبد الرحمن بن الكويز الكركي الأصل الملكي كاتب السر الشريف بالديار المصرية في يوم الاثنين سلخ شوال ولم يبلغ الخمسين سنة ودفن خارج القاهرة‏.‏
وكان اتصل بخدمة الملك المؤيد بالبلاد الشامية وخدم في ديوانه وعرف به فلما تسلطن ولاه بعد مدة نظر الجيش بالديار المصرية سنين إلى أن نقل إلى كتابة السر في أيام الملك الظاهر ططر بعد عزل صهره القاضي كمال الدين البارزي بسعيه في ذلك فلم يشكر على فعلته ونقل كمال الدين المذكور إلى وظيفة نظر الجيش عوضًا عنه‏.‏
وقد تقدم ذلك كله في أصل ترجمة الملك الأشرف مفصلًا فلينظر هناك ودام علم الدين هذا في وظيفة كتابة السر سنين إلى أن مات في التاريخ المقدم ذكره‏.‏
وكان عاقلًا دينًا رئيسًا ضخمًا وجيهًا في الدول غير أنه كان عاريًا من كل علم وفن لا يعرف إلا قدم الديونة كما هي عادة الكتبة وتولى كتابة السر من بعده جمال الدين يوسف بن الصفي الكركي فعظمت المصيبة بولاية جمال الدين هذا لهذه الوظيفة الشريفة التي هي الآن أعظم رتب المتعددين لكونه غاية في الجهل وعديم المعرفة بهذا الشأن وغيره‏.‏




السنة الثالثة

من سلطنة الأشرف برسباي
وهي سنة سبع وعشرين وثمانمائة‏:‏ فيها خرج الأمير تنبك البجاسي عن الطاعة وهو على نيابة دمشق وقاتله سودون من عبد الرحمن وظفر به وقطع رأسه وبعث به إلى الديار المصرية وقد تقدم ذكر ذلك كله في أصل ترجمة الملك الأشرف ويأتي ذكر تنبك البجاسي في وفيات هذه السنة‏.‏

وفيها قبض الملك الأشرف على الأتابك بيبغا المظفري وحبسه بالإسكندرية وقد تقدم أيضًا‏.‏

وفيها مات قتيلًا الأمير تنبك بن عبد الله البجاسي نائب الشام بعد خروجه عن الطاعة في أول شهر ربيع الأول وهو أحد من ترقى في الدولة الناصرية فخرج ثم ولاه الملك المؤيد شيخ نيابة حماه فخرج عن طاعته مع الأمير قاني باي العلائي نائب الشام والأمير إينال الصصلاني نائب حلب وغيرهما من النواب ودام معهما إلى أن انكسرا وقبض عليهما ففر تنبك هذا مع من فر من الأمراء إلى قرا يوسف ببلاد الشرق فقام عنده هو والأمير سودون من عبد الرحمن والأمير طرباي إلى أن قدموا على الأمير ططر بالبلاد الشامية في دولة الملك المظفر أحمد ثم لما تسلطن ططر ولاه نيابة حماه ثانيًا ثم نقله الملك الأشرف إلى نيابة حلب بعد تغري بردي أخي قصروه وتولى بعده نيابة حماة أغاته جارقطلو‏.‏

والعجيب أن جارقطلو المذكور كان أغاة تنبك البجاسي وولى بعده نيابة حماه مرتين‏:‏ الأولى في الدولة المؤيدية والثانية في دولة ططر ثم نقل تنبك البجاسي إلى نيابة الشام بعد موت الأمير تنبك ميق فلم تطل مدته بها وخرج عن الطاعة وتولى سودون من عبد الرحمن نيابة الشام عوضه وقاتله حسبما تقدم ذكره حتى ظفر به وقتله‏.‏
وكان تنبك شابا جميلًا شجاعًا مقدامًا وهو أستاذ جميع البجاسية أمراء زماننا هذا بمصر والشأم‏.‏



وتوفي الإمام العلامة شرف الدين يعقوب بن جلال الدين رسولا بن أحمد بن يوسف التباني الحنفي شيخ شيوخ خانقاه شيخون في يوم الأربعاء سادس عشر صفر وكان فقيهًا بارعًا في العربية والأصول وعلمي المعاني والبيان والعقليات واختص بالملك المؤيد شيخ اختصاصًا كبيرًا وتولى نظر الكسوة ووكالة بيت المال ومشيخة خانقاه شيخون وأفتى ودرس واشتغل وصنف عدة سنين وكان معدودًا من علماء الخنفية‏.‏

وتوفي الوزير تاج الدين عبد الرزاق بن شمس الدين بن عبد الله المعروف بابن كاتب المناخ في يوم الجمعة حادي عشرين جمادى الأولى وهو غير وزير وابنه الصاحب كريم الدين عبد الكريم قد ولى الوزر في حياته وكان جد أبيه باشر دين النصرانية ثم حسن إسلام آبائه وكان مشكور السيرة في ولايته للوزارة لكنه استجد في أيام ولايته مكس الفاكهة ثم عزل بعد مدة يسيرة وصار ذلك في صحيفته إلى يوم القيامة‏.‏



وتوفي الأمير سيف الدين سودون بن عبد الله الظاهري المعروف بالأشقر وهو أحد أمراء دمشق بها في جمادى الأولى‏.‏
وكان ولي شاد الشراب خاناه في الدولة الناصرية ثم صار في الدولة المؤيدية رأس نوبة النوب ثم أمير مجلس ثم نكب وانحط قدره وحبس سنين إلى أن أخرجه الأمير ططر وأنعم عليه بإمرة عشرين بالقاهرة فدام على ذلك إلى أن أخرجه الملك الأشرف برسباي إلى الشأم على إمرة مائة وتقدمة ألف فدام بدمشق إلى أن مات وكان غير مشكور السيرة في دينه ودنياه‏.‏

وتوفي الملك العادل فخر الدين أبو المفاخر سليمان ابن الملك الكامل شهاب الدين غازي ابن الملك العادل مجير الدين محمد ابن الملك الكامل سيف الدين أبي بكر بن شادي وقيل‏:‏ ابن محمد بن تقي الدين عبد الله ابن الملك المعظم غياث الدين توران شاه ابن السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن السلطان الملك الكامل محمد ابن السلطان الملك العادل أبي بكربن أيوب بن شادي بن مروان الأيوبي صاحب حصن كيفا من ديار بكر وملك بعده الحصن ابنه الملك الأشرف‏.‏
وكان العادل أديبًا شاعرًا عاقلًا وله نظم جيد ذكرناه في ترجمته في المنهل الصافي‏.‏



وتوفي خطيب مكة جمال الدين أبو الفضل ابن قاضي مكة محب الدين أحمد ابن قاضي مكة أبي الفضل محمد النويري الشافعي المكي في شهر ربيع الآخر بمكة وهو والد صاحبنا الخطيب أبي الفضل محمد النويري وهم من أعيان فقهاء مكة أبًاعن جد‏.‏

وتوفيت خوند الكبرى فاطمة زوجة السلطان الملك الأشرف وأم ابنه المقام الناصري محمد في خامس عشر جمادى الآخرة وكانت قبل الأشرف تحت الأمير دقماق المحمدي الذي ينتسب إليه الأشرف بالدقماقي وكان والدها من أعيان تجار القرم وكانت من الخيرات ودفنت بقبة المدرسة الأشرفية بخط العنبريين وكان لها مقام كبير عند زوجها الملك الأشرف‏.‏

وتوفي الملك الناصر أحمد ابن الملك الأشرف إسماعيل ابن الملك الأفضل عباس ابن الملك المجاهد علي ابن الملك المؤيد داود ابن الملك المظفر يحيى ابن الملك المنصور عمر بن رسول التركماني الأصل اليمني المولد والمنشأ والوفاة صاحب بلاد اليمن ومدن ممالكه‏:‏ زبيد وتعز وعدن والمهجم وحرض وجبلة والمنصورة والمحالب والجوة والدملوة وقوارير والشحر وغيرهم‏.‏
وكان موته في سادس عشر جمادى الآخرة بصاعقة سقطت عليهم بحصن قوارير خارج مدينة زبيد فارتاع الملك الناصر هذا من ذلك ولزم الفراش أيامًا إلى أن مات‏.‏
وأقيم بعده في ممالك اليمن الملك المنصور عبد الله وكان الناصر هذا من شرار ملوك اليمن‏.‏



وتوفي قاضي القضاة وشيخ الشيوخ بالجامع المؤيدي شمس الدين محمد بن عبد الله بن سعد العبسي الديري الحنفي المقدسي بالقدس وقد توجه إليه زائرًا في يوم عرفة ومولده في سنة أربع وأربعين وسبعمائة بالقدس وهو والد شيخ الإسلام سعد الدين سعد الديري‏.‏
وكان إمامًا في الفقه وفروعه بارعًا في العربية والتفسير والأصول والحديث وأفتى ودرس سنين بالقدس ثم طلبه الملك المؤيد في سنة تسع عشرة وثمانمائة وولاه قاضي قضاة الحنفية بعد موت قاضي القضاة ناصر الدين محمد ابن العديم مسؤولًا في ذلك فباشر القضاء بعفة وديانة وصيانة عدة سنين إلى أن تركه رغبة وولى مشيخة الجامع المؤيدي داخل باب زويلة إلى أن مات في التاريخ المقدم ذكره‏.‏

وتوفي الشيخ الصالح الزاهد المسلك أبو بكر بن عمر بن محمد الطريني الفقيه المالكي في يوم عيد النحر بالغربية بمدينة المحلة من الوجه البحري من أعمال القاهرة ولم يخلف بعده مثله في كثرة العبادة والتقشف وترك الدنيا ولذتها حتى لعله مات من قلة الغذاء وكان يقصد للزيارة من البلاد البعيدة وله كرامات ومصالح يعرفه كل أحد‏.‏



السنة الرابعة

من سلطنة الأشرف برسباي
وهي سنة ثمان وعشرين وثمانمائة‏:‏ فيها كانت أول غزوات الملك الأشرف التي سيرها في البحر حسبما تقدم ذكره‏.‏
وفيها
قتل الأمير تغري بردي بن عبد الله المؤيدي
المعروف بأخي قصروه نائب حلب كان بقلعة حلب بعد أن حبس بها مدة في شهر ربيع الأول وأصله من مماليك الملك المؤيد شيخ وأحد خاصكيته ثم أمره المؤيد عشرة ولما مات الملك المؤيد أنعم عليه الأمير ططر في دفعة واحدة بإمرة مائة وتقدمة ألف وجعله أمير آخور كبيرًا عوضًا عن طوغان الأمير آخور ثم ولاه نيابة حلب فعصى في أواخر دولة ططر وخرج عن الطاعة فولي تنبك البجاسي عوضه في نيابة حلب ومات ططر فتوجه تنبك إليه وقاتله وهزمه وملك حلب ثم حاصره بقلعة بهسنا حتى أخذه بالأمان وحمله إلى قلعة حلب فحبس بها إلى يوم تاريخه وكان شابًا طائشًا خفيفًا غير مشكور السيرة واقتحم الرئاسة فنالها فلم يمهله الدهر وأخذ قبل أن تتم سنته‏.‏



وتوفي قاضي القضاة علاء الدين أبو الحسن علي ابن التاجر بدر الدين أبي الثناء محمود بن أبي الجود أبي بكر الحموي الحنبلي المعروف بابن مغلي قاضي قضاة الديار المصرية في يوم الخميس العشرين من المحرم وقد قارب السبعين سنة وأصله من سلمية وكان آباؤه يعانون المتجر وولد هو بحماة وطلب العلم وقدم القاهرة شابًا في زي التجار في سنة إحدى وتسعين ثم عاد إلى حماه وأكب على طلب العلم حتى برع واشتهر بكثرة الحفظ حتى إنه كان يحفظ في كل مذهب من المذاهب الأربعة كتابًا في الفقه ويحفظ في مذهبه كثيرًا إلى الغاية مع مشاركة جيدة في الحديث والنحو والأصول والتفسير وتولى قضاء حماة في عنفوان شبيبته ودام بها إلى أن طلبه الملك المؤيد وولاه قضاء الديار المصرية ونزل بالقاهرة في جوارنا بالسبع قاعات وسكن بها إلى أن مات‏.‏

حدثني صاحبنا قاضي القضاة جلال لدين أبو السعادات محمد بن ظهيرة قاضي مكة بها قال‏:‏ قدمت القاهرة فدخلت إلى ابن مغلي هذا فإذا بالقاضي ولي الدين السفطي عنده فسلمت وجلست فأخذ السفطي يثني على ابن مغلي ويعرفني بمقامه في كثرة العلوم وكان مما قاله‏:‏ مولانا قاضي القضاة يحيط علمه بالمذاهب الأربعة فقال ابن مغلي‏:‏ يا قاضي ولي الدين أسأت في التعريف لم لا قلت بجميع مذاهب السلف قال‏:‏ فمن يومئذ لم أجتمع به‏.‏
قلت‏:‏ كان عنده زهو وإعجاب بنفسه لغزير فضله وكثرة ماله‏.‏
وقد وقع له مع العلامة نظام الدين يحيى السيرامي الحنفي بحث بحضرة السلطان الملك المؤيد فقال له القاضي علاء الدين المذكور‏:‏ يا شيخ نظام الدين أسمع مذهبك‏.‏
وسرد المسألة من حفظه وهذه كانت عادته وبذلك كان يقطع العلماء في الأبحاث فجاراه الشيخ نظام الدين في المسألة ولازال ينقله من شيء إلى شيء حتى دخل به إلى علم المعقول فارتبك ابن مغلي واستظهر الشيخ نظام الدين وصاح عليه في الملأ‏:‏ مولانا قاضي القضاة حفظه طاح هذا مقام التحقيق‏.‏
فلم يرد عليه

والذي اشتهر به ابن مغلي كثرة المحفوظ‏.‏
حكى بعض طلبة العلم قال‏:‏ استعار مني ابن مغلي أوراقًا نحو عشرة كراريس فلما أخذها مني احتجت إلى مراجعة شيء منها في اليوم المذكور فرجعت إليه وقلت له‏:‏ أريد أنظر في الكراريس نظرة ثم خذها ثانيًا فقال‏:‏ ما بقي لي بها حاجة قد حفظتها ثم ألقاها إلي وسردها من حفظه فأخذتها وعدت وأنا متعجب من قوة حافظته‏.‏



وتوفي الأديب الشاعر زين الدين شعبان بن محمد بن داود الآثاري في سابع جمادى الآخرة وكان ولي حسبة مصر القديمة في الدولة الظاهرية برقوق بمال عجز عن أدائه ففر إلى اليمن واتصل بملوكها لفضيلة كانت فيه من كتابة المنسوب ونظم الشعر ومعرفة الأدب فأقام باليمن مدة ثم عاد إلى مكة وحج وقدم القاهرة ثم رحل إلى الشام ثم عاد إلى مصر فمات بعد قدومه إليها بأيام قليلة‏.‏
وكان له نظم جيد‏.‏
من ذلك ماقاله في مدح قاضي القضاة جلال الدين البلقيني لما عزل عن القضاء بالقاضي شمس الدين الهروي واتفق مع ذلك زينة القاهرة لدوران المحمل فتغالى في الزينة شخص يسمى الترجمان وعلق على باب بيته حمارًا بسرياقات على رؤوس الناس بأحسن هيئة وتردد الناس إلى الفرجة على الحمار المذكور أفواجًا فقال شعبان هذه الأبيات‏:‏ الوافر أقام الترجمان لسان حال عن الدنيا يقول لنا جهارا‏:‏ زمان فيه قد وضعوا جلالًا عن العليا وقد رفعوا حمارا وتوفي الشيخ الإمام الأديب الشاعر العلامة بدر الدين محمد بن عمر بن أبي بكر الدماميني المالكي الإسكندري شاعر عصره بمدينة كربركا من بلاد الهند في شعبان عن نحو سبعين سنة‏.‏
وكان مولده ومنشأه بثغر الإسكندرية‏.‏
وبرع في الأدبيات وقال الشعر الفائق الرائق وعانى دولبة عمل القماش الحرير بإسكندرية فتحمل الديون بسبب ذلك حتى ألجأته الضرورة إلى الفرار فذهب إلى الهند فأقبل عليه ملوكها وحسن حاله بها وأثرى وكثر ماله فلم تطل أيامه حتى مات‏.‏



ومن شعره‏:‏ السريع لاما عذاريك هما أوقعا قلب المحب الضب في الحين فجدله بالوصل واسمح به ففيك قد هام بلامين وله‏:‏ البسيط قد عطس الصبح ياحبيبي فلا تشمته بالفراق وله‏:‏ الرجز بدا وقد كان اختفى الرقيب من مراقبه فقلت‏:‏ هذا قاتلي بعينه وحاجبه وله‏:‏ الرمل قم بنا نركب طرف اللهو سبقًا للمدام واثن يا صاح عناني لكميت ولجام وتوفي الأمير سيف الدين أبو بكر حاجب حجاب طرابلس بها وكان يعرف بدوادار الأمير جكم نائب طرابلس‏.‏
أظنه تركمانيًا فإني رأيت كلامه يشبه ذلك ولا عرفت أصله‏.‏

وتوفي الأمير سيف الدين طوغان بن عبد الله الأمير آخور قتيلًا بقلعة المرقب في ذي الحجة‏.‏
وكان أصله تركمانيًا مكاريًا لبغال الأمير طولو الظاهري نائب صفد ثم تنقل في الخدم حتى اتصل بالملك المؤيد شيخ أيام إمرته وترقى عنده ليقظة كانت فيه حتى صار أمير آخوره فلما تسلطن أمره وولاه حجوبية دمشق ثم نيابة صفد ثم جعله أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية وأمير آخور كبيرًا بعد الأمير تنبك ميق لما نقل إلى نيابة دمشق بعد مسك آقباي‏.‏



ولما ولي الأمير آخورية نالته السعادة وعظم في الدولة إلى أن عينه المؤيد للسفر صحبة الأتابك ألطنبغا القرمشي إلى البلاد الشامية من جملة من عينه من الأمراء‏.‏

ومات الملك المؤيد فوقع ما حكيناه من اضطراب المملكة الشامية وعصيان جقمق فانضم طوغان هذا مع جقمق ولا زال من حزبه إلى أن انكسر وتوجه معه إلى قلعة صرخد‏.‏
ولما قبض على جقمق قبض على طوغان هذا معه ونفي إلى القدس‏.‏
ثم أمسك ثم أطلق ورسم له أن يكون بطالًا بطرابلس فدام بها مدة فبلغ السلطان عنه ما أوجب القبض عليه وحبسه بالمرقب ثم قتله في التاريخ المقدم ذكره وكان لا فارس الخيل ولا وجه العرب‏.‏



وتوفي الأمير ناصر الدين محمد بن أحمد بن عمر بن يوسف بن عبد الله بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن أبي بكر التنوخي الحموي الشهير بابن العطار في ثالث عشر شوال بالخليل عليه السلام وهو متول نظره‏.‏
ومولده في سنة أربع وسبعين وسبعمائة بحماه وبها نشأ وتولى حجوبيتها ثم نقل إلى دمشق وولي دوادارية الأمير قاني باي نائب الشام بأمره إلى أن نوه القاضي ناصر الدين ابن البارزي بذكره واستقدمه إلى القاهرة لمصاهرة كانت بينهما فولاه الملك المؤيد نيابة الإسكندرية إلى أن عزله الأمير ططر في الدوله المظفرية وتعطل في داره سنين حتى ولاه الملك الأشرف نظر القدس والخليل فدام به إلى أن مات‏.‏
وكان فاضلًا عاقلًا سيوحًا وتوفي الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد البيري الشافعي شيخ خانقاه سعيد السعداء في يوم الجمعة رابع عشرين ذي الحجة على نحو الثمانين سنة‏.‏
وهو أخو جمال الدين يوسف البيري الأستادار المقدم ذكره في الدولة الناصرية فرج‏.‏



السنة الخامسة


من سلطنة الأشرف برسباي وهي سنة تسع وعشرين وثمانمائة سنة‏.‏

فيها كان فتح قبرس وأخذ ملكها أسيرًا حسبما تقدم ذكره في أصل ترجمة الأشرف هذا مفصلًا‏.‏

وفيها توفي شيخ الإسلام وأحد الأئمة الأعلام سراج الدين عمر بن علي بن فارس شيخ شيوخ خانقاه شيخون المعروف بقارىء الهداية في شهر ربيع الآخر بعد أن انتهت إليه رئاسة مذهب أبي حنيفة في زمانه هذا مع من كان في دوره من العلماء‏.‏
كان بارعًا مفننًا في الفقه وأصوله وفروعه إمامًا في العربية والنحو وله مشاركة كبيرة في فنون كثيرة وهو أول من أقرأني القرآن بعد موت الوالد‏.‏
ومات وقد صار المعول على فتواه بالديار المصرية بعد أن تصدى للإفتاء والإقراء عدة سنين وانتفع به غالب الطلبة‏.‏
وكان مقتصرًا في ملبسه ومركبه يتعاطى حوائجه من الأسواق بنفسه مع جميل السيرة وعظم المهابة في النفوس يهابه حتى السلطان مع عدم التفاته لأهل الدولة بالكلية حتى لعلي لم أنظره دخل لأحد منهم في عمره وهو مع ذلك لا يزداد إلا عظمة ومهابة‏.‏

ولما ولاه الملك الأشرف مشيخة الشيخونية مسؤولًا في ذلك أراد الشيخ سراج الدين المذكور أن يحضر إلى الخانقاه المذكور ماشيًا وكان مسكنه بالمدرسة الظاهرية ببين القصرين وامتنع من ركوب الخيل فأرسل إليه الملك الأشرف فرسًا وألزمه بركوبها فلما ركبها أخذ بيده عصاة يسوقها بها حتى وصل إلى الخانقاه المذكورة فنزل عنها كما ينزل عن الحمار برجليه من ناحية واحدة هذا كله وعليه من الوقار والأبهة ما لم تنلها أصحاب الشكائم ولا كبار العمائم وهو أحد من أدركنا من الأفراد الذين مشوا على طريق فقهاء السلف رحمه الله تعالى‏.‏
ونزل بعده في مشيخة الشيخونية قاضي القضاة زين الدين عبد الرحمن التفهني الحنفي بعد عزله عن القضاء بقاضي القضاة بدر الدين محمود العيني‏.‏



وتوفي الشيخ المعتقد خليفة المغربي نزيل جامع الأزهر في حادي عشرين المحرم فجاءة في الحمام بعدما كان انقطع بالجامع المذكور مكبًا على العبادة نيفا وأربعين سنة‏.‏
وكان للناس فيه اعتقاد كبير ويقصد للزيارة والتبرك به‏.‏
ولما مات خلف مالًا له صورة وكانت جنازته مشهورة‏.‏

وتوفي الأمير سيف الدين إينال بن عبد الله النوروزي أمير سلاح في أول شهر ربيع الآخر بالقاهرة وأصله من مماليك الأمير نوروز الحافظي ودواداره ثم ولي بعده نيابة غزة ثم حماه ثم طرابلس إلى أن نقله الملك الأشرف إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية وخلع عليه باستقراره أمير مجلس ثم أمير سلاح فاستمر على ذلك إلى إن مات وفي نفسه أمور فأخذه الله قبل ذلك‏.‏
وكان متجملًا في ملبسه ومماليكه ومركبه وسماطه إلى الغاية وفيه مكارم وحب للعظمة مع ظلم وخلق سيىء وقلة دين وبطش بحواشيه ومماليكه وغلمانه وإظهار جبروت‏.‏
وهو صهري زوج أختي خوند فاطمة ومات عنها ولكن الحق يقال على أي وجه كان وفرح الناس بموته كثيرًا وأولهم السلطان الملك الأشرف برسباي‏.‏



وتوفي السيد الشريف حسن بن عجلان بن رميثة واسم رميثة منجد ابن أبي نمي محمد بن أبي سعد حسن بن أبي غرير قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن حسين بن سليمان بن علي بن عبد الله بن محمد بن موسى بن عبد الله بن الحسن المثنى بن أبي محمد الحسن السبط ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في يوم الخميس سادس عشر جمادى الآخرة بالقاهرة ودفن بالصحراء بحوش الملك الأشرف برسباي وقد أناف على الستين سنة‏.‏
ومولده بمكة وولي إمارتها في دولة الملك الظاهر برقوق في سنة ثمان وتسعين وسبعمائة ثم ولي سلطنة الحجاز كله‏:‏ مكة والمدينة والينبع من قبل الملك الناصر فرج في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة وثمانمائة واستناب عنه بالمدينة الشريفة وخطب له على منبرها‏.‏
وطالت أيامه في السعادة على أنه وقع له أمور وحوادث ومحن وحمله ذلك على فعل أشياء ليست بمشكورة من مصادرة التجار وأخذ الأموال وقد ذكرنا أمر خروجه من مكة وقدومه مع الأمير تغري بردي المحمودي إلى القاهرة في أصل هذه الترجمة واستقراره في إمرة مكة على عادته إلى أن مات بها قبل أن يتوجه إلى مكة‏.‏
واستقر بعده في إمرة مكة ابنه الشريف بركات الآتي ذكره في محله‏.‏



وتوفي العلامة قاضي القضاة شمس الدين محمد بن عطاء الله بن محمد بن محمود بن أحمد بن فضل الله بن محمد الرازي الهروي الشافعي بالقدس في ثامن عشر ذي الحجة‏.‏
ومولده بهراة سنة سبع وستين وسبعمائة‏.‏
وكان إمامًا بارعًا في فنون من العلوم وكان يقرىء على مذهب أبي حنيفة ومذهب الشافعي والعربية وعلمي المعاني والبيان ويذاكر بالأدب والتاريخ ويستحضر كثيرًا من الأحاديث حفظًا‏.‏
وصحب تيمورلنك مدة طويلة ثم قدم القاهرة وصحب الوالد وولي قضاء الشافعية بالديار المصرية مرتين فلم ينتج أمره فيهما لبغض أولاد العرب له كما هي عادة المباينة بين أولاد العرب والأعاجم وتعصبوا عليه وأبادوه وجحدوا علومه‏.‏
وولي كتابة السر أيضًا بالديار المصرية أشهرًا ثم عزل ونكب ووقع له أمور في ولايته للقضاء في المرة الثانية إلى أن تولى نظر القدس والخليل إلى أن مات هناك‏.‏
وكان شيخًا ضخمًا طوالًا أبيض اللحية مليح الشكل غير أنه كان في لسانه مسكة تمنعه عن الطلاقة وله مصنفات تدل على غزير علمه واتساع نظره وتبحره في العلوم‏.‏



وتوفي قاضي القضاة جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن خالد بن نعيم بن مقدم بن محمد بن حسن بن غانم بن محمد بن علي الطائي البساطي المالكي وهو غير قاض في يوم الاثنين العشرين من جمادى الآخرة عن ثمان وثمانين سنة وكان فقيهًا مشاركًا في فنون وعنده معرفة بالأحكام وسياسة ودربة بالأمور وقد تولى قضاء الديار المصرية سنين كثيرة وولي حسبة القاهرة شهرًا ثم صرف ولزم داره إلى أن مات‏.‏

وتوفي الأمير الكبير سيف الدين قجق بن عبد الله العيساوي الظاهري أتابك العساكر بالديار المصرية في تاسع شهر رمضان وهو أحد المماليك الظاهرية وممن أنشأه الملك الناصر فرج وصار أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية ثم ولي حجوبية الحجاب في الدولة المؤيدية شيخ ثم أمسك وحبس إلى أن أطلقه الأمير ططر وولاه أمير مجلس ثم صار أمير سلاح في أوائل دولة الملك الصالح ثم صار أتابك العساكر بالديار المصرية بعد مسك الأتابك بيبغا بن عبد الله المظفري إلى أن مات في التاريخ المذكور‏.‏
وكان قجق أميرًا عاقلًا عارفًا بفنون الفروسية رأسًا في ركوب الخيل ولعب الكرة مع بخل وشح زائد وحسن شكالة وكان تركي الجنس رحمه الله تعالى‏.‏

وتوفي تاج الدين محمد بن أحمد المعروف بابن المكللة وبابن جماعة في ثامن شهر ربيع الآخر وكان ولي حسبة القاهرة بالمال فلم تطل مدته وعزل عنها‏.‏

وتوفي القاضي شمس الدين محمد بن عبد الله أحد أعيان موقعي الدست بالديار المصرية المعروف بابن كاتب السمسرة وبابن العمري في يوم الأربعاء العشرين من شعبان‏.‏
وكان له وجاهة في الدولة معدودًا من أعيان الديار المصرية رحمه الله تعالى‏.‏



السنة السادسة

من سلطنة الأشرف برسباي
وهي سنة ثلاثين وثمانمائة‏.‏

فيها توفي الشيخ الإمام المعتقد زاهد وقته وفريد عصره أحمد بن إبراهيم بن محمد اليمني الأصل الرومي البرصاوي المولد والمنشأ المصري الدار والوفاة المعروف بابن عرب الحنفي في ليلة الأربعاء ثاني شهر ربيع الأول بخلوته بخانقاه شيخون فغسل بها وحمل إلى مصلاة المؤمني على رؤوس الأصابع ونزل السلطان الملك الأشرف وحضر الصلاة عليه وأم بالناس قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني الحنفي ثم حمل وأعيد إلى الشيخونية فدفن بها وكان له مشهد عظيم إلى الغاية وأبيع بعده ما كان عليه من الثياب بأثمان غالية للتبرك بها‏.‏



وابن عرب هذا أعظم من أدركناه من العباد الزهاد في الدنيا وعدم الاجتماع بالملوك ومن دونهم والاقتصار في المأكل والملبس وكان أولًا ينسخ للناس بالأجرة وهو مكب على طلب العلم والعبادة سنين طويلة إلى أن استقر من جملة صوفية خانقاه شيخون بمبلغ ثلاثين درهمًا في الشهر فتعفف بذلك عن النسخ وانقطع عن مجالسة الناس وسكن بخلوة في الخانقاه المذكورة وأعرض عن كل أحد وأخذ في الاجتهاد في العبادة واقتصر على ملبس خشن حقير إلى الغاية وصار يقنع بيسير القوت ولا ينزل من خلوته إلا ليلًا لشراء قوته ثم يعود إلى منزله في كل ثلاثة أيام مرة واحدة بعد عشاء الآخرة‏.‏
وكان من شأنه إذا حاباه أحد من السوقة فيما يشتريه من قوته تركه وما حاباه به‏.‏
فلما عرف منه ذلك ترك الباعة محاباته ووقفوا عندما يشير إليهم به‏.‏
وكان في كل شهر خادم الخانقاه يحمل إليه الثلاثين درهمًا فلا يأخذها إلا عدداص لأن المعاملة بالفلوس وزنًا حدثت بعد انقطاعه عن الناس وكان لا يعرف إلا المعاددة‏.‏
وكان لا يقبل من أحد شيئًا البتة‏.‏
وكان يغتسل بالماء البارد صيفًا وشتاءً في بكرة نهار الجمعة ويمضي إلى صلاة الجمعة من أول نهار الجمعة ويأخذ في الصلاة والقراءة‏.‏
وكان يطيل قيامه في الصلاة بمقدار أن يقرأ في كل ركعة حزبين من غير أن يسمع له قراءة ولا تسبيح‏.‏
وكان لا يرى نهارًا إلا عند ذهابه يوم الجمعة إلى الجامع‏.‏
وكان يعجز السلطان ومن دونه في الاجتماع به‏.‏
ويحكى عنه كرامات كثيرة ذكرنا بعضها في ترجمته في المنهل الصافي رحمه الله تعالى ونفعنا ببركته‏.‏



وتوفي الأمير سيف الدين قشتم بن عبد الله المؤيدي الدوادار الذي كان ولي نيابة الإسكندرية في دولة الملك المظفر أحمد ثم قبض عليه وأخرج بعد مدة إلى حلب على إمرة بها واستمر بحلب إلى أن خرج مع نائبها الأمير قصروه لقتال التركمان فقتل في المعركة في المحرم‏.‏
وكان غير مشكور السيرة وهو أخو إينال المؤيدي المعروف بأخي قشتم وكلاهما ليس بشيء من المهملين‏.‏

وتوفي الشيخ المحدث الفاضل شهاب الدين أحمد بن موسى بن نصير المتبولي المالكي في يوم الأربعاء ثامن شهر ربيع الأول عن خمس وثمانين سنة‏.‏
وقد حدث عن عمر بن الحسن بن مزيد المعمر المسند الرحلة زين الدين أبي حفص المراغي الحلبي الشهير بابن أميلة وست العرب وجماعة وناب في الحكم سنين رحمه الله تعالى‏.‏

وتوفي الشيخ شهاب الدين أحمد بن يوسف بن محمد بن الزعيفريني الدمشقي الشاعر في ربيع الأول‏.‏
وكان ينظم الشعر ويكتب المنسوب ويتكلم في معرفة علم الحرف وبتكلم أيضًا في المغيبات ومال إليه بسبب ذلك جماعة من الأكابر وأثرى وامتحن في سنة اثنتي عشرة وثمانمائة وقطع الملك الناصر لسانه وعقدتين من أصابعه ورفق به المشاعلي عند قطع لسانه فلم يمنعه ذلك من الكلام‏.‏
وكان سبب هذه المحنة أنه نظم لجمال الدين الأستادار ملحمة أوهمه أنها ملحمة قديمة وأنه يملك مصر وبلغ ذلك الملك الناصر فرج فأمر به ما ذكرناه‏.‏
ولما قطعت أصابعه صار يكتب بعد موت الملك الناصر بشماله فكتب مرة إلى قاضي القضاة صدر الدين علي بن الآدمي الحنفي يقول‏:‏ الطويل لقد عشت دهرًا في الكتابة مفردا أصور منها أحرفًا تشبه الدرا وقد عاد خطي اليوم أضعف ماترى وهذا الذي يسر الله لليسرى لئن فقدت يمناك حسن كتابة فلا تحتمل همًا ولا تعتقد عسرا وأبشر ببشر دائم ومسرة فقد يسر الله العظيم لك اليسرى وتوفي الأمير الطواشي الرومي شبل الدولة كافور الصرغتمشي زمام دار السلطان وقد قارب الثمانين سنة من العمر في يوم الأحد خامس عشرين شهر ربيع الآخر‏.‏
وأصله من خدام الأمير صرغتمش الأشرفي ثم أخذه الأتابك منكلي بغا الشمسي وأعتقه‏.‏
وترقى إلى أن ولاه الملك الناصر فرج زمام داره فدام على ذلك إلى أن عزل بعد موت الملك المؤيد بمرجان الخازندار الهندي ثم أعيد إليها بعد مدة‏.‏
وهو الذي أنشأ التربة العظيمة بالصحراء وبها خطبة وعمائر هائلة وله مدرسة أخرى أنشأها بخط حارة الديلم من القاهرة‏.‏
وتولى بعده الزمامية الأمير الطواشي خشقدم الظاهري الخازندار‏.‏



وتوفي الشيخ الأديب البارع المفنن بدر الدين محمد بن إبراهيم بن محمد المعروف بالبشتكي الظاهري المذهب في يوم الاثنين ثالث عشرين جمادى الآخر فجاءة في حوض الحمام‏.‏
وكان من تلامذة الشيخ جمال الدين بن نباتة في الأدب وكان أحد الأفراد في كثرة النسخ‏:‏ كان ينسخ في اليوم خمس كراريس فإذا تعب اضطجع على جنبه وكتب كما يكتب وهو جالس فكتب ما لا يدخل تحت حصر‏.‏
وكثيرًا ما يوجد ديوان شعر ابن نباتة بخطه‏.‏

ومن شعره‏:‏ الوافر لأغسل بالكؤوس الهم عني لأن الراح صابون الهموم وكان بينه وبين ابن خطيب داريا أهاجي ومكاتبات تم بينه وبين شرف الدين عيسى العالية المعروف بعويس وفيه يقول عويس المذكور‏:‏ المتقارب أيامعشرالصحب مني اسمعوا مقالي وكس اخت من ينتكي ألا فالعنوا آكلين الحشيش وبولوا على شارب البشتكي قلت‏:‏ والبشتكي ضرب من المسكرات مثل التمربغاوي والششش‏.‏
وله أيضًا فيه صحبت جندي لوغيه في السكر وأنواع الشروب كيف ما أجي ألقاه سكران والبشتكي تحتو مكبوب وتوفي قاضي القضاة نجم الدين عمر بن حجي بن موسى بن أحمد بن سعد الحسبائي السعدي الدمشقي الشافعي قاضي قضاة دمشق وكاتب السر بالديار المصرية مذبوحًا على فراشه ببستانه بالنيرب خارج دمشق في ليلة الأحد مستهل ذي القعدة عن ثلاث وستين سنة ونسب قتلة للزيني عبد الباسط وللشريف شهاب الدين أحمد كاتب سر دمشق ثم مصر وكان القاضي نجم الدين فقيهًا بارعًا فاضلًا كريمًا حشمًا وقورًا له مكارم وأفضال وسؤدد وهو أحد أعيان أهل دمشق وفقهائهم رحمه الله تعالى‏.‏



وتوفي الملك المنصور عبد الله ابن الملك الناصر أحمد ابن الملك الأشرف إسماعيل صاحب اليمن في جمادى الأولى بها وأقيم بعده أخوه الملك الأشرف إسماعيل ثم خلع بعد مدة وأقيم بعده الملك الظاهر هزبر الدين يحيى ابن الملك الأشرف إسماعيل في ثالث شهر رجب وقد تقدم ذكر نسبه في ترجمة والده من هذا الكتاب في سنة سبع وعشرين وثمانمائة‏.‏
وفي أيام هؤلاء الملوك تلاشى أمر اليمن وطمع فيها كل أحد‏.‏

وتوفي القاضي بدر الدين محمد بن محمد بن محمد بن إسماعيل بن علي البدر أبو عبد الله القرشي القلقشندي الشافعي أمين الحكم بالقاهرة في يوم الاثنين رابع عشرين المحرم وكان مولده أيضًا في أول المحرم من سنة إحدى وأربعين وسبعمائة وكانت لديه فضيلة وعنده مشاركة‏.‏

وتوفي القاضي تقي الدين محمد بن زكي الدين عبد الواحد بن عماد الدين محمد ابن قاضي القضاة علم الدين أحمد الإخنائي المالكي أحد نواب الحكم بالقاهرة وهو بمكة في ثالث ذي الحجه عن ثلاث وستين سنة‏.‏
وكان من بيت فضل وعلم ورئاسة‏.‏



السنة السابعة

من سلطنة الأشرف برسباي
وهي سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة‏.‏

فيها توفي أمير الملأ عذراء بن علي بن نعير بن حيار بن مهنا مقتولًا في المحرم‏.‏

وتوفي الأمير الفقيه سيف الدين بكتمر بن عبد الله السعدي أحد أمراء الطبلخانات بالدديار المصرية في يوم الخميس ثالث عشر شهر ربيع الأول بسكنه بدار أستاذه القاضي سعد الدين إبراهيم بن غراب بخط قنطرة طقزدمر ولم يخلف بعده في أبناء جنسه مثله بل ولا في غير أبناء جنسه لما اشتمل عليه من المحاسن‏:‏ كان فاضلًا دينًا شجاعًا بارعًا في فنون الفروسية انتهت إليه الرئاسة في حمل المقيرة ورمي النشاب في زمانه هذا مع البشاشة والكرم وحسن الشكل والتواضع وحسن المحاضرة وجودة المشاركة في كل علم وفن مع الفصاحة في اللغة التركية والعربية والدين المتين والعفة عن المنكرات والفروج ولا أعرف من يدانيه في محاسنه فكيف يشابهه وكان طوالًا جسيمًا ضخمًا ذا قوة مفرطة مليح الشكل واللحية مدورة بادية الشيب‏.‏

قبض مرة بأكتاف شخص من أعيان الخاصكية المشاهير بالقوة وهزه وأفلته ثم قال له‏:‏ ما بقي فيك شيء يا فلان فلم ينطق ذلك الرجل بكلمة وذهب خجلًا لكثرة دعاويه فقلت لبكتمر‏:‏ ‏"‏ هذا الذي أنت فيه من كثرة الإدمان فقال‏:‏ منذ بلغت الحلم وأنا متزوج غير أنني لا أهمل نفسي فقلت له‏:‏ هذه منح إلهية‏.‏
ولما مات أنعم السلطان بطبلخانته على الأمير قجقار جغتاي السيفي بكتمر جلق‏.‏
ومات بكتمر السعدي هذا وسنه نحو خسين سنة تخميًا وكان رومي الجنس رحمه الله تعالى‏.‏



وتوفي الأمير سيف الدين جانبك بن عبد الله الأشرفي الدوادار الثاني وعظيم دولة أستاذه الأشرف برسباي في يوم الخميس سابع عشرين شهر ربيع الأول وسنه خو خمسة وعشرين سنة تخمينًا ودفن بمدرسته التي أنشأها بخط القربيين خارج باب زويلة على الشارع ثم نقل منها بعد مدة إلى تربة أستاذه بالصحراء وحضر السلطان غسله ثم الصلاة عليه وكان أشيع عنه أن نفسه تحدثه بالملك فعاجلته النية‏.‏

وكان أصله من مماليك الملك الأشرف برسباي اشتراه صغيرًا في أيام إمرته وقاسى معه خطوب الدهر أيام حبسه بقلعة المرقب وغيرها ولما تسلطن الملك الأشرف عرف له ذلك مع محبته له فرقاه وأنعم عليه بإمرة عشرة وجعله خازندارًا ثم أرسله بتقاليد الأمراء نواب الشأم‏:‏ تنبك البجاسي وغيره ثم أنعم عليه بعد حضوره بإمرة طبلخاناة وخلع عليه بالدوادارية الثانية عوضًا عن الأمير قرقماس الشعباني الناصري بحكم انتقاله إلى إمرة مائة وتقدمة ألف فعظم في الدولة ونالته السعادة حتى تزايد أمره وخرج عن الحد من كثرة إنعامه وإظهار الجميل والأخذ بالخواطر حتى ركن إليه غالب أعيان الدولة من الخاصكية وكثر تردد الناس إليه وصار أكابر الدولة مثل عبد الباسط وغيره تتردد أيضًا إلى خدمته إذا سمح لهم بذلك وله عليهم الفضل وصار أمره في نمو وزيادة وقصده الناس من الأقطار لقضاء حوائجهم‏.‏



وبينما هو في ذلك وقد اشتغل الناس به وأشير إليه بالأصابع وقد مرض ولزم الفراش مدة ونزل السلطان إلى عيادته مرة ثم رسم بطلوعه إلى القلعة فحمل إليها وتولى السلطان تمريضه فأفاق قليلًا وترعرع فأنزل إلى داره‏.‏
وكان سكنه بالدار التي في سوق القبو الحسيني وللدار باب من حدرة البقر وهي الآن سكن الأمير يشبك الفقيه المؤيدي وعند نزوله إليها عاوده المرض ونزل إليه ثانيًا فوجده كما قيل‏:‏ السريع لم يبق إلا نفس خافت ومقلة إنسانها باهت يرثي له الشامت مما به ياويح من يرثي له الشامت وبعد طلوعه مات في تلك الليلة فنزل السلطان إلى داره وحضر غسله كما تقدم والصلاة عليه‏.‏
وكان أميرًا شابًا حلو الشكالة للقور أقرب أخضر اللون مليح الوجه صغير اللحية مدورها فصيحًا ذكيًا حاذقًا متحركًا متجملًا في مركبه وملبسه وسماطه إلى الغاية يكتب كتابة ضعيفة ويقرأ إلا أنه كان عاريًا من العلوم لم يسبق له اشتغال بعلم وما كان دأبه إلا فيما هو فيه من الأمر والنهي وتنفيذ الأمور واتهم السلطان بموته والله أعلم بحاله‏.‏



وتوفي الشيخ المعتقد الصالح سعيد المغربي نزيل جامع الأزهر به في يوم الأربعاء تاسع عشر شهر ربيع الأول بعد أن جاور بجامع الأزهر عدة سنين‏.‏
وكان للناس فيه اعتقاد كبير وله كرامات ويقصد للزيارة والتبرك بدعائه‏.‏
زرته غير مرة ومات وقد علا سنه وطال مرضه‏.‏
وترك نحو الألفي دينار ما بين ذهب وفضة وفلوس‏.‏

وتوفي الأمير سيف الدين أزدمربن عبد الله من علي جان الظاهري المعروف بأزدمر شايا في سادس شهر ربيع الآخر‏.‏
وهو أحد أمراء حلب بعد أن تنقل في عدة إمريات بالشأم ومصر وصار أمير مائة ومقدم ألف بديار مصر ثم أخرج إلى نيابة ملطية ثم نقل إلى إمرة بحلب إلى أن مات بها‏.‏
وقد تقدم التعريف بحاله عند إخراجه من مصر في ترجمة الملك الأشرف ومات وسنه نيف على خمسين سنة‏.‏
وكان من سيئات الدهر‏:‏ لم يشهر بدين ولا كرم ولا شجاعة ولا معرفة ولا عقل مع كبر وجبروت وظلم وسوء خلق‏.‏
وكان قصيرًا نحيفًا أصفر دميمًا حقيرًا في الأعين وعد إخراجه من مصر من محاسن الملك الأشرف‏.‏



وتوفي الأمير سيف الدين كمشبغا بن عبد الله الجمالي الظاهري أحد أمراء الطبلخانات بطالًا في يوم الجمعة رابع جمادى الأولى وقد علا سنه وكان من أكابر المماليك الظاهرية برقوق وممن تأمر في أيام أستاذه‏.‏
وكان تركي الجنس عاقلًا فقيهًا دينًا خيرًا عفيفًا عن المنكرات والفروج وطالت أيامه في الإمرة وتولى نيابة قلعة الجبل في الدولة الناصرية فرج واستمر من جملة أمراء الطبلخانات في صدر من الدولة الأشرفية برسباي إلى أن أخرج الملك الأشرف إقطاعه فلزم داره على أحسن وجه إلى أن مات وهو في عشر الثمانين‏.‏

وتوفي الأمير الكبير سيف الدين يشبك بن عبد الله الساقي الظاهري الأعرج أتابك العساكر بالديار المصرية في يوم السبت ثالث جمادى الآخرة وكان أصله من مماليك الملك الظاهر برقوق ومن أعيان خاصكيته وصار ساقيًا في أيام أستاذه الظاهر‏.‏

ثم ثار على الملك الناصر في أيام تلك الفتن ووقع له أمور وحروب انصاب في بعضها بجرح أصابه بطل منه شقته وصار يعرج منه عرجًا فاحشًا ثم عوفي وانتمى للأمير نوروز الحاقظي إلى أن ولاه نيابة قلعة حلب إلى أن أمسكه الملك المؤيد شيخ وحبسه بعد قتل نورز ثم نفاه إلى مكة بطالًا سنين عديدة إلى أن استقدمه الملك الظاهر ططر إلى القاهرة‏.‏



ومات ططر قبل أن ينعم عليه بإمرة فأنعم عليه الملك الأشرف برسباي بإمرة مائة وتقدمة ألف عوضًا عن قرمش الأعور دفعة واحدة‏.‏
ثم صار أمير سلاح ثم ولي أتابكية العساكر بعد الأمير قجق العيساوي فاستمر على ذلك إلى أن مات في التاريخ المقدم ذكره‏.‏
وكان من رجال الدهر عقلًا وحزمًا ودهاء ومعرفة وتدبيرًا مع مشاركة جيدة في الفقه والقراءات ومعرفة تامة بفنون الفروسية وأنواع الملاعيب كالرمح والنشاب وغيره‏.‏
وكان يكتب المنسوب ويحفظ القرآن‏.‏
وكانت نفسه تحدثه بأمور فإنه كان يكثر من ذكر أخبار تيمورلنك وشدة بأسه لكونه كان أعرج وقد صار أمره إلى ما صار‏.‏
وهو الذي حسن للملك الأشرف الاستيلاء على بندر جدة والقبض على حسن بن عجلان‏.‏
ولو عاش لحسن له أخذ اليمن كله‏.‏
وتولى الأتابكية بعده الأمير جارقطفو الظاهري‏.‏

وتوفي بدرالدين حسن كاتب سر دمشق وناظر جيشها بها في يوم الأربعاء لست بقين من جمادى الآخرة وكان أصله من سمرة دمشق‏.‏
وخدم عند الأمير بكتمر جلق نائب دمشق ثم ترقى إلى أن جمع له بين كتابة سر دمشق ونظر جيشها بسفارة الأمير أزبك المحمدي الدوادار الكبير كون أزبك كان متزوجًا ببنت زوجته‏.‏

وتوفي الشيخ الإمام العالم المفنن شمس الدين محمد بن عبد الدائم بن موسى البرماوي الشافعي أحد فقهاء الشافعية ومدرس المدرسة الصلاحية بالقدس الشريف في يوم الخميس ثاني عشرين جمادى الآخرة وقد أناف على ستين سنة بعدما أفتى واشتغل عدة سنين‏.‏

وتوفي القاضي بر الدين حسن بن أحمد بن محمد البرديني الشافعي أحد نواب القضاة الشافعية في يوم الاثنين خامس عشرين شهر رجب وقد أناف على الثمانين سنة‏.‏
وكان قاضي سوء لم أمر النيل في هذه السنة‏:‏ الماء القديم ثلاثة أذرع سواء‏.‏



السنة الثامنة

من سلطنة الأشرف برسباي وهي سنة اثنين وثلاثين وثمانمائة‏.‏

فيها توفي الشيخ ناصر الدين محمد بن عبد الوهاب بن محمد البارنباري الشافعي أحد فقهاء الشافعية في ليلة الأحد حادي عشر شهر ربيع الأول وقد أناف على التسعين سنة‏.‏
وكان بارعًا في الفقه وأصوله والعربية والحساب مشاركًا في عدة فنون‏.‏
وخطب ودرس وأفتى وأقرأ عدة سنين بدمياط والقاهرة‏.‏

وتوفي القاضي نور الدين علي الصفطي وكيل بيت المال وناظر الكسوة في ليلة الثلاثاء سلخ جمادى الآخرة‏.‏
وكان يباشر الشهادة بديوان العلائي آقبغا التمرازي أمير مجلس وعند أستاذه تمراز من قبله‏.‏

وتوفي الشريف عجلان بن نمير بن منصور بن جماز بن منصور بن جماز بن حماد بن شيحة‏
بن هاشم بن قاسم بن مهنأ بن حسين بن مهنأ بن داود بن قاسم بن عبد الله بن طاهر بن يحيى بن الحسين بن جعفر بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه مقتولًا في ذي الحجة بعدما ولي إمارة المدينة النبوية غير مرة‏.‏



وتوفي الأديب نور الدين علي بن عبد الله الشهير بابن عامرية في يوم الخميس سادس عشر شهر ربيع الآخر بمدينة النحريرية بالغربية من أعمال القاهرة‏.‏
وكان شاعرًا أديبًا مكثرًا وأكثر شعره في المدائح النبوية‏.‏

وتوفي الواعظ المذكر شهاب الدين أحمد بن عمر بن عبد الله المعروف بالشاب التائب بدمشق في يوم الجمعة ثاني عشر شهر رجب عن نحو سبعين سنة وكانت لديه فضيلة ورحل إلى البلاد وصحب المشايخ ونظم الشعر على قاعدة الصوفية وحصل له قبول تام من الناس‏.‏



وتوفي العبد الصالح شمس الدين محمد بن إبراهيم بن أحمد الصوفي بعدما عمي بسنين في ليلة الثلاثاء ثالث عشر المحرم ومولده في سنة تسع وأربعين‏.‏
قال المقريزي‏:‏ وهو أحد من صحبته من أهل العبادة والنسك‏.‏
ورأس مدة واتصل بالملك الظاهر برقوق وولي نظر البيمارستان المنصوري بالقاهرة وجال في الأقطار ورحل إلى بغداد والحجاز واليمن والهند رحمه الله تعالى‏.‏

وتوفي الأمير شمس الدين محمد بن سعيد المعروف بسويدان أحد أئمة السلطان في يوم الاثنين سابع صفر وكان أبوه عبدًا أسود سكن القرافة وولد له ابنه هذا‏.‏
وحفظ القرآن الكريم وقرأ مع الأجواق فأعجب الملك الظاهر برقوق صوته فجعله أحد أئمته واستمر على ذلك إلى دولة الملك الناصر فرج فولاه حسبة القاهرة ثم عزله بعد مدة فعاد كما كان أولًا يقرأ في الأجواق عند الناس ويأخذ الأجرة على ذلك‏.‏
وصار رئيس جوقة واستقرأته أنا كثيرًا‏.‏
وكان أسود اللون طوالًا‏.‏



وتوفي الشيخ المعتقد محمد بن عبد الله بن حسن بن المواز في يوم الأحد حادي عشر ربيع الأول‏.‏

وتوفي الشيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم بن عبد الله الشطنوفي الشافعي في ليلة الاثنين سادس عشرين شهر ربيع الأول وقد قارب الثمانين‏.‏
وبرع في الفقه والفرائض وغير ذلك ودرس عدة سنين وانتفع به جماعة كبيرة من الطلبة‏.‏

وتوفي القاضي بدر الدين محمد بن محمد بن أحمد بن مزهر الدمشقي النابلسي كاتب السر الشريف بالديار المصرية بها في ليلة الأحد سابع عشرين جمادى الآخرة عن نحو الخمسين سنة وكان من بيت رئاسة‏.‏
ولي أبوه كتابة سر دمشق وباشر بدر الدين هذا كتاب الإنشاء بدمشق واتصل بخدمة الأمير شيخ المحمودي نائب دمشق‏.‏
فلما قدم شيخ إلى مصر بعد قتل الملك الناظر فرج قدم ابن مزهر هذا معه مع من قدم من الشاميين‏.‏
ولما تسلطن شيخ ولاه نظر الإسطبل السلطاني فدام على ذلك سنين‏.‏
ثم ناب عن القاضي كمال الدين محمد بن البارزي في كتابة السر وقام بأعباء الديوان في أيام علم الدين داؤد بن الكويز ومن بعده إلى أن خلع عليه السلطان الملك الأشرف برسباي باستقراره كاتب السر الشريف بالديار المصرية فباشر الوظيفة بحرمة وافرة وأثرى وكثر ماله إلى أن مات في التاريخ المذكور‏.‏
قال‏:‏ وخلف مالًا كثيرًا لطمع كان فيه وشح‏.‏

وتوفي الشريف خشرم بن دوغان بن جعفر بن هبة الله بن جماز بن منصور بن جماز بن شيحة الحسيني أمير المدينة مقتولًا أيضًا في حرب في ذي الحجة‏.‏



السنة التاسعة

من سلطنة الأشرف برسباي وهي سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة‏.‏

فيها كان الطاعون العظيم الذي لم ندرك بمثله بمصر وقراها بل وبغالب البلاد الشامية حسبما ذكرناه في ترجمة الملك الأشرف هذا في وقته‏.‏

وكان هذا الطاعون أعظم من هذه الطواعين كلها وأفظعها ولم يقع بالقاهرة ومصر بعد الطاعون العام الذي كان سنة تسع وأربعين وسبعمائة نظير هذا الطاعون وخالف هذا الطاعون الطواعين الماضية في أمور كثيرة منها أنه وقع في الشتاء وارتفع في فصل الربيع وكانت الطواعين تقع في فصل الربيع وترتفع في أوائل الصيف وأشياء غير ذلك ذكرناها في محلها‏.‏

وفيها توفي القاضي شرف الدين أبو الطيب محمد ابن القاضي تاج الدين عبد الوهاب بن نصر الله الغزي الأصل المصري في ليلة الأربعاء سابع عشر ربيع الأول ودفن بالصحراء ومات بغير الطاعون ومولده في ليلة السبت حادي عشرين ذي القعدة سنة سبع وتسعين وسبعمائة ونشأ بالقاهرة واشتغل يسيرًا وخدم الأمير ططر موقعًا عدة سنين فلما تسلطن رشحه لنظر الجيش فلم يتم له ذلك وولي نظر الكسوة ونظر أوقاف الأشراف ثم نظر دار الضرب إلى أن مات‏.‏
وكان شابًا كريمًا وفيه محبة لأهل العلم والفضل والصلاح إلا أنه كان فيه حدة مزاج وبادرة مع تدين وتحشم‏.‏



وتوفي الأمير سيف الدين أزبك بن عبد الله المحمدي الظاهري برقوق الدوادار الكبير بالقدس بطالًا في يوم الثلاثاء سادس عشر شهر ربيع الأول وهو أحد المماليك الظاهرية برقوق وترقى إلى أن صار أمير مائة ومقدم ألف بدمشق ثم قبض عليه الملك المؤيد شيخ بعد واقعة نوروز وحبسه سنين إلى أن أطلقه في أواخر دولته وأنعم عليه بإقطاع هين بدمشق أمير عشرة‏.‏
فلما أن صار الأمر إلى الأمير ططر أنعم عليه بإمرة طبلخاناة بديار مصر ثم صار أمير مائة ومقدم ألف ثم رأس نوبة النوب بعد الأمير قصروه من تمراز في أوائل الدولة الأشرفية ثم نقل إلى الدوادارية الكبرى بعد سودون من عبد الرحمن لما نقل إلى نيابة دمشق بعد عصيان تنبك البجاسي فدام في الدوادارية إلى أن اشيع عنه أنه يريد الوثوب على السلطان ولم يكن لذلك صحة فأخرجه السلطان إلى القدس بطالًا ومسفره الأمير قراخجا الحسني رأس نوبة فدام بالقدس إلى أن مات‏.‏
وكان أميرًا ضخمًا عاقلًا حشمًا مهابًا دينًا عفيفًا عن المنكرات والفروج خليقًا للإمارة وهو أحد من تولى تربيتي رحمه الله تعالى‏.‏
ولقد كان به تجمل في الزمان وأهله‏.‏

وتوفي القاضي كريم الدين عبد الكريم بن سعد الدين بركة المعروف بابن كاتب جكم ناظر الخاص الشريف في ليلة الجمعة العشرين من شهر ربيع الأول بغير طاعون ودفن بالقرافة وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلاة المؤمني وتولى ابنه القاضي سعد الدين إبراهيم وظيفة نظر الخاص من بعده وقد تطاول أعناق بني نصر الله وغيرهم إلى الوظيفة فلم يلتفت السلطان إلى أحد وولاها لسعد الدين المذكور‏.‏
وكان القاضي كريم الدين المذكوررئيسًا حشمًا متواضعًا كريمًا بشوشًا هينًا لينًا ساكتًا عاقلًا‏.‏

باشر في ابتداء أمره استيفاء الدولة ثم نظر الدولة وغيرهما من خدم أعيان الأمراء آخرهم الملك الأشرف برسباي إلى أن طلبه السلطان الملك الأشرف وولاه نظر الخاص الشريف بعد عزل الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله عنها واستقراره أستادارًا في يوم الاثنين ثاني عشر جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وثمانمائة وكان ذلك آخر عهد بني نصر الله بهذه الوظيفة‏.‏
واستقر في نظر الدولة من بعده أمين الدين إبراهيم بن الهيصم‏.‏

وباشر القاضي كريم الدين الوظيفة بحرمة وافرة ونالته السعادة وعظم في الدولة وأثرى ومشى حال الخاص في أيامه حتى قيل إنه منذ ولي الخاص إلى أن توفي لم يبطل الواصل عنه يومًا واحدًا مبالغة في إقبال سعده وتيامن الناس بولايته ومات من غير نكبة رحمه الله تعالى‏.‏



وتوفي الأمير سيف الدين كمشبغا بن عبد الله الفيسي المزوق الظاهري منفيًا بدمشق في رابع عشر شهر ربيع الآخر وقد ناهز الستين سنة من العمرة وأصله من مماليك الملك الظاهر برقوق ورقاه الملك الناصر فرج إلى أن جعله أمير آخور كبيرًا مدة يسيرة ثم عزله الملك الناصر أيضًا ثم وقع له أمور وانحط قدره في دولة الملك الأشرف برسباي وتولى كشف البر وساءت سيرته من كثرة ظلمه وقلة دينه مع الإسراف على نفسه وفي الجملة فمستراح منه ومن مساوئه‏.‏

وتوفي السيد الشريف علي بن عنان بن مغامس بن رميثة‏.‏
تقدم أن اسم رميثة منجد بن أبي نمي وقد ذكرنا بقية نسبه في ترجمة الشريف حسن بن عجلان وغيره فلينظر هناك‏.‏
وكانت وفاته بقلعة الجبل في يوم الأحد ثالث جمادى الآخرة بالطاعون‏.‏
وكانت لديه فضيلة ويذاكر بالشعر وغيره‏.‏



وتوفي الأمير الكبير سيف الدين بيبغا بن عبد الله المظفري وهو أمير جلس في ليلة الأربعاء سادس جمادى الآخرة بالطاعون‏.‏
وهو أحد أعيان المماليك الظاهرية برقوق وممن ترقى في الدولة الناصرية فرج حتى صار أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية وصار من يوم ذاك ينتقل في الإمرة والحبوس شامًا ومصرًا وإسكندرية فكان حاله أشبه بقول القائل‏:‏ المتقارب ويوم سمين ويوم هزيل ويوم أمر من الحنظله وليل أبيت جليس الملوك وليل أبيت على مزبله إلى أن خلع عليه الأشرف برسباي باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية بعد الأمير طرباي فأقام على ذلك نحو ثلاث سنين أو دونها وقبض عليه الملك الأشرف وحبسه أيضًا بالإسكندرية وذلك لبادرة كانت فيه ومخاشنة في كلامه مع الملوك مع سلامة الباطن ولذلك كان كثيرًا ما يحبس ثم يفرج عنه‏.‏
وقد تقدم التعريف بحاله عندما أمسكه الملك الأشرف في أصل ترجمة الأشرف مستوفاة فدام بيبغا المذكور في السجن مدة طويلة ثم أطلقه السلطان أوسيره إلى دمياط بطالًا ثم نقله إلى القدس فلم تطل مدته وطلبه السلطان وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف وخلع عليه باستقراره أمير مجلس‏.‏
ولما ولي إمرة مجلس صار يقعد على ميسرة السلطان فوق أمير سلاح مراعاة لما سبق له من الرئاسة من الأتابكية وغيرها وكون أمير سلاح كان الأمير إينال الجكمي أحد السيفية ينظره في عينه أنه مملوك بعضر خجداشيته‏.‏
وكان بيبغا أميرًا جليلًا شجاعًا مهابًا مقدامًا مع كرم وسلامة باطن وفحش في خطابه من غير سفه على عادة جنس الأتراك‏.‏
ومع هذا كله كان فيه دعابة حلوة يحتمل بها فحش خطابه وانحرافه‏.‏
وهو أعظم من رأيناه من الملوك في أبناء جنسه رحمه الله‏.‏



وتوفي الأمير سيف الدين بردبك السيفي يشبك بن أزدمر المعروف بالأمير آخور وهو أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية في يوم الأحد عاشر جمادى الآخرة بالطاعون وهو في الكهولية‏.‏
وكان خدم بعد موت أستاذه يشبك بن أزدمر عند الأمير ططر وصار أمير آخوره فلما تسلطن ولاه الأمير آخورية الثانية بإمرة طبلخانة دفعة واحدة ودام على ذلك سنين إلى أن نقله الملك الأشرف إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية فدام على ذلك إلى أن مات‏.‏
وكان شابًا أشقر مليح الشكل حلو الوجه معتدل القامة عاقلًا حشمًا ساكتًا كريمًا متواضعًا وقورًا قل أن ترى العيون مثله‏.‏
وهو والد صاحبنا الزيني فرج بن بردبك أحد الحجاب بالديار المصرية‏.‏

وتوفي المقام الناصري محمد ابن السلطان الملك الأشرف برسباي صاحب الترجمة في يوم الثلاثاء سادس عشرين جمادى الأولى بالطاعون وقد ناهز الاحتلام ودفن بمدرسة والده الأشرفية بخط العنبريين من القاهرة‏.‏
وأمه خوند فاطمة من أولاد تجار القرم وكانت قبل الملك الأشرف تحت أستاذه الأمير دقماق المحمدي‏.‏
وكان المقام الناصري المذكور من أحسن الناس شكلًا تظهر فيه مخايل النجابة والسكون والعقل‏.‏



وتوفي المقام الناصري محمد ابن السلطان الملك الناصر فرج ابن السلطان الملك الظاهر برقوق ابن الأمير أنص الجاركسي بسجن الإسكندرية في يوم الاثنين حادي عشرين جمادى الآخرة بالطاعون وله من العمر إحدى وعشرون سنة‏.‏
وأمه أم ولد مولدة تسمى عاقولة‏.‏
ودفن بالإسكندرية ثم نقل منها إلى تربة جده بالصحراء فيما أظن‏.‏

وتوفي الشيخ الإمام العالم العلامة فريد عصره ووحيد دهره نظام الدين يحيى ابن العلامة سيف الدين يوسف بن محمد بن عيسى السيرامي الحنفي شيخ الشيوخ بالمدرسة الظاهرية البرقوقية في جمادى الآخرة بالطاعون‏.‏
وتولى مشيخة الظاهرية من بعده ولده عضد الدين عبد الرحمن أخذها عن أبيه وكان أبوه أخذها عن أبيه أيضًا‏.‏
وكان الشيخ نظام الدين إمامًا مفننًا بارعًا في المعقول والمنقول عارفًا بالمنطوق والمفهوم مشاركًا في فنون كثيرة وأفتى ودرس وأشغل سنين عديدة إلى أن مات‏.‏

وتوفي السلطان الملك الصالح محمد ابن السلطان الملك الظاهر ططر والسلطان الملك المظفر أحمد ابن السلطان الملك المؤيد شيخ والخليفة المستعين بالله العباسي‏:‏ الثلاثة بالطاعون كلاهما في إسكندرية والصالح بقلعة الجبل‏.‏
وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمتهم غير أننا ذكرناهم هنا في جملة من مات بالطاعون ولهذا لم يحرر يوم وفاتهم لأنه تقدم ‏.‏

وتوفي الأمير الطواشي زين الدين مرجان الهندي المسلمي خازندار الملك المؤيد شيخ بالطاعون في سادس جمادى الآخرة‏.‏
وكان أصله من خدام التاجر ابن مسلم المصري ثم اتصل بخدمة الملك المؤيد شيخ أيام إمرته واختص به فلما تسلطن جعله خازندارا ثم أمره بالتكلم في وظيفة نظر الخاص عوضًا عن الصاحب بدر الدين حسن بن نور الله فتكلم عليها أيامًا‏.‏



ومات المؤيد وأعيد ابن نور الله ثم ولاه الأمير ططر زمامًا بعد أن قبض عليه بدمشق ثم أطلقه فدام في وظيفة الزمامية إلى أن عزله الملك الأشرف برسباي ونكبه وصادره فتخومل ولزم داره إلى أن وتوفي الأمير زين الدين عبد القادر ابن الأمير فخر الدين عبد الغني ابن الوزير تاج الدين عبد الرزاق بن أبي الفرج بعدما عزل عن الأستادارية في يوم الأربعاء سابع جماى الآخرة بالطاعون ودفن على أبيه بمدرسته ببين السورين خارج القاهرة‏.‏
وكان شابًا جميلًا عاقلًا ساكنًا قليل الشر بالنسبة إلى أبائه وأقاربه كثير الشر بالنسبة إلى غيرهم‏.‏
باشر الأستادارية بقلة حرمة وعدم التفات أهل الدولة إليه وقاسى في مباشرته خطوب الدهر ألوانًا من العجز والقل وبيع موجوده وأملاكه إلى أن أعفي فلم تطل أيامه ومات‏.‏

وتوفي السيد الشريف شهاب الدين أحمد بن علاء الدين علي بن إبراهيم بن عدنان الحسيني الدمشقي كاتب السر الشريف بالديار المصرية في ليلة الخميس ثامن جمادى الآخرة بالطاعون‏.‏
ومولده في شوال سنة أربع وسبعين وسبعمائة بدمشق وبها نشأ‏.‏
وتولى عدة وظائف بدمشق مثل كتابة السر وقضاء الشافعية ونظر الجيش ثم طلب إلى مصر وولي كتابة سرها فلم تطل أيامه ومات‏.‏
وتولى أخوه الشريف عماد الدين أبو بكر كتابة السر من بعده فركب إلى القلعة ثم مرض من يومه قبل أن يلبس خلعة كتابة السر ومات بالطاعون أيضًا في ليلة الجمعة ثالث عشر شهر رجب ولم يبلغ الأربعين سنة‏.‏
وكان أحسن سيرة من أخيه شهاب الدين صاحب الترجمة‏.‏



وتوفي السيد الشريف سرداح بن مقبل بن نخبار بن مقبل بن محمد بن راجح بن إدريس بن حسن بن قتادة بن إدريس ومن هنا يعرف نسبه من نسب حسن بن عجلان ومات في أواخر جمادى الآخرة بالطاعون‏.‏

وتوفي الأمير الطواشي افتخار الدين ياقوت بن عبد الله الأرغوني شاوي الحبشي مقدم المماليك السلطانية بالطاعون في يوم الاثنين ثاني شهر رجب ودفن بتربته التي أنشأها بالصحراء‏.‏
وتولى عوضه التقدمة نائبه خشقدم اليشبكي الرومي وتولى نيابة المقدم الطواشي فيروز الركني الرومي الجمدار‏.‏
وأصل ياقوت هذا من خدام الأمير أرغون شاه أمير مجلس الظاهر برقوق تنقل في الخدم إلى أن صار مقدم المماليك السلطانية‏.‏
وكان ديناص خيرًا جميل الطريقة محمود السيرة سافر أمير حاج المحمل مرتين رحمه الله تعالى‏.‏



وتوفي الأمير سيف الدين يشبك بن عبد الله أخو الملك الأشرف برسباي في رابع شهر رجب بالطاعون ودفن بالتربة الأشرفية بعد أن صار من جملة أمراء الألوف أيامًا فإن السلطان كان أنعم عليه في أول قدومه إلى مصر في حدود سنة ثلاثين وثمانمائة بإمرة طبلخاناة دفعة واحدة فدام على ذلك إلى أن توفي الأمير بردبك الأمير آخور المقدم ذكره بالطاعون فأنعم على يشبك هذا بتقدمته فمات هو أيضًا بعد أيام‏.‏
وقد تقدم في أصل ترجمة الملك الأشرف ذكر هذا الطاعون وعظمه وأنه كان ينتقل على الإقطاع الواحد الخمسة والستة من المماليك في مدة يسيرة والكل يموتون بالطاعون انتهى‏.‏
وأظن يشبك أنه كان أسن من السلطان الأشرف فإنه لما استقدمه من بلاده مع جملة أقاربه قام له واعتنقه وعرض عليه الإسلام فأسلم وحسن إسلامه‏.‏
وكان لا بأس به في أمثاله مع قصر مدة إقامته بالديار المصرية‏.‏

وتوفي الشيخ نصر الله بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل العجمي الحنفي في ليلة الجمعة سادس شهر رجب وهو في عشر الثمانين‏.‏
وكان جميل الهيئة مقربًا من خواطر الملوك ورشح لكتابة السر‏.‏
وكان يكتب المنسوب ويتكلم في علم التصوف على طريق ابن عربي ويعرف علم الحرف على زعمه مع مشاركة في فنون‏.‏
وصحب الوالد مدة وهو الذي نوه بذكره وأنعم عليه برزقة هائلة وهي التي أوقفها نصر الله المذكور على داره التي جعلها بعد موته مدرسة بالقرب من خان الخليلي بالقاهرة‏.‏



وتوفي القاضي فخر الدين ماجد ويدعى أيضًا عبد الله بن السديد أبي الفضائل بن سناء الملك المعروف بابن المزوق في ليلة الخميس ثاني عشر شهر رجب بعد أن تولى نظر الجيش ثم كتابة السر بالديار المصرية في دولة الملك الناصر فرج بسفارة سعد الدين إبراهيم بن غراب ثم عزل وتولى نظر الإسطبل السلطاني ثم عزله عنه أيضًا‏.‏
وانحط قدره في الدولة إلى أن نكبه السلطان الملك الأشرف وأمسكه وضربه بالمقارع بسبب الأتابك جانبك الصوفي وقاسى بسببه أهوالًا ثم لزم داره على أقبح حالة من الخوف والرجيف إلى أن مات‏.‏

وتوفي الشيخ الإمام العالم الفقيه زين الدين أبو بكر بن عمر بن عرفات القمني الشافعي العالم المشهور في ليلة الجمعة ثالث عشر شهر رجب بالطاعون عن ثمانين سنة وكان من أعيان فقهاء الشافعية وفضلائهم وله سمعة وصيت وترداد للأكابر‏.‏
وأفتى ودرس بعدة مدارس سنين كثيره‏.‏

وتوفي الأمير سيف الدين هابيل بن عثمان المدعو قرايلك بن طرعلي التركماني الأصل بسجنه بقلعة الجبل في يوم الجمعة ثالث عشر شهر رجب المذكور‏.‏
وكان قبض على هابيل هذا وهو نائب لأبيه قرائلك بمدينة الرها في واقعة بين العساكر المصرية وبينه حسبما تقدم ذكره كله في أصل هذه الترجمة‏.‏
ولما قبض عليه حمل إلى القاهرة فحبسه الملك الأشرف بالبرج بقلعة الجبل إلى أن مات بالطاعون بعد أن سأل أبوه السلطان في إطلاقه غير مرة‏.‏



وتوفي الشيخ الإمام العالم العلامة صدر الدين أحمد ابن القاضي جمال الدين محمود بن محمد بن عبد الله القيصري الحنفي المعروف بابن العجمي شيخ الشيوخ بخانقاه شيخون في يوم السبت رابع عشر شهر رجب بالطاعون بعد أن ولي نظر جيش دمشق وحسبة القاهرة غير مرة وعدة وظائف دينية ودرس بعدة مدارس آخرها استقراره في مشيخة الشيخونية وتدريسها‏.‏
وكان إمامًا بارعًا فاضلًا فقيهًا نحويًا مفننًا في علوم كثيرة معدودًا من علماء الحنفية مع الذكاء وحسن التصور وجودة الفهم رحمه الله تعالى‏.‏

وتوفي القاضي جلال الدين محمد ابن القاضي بدر الدين محمد بن مزهر في يوم الاثنين سادس عشرين شهر رجب ولم يبلغ العشرين سنة من العمر‏.‏
وكان ولي كتابة السر بالديار المصرية بعد وفاة أبيه أشهرًا صورة والقاضي شرف الدين أبو بكر بن العجمي نائب كاتب السر هو المتكفل بمهمات ديوان الإنشاء إلى أن عزله السلطان وخلع عليه بعد مدة بتوقيع المقام الناصري محمد ابن السلطان فماتا جميعًا في هذا الطاعون‏.‏
وكان جلال الدين المذكور من أحسن الشباب شكلًا‏.‏



وتوفي القاضي زين الدين محمد بن شمس الدين محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الملك الدميري المالكي في يوم الأربعاء ثالث شعبان بعدما ولي حسبة القاهرة ونظر البيمارستان المنصوري وكان معدودًا من الرؤساء‏.‏

وتوفي شمس الدين محمد بن المعلمة السكندري المالكي في سابع شعبان‏.‏
وكان يشارك في العربية وغيرها‏.‏
وولي حسبة القاهرة في وقت‏.‏
وكان مسرفًا على نفسه‏.‏

وتوفي الأمير مدلج بن علي بن نعير بن حيار بن مهنا أمير آل فضل مقتولًا في ثاني شوال بظاهر حلب‏.‏

وتوفيت خوند هاجر زوجة الملك الظاهر برقوق وبنت الأتابك منكلي بغا الشمسي في رابع شهر رجب وكانت تعرف بخوند الكعكيين لسكنها بخط الكعكيين بالقاهرة‏.‏

وأمها خوند فاطمة بنت الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون‏.‏
وماتت وهي أعظم نساء عصرها رئاسة وعراقة‏.‏

وتوفي القاضي تقي الدين يحيى ابن العلامة شمس الدين محمد الكرماني الشافعي في يوم الخميس ثاني عشرين جمادى الآخرة وكان بارعًا في عدة فنون‏.‏
وقدم من بغداد قبيل سنة ثمانمائة ومعه شرح أبيه على صحيح البخاري ثم صحب الملك المؤيد شيخ أيام تلك الفتن وسافر معه إلى طرابلس وغيرها وتقلب معه في سائر تقلباته ثم قدم معه القاهرة فلما تسلطن أقره في نظر البيمارستان المنصوري وكان ثقيل السمع ثم عزل ولزم داره حتى مات‏.‏



السنة العاشرة

من سلطنة الأشرف برسباي
وهي سنة أربع وثلاثين وثمانمائة‏.‏

فيها توفي الأمير شهاب الدين أحمد الدوادار نائب الإسكندرية المعروف بابن الأقطع بعد أن قدم القاهرة مريضًا في يوم الأحد تاسع جمادى الآخرة‏.‏
وكان أبوه أوجاقيًا في الإسطبل السلطاني وقيل بل كان أقطع يتكسب بالتكدي وهو الأقرب‏.‏
ونشأ ابنه أحمد هذا تبعًا عند بعض الأجناد ثم ترقى حتى خدم جنديًا عتد جماعة من الأمراء إلى أن صار دوادارًا ثانيًا عند الأمير علي باي المؤيدي‏.‏
ثم اتصل بخدمة الملك الأشرف وصار عنده دوادارًا فلما تسلطن جعله من جملة الدوادارية الصغار‏.‏
واختص بالسلطان ونالته السعادة ثم أمره عشرة وجعله زردكاشًا كبيرًا ثم نقله إلى نيابة الإسكندرية بعد عزل آقبغا التمرازي فلم تطل مدته ومات بعد مرض طويل‏.‏
ولم أدر لأي معنى كانت خصوصية أحمد هذا وعلي بن فحيمة السلاخوري بالسلطان مع ما اشتملا عليه من الجهل المفرط وقبح الشكالة ودناوة الأصل‏.‏
وكان علي السلاخوري يبدل القاف بالهمزة كما هي عادة أوباش الناس من العامة وكان أحمد إذا تكلم أيضًا يتلغط بألفاظ العامة السوقة‏.‏
وقد جالسته بالخدمة السلطانية كثيرًا فلم أجد له معرفة بفن من الفنون ولا علم من العلوم‏.‏
وكان إذا أخذ يتلاطف ويتذاوق يصحف ويقول‏:‏ بتسردشي فأعرفه فيما بيني وبينه بأنه يقول‏:‏ تسرت وأوضح له أنها تصحيفة تشرب فيفهمها بعد جهد كبير‏.‏
ثم إذا طال الأمر ينساها ويقولها أيضًا بالدال وأظنه دام على ذلك إلى أن مات‏.‏
ومع هذا كان في نفسه أمور وله دعاوى بالعرفان والتمعقل لا سيما إذا تمثل بأمثال العامة السافلة فيتعخب من ذلك الأتراك ويثنى على ذوقه ومعرفته وغزير علمه وحسن تأديه في الخطاب وأولهم السلطان الملك الأشرف برسباي فإنه كان كثيرًا ما يقتدي برأيه ويفاتحه في الكلام فيكلم أحمد في أمور المملكة بكلام لا يعرف هو معناه ويسكت من عداه من أرباب الدولة والمعرفة فأذكر أنا عند ذلك قول أبي العلاء المعري حيث قال‏:‏ الطويل فوا عجبًا كم يدعي الفضل ناقص ووا أسفاكم يدعي النقص فاضل وتوفي الشيخ الإمام العالم المفنن مجد الدين إسماعيل بن أبي الحسن علي بن عبد الله البرماوي الشافعي في يوم الأحد خامس عشر شهر ربيع الآخر عن أربع وثمانين سنة‏.‏
وكان إمامًا في الفقه والعربية والأصول وعدة فنون وتصدى للإقراء والتدريس عدة سنين‏.‏



وتوفي الصاحب الوزير تاج الدين عبد الرزاق بن إبراهيم بن الهيصم في يوم الخميس العشرين من ذي الحجة بعدما ولي الوزارة والأستادارية ونظر ديوان المفرد مرارًا عديدة‏.‏
وهو من بيت كبير في الكتبة قيل إنهم من فرية المقوقس صاحب مصر قبل الإسلام والله أعلم‏.‏

وتوفي الشيخ سراج الدين عمر بن منصور البهادري الفقيه الطبيب الحنفي في يوم السبت ثاني عشر شوال بعدما برع في الفقه والنحو وانتهت إليه الرئاسة في الطب وناب في الحكم عن القضاة الحنفية بالقاهرة‏.‏
ومات ولم يخلف بعده مثله في التقدم في علم الطب ومتونه‏.‏

وتوفي القاضي برهان الدين إبراهيم بن علي بن إسماعيل المعروف بابن الظريف أمين الحكم بالقاهرة في يوم السبت خامس شوال عن نحو ستين سنة ش ركان معدودًا من بياض الناس‏.‏



السنة الحادية عشرة

من سلطنة الأشرف برسباي وهي سنة خمس وثلاثين وثمانمائة‏.‏

فيها توفي القاضي شرف الدين عيسى بن محمد بن عيسى الأقفهسي الشافعي أحد عظماء نواب الحكم بالديار المصرية في ليلة الجمعة سادس عشرين‏.‏
جمادى الآخرة‏.‏
ومولده في سنة خمسين وسبعمائة وكان إمامًا فقيهًا بارعًا في الفقه وفروعه مشاركًا في عدة فنون‏.‏
وتولى الحكم عن قاضي القضاة عماد الدين الكركي في سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة وشكرت سيرته وحمدت طريقته لتحريه في الأحكام ولعفته عما يرمى به قضاة السوء‏.‏
ولقد شاهدت منه من التثبت في أحكامه ما لم أشاهده من قضاة زماننا رحمه الله تعالى‏.‏



وتوفي السلطان حسين بن علاء الدولة ابن السلطان أحمد بن أويس قتيلًا بيد الكافر أصبهان بن قرا يوسف التركماني في ثالث صفر بعد أن حصره سبعة أشهر حتى أخذه وقتله‏.‏
وانقرضت بقتله دولة بني أويس الأتراك من العراق وصار عراقا العرب والعجم بيد إسكندر بن قرا يوسف وإخوته وهم كانوا سببًا لخراب تلك الممالك التي كانت كرسي الإسلام ومنبع العلوم أعني بني قرا يوسف‏.‏

وتوفي القاضي شهاب الدين أحمد ابن القاضي صلاح الدين صالح بن أحمد بن عمر المعروف بابن السفاح الحلبي الشافعي كاتب سر حلب ثم كاتب سر مصر وبها مات في ليلة الأربعاء رابع عشر شهر رمضان عن ثلاث وستين سنة بعد أن باشر فيها كتابة سر حلب سنين عديدة بعد أخيه وأبيه‏.‏
وصار لشهاب الدين هذا رئاسة بحلب وتمكن فلما ولي كتاب سر مصر ابتلعه المنصب ولم يظهر لمباشرته نتيجة وانحط قدره في الدولة بحيث إن المصريين صاروا يسخرون منه لأنه كان يكلم نفسه في حال ركوبه بين الناس في الشوارع وفي جلوسه أيضًا بين الملأ بكلام كثير ويغضب بعض الأحيان من نفسه ويشير بالضرب بيده وبلسانه من غير أن يفهم أحد كلامه وكان يقع ذلك منه حتى في الصلاة‏.‏



ومع هذا كان فيه بعيض حدة ونزاقة مع دين وعفة وصيانة مع أنه كانت بضاعته من العلوم مزجاة وخطه في غاية القبح ويظهر من كلامه عدم ممارسته للعلوم‏.‏
ووقع بينه وبين قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن العز البغدادي الحنبلي مفاوضة في بعض مجالس السلطان لمعنى من المعاني فكان من جملة كلام ابن السفاح هذا أن قال‏:‏ ريع الوقف وشدد الياء فقال عز الدين المذكور‏:‏ اسكت يا مرماد فضحك السلطان ومن حضر وانتصف عليه الحنبلي‏.‏
فلما نزلا من القلعة سألت من عز الدين عن قوله مرداد فقال‏:‏ الأتراك كثيرًا ما يلعبون الشطرنج وقد صار بينهم أن الذي لا يعرف شيء يسمى مرماد فقصدت الكلام بما اعتادوه وعرفتهم أنه لا يعرف شيئًا وأنه جاهل بما يقول وتم لي ما قصدته‏.‏
ولما مات ابن السفاح تولى كتابة السر من بعده الصاحب كريم الدين عبد الكريم ابن كاتب المناخ‏.‏
ومع عدم أهلية الصاحب كريم الدين لهذه الوظيفة نتج‏.‏
فيها أمره وهابته الناس ونفذ الأمور أحسن من ابن السفاح‏.‏



وتوفي قاضي القضاة زين الدين عبد الرحمن التفهني الحنفي وهو غير قاض في ليلة الأحد ثامن شوال بعد مرض‏.‏
ومولده في سنة أربع وستين وسبعمائة ونشأ فقيرًا مملقًا واشتغل حتى برع في الفقه والأصول والعربية وشارك في فنون وأفتى ودرس وناب في الحكم سنين كثيرة ثم استقل بوظيفة القضاء‏.‏
ولم تشكر سيرته في ولايته لحدة كانت فيه وسوء خلقه مع القيام في حظ نفسه وقصته مشهورة مع الميموني لما كفره التفهني هذا وحكم بإراقة دمه في الملأ بالمدرسة الصالحية‏.‏
ولما حكم بإراقة دم الميموني المذكور أراد من ابن حجر أن ينفذ حكمه فقال ابن حجر‏:‏ قاضي القضاة منغاظ حتى يسكن خلقه‏.‏
وانفض المجلس وتلاشى حكم التفهني‏.‏
وعاش الميموني بعد ذلك دهرًا بعد أن أوسعه الميموني إساءة في المجلس وهو يقول له‏:‏ اتق الله يا عبد الرحمن أو نسيت قبقابك الزحاف وعمامتك القطن والتفهني يصفر ويكرر حكمه بإراقة دمه‏.‏
وكان سبب إبقاء الميموني في هذه القضية أنه شهد بعض الحكماء أنه يعتريه شيء في عقله في الأوقات فأبقي لذلك وكان أيضًا للناس فيه اعتقاد فإنه يكثر التلاوة ولقراءته موقع في النفوس وعلى شيبته نور ووقار وأنا ممن كان يعتقده انتهى‏.‏



وتوفي جينوس بن جاك بن بيدو بن أنطون بن جينوس متملك قبرس وصاحب الواقعة مع المسلمين وقد تقدم ذكر غزوه والظفر به وقدومه إلى مصر في أوائل هذا الجزء مفصلًا ثم ذكر وتوفي الصاحب علم الدين يحيى المعروف بأبي كم القبطي في ليلة الخميس ثاني عشرين شهر رمضان وقد أناف على السبعين سنة بعد أن ولي الوزارة فى دولة الملك الناصر فرج‏.‏
وكان قد حسن إسلامه وترك معاشرة النصارى وحج وجاور بمكة وصار يكثر من زيارة الصالحين الأحياء والأموات وانسلخ من أبناء جنسه انسلاخًا كليًا بحيث إنه كان لا يجتمع بنصراني إلا عن ضرورة عظيمة وكان دأبه الأفعال الجميلة رحمه الله تعالى‏.‏



السنة الثانية عشرة

من سلطنة الأشرف برسباي وهي سنة ست وثلاثين وثمانمائة‏.‏

فيها كانت سفرة السلطان الملك الأشرف هذا إلى آمد وعاد في أوائل سنة سبع وثلاثين وقد تقدم ذكر ذلك كله‏.‏

وفيها توفي قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد الأموي المالكي بدمشق في يوم الثلاثاء حادي عشر صفر وكان ولي في دولة الملك المؤيد شيخ قضاء المالكية بالديار المصرية وتوفي التاجر نصر الدين علي بن جلال الدين محمد الطنبذي في ليلة الجمعة رابع عشر صفر عن سبعين سنة وترك مالًا كبيرًا لم يبارك الله فيه لذريته من بعده‏.‏
ولم يشهر نور الدين هذا بكرم ولا دين ولا علم‏.‏

وتوفي الأمير علاء الدين منكلي بغا الصلاحي الظاهري المعروف بالعجمي أحد الحجاب بالديار المصرية في ليلة الخميس حادي عشر شهر ربيع الأول بعد مرض طال به سنين وكان أحد الدوادارية الصغار في أيام أستاذه الملك الظاهر برقوق وتوجه رسولًا إلى تيمورلنك في دولة الملك الناصر فرج ثم ولي حسبة القاهرة في دولة الملك المؤيد شيخ ثم صار من جملة الحجاب إلى أن مات‏.‏
وكان فقيهًا صاحب محاضرة حلوة ومجالسة حسنة ويذاكر بالشعر باللغات الثلاث‏:‏ العربية والعجمية والتركية ويكتب الخط المنسوب ويحضر مجالس الفقراء ويرقص فى السماع ويميل إلى التصوف جالسته كثيرًا وأسعدت من محاسنه رحمه الله‏.‏



وتوفي الأمير تغري بردي بن عبد الله المحمودي الناصري رأس نوبة النوب أولًا ثم أتابك دمشق آخرًا من جرح أصابه في رجله بسهم من مدينة آمد مات منه بعد أيام قليلة بآمد‏.‏
مات في شوال ودفن بآمد ثم نقل منها في سحلية عند رحيل العسكر وساروا به إلى الرها فدفن بها لمشقة نالت العساكر من ظهور رائحته‏.‏
وكان أصله من مماليك الملك الناصر فرج وممن تأمر في دولة أستاذه فيما أظن‏.‏
ثم انتمى للأمير نوروز الحافظي بعد موت أستاذه إلى أن أمسكه الملك المؤيد شيخ وحبسه بعد قتل نوروز فدام في السجن سنين إلى أن أخرجه المؤيد في أواخر دولته‏.‏
فلما آل الأمر إلى الأمير ططر أنعم عليه بإمرة طبلخاناة ثم نقل إلى تقدمة ألف بعد موت ططر‏.‏
ثم صار رأس توبة النوب بعد الأمير أزبك المحمدي بحكم انتقال أزبك إلى الدوادارية الكبرى بعد ولاية سودون من عبد الرحمن لنيابة دمشق عندما خرج تنبك البجاسي عن الطاعة‏.‏
كل ذلك في سنة ست وعشرين وثمانمائة‏.‏
ودام المحمودي على ذلك سنين سافر فيها أمير حاج المحمل وقدم بالشريف حسن بن عجلان ثم توجه إلى غزوة قبرس وقدم بملكها أسيرًا‏.‏
وقد تقدم ذكر ذلك كله في أول هذا الجزء‏.‏
ثم بعد عوده من قبرس بمدة يسيرة أمسكه السلطان وحبسه بسجن الإسكندرية ثم نقله إلى ثغر دمياط بطالًا ثم أنعم عليه بأتابكية دمشق عوضًا عن قاني باي الحمزاوي بحكم انتقال الحمزاوي إلى تقدمة ألف بمصر‏.‏
ثم سافر المحمودي صحبة السلطان إلى آمد فأصيب بسهم فمات منه حسبما ذكرناه‏.‏
وكان أميرًا جليلًا شجاعًا مقدامًا طوالًا رشيقًا مليح الشكل كثير التجمل في ملبسه ومركبه ومماليكه وهو أول من لبس التخافيف الكبار العالية من الأمراء وتداول الناس ذلك من بعده حتى خرجوا عن الحد وصارت التخفيفة الآن تلف شبه الكلفتاه وتوفي الأمير سيف الدين سولحون بن عبد الله الظاهري المعروف بسودون ميق أحد أمراء الألوف بالديار المصرية من جرح أصابه بآمد من سهم من مدينتها لزم منه الفراش أيامًا ومات أيضًا في أواخر شوال‏.‏
وكان أصله من مماليك الظاهر برقوق الصغار وصار خاصكيًا ومن جملة الدوادارية في دولة الملك المؤيد شيخ ثم ترقى إلى أن صار من جملة أمراء الطبلخانات ورأس نوبة ثم نقل إلى الأمير آخورية الثانية كل ذلك في دولة الملك الأشرف برسباي فدام على ذلك سنين إلى أن أنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف فاستمر على ذلك إلى أن مات‏.‏
وكان متوسط السيرة في غالب خصاله لا بأس به رحمه الله‏.‏



وتوفي الأمير سيف الدين جانبك بن عبد الله الحمزاوي بعد أن ولي نيابة غزة فمات قبل أن يصلها في عوده من آمد في ذي الحجة‏.‏
وكان أصله من مماليك الأمير سودون الحمزاوي الدوادار الكبير في الدولة الناصرية ثم تنقل في الخدم من بعد أستاذه إلى أن ولي نيابة بعض القلاع بالبلاد الشامية ولما خرج قاني باي نائب الشام وانضم معه غالب نواب البلاد الشامية كان جانبك هذا ممن انضم عليه وهرب بعد مسك قاني باي مع من هرب من الأمراء إلى قرا يوسف ثم قدم أيضًا معهم على الأمير ططر بدمشق فأنعم عليه ططر بإمرة بدمشق ثم صار حاجب حجاب طرابلس مدة سنين ثم نقل إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية وسافر صحبة السلطان إلى آمد وبعد عوده خلع السلطان عليه بحلب بنيابة غزة عوضًا عن الأمير إينال العلائي الناصري المنتقل إلى نيابة الرها لكونها كانت خرابًا ليس بها ما يقوم بكلفته وقد حكينا ذلك فيما سبق‏.‏

وكان جانبك هذا ممن اتهم بأنه يريد الوثوب على السلطان فلما وصل السلطان إلى حلب أقره في نيابة غزة على كره منه فهز رأسه وأمسك لحيته بعد لبسه الخلعة وبلغ الأشرف ذلك على ما قيل فقال‏:‏ حتى يصل إلى غزة فمات حول بعلبك‏.‏
وكان شيخًا طوالًا مشهورًا بالشجاعة غير أني لم أعرف منه إلا الإسراف على نفسه والانهماك في السكر‏.‏
وأما لفظه وعبارته ففي الغاية من الجهل والإهمال‏.‏
ومن ركوبه على الفرس كنت أعرف أنه لم يمارس أنواع الفروسية كالرمح والبرجاس وغيره‏.‏
فإنه كان من المهملين وقد خفف الله بموته عفا الله عنه‏.‏



وتوفي الأمير سيف الدين تنبك بن عبد الله من سيدي بك الناصري أحد أمراء العشرات ورأس نوبة المعروف بالبهلوان من جرح أصابه بآمد في شوال أيضًا بها‏.‏
وكان عارفًا بفن الصراع من الأقوياء في ذلك مع تكبر وشمم وادعاء زائد‏.‏
وقد حكى لي عنه بعض أصحابه أنه كان إمامًا في فن الصراع ويجيد لعب الرمح لا غير وليس عنده من الشجاعة والإقدام بمقدار وتوفي الملك الأشرف شهاب الدين أحمد ابن الملك العادل سليمان ابن الملك المجاهد غازي ابن الملك الكامل محمد ابن الملك العادل أبي بكر ابن الملك الأوحد عبد الله ابن الملك المعظم توران شاه ابن السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب صاحب مصر ابن السلطان الملك الكامل محمد صاحب مصر ابن السلطان الملك العادل أبي بكر صاحب مصر ابن الأمير نجم الدين أيوب بن شادي بن مروان الأيوبي صاحب حصن كيفا قتيلًا بيد أعوان قرايلك بين آمد والحصن وقد سار من بلده حصن كيفا يريد القدوم على السلطان الملك الأشرف برسباي على آمد فقتل في طريقه غدرًا فإنه كان خرج من الحصن بغير استعداد لقتال وإنما تهيأ للسلام على الملك الأشرف وبينما هو في طريقه أدركته بعض الصلوات فنزل وتوضأ وقام في صلاته وإذا بالقرايلكية طرقوه هو وعساكره بغتة وقبل أن يركب أصابه سهم قتل منه‏.‏
ووجد السلطان الملك الأشرف عليه كثيرًا وتأسف لموته‏.‏
وكان ابتداء ملكه بحصن كيفا بعد موت أبيه العادل في سنة سبع وعشرين وثمانمائة‏.‏
وكان فاضلًا أديبًا بارعًا وله ديوان شعر ووقفت على كثير من شعره وكتبت منه نبذة كبيرة في ترجمته في المنهل الصافي‏.‏
وتولى بعده سلطنة الحصن ابنه الملك الكامل صلاح الدين خليل‏.‏

وتوفي القاضي تاج الدين عبد الوهاب بن أفتكين الدمشقي كاتب سر دمشق بها في ذي القعدة‏.‏
وتولى كتابة السر من بعده القاضي نجم الدين يحيى ابن المدني ناظر جيش حلب‏
قلت‏:‏ لا أعرف من أحوال تاج الدين هذا شيئًا غير أنني علمت بولايته ثم بوفاته‏.‏

وتوفي الشيخ شهاب الدين أحمد بن غلام الله بن أحمد بن محمد الكوم ريشي في سادس عشرين شهر صفر وقد أناف على خمسين سنة‏.‏
وكان أستاذًا في علم الميقات ويحل التقويم من الزيج ويشارك في أحكام النجوم ومات ولم يخلف بعده مثله في فنونه رحمه الله‏.‏



السنة الثالثة عشرة


من سلطنة الأشرف برسباي وهي سنة سبع وثلاثين وثمانمائة‏.‏

وفيها توفي الأمير سيف الدين مقبل بن عبد الله الحسامي الدوادار نائب صفد بها في يوم الجمعة تاسع عشرين شهر ربيع الأول‏.‏
وأصله من مماليك شخص يسمى حسام الدين لاجين من أمراء دمشق والبلاد الشامية ثم خدم عند الملك المؤيد شيخ أيام إمرته فاختص به لغزير محاسنه ولما تسلطن المؤيد جعله خاصكيًا رأس نوبة الجمدارية وحج على تلك الوظيفة‏.‏
ثم بعد قدومه أنعم عليه بإمرة عشرة ثم جعله أمير طبلخاناه ودوادارًا ثانيًا بعد جقمق الأرغون شاوي بحكم انتقال جقمق إلى الدوادارية الكبرى بعد انتقال آقباي المؤيدي إلى نيابة حلب بعد عصيان إينال الصصلاني‏.‏
ثم بعد سنين نقله إلى الدوادارية الكبرى بعد جقمق أيضًا بحكم انتقاله إلى نيابة الشام بعد عزل الأمير تنبك ميق وقدومه إلى القاهرة أمير مائة ومقدم ألف فدام مقبل على ذلك إلى أن مات الملك المؤيد وآل الأمر إلى الأميو ططر وأمسك قجقار القردمي ففر مقبل المذكور من القاهرة ومعه السيفي يلخجا من مامش الساقي الناصري ومماليكه إلى جهة البلاد الشامية فعاقهم العربان أرباب الأدراك عن التوصل إلى قطيا وقاتلوهم بعد أن تكاثروا عليهم‏.‏
وكان مقبل من الشجعان فثبت لهم ولازال يقاتلهم وهو منهزم منهم إلى الطينة فوجدوا بها مركبًا فركبوا فيه وتركوا ما معهم من الخيول والأثقال أخذوها العرب وساروا في البحر إلى الشام‏.‏
واجتمع مقبل مع الأمير جقمق وصار مع حزبه ووقع له أمور ذكرناها في ترجمة الملك المظفر أحمد إلى أن آل أمره أنه أمسك وحبس ثم أطلق وولي حجوبية دمشق‏.‏
ثم نقله الملك الأشرف إلى نيابة صفد بعد عصيان نائبها الأمير إينال الظاهري ططر فاستمر في نيابة صفد إلى أن مات‏.‏
وكان رومي الجنس شجاعًا مقدامًا رأسًا في رمي النشاب يضرب برميه المثل‏.‏
وكان أستاذه الملك المؤيد يعجب به وناهيك بمن كان يعجب الملك المؤيد به من المماليك‏.‏



وتوفي قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن محمود بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن أبي العز الدمشقي الحنفي المعروف بابن كشك بدمشق في ليلة الخميس سابع شهر ربيع الأول بعد أن ولي قضاء الحنفية بدمشق سنين كثيرة وجمع بينها وبين نظر الجيش بدمشق في بعض الأحيان وطلب لكتابة سر مصر فأبى وامتنع واستعفى من ذلك حتى أعفي‏.‏
وكان من أعيان أهل دمشق في زمانه ولم يكن في الشاميين من يدانيه في العراقة والرئاسة‏.‏
وقد رشح بعض أجداده من بني العز لخطابة جامع تنكز عندما عمره تنكز وهم بيت علم وفضل ورئاسة ليس بالبلاد الشامية من هو أعرق منهم غير بني العديم الحلبيين ثم بعد بني العز هؤلاء بنو البارزي الحمويون‏.‏



وتوفي قاضي القضاة جمال الدين محمد بن علي بن أبي بكر الشيبي الشافعي المكي قاضي قضاة مكة وشيخ الحجبة بباب الكعبة بها في ليلة الجمعة ثامن عشرين شهر ربيع الأول عن نحو سبعين سنة وهو قاض‏.‏
وكان خيرًا دينًا مشكور السيرة سمحًا متواضعًا بارعًا في الأدب وله مشاركة جيدة في التاريخ وغيره لما رآه فإنه كان رحل إلى اليمن وغيره وجال في البلاد رحمه وتوفي الأمير سيف الدين آقبغا بن عبد الله الجمالي الأستادار وهو يلي كشف البحيرة قتيلًا بيد العرب في واقعة كانت بينه وبينهم في حادي عشرين شهر ربيع الآخر‏.‏
وكان أصله من مماليك الأمير كمشبغا الجمالي أحد أمراء الطبلخانات المقدم ذكره في سنة ثلاث وثلاثين وكان يسافر إلى إقطاعه‏.‏
ثم تعانى البلص ولا زال يترقى إلى أو ولي الكشف بعدة أقاليم‏.‏
ثم ولي الأستادارية مرتين حسبما تقدم ذكره‏.‏
كل ذلك في حياة أستاذه كمشبغا الجمالي‏.‏
ونكب في ولايته الثانية وامتحن وضرب وصودر‏.‏
ثم سافر مع الملك الأشرف إلى آمد فظهر منه هناك شجاعة وإقدام في قتال القرايلكية فأنعم عليه السلطان بإقطاع تنبك البهلوان بعد موته ثم ولاه بعد قدومه إلى مصر كشف الوجه القبلي ثم نقله إلى كشف الوجه البحري فقتل هناك‏.‏
وكان وضيعًا من الأوباش لا يشبه فعله أفعال المماليك في حركاته وسكونه ولا في قتاله‏.‏
على أنه كان مشهورًا بالشجاعة وشجاعته كانت مشتركة بجنون وسرعة حركة‏.‏
وكان أهوج قليل الحشمة ليس عليه رونق ولا أبهة وكان إذا تكلم يكرر في كلامه اسم دا غير مرة بحيث إنه كان يتكلم الكلمة الواحدة ثم يقول اسم دا وفي الجملة أنه كان من الأوغاد ولولا أنه ولي الأستادارية ما ذكرته في هذا الكتاب ولا غيره‏.‏



وتوفي الأمير الكبير سيف الدين جارقطلو بن عبد الله الظاهري أتابك العساكر بالديار المصرية ثم كافل المملكة الشامية بها في ليلة الاثنين تاسع عشر شهر رجب وهو في عشر السبعين‏.‏
وأصله من مماليك الملك الظاهر برقوق ومن إنيات سودون المارداني‏.‏
وتأمر في الدولة الناصرية ثم ولي في الدولة المؤيدية نيابة حماه ثم نيابة صفد‏.‏
ثم أعاده الأمير ططر إلى نيابة حماه ثانيًا بعد إنيه تنبك البجاسي لما نقل إلى نيابة طرابلس فدام بحماه إلى أن نقله الملك الأشرف إلى نيابة حلب بعد إنيه تنبك البجاسي أيضًا لما نقل تنبك إلى نيابة الشام بعد موت تنبك ميق فدام جارقطلو في نيابة حلب إلى أن عزله الملك الأشرف واستقدمه إلى القاهرة أمير مائة ومقدم ألف ثم خلع عليه باستقراره أمير مجلس‏.‏
ثم نقله إلى الأتابكية بالديار المصرية بعد موت الأمير يشبك الساقي الأعرج فدام على ذلك سنين إلى أن ولاه الملك الأشرف نيابة دمشق بعد عزل سودون من عبد الرحمن عنها واستقر سودون من عبد الرحمن أتابكًا عوضه فاستمر على نيابة دمشق إلى أن مات في التاريخ المقدم ذكره‏.‏
وكان أميرًا جليلًا مهابًا شهمًا متجملًا في جميع أحواله‏.‏
وكان قصيرًا بطينًا أبيض الرأس واللحية وفيه دعابة وهزل مع إسراف على نفسه‏.‏
وسيرته مشكورة في ولايته‏.‏
قلت‏:‏ كان ظلمه على نفسه لا على غيره والله تعالى يسامحه بمنه وكرمه‏.‏
وكان له خصوصية زائدة عند الملك الأشرف برسباي بحيث إني سمعته مراراص يبالغ في شيء لا يفعله بقوله‏:‏ لو سألني جارقطلو في هذا ما فعلته‏.‏
وكان إذا جلس قاضي القضاة بدر الدين العيني عند السلطان في ليالي الخدم وأخذ في قراءة شيء من التواريخ يشير إليه السلطان بحيث لا يعلم جارقطلو فينتقل بما هو فيه إلى شيء من الوعظيات ويأخذ في التشديد على شربة الخمر وما أشبه ذلك ويبالغ في حقهم والأشرف أيضًا يهول الأمر ويستغفر فإذا زاد عن الحد يقول جارقطلو‏:‏ يا قاضي ما تذكر إلا شربة الخمر وتبالغ في حقهم بأنواع العذاب ليش ما تذكر القضاة وأخذهم الرشوة والبراطيل وأموال الأيتام ‏"‏‏.‏
يقول ذلك بحدة وانحراف حلو‏.‏
فلما يسمع الملك الأشرف كلامه يضحك وينبسط هو وجميع أمرائه وكان يقع له أشياء كثيرة من ذلك



وتوفي السيد الشريف رميثة بن محمد بن عجلان مقتولًا خارج مكة في خامس رجب بعد أن ولي إمرة مكة في بعض الأحيان فلم تحمد سيرته وعزل‏.‏

وتوفي الشيخ الإمام الأديب الشاعر المفنن تقي الدين أبو بكر بن علي بن حجة بكسر الحاء المهملة الحموي الحنفي الشاعر المشهور صاحب القصيدة البديعية وشرحها وغيرها من المصنفات‏.‏

مات بحماه في خامس عشرين شعبان ومولده سنة سبع وسبعين وسبعمائة‏.‏

وكان أحد ندماء الملك المؤيد وشعرائه وأخصائه وولي إمامة عدة وظائف دينية وعظم في الدولة ثم خرج من مصر بعد موت الملك المؤيد إلى مدينة حماه واستوطنها إلى أن مات بها‏.‏

وكان بارعًا في الأدب ونظم القريض وغيره من ضروب الشعر مفننًا لا يجحد فضله إلا حسود ومن شعره مضفنًا مع حسن التورية‏:‏ الرجز سرنا وليل شعره منسدل وقد غدا بنو منا مضفرا فقال صبح ثغره مبتسما عند الصباح يحمد القوم السرى وله عفا الله عنه‏:‏ الخفيف في سويداء مقلة الحب نادى جفنه وهو يقنص الأسد صيدا لاتقولوا مافي السويدا رجال فأنا اليوم من رجال سويدا قلت‏:‏ وهذا بعكس ما قاله ابن نباتة والصلاح الصفدي فقول ابن نباتة‏:‏ السريع من قال بالمرد فإني امرؤ إلى النسا ميلي ذوات الجمال ما في سويدائي إلا النسا ماحيلتي ما في السويدا رجال وقول الصفدي‏:‏ المقلة الكحلاء أجفانها ترشق في وسط فؤادي نبال وتقطع الطرق على سلوتي حتى حسبنا في السويدا رجال فصرت من خصره وريقته أهيم بين الفرات والرقه ومما كتب إليه قاضي القضاة صدر الدين علي بن الآدمي الحنفي مضمنًا لشعر آمرىء القيس‏:‏ الطويل أحن إلى تلك السجايا وإن نأت حنين أخي ذكرى حبيب ومنزل وأذكر ليلات بكم قد تصرمت بدار حبيب لا بدارة جلجل شكوت إلى الصبر اشتياقي فقال لي‏:‏ ترفق ولا تهلك أسى وتجمل فقلت له‏:‏ إني عليك معول وهل عند ربع دارس من معول فأجابه الشيخ تقي الدين بن حجة المذكور بقوله‏:‏ سرت نسمة منكم إلي كأنها بريح الصبا جاءت بريا القرنفل فقلت لليلي مذ بدا صبح طرسها‏:‏ ألا أيها الليل الطويل ألا انجل ورقت فأشعار آمرىء القيس عندها كجلمود صخر حطه السيل من عل فقلت‏:‏ قفا نضحك لرقتها على قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل وتوفي ملك الغرب وسلطانها أبو فارس عبد العزيز المتوكل ابن أبي العباس أحمد بن محمد بن ذي الحجة عن ست وسبعين سنة بعد أن خطب له بقابس وتلمسان وما والاهما من المدن والقرى إحدى وأربعين سنة وأربعة أشهر وأيامًا‏.‏
وكان خير ملوك زمانه شجاعة ومهابة وكرمًا وجودًا وعدلًا وحزمًا وعزمًا ودينًا وقام من بعده في الملك حفيده المنتصر أبو عبد الله محمد ابن الأمير أبي عبد الله محمد بن أبي فارس المذكور‏.‏



وتوفي سلطان بنجالة من بلاد الهند جلال الدين أبو المظفر محمد بن فندو وكان فندو يعرف بكاس‏.‏
كان أبوه فندو المذكور كافرًا فأسلم جلال الدين هذا وحسن إسلامه وبنى الجوامع والمساجد وعمر أيضًا ما خرب في أيام أبيه من المدن وأقام شعائر الإسلام وأرسل بمال إلى مكة وبهدية إلى مصر وطلب من الخليفة المعتضد بالله أبي الفتح داؤد تقليدًا بسلطنة الهند فبعث إليه الخليفة الخلعة والتشريف مع بعض الأشراف فوصلت الخلعة إليه ولبسها ودام بعدها إلى أن مات وأقيم بعده ولده المظفر أحمد شاه وعمره أربع عشرة سنة‏.‏
وتوفي صاحب بغداد شاه محمد بن قرا يوسف بن قرا محمد في ذي الحجة مقتولًا على حصن من بلاد القان شاه رخ بن تيمورلنك يقال له شنكان وأقيم بعده على ملك بغداد أميرزه علي ابن أخي قرا يوسف‏.‏
وكان شاه محمد المذكور رديء العقيدة يميل إلى دين النصرانية قبحه الله ولعنه وأبطل شعائر الإسلام من دار السلام وغيرها بممالكه وقتل العلماء وقرب النصارى ثم أبعدهم ومال إلى دين المجوس وأخرب البلاد وأباد العباد أسكنه الله سقر ومن يلوذ به من إخوته وأقاربه ممن هو على اعتقاده ودينه‏.‏

وتوفي الشيخ الإمام أبو الحسن علي بن حسين بن عروة بن زكنون الحنبلي الزاهد الورع في ثاني جمادى الآخرة خارج دمشق وقد أناف على الستين سنة‏.‏
وكان فقيهًا عالمًا شرح مسند الإمام أحمد وكان غاية في الزهد والعبادة والورع والصلاح رحمه الله‏.‏



السنة الرابعة عشرة


من سلطنة الأشرف برسباي وهي سنة ثمان وثلانين وثمانمائة‏.‏

فيها توفي سلطان كربرجه من بلاد الهند شهاب الدين أبو المغازي أحمد شاه بن أحمد بن حسن شاه بن بهمن في شهر رجب بعد ما أقام في ملك كربرجه أربع عشرة سنة‏.‏
وتسلطن من بعده ابنه ظفر شاه واسمه أيضًا أحمد وكان السلطان شهاب الدين هذا من خير ملوك زمانه وله مآثر بمكة معروفة رحمه الله تعالى‏.‏

وتوفي الأمير الكبير سيف الدين طرباي بن عبد الله الظاهري جقمق نائب طرابلس في بكرة نهار السبت رابع شهر رجب من غير مرض فجأة بعد صلاة الصبح وهو جالس بمصلاه وقد تقدم من ذكره نبذة كبيرة في ترجمة الملك الصالح محمد بن ططر بما وقع له من جانبك الصوفي ثم مع الملك الأشرف حتى قبض عليه وحبسه بالإسكندرية مدة طويلة ثم أخرجه إلى القدس ثم ولاه نيابة طرابلس فدام به إلى أن مات‏.‏
وكان أميرًا ضخمًا جميلًا شهمًا مقدامًا دينًا خيرًا معظمًا في الدول لم يشهر عنه تعاطي شيء من القاذورات غير أنه كان يقتحم الرئاسة وفي أمله أمور فمات قبلها‏.‏

وهو أحد أعيان المماليك الظاهرية برقوق ورؤوس الفتن في تلك الأيام وكان أكبر منزلة من الملك الأشرف برسباي قديمًا وحديثًا وكان بينهما صحبة أكيدة عرفها له الأشرف وأخرجه من السجن وولاه طرابلس ولو كان غيره ما فعل معه ذلك لما سبق بينهما من التشاحن على الملك‏.‏



وتوفي السلطان أميرزه إبراهيم بن القان معين الدين شاه رخ ابن الطاغية تيمورلنك كوركان صاحب شيراز في شهر رمضان‏.‏
وكان من أجل ملوك جغتاي وأعظمهم كان يكتب الخط المنسوب إلى الغاية في الخسن يقارب فيه ياقوتًا المستعصمي ووجد عليه أبوه شاه رخ كثيرًا وكذلك أهل شيراز‏.‏
ثم في السنة أيضًا توفي أخوه باي سنقر بن شاه رخ بن تيمور صاحب مملكة كرمان في العشر الأول من ذي الحجة‏.‏
وكان باي سنقر ولي عهد أبيه شاه رخ في الملك وهو أشجع أولاد شاه رخ وأعظمهم إقدامًا وجبروتًا وهو والد من بقي الآن من ملوك جغتاي بممالك العجم وهم‏:‏ بابور وعلاء الدولة ومحمد والجميع أولاد باي سنقر هذا تولى تربيتهم جدتهم كهرشاه خاتون لمحبتها لأبيهم باي سنقر دون جميع أولادها ولهذا المعنى كان قدمه شاه رخ على ولده ألوغ بك صاحب سمرقند كل ذلك لميل زوجته كهرشاه إليه على أن ألوغ بك أيضًا ولدها بكريها غير أنها ما كانت تقدم على باي سنقر أحدًا من أولادها انتهى‏.‏

وتوفي الشريف زهير بن سليمان بن ريان بن منصور بن جماز بن شيحة الحسيني في محاربة كانت بينه وبين أمير المدينة النبوية مانع بن علي بن عطية بن منصور بن جماز بن شيحة في شهر رجب وقتل معه عدة من بني حسين‏.‏
وكان زهير المذكور من أقبح الأشراف سيرة كان خارجًا عن الطاعة ويخيف السبيل ويقطع الطريق ببلاد نجد والعراق وأرض الحجاز في جمع كبير فيه نحو الثلاثمائة فارس وعدة رماة بالسهام وأعيا الناس أمره إلى أن أخذه الله وأراح الناس منه‏.‏
وتوفي الحطي ملك الحبشة الكافر صاحب أمحرة من بلاد الحبشة وممالكه متسعة جدًا بعد أن وقع له مع السلطان سعد الدين صاحب جبرت حروب‏.‏



السنة الخامسة عشرة


من سلطنة الأشرف برسباي وهي سنة تسع وثلاثين وثمانمائة‏.‏

وفيها توفي ملك تونس من بلاد إفريقية بالمغرب السلطان المنتصر بالله أبو عبد الله محمد ابن الأمير أبي عبد الله محمد ابن السلطان أبي فارس عبد العزيز المقدم ذكره ابن أحمد الهنتاتي الحفصي في يوم الخميس حادي عشرين صفر بتونس‏.
وكان ملك بعد جده أبي فارس فلم يتهن بالملك لطول مرضه وكثرت الفتن في أيامه وعظم سفك الدماء إلى أن مات‏.‏
وأقيم في مملكة تونس من بعده أخوه شقيقه عثمان فقتل عدة من أقاربه وغيرهم‏.‏
وكان من خبر المنتصر أنه ثقل في مرضه حتى اقعد وصار إذا سار إلى مكان يركب في عمارية على بغل وتردد كثيرًا في أيام مرضه إلى قصره خارج تونس للنزهة به إلى أن خرج يومًا ومعه أخوه أبو عمرو عثمان المقدم ذكره وهو يوم ذاك صاحب قسطنطينة وقد قدم عليه الخبر وولاه الحكم بين الناس ومعه أيضًا القائد محمد الهلالي فصار لهما مرجع أمور الدولة بأسرها وحجبا المنتصر هذا عن كل أحد‏.‏
فلما صارا معه في هذه المرة إلى القصر المذكور تركاه به وقد أغلقا عليه يوهمان أنه نائم ودخلا المدينة‏.‏
واستولى أبو عمرو عثمان المقدم ذكره على تخت الملك ودعا الناس إلى طاعته ومبايعته والهلالي قائم بين يديه‏.‏
فلما ثبت دولته قبض أيضًا على الهلالي وسجنه وغيبه عن كل أحد‏.‏
ثم التفت إلى أقاربه فقتل عم أبيه وجماعة كبيرة من أقاربه فنفرت عنه قلوب الناس‏.‏
وخرج عليه الأمير أبو الحسن ابن السلطان أبي فارس عبد العزيز متولي بجاية وحاربه ووقع له معه أمور يطول شرحها إلى أن مات أبو عمرو المذكور حسبما يأتي ذكره في محله وأما المنتصر فإنه قتل بعد خلعه بمدة وقيل مات من شدة القهر‏.‏
وفيها توفي قاضي القضاة الشريف ركن الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد الحنفي الدمشقي المعروف بدخان قاضي قضاة دمشق بها في ليلة الأحد سابع المحرم وقد أناف على ستين سنة‏.‏
وكان فقيهًا حنيفًا ماهرًا بارعًا في معرفة فروع مذهبه وله مشاركة في عدة فنون‏.‏
ونشأ بدمشق وبها تفقه وناب في الحكم ثم استقل بالقضاء بعد موت ابن الكشك وحمدت سيرته‏.‏
وهو ممن ولي القضاء بغير سعي ولا بذل ولو لم يكن من محاسنه إلا ذاك لكفاه فخرًا مع عريض جاهه بالشرف‏.‏



وتوفي التاج بن سيفا الشوبكي الدمشقي القازاني الأصل والي القاهرة في ليلة الجمعة حادي عشرين شهر ربيع الأول بالقاهرة وقد أناف على ثمانين سنة وهو فور على المعاصي والإسراف على نفسه وظلم غيره والتكلم بالكفريات‏.‏
وكان من قبائح الدهر ومن سيئات الملك المؤيد شيخ المحمودي لما اشتمل عليه من المساوىء وقد ذكر المقريزي عنه أمورًا شنعة واستوعبنا نحن أيضًا أحواله في ترجمته من تاريخنا المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي‏.‏
وكان من جملة ما قاله الشيخ تقي الدين المقريزي رحمه الله في حقه‏:‏ وكان وجوده عارًا على بني آدم قاطبة‏.‏
قلت‏:‏ وهو من قبيل من قيل في حقه‏:‏ الكامل قوم إذا صفع النعال قفاهم قال النعال‏:‏ بأي ذنب نصفع وتوفي الأمير سيف الدين قصروه بن عبد الله من تمراز الظاهري نائب دمشق في ليلة الأربعاء ثالث شهر ربيع الآخر‏.‏
وكان أصله من مماليك الملك الظاهر برقوق من إنيات جرباش الشيخي من طبقة الرفرف‏.‏
وترقى بعد موت استاذه الظاهر إلى أن صار من جملة أمراء العشرات‏.‏
ثم أمسكه الملك المؤيد وحبسه مدة ثم أطلقه في أواخر دولته‏.‏
ولما آل التحدث في المملكة للأمير ططر أنعم على قصروه المذكور بإمرة مائة وتقدمة ألف ثم صار رأس نوب النوب ثم أمير آخور كبيرًا في أواخر دولة الملك الصالح محمد بن ططر ودام على ذلك سنين إلى أن نقله السلطان الملك الأشرف برسباي إلى نيابة طرابلس بعد عزل إينال النوروزي وقدومه القاهرة على إقطاع قصروه المذكور واستقر في الأمير آخورية بعده الأمير جقمق العلائي‏.‏
فدام قصروه على نيابة طرابلس سنين ثم نقل بعد سنين إلى نيابة دمشق بعد موت الأتابك جارقطلو أيضًا فدام في نيابة دمشق إلى أن مات في التاريخ المقدم ذكره‏.‏
وكان أميرًا عاقلًا مدبرًا سيوسًا معظمًا في الدول‏.‏
وهو أحد من أدركناه من عظماء الملوك ورؤسائهم‏.‏
وهو أحد من كان سببًا لسلطنة الملك الأشرف برسباي وأعظم من قام معه حتى وثب على الملك‏.‏
وهو أيضًا استاذ كل من يدعى بالقصروي لأننا لا نعلم أحدًا سمي بهذا الاسم ونالته السعادة غيره‏.‏
وتولى بعده نيابة دمشق الأمير إينال الجكمي‏.‏



وتوفي الأمير فخر الدين عثمان المدعو قرايلك ابن الحاج قطلبك ويقال‏:‏ قطبك ابن طرعلي التركي الأصل التركماني صاحب ماردين وآمد وأرزن وغيرها من ديار بكر في خامس صفر بعد أن انهزم من إسكندر بن قرا يوسف وقصد قلعة أرزن فحيل بينه وبينها فرمى بنفسه في خندق المدينة لينجو بمهجته فوقع على حجر فشج دماغه ثم حمل إلى أرزن فمات بها بعد أيام وقيل بل غرق في خندق المدينة‏.‏
ومات وقد ناهز المائة سنة من العمر فدفن خارج مدينة أرزن الروم فنبش إسكندر عليه وقطع رأسه وبعث بها إلى الملك الأشرف فطيف بها ثم وكان أصل أبيه من أمراء الدولة الأرتقية الأتراك ونشأ ابنه عثمان هذا بتلك البلاد ووقع له مع ملوك الشرق وقائع‏.‏
ثم اتصل بخدمة تيمورلنك وكان جاليشه لما قدم إلى البلاد الشامية في سنة ثلاث وثمانمائة‏.‏
وطال عمره ولقي منه أهل ديار بكر وملوكها شدائد لا سيما ملوك حصن كيفا الأيوبية فإنهم كانوا معه في ضنك وبلاء‏.‏
وتداول حروبه وشروره مع الملوك سنين طويلة وكان صبارًا على القتال طويل الروح على محاصرة القلاع والمدن يباشر الحروب بنفسه‏.‏
ومع هذا كله لم يشهر بشجاعة وكان في الغالب ينهزم ممن يقاتله ثم يعود إليه غير مرة حتى يأخذه إما بالمصابرة أو بالغدر والحيلة‏.‏
وكذا وقع له مع القاضي برهان الدين أحمد صاحب سيواس ومع بيرعمر حتى قتلهما‏.‏
وفي الجملة فإنه كان من أشر الملوك غير أنه خير من بني قرا يوسف لتمسكه بدين الإسلام واعتقاده في الفقراء والعلماء‏.‏
ولما مات خلف عدة أولاد وأولاد الأولاد وهم إلى الآن ملوك ديار بكر وبينهم قتل وحروب تدوم بينهم إلى أن يفنوا جميعًا إن شاء الله تعالى‏.‏



وتوفي الشريف مانع بن عطية بن منصور بن جماز بن شيحة الحسيني أمير المدينة النبوية وقد خرج للصيد خارج المدينة في عاشر جمادى الآخرة‏.‏
وثب عليه الشريف حيدر بن دوغان بن جعفر بن هبة الله بن جماز بن منصور بن شيحة وقتله بدم أخيه خشرم بن دوغان أمير المدينة‏.‏

وتوفي الشيخ المسلك زين الدين أبو بكر بن محمد بن علي الخافي الهروي العجمي في يوم الخميس ثالث شهر رمضان بمدينة هراة في الوباء وكان أحد أفراد زمانه‏.‏
وخاف‏:‏ قرية من قرى خراسان بالقرب من مدينة هراة قلت‏:‏ وفي الشيخ زين الدين نادرة‏:‏ وهي أنه عجمي واسمه أبو بكر وهذا من الغرائب ومن لم يستغرب ذلك يأت بعجمي يكون اسمه أبا بكر أو عمر سنيًا كان أو شيعيًا‏.‏

وتوفي القاضي بدر الدين محمد بن أحمد بن عبد العزيز أحد أعيان الفقهاء الشافعية ونواب الحكم المعروف بابن الأمانة في ليلة الثلاثاء ثالث عشر شعبان‏.‏
ومولده في سنة اثنتين وستين وسبعمائة تخمينًا‏.‏
وكان فقيهًا بارعًا في الفقه والأصول والعربية كثير الاستحضار لفروع مذهبه وأفتى ودرس سنين وناب في الحكم مدة طويلة وشكرت سيرته وكان في لسانه مسكة تمنعه عن سرعة الكلام رحمه الله‏.‏



وتوفيت خوند جلبان بنت يشبك ططر الجاركسية زوجة السلطان الملك الأشرف برسباي وأم ولده الملك العزيز يوسف في يوم الجمعة ثاني شوال بعد مرض طويل ودفنت بتربة السلطان الملك الأشرف بالصحراء خارج الباب المحروق‏.‏
كان الملك الأشرف اشتراها في أوائل سلطنته واستولدها ابنه الملك عبد العزيز يوسف فلما ماتت خوند الكبرى أم ولده محمد المقدم ذكرها تزوجها السلطان وأسكنها قاعة العواميد فصارت خوند الكبرى ونالتها السعادة‏.‏
وكانت جميلة عاقلة حسنة التدبير ولو عاشت إلى أن ملك ابنها لقامت بتدبير دولته أحسن قيام‏.‏
وتوفي أحمد جوكي ابن القان معين الدين شاه رخ بن تيمورلنك في شعبان بعد مرض تمادى به عدة أيام فعظم مصابه على أبيه شاه رخ ووالدته كهرشاه خاتون فإنهما فقدا ثلاثة أولاد ملوك في أقل من سنة وهم‏:‏ السلطان إبراهيم صاحب شيراز وباي سنقر صاحب كرمان المقدم ذكرهما في السنة الخالية وأحمد جوكي هذا في هذه السنة‏.‏

وتوفي السلطان ملك بنجالة من بلاد الهند الملك المظفر شهاب الدين أحمد شاه ابن السلطان جلال الدين محمد شاه بن فندوكاس في شهر ربيع الآخر‏.‏
وثب عليه مملوك أبيه كالو الملقب مصباح خان ثم وزير خان وقتله واستولى على بنجالة وقد تقدم وفاة أبيه فى سنة سبع وثلاثين وثمانمائة من هذا الكتاب‏.‏



السنة السادسة عشرة

من سلطنة الأشرف برسباي فيها كانت الواقعة بين الأمير خجا سودون أحد أمراء السلطان وبين الأتابك جانبك الصوفي وانكسر جانبك وأمسك قرمش الأعور الظاهري وكمشبغا أمير عشرة وقتلا حسبما تقدم ذكرهما في ترجمة الملك الأشرف‏.‏
وكان قرمش المذكور من أعيان المماليك الظاهرية برقوق وترقى حتى صار أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية‏.‏
وانضم على جانبك الصوفي أولًا وآخرًا‏.‏
وقبض عليه الملك الأشرف وحبسه بالإسكندرية ثم أطلقه وأرسله إلى الشام أمير مائة ومقدم ألف بها‏.‏
فلما عصى البجاسي صار من حزبه‏.‏
ثم اختفى بعد كسرة البجاسي إلى أن ظهر لما سمع بظهور جانبك الصوفي وانضم عليه وصار من حزبه إلى أن واقع خجا سودون وانكسر وقبض عليه‏.‏
وأما كمشبغا أمير عشرة فإنه كان أيضًا من المماليك الظاهرية برقوق ومن جملة أمراء حلب‏.‏
فلما بلغه خروج جانبك الصوفي سار إليه وقام بنصرته‏.‏
وقد تقدم ذكره ذلك كله غير أننا نذكره هنا ثانيًا لكون هذا محل الكشف عنه والإخبار بأحواله‏.‏



وتوفي الشيخ الأديب زين الدين عبد الرحمن بن محمد بن سليمان بن عبد الله المروزي الأصل الحموي المعروف بابن الخراط أحد موقعي الدست بالقاهرة وأعيان الشعراء في ليلة الاثنين أول المحرم بالقاهرة عن نحو ستين سنة ودفن من الغد‏.‏
وكان صاحبنا وأنشدنا كثيرًا من شعره‏.‏
لا والذي صاغ فوق الثغر خاتمه ما ذاك صدع بياض في عقائقه وإنما البرق للتوديع قبله أبقى به لمعة من نور بارقه وتوفي قاضي القضاة شمس الدين محمد ابن قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بي محمود الدمشمقي الحنفي المعروف بابن الكشك قاضي قضاة دمشق في يوم الثلاثاء ثالث عشر شهر ربيع الإول بدمشق وقد تقدم ذكر وفاة أبيه في سنة تسع وثلاثين وثمانمائة من هذا الجزء‏.‏



وتوفي قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن محمد بن صلاح الشافعي المصري المعروف بابن المحمرة بالقدس على مشيخة الصلاحية في يوم السبت سادس عشر شهر ربيع الآخر‏.‏
ومولده في صفر سنة تسع وستين وسبعمائة بالمقير خارج القاهرة وتكسب بالجلوس في حانوت الشهود سنين‏.‏
وكان فقيهًا بارعًا مفننًا كثير الاستحضار لفروع مذهبه وأفتى ودرس سنين وناب في الحكم وتولى مشيخة خانقاه سعيد السعداء ثم قضاء دمشق ثم مشيخة الصلاحية بالقدس إلى أن مات‏.‏

وتوفي الأمير سيف الدين أرغون شاه بن عبد الله النوروزي الأعور أستادار السلطان بدمشق بها في حادي عشرين شهر رجب وقد جاوز الستين سنة تخمينًا بعدما ولي الوزارة بالديار المصرية والأستادارية غير مرة‏.‏
وكان من الظلمة الفسقة كان شيخًا طوالًا أعور فصيحًا وتوفي الأمير حمزة بك بن علي بك بن دلغادر مقتولًا بقلعة الجبل في ليلة الخميس سابع عشر جمادى الأولى‏.‏



وتوفي الأمير سيف الدين برد بك بن عبد الله الإسماعيلي الظاهري برقوق وهو يوم ذاك أحد أمراء العشرات في جمادى الأولى بالقاهرة‏.‏
وكان جعله الملك الاشرف أمير طبلخاناة وحاجبًا ثانيًا ثم نفاه مدة ثم أعاده إلى القاهرة وأنعم عليه بإمرة عشرة‏.‏
وكان لا للسيف ولا للضيف يأكل ما كان ويضيق المكان‏.‏

وتوفي القاضي شمس الدين محمد بن يوسف بن صلاح الدمشقي المعروف بالحلاوي وكيل بيت المال في ليلة الخميس سادس شوال‏.‏
ومولده في سنة خمس وستين وسبعمائة بدمشق‏.‏
وقدم القاهرة واتصل بسعد الدين بن غراب ورشحه سعد الدين لكتابة السر‏.‏
ثم تردد لجماعة من الأكابر بعد سعد الدين وأخيه فخر الدين ابني غراب مثل بدر الدين الطوخي الوزير وغيره‏.‏
وكان حلو المحاضرة حسن المذاكرة مع قصر الباع في العلوم‏.‏
وكان كبير اللحية جدًا يضرب بطول لحيته المثل‏.‏

ولما مات سعد الدين بن غراب وأخوه فخر الدين ثم توفي الوزير بدر الدين الطوخي أيضًا قال فيه بعض شعراء العصر‏:‏ البسيط إن الحلاوي لم يصحب أخا ثقة إلا محا شؤمه منهم محاسنهم فزاد الحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر بأن قال‏:‏ وابن الكويز وعن قرب أخوه ثوى والبدر والنجم رب اجعله ثامنهم قلت‏:‏ يعني بابن الكويز صلاح الدين بن الكويز وبأخيه علم الدين وبالبدر بدر الدين بن محب الدين المشير وبالنجم القاضي نجم الدين عمر بن حجي‏.‏
وفي طول لحيته يقول صاحبنا الشيخ شمس الدين الدجوي من أبيات كثيرة أنشدني غالبها أضربت عن ذكرها لفحش ألفاظها غير أنني أعجبني منها براعتها‏:‏ البسيط ظن الحلاوي جهلًا أن لحيته تغنيه في مجلس الإفتاء والنظر وأشعريتها طولًا قد اعتزلت بالعرض باحثة في مذهب القدر وتوفي الأمير قرقماس بن عذرا بن نعير بن حيار بن مهنا في هذه السنة‏.‏

وتوفي الشيخ شاب الدين أحمد ابن أبي بكر بن إسماعيل بن سليم بن قايماز بن عثمان بن عمر الأبوصيري الشافعي أحد مشايخ الحديث في ليلة الأحد ثامن عشرين المحرم‏.‏

وتوفي صاحب صنعاء اليمن الإمام المنصور نجاح الدين أبو الحسن علي ابن الإمام صلاح الدين محمد بن علي بن محمد بن علي بن منصور بن حجا بن يوسف الحسيني العلوي الشريف في سابع صفر بعد ما أقام في الإمامة بعد أبيه ستًا وأربعين سنة وثلاثة أشهر وأضاف إلى صنعاء وصعدة عدة من حصون الإسماعيلية أخذها منهم بعد حروب وحصار‏.‏
ولما مات قام من بعده ابنه الإمام الناصر صلاح الدين محمد بعهده إليه فمات بعد ثمانية وعشرين يومًا فأجمع الزيدية بعده على رجل منهم يقال له صلاح بن علي بن محمد بن أبي القاسم وبايعوه ولقبوه بالمهدي وهو من بني عمرو عم الإمام المنصور‏.‏
قلت‏:‏ والجميع زيدية بمعزل عن أهل السنة‏.‏



السنة السابعة عشرة

من سلطنة الأشرف برسباي وهي سنة إحدى وأربعين وثمانمائة‏.‏

فيها كانت وفاة الأشرف المذكور في ذي الحجة حسبما تقدم ذكره‏.‏

وفيها كان الطاعون بالديار المصرية‏.‏
وكان مبدؤه من شهر رمضان وارتفع في ذي القعدة في آخره‏.‏
ومات فيه خلائق من الأعيان والرؤساء وغيرهم لكنه في الجملة كان أضعف من طاعون سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة‏.‏

وفيها توفي القاضي سعد الدين إبراهيم ابن القاضي كريم الدين عبد الكريم بن سعد الدين بركة ناظر الخاص الشريف وابن ناظر الخاص المعروف بابن كاتب جكم في يوم الخميس سابع عشر شهر ربيع الأول بعد مرض طويل وسنه دون الثلاثين سنة وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلاة المؤمني من تحت القلعة ودفن عند أبيه بالقرافة‏.‏
وكان شابًا عاقلًا سيوسًا كريمًا مدبرًا‏.‏
ولي الخاص صغيرًا بعد وفاة أبيه فباشر بحرمة ونفذ الأمور وساس الناس وقام بالكلف السلطانية أتم قيام لا سيما لما سافر الملك الأشرف إلى آمد فإنه تكفل عن السلطان بأمور كثيرة تكلف فيها كلفة كبيرة‏.‏
كل ذلك وسيرته مشكورة إلا أنه كان منهمكًا في اللذات التي تهواها النفوس مع ستر وتجمل سامحه الله تعالى‏.‏
وتولى نظر الخاص من بعده أخوه الصاحب جمال الدين يوسف ابن القاضي كريم الدين عبد الكريم وهو مستمر على وظيفته مضافة لنظر الجيش وتدبير الممالك إلى يومنا هذا إلى أن مات حسبما يأتي ذكره في مواطن كثيرة من هذا الكتاب وغيره إن شاء الله تعالى‏.‏



وتوفي الأمير الكبير سيف الدين جانبك بن عبد الله الصوفي الظاهري صاحب الوقائع والأهوال والحروب في يوم الجمعة خامس عشرين شهر ربيع الآخر بديار بكر وقطعت رأسه وحملت إلى مصر وطيف بها على رمح ثم ألقيت في قناة سراب‏.‏
وقد تقدم ذكر ذلك كله مفضلًا في مواضع كثيرة وما وقع للناس بسببه بالديار المصرية والبلاد الشرقية غير أننا نذكر هنا أصله كان أصله من مماليك الملك الظاهر برقوق الصغار وترقى في الدولة الناصرية فرج إلى أن صار أمير مائة ومقدم ألف ثم ولاه الملك المؤيد رأس نوبة النوب ثم نقله بعد مدة إلى إمرة سلاح ثم أمسكه وحبسه إلى أن أطلقه الأمير ططر بعد موت المؤيد وأنعم عليه بإمرة وتقدمة ألف ثم خلع عليه باستقراره أمير سلاح بعد مسك قجقار القردمي ثم خلع عليه بعد سلطنته باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية ثم أوصاه الملك الظاهر ططر عند موته بتدبير ملك ولده الملك الصالح محمد‏.‏



ومات الملك الظاهر ططر فصار جانبك المذكور نظام الملك ومدبر الممالك فلم يحسن التدبير ولا استمال أحدًا من أعيان خجداشيته من الأمراء فنفروا عنه الجميع ومالوا إلى الأمير طرباي وبرسباي حسبما ذكرنا ذلك كله مفصلًا ولازالوا في التدبير عليه حتى خذلوه في يوم عيد النحر بعدما لبس آلة الحرب هو والأمير يشبك الجكمي الأمير آخور وأنزلوه من باب السلسلة بإرادته راكبًا وعليه آلة الحرب إلى بيت الأمير بيبغا المظفري فحال دخوله إلى البيت قبض عليه وقيد وحمل إلى القلعة ثم إلى ثغر الإسكندرية بعد أن كان ملك مصر في قبضته وأمسك معه يشبك الجكمي أيضًا وحبس بثغر الإسكندرية كل ذلك في أواخر ذي الحجة من سنة أربع وعشرين‏.‏
ودام جانبك في سجن الإسكندرية مكرمًا مبجلًا إلى أن حسن له شيطانه الفرار منه فأوسع الحيلة في ذلك حتى فر من سجنه في سنة سبع وعشرين وثمانمائة‏.‏
فعند ذلك حل به وبالناس بلاغ الله المنزل المتداول سنين عديدة ذهب فيها أرزاق جماعة وحبس فيها جماعة كثيرة من أعيان الملوك وضرب فيها جماعة من أعيان الناس وأماثلهم بالمقارع وجماعة كثيرة من الخاصكية أيضًا ضربوا بالمقارع والكسارات‏.‏

وأما ما قاساه الناس من كبس البيوت ونهب أقمشتهم وما دخل عليهم من الخوف والرجيف فكثير إلى الغاية ودام ذلك نحو العشر سنين فهذا ما حل بالناس لأجل هروبه‏.‏
وأما ما وقع له فأضعاف ذلك فإنه صار ينتقل من بيت إلى بيت والفحص مستمر عليه في كل يوم وساعة حتى ضاقت عليه الدنيا بأسرها وأراد أن يسلم نفسه غير مرة وقاسى أهوالًا كثيرة إلى أن خرج من مصر إلى البلاد الشامية وتوصل إلى بلاد الروم حسبما حكيناه‏.‏
وانضم عليه جماعة من التركمان الأمراء وغيرهم وقاموا بأمره أحسن قيام حتى استفحل أمره فغلب خموله وقلة سعادته تدبيرهم واجتهادهم إلى أن مات‏.‏
وكان شجاعًا فارسًا مفننًا مليح الشكل رشيق القد كريمًا رئيسًا إلا أنه كان قليل السعد مخمول الحركات مخذولًا في حروبه‏.‏
حبس غير مرة ونفد عمره على أقبح وجه ما بين حبس



وتوفي
الأمير سيف الدين تمراز المؤيدي
نائب صفد ثم نائب غزة مخنوقًا بسجن الإسكندرية في ثالث عشرين جمادى الآخرة‏.‏
وكان أصله من مماليك الملك المؤيد شيخ وخاصكيته وكان مقربًا عنده ثم تغير عليه لأمر اقتضى ذلك وضربه أخرجه إلى الشام على إقطاع هين بطرابلس‏.‏
ثم نقل بعد موت الملك المؤيد إلى إمرة بدمشق‏.‏
فلما كانت وقعة تنبك البجاسي وافقه على العصيان فلما ظفر الملك الأشرف بالبجاسي فر تمراز هذا واختفى مدة ثم ظفر به وسجن بقلعة دمشق ثم أطلق وأنعم عليه بإقطاع بها ثم نقله الأشرف إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق ثم أقره في نيابة صفد فلم تشكر سيرته ورمي بعظائم فعزله السلطان وولاه نيابة غزة عوضًا عن يونس الركني وانتقل يونس إلى نيابة صفد‏.‏
فلما ولي غزة أساء السيرة أيضًا وظلم وعسف وأفحش في القتل وغيره فطلبه السلطان إلى الديار المصرية وأمسكه وحبسه بالإسكندرية ثم قتله خنقًا ولا أعرف من أحوال تمراز غير ما ذكرته أنه مذموم السيرة كثير الظلم‏.‏



وتوفي الأمير جانبك بن عبد الله السيفي يلبغا الناصري المعروف بالثور أحد أمراء الطبلخاناه والحاجب الثاني وهو يلي شد بندر جده بمكة في حادي عشر شعبان‏.‏
وكان أميرًا ضخمًا متجملًا في مركبه وملبسه ومماليكه وهو الذي أخرب المسطبة التي كانت ببندر جدة التي كان من طلع عليها واستجار بها لم يؤخذ منها ولو كان ذنبه ما عسى أن يكون حتى ولو قتل نفسًا وطلع فوقها لا يؤخذ منها‏.‏
وكانت هذه العادة قديمة بجدة فأخرب جانبك المذكور المسطبة المذكورة ووقع بينه وبين عرب تلك البلاد وقعة عظيمة قتل فيها جماعة‏.‏
وانتصر جانبك المذكور ومشى له ما قصده من هدم المسطبة المذكورة ومحي أثرها إلى يومنا هذا‏.‏
يرحمه الله تعالى على هذه الفعلة فإنها من أجل الأفعال وأحسنها دنيا وأخرى ولم ينتبه لذلك من جاء قبله من الأمراء حتى وفقه الله تعالى لمحو هذه السنة القبيحة التي كانت ثلمة في الإسلام وأهله‏.‏
قلت‏:‏ كم ترك الأول للآخر‏.‏



وتوفي الشيخ شمس الدين محمد بن خضر بن داؤد بن يعقوب الشهير بالمصري الحلبي الأصل الشافعي أحد موقعي الدست بالقدس الشريف في يوم الأحد النصف من شهر رجب وكان دينًا خيرًا وله رواية عالية بسنن ابن ماجة وحدث وأسمع سنين‏.‏

وتوفي شيخ الإسلام علامة الوجود علاء الدين محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد البخاري العجمي الحنفي الإمام العالم الزاهد المشهور في خامس شهر رمضان بدمشق‏.‏
وسماه بعضهم عليًا وهو غلط‏.‏
ومولده في سنة تسع وسبعين وسبعمائة ببلاد العجم ونشأ بمدينة بخارى وتفقه بأبيه وعمه علاء الدين عبد الرحمن وأخذ الأدبيات والعقليات عن العلامة سعد الدين التفتازاني وغيره‏.‏
ورحل في شبيبته في طلب العلم إلى الأقطار واشتغل على علماء عصره إلى أن برع في المعقول والمنقول والمفهوم والمنظوم واللغة العربية وترقى في التصوف والتسليك وصار إمام عصره وتوجه إلى الهند واستوطنه مدة وعظم أمره عند ملوك الهند إلى الغاية لما شاهدوه من غزير علمه وعظيم زهده وورعه‏.‏
ثم قدم إلى مكة المشرفة وقرأ بها مدة ثم قدم إلى الديار المصرية واستوطنها سنين كثيرة وتصدى للإقراء والتدريس‏.‏
وقرأ عليه غالب علماء عصرنما من كل مذهب وانتفع الجميغ بعلمه وجاهه وماله‏.‏
وعظم أمره بالديار المصرية بحيث إنه منذ قدم القاهرة إلى أن خرج منها لم يتردد إلى واحد من أعيان الدولة حتى ولا السلطان وتردد إليه جميع أعيان أهل مصر من السلطان إلى من دونه كل ذلك وهو مكب على الأشغال مع ضعف كان يعتريه ويلازمه في كثير من الأوقات وهو لا يبرح عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام في ذات الله بكل ما تصل قدرته إليه‏.‏
ثم بدا له التوجه إلى دمشق فسار إليها يعد أن سأله السلطان في الإقامة بمصر غير مرة فلم يقبل وتوجه إلى دمشق وسكنها إلى أن مات بها‏.‏
ولم يخلف بعده مثله لأنه كان جمع بين العلم والعمل مع الورع الزائد والزهد والعبادة والتحري في مأكله ومشربه من الشبهة وغيرها وعدم قبوله العطاء من السلطان وغيره وقوة قيامه في إزالة البدع ومخاشنته لعظماء الدولة في الكلام وعدم اكتراثه بالملوك واستجلاب خواطرهم وهو مع ذلك لا يزداد إلا مهابة وعظمة في نفوسهم بحيث إن السلطان كان إذا دخل عليه لزيارته يصير في مجلسه كآحاد الأمراء من حين يجلس عنده إلى أن يقوم عنه والشيخ علاء الدين يكلمه في مصالح المسلمين ويعظه بكلام غير منمق خارج عن الحد في الكثرة والسلطان سامع له مطيع‏.‏
وكذلك لما سافر السلطان إلى آمد أول ما دخل إلى دمشق ركب إليه وزاره وسلم عليه فهذا شيء لم نره وقع لعالم من علماء عصرنا جملة كافية‏.‏
وهو أحد من أدركناه من العلماء الزهاد والعباد رحمه الله تعالى ونفعنا بعلمه وبركته‏.‏



وتوفي الشيخ الإمام العالم العلامة علاء الدين علي بن موسى بن إبراهيم الرومي الحنفي في قدمته الثانية إلى مصر في يوم الأحد العشرين من شهر رمضان بالقاهرة‏.‏
وكان ولي مشيخة المدرسة الأشرفية المستجدة بخط العنبريين بالقاهرة ثم تركها وسافر إلى الروم ثم قدم بعد سنين إلى مصر ثانيًا وأقام بها إلى أن مات‏.‏
وكان بارعًا في علوم كثيرة محققًا بحاثًا إمامًا في المعقول والمنقول‏.‏
تخرج بالشيخين‏:‏ الشريف الخرجاني والسعد التفتازاني إلى أن برع وتصدى للإقراء والتدريس مدة طويلة‏.‏
ووقع له أمور طويلة مع فقهاء الديار المصرية وتعصبوا عليه وهو ينتصف عليهم وأبادهم لأنه كان عارفاص بعلم الجدل‏:‏ كان يلزم أخصامه بأجوبة مسكتة ولهذا حط عليه بعض علماء عصرنا بأن قال‏:‏ كان يفحش في اللفظ ولم ينسبه إلى جهل بل ذكر عنه العلم الوافر والفضل ما شهدت به الأعداء ولا أعلم فيه ما ينقصه غير أنه كان مستخفًا بعلماء مصر لا ينظرأحدًا منهم في درجة الكمال‏.‏
وكان مما يقطع به أخصامه في المباحث أنه كان حضر عدة مباحث بين الخرجاني والتفتازاني وغيرهما من العلماء وحفظ ما وقع بينهم من الأجوبة والأسئلة وصار يسأل الناس بتلك
الأسئلة والقوم ليس فيهم من هو في تلك الطبقة فكل من سأله سؤالًا من ذلك وقف وعجز عن الجواب المرضي وقصر فيتقدم عند ذلك الشيخ علاء الدين ويذكر الجواب فيعجب كل أحد‏.‏
فإنه كان عالمًا مفننًا رحمه الله تعالى‏.‏

وتوفي القاضي ناصر الدين محمد بن بدر الدين حسن الفاقوسي الشافعي أحد أعيان موقعي الدست بالديار المصرية في ليلة الاثنين تاسع شوال بالطاعون عن بضع وسبعين سنة وكان حشمًا وقورًا وله فضل وأفضال وحدث سنين وسمع منه خلائق وكان معدودًا من الرؤساء بالديار المصرية‏.‏
وكان مولده بالقاهرة في ليلة الجمعة خامس عشرين صفر سنة ثلاث وستين وسبعمائة‏.‏
والفاقوسي نسبة إلى قرية بالشرقية من أعمال مصر تسمى منية الفاقوس‏.‏

وتوفي الأمير سيف الدين آقبردي بن عبد الله القجماسمي نائب غزة بها‏.‏
وكان أصله من مماليك الأمير قجماس والد إينال باي ترقى بعده إلى أن صار أمير عشرة بمصر ودام على ذلك سنين كثيرة إلى أن ولي نيابة غزة بالبذل بعد أن قبض تمراز المؤيدي فلم تطل مدته ومات‏.‏
وكان تركي الجنس غير مشكور السيرة‏.‏



وتوفي دولات خجا الظاهري والي القاهرة ثم محتسبها بالطاعون في يوم السبت أول ذي القعدة‏.‏
وكان أصله تركي الجنسن من أوباش ممالميك الظاهر برقوق أعرفه قبل أن يلي الوظائف وهو من جملة حرافيش المماليك السلطانية‏.‏
ثم ولاه الملك الأشرف الكشف ببعض الأقاليم فأباد المفسدين وقويت حرمته فمن يومئذ صار ينقله من وظيفة إلى أخرى حتى ولي القاهرة مرتين وعدة أقاليم ثم ولاه حسبة القاهرة‏.‏
وقد تقدم من ذكره نبذة كبيرة في ترجمة الملك الأشرف‏.‏
وفي الجملة أنه كان ظالمًا فاجرًا فاسقًا غشومًا شيخًا جاهلًا ظالمًا خبيثًا عليه من الله ما يستحقه‏.‏
ولولا أنه شاع ذكره لكثرة ولاياته وأرخه جماعة من أعيان المؤرخين ما ذكرته في هذا كتاب ونزهته عن ذكر مثله‏.‏

وتوفي الأمير ثم القاضي صلاح الدين محمد ابن الصاحب بدر الدين حسن ابن نصر الله الفوي الأصل المصري كاتب السر الشريف بالديار المصرية بالطاعون في ليلة الأربعاء خامس ذي القعدة‏.‏
ومولده في شهر رمضان سنة تسعين سبعمائة ونشأ بالقاهرة تحت كنف والده الصاحب بدر الدين وتزيا بزي الجند ولي الحجوبية في دولة الملك الناصر فرج ثم ولي الأستادارية في الدولة المظفرية ثم عزل ثم أعيد إليها بعد سنين ثم عزل بأبيه وصودر ولزم داره سنين طويلة هو ووالده إلى أن ولاه الملك الأشرف بعد سنة خمس وثلاثين حسبة القاهرة‏.‏

وأخذ صلاح الدين بعد ذلك يتقرب بالتحف والهدايا للسلطان ولخواصه إلى أن اختص به ونادمه وصار يبيت عنده في ليالي البطالة بالقلعة‏.‏
وحج أمير الركب الأول وعاد فولاه كتابة السر على حين غفلة بعد عزل القاضي محب الدين محمد بن الأشقر من غير سعي في يوم الخميس ثاني عشرين ذي الحجة سنة‏
أربعين وثمانمائة‏.‏
وترك زي الجند ولبس زي الفقهاء وصار يدعى بالقاضي بعد الأمير فباشر كتابة السر بحرمة وافرة وعظم في الدولة فلم تطل أيامه ومات في حياة والده واستقر والده عوضه في كتابة السر‏.‏
وكان صلاح الدين حشمًا متواضعًا كريمًا يكتب المنسوب إلا أنه كان من الكذبة الذين يضرب بكذبهم المثل‏.‏
يحكى عنه من ذلك أشياء كثيرة ورأيت أنا منه نوعًا غير أن الذي حكي لي عنه أغرب‏.‏
وقد جربت أنا كذبه بأنه لا يضر ولا ينفع وهو أن غالب كذبه كان على نفسه فيما وقع له قديمًا وحديثًا فهذا شيء لا يضر أحدًا ولعل الله أن يسامحه في ذلك‏.‏



وتوفي الشهابي أحمد بن علي ابن الأمير سيف الدين قرطاي بن عبد الله سبط بكتمر الساقي بالطاعون في ليلة الاثنين عاشر ذي القعدة‏.‏
ومولده في يوم الأحد ثالث عشرين شعبان سنة ست وثمانين وسبعمائة بالقاهرة‏.‏
ومات ولم يخلف بعده مثله في أبناء جنسه لفضائل جمعت فيه من حسن كتابة ونظم القريض وحلو محاضرة وجودة مذاكرة وكان سمينًا جدًا لا يحمله إلا الجياد من الخيل رحمه الله تعالى‏.‏
ومن شعره‏:‏ المجتث

حبي المعذر وافى ** من بعد هجر بوصل

وقال‏:‏

صف لي عذاري ** فقلت‏:‏ ياحب نملي

وله أيضًا في مليح يسمى خصيب‏:‏ الطويل

رعى الله أيام الربيع وروضها ** بها الورد يزهو مثل خد حبيبي

وإني وحق الحب ليس ترحلي ** سوى لمكان ممرع وخصيب

وتوفي الأمير إسكندر بن قرا يوسف صاحب تبريز مشتتًا عن بلاده بقلعة ألنجا ذبحه ابنه شاه قوماط في ذي القعدة خوفًا من شره وملك بعده البلاد أخوه جهان شاه بن قرا يوسف‏.‏
وكان شجاعًا مقدامًا قويًا في الحروب أباد قرايلك في مدة عمره وتقاتل مع شاه رخ بن تيمورلنك غير مرة وهو ينهزم على أقبح وجه‏.‏
وكان إسكندر أيضًا على قاعدة أولاد قرا يوسف‏:‏ لا يتدين إلا أنه كان أحسن حالًا من أخويه شاه محمد وأصبهان وقد مر من ذكر إسكندر هذا وإخوته جملة كبيرة تعرف منها أحوالهم‏.‏

وتوفي نور الدين علي بن مفلح وكيل بيت المال وناظر البيمارستان المنصوري في يوم الجمعة ثاني عشرين ذي القعدة بالطاعون‏.‏
وكان معدودًا من بياض الناس وله ترداد إلى الرؤساء غير أنه كان عاريًا من العلوم‏.‏

وتوفي الأمير الكبير سودون بن عبد الرحمن نائب الشام ثم أتابك العساكر بالديار المصرية بطالًا بثغر دمياط في يوم السبت العشرين من ذي الحجة‏.‏
لم يخلف بعده مثله حشمة ورئاسة وعقلًا وتدبيرًا وشكالة‏.‏
وقد مر من ذكره في واقعة الأمير قاني باي نائب الشام في الدولة المؤيدية أنه كان نائب طرابلس ووافق قاني باي المذكور وانهزم بعد قتل قاني باي إلى قرا يوسف بالشرق وأنه كان ولي نيابة غزة في الدولة الناصرية فرج وتقدمة ألف بالقاهرة وأنه قدم على الأمير ططر بعد موت المؤيد‏.‏
واستقر بعد سلطنة الملك الأشرف دوادارًا كبيرًا عوضًا عن الأشرف المذكور‏.‏
ثم نقل إلى نيابة دمشق بعد عصيان تنبك البجاسي فدام مدة يسيرة‏.‏
ثم نقل إلى أتابكية العساكر بالديار المصرية عوضًا عن جارقطلو بحكم انتقال جارقطلو إلى نيابة دمشق عوضه‏.‏
ثم مرض وطال مرضه إلى أن أخرج عنه السلطان إقطاعه وعزله عن الأتابكئة‏.‏
ثم سيره بعد مدة أشهر إلى ثغر دمياط بطالًا فدام به إلى أن مات‏.‏
وكان أجل المماليك الظاهرية برقوق وهو أحد من أدركناه من ضخماء الملوك وعظمائهم مع حسن الشكالة والزي البهيج رحمه الله تعالى‏.‏















صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 25-01-2012, 02:26 AM   رقم المشاركة:591
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 54
المشاركات: 8,675
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة العزيز يوسف ابن السلطان الملك الأشرف برسباي الدقماقي

سلطنة العزيز يوسف ابن السلطان الملك الأشرف برسباي الدقماقي








سلطنة العزيز يوسف ابن السلطان الملك الأشرف برسباي الدقماقي على مصر
السلطان الملك العزيز جمال الدين أبو المحاسن يوسف ابن السلطان الملك الأشرف سيف الدين أبي نصر برسباي الدقماقي الظاهري الجاركسي التاسع من ملوك الجراكسة وأولادهم والثالث والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية‏.‏

تسلطن بعد موت أبيه بعهد منه إليه في آخر يوم السبت ثالث عشر في الحجة قبل غروب الشمس بنحو ساعة ولبس خلعة السلطنة من باب الستارة بقلعة الجبل وقد تكامل حضور الخليفة والقضاة والأمراء وأعيان الدولة وبايعه الخليفة المعتضد بالله داؤد وفوض عليه خلعة السلطنة السواد الخليفتي وركب من باب الستارة وجميع الأمراء مشاة بين يديه حتى نزل على باب القصر السلطاني من قلعة الجبل ودخل إليه وجلس على سرير الملك وعمره يومئذ أربع عشرة سنة وسبعة أشهر‏.‏



وقبل الأمراء الأرض بين يديه على العادة ونودي بسلطنته بالقاهرة ومصر‏.‏
ثم أخذ الأمراء في تجهيز والده فجهز وغسل وكفن وصلي عليه ودفن بالصحراء حسبما ذكرناه في ترجمته‏.‏

ولقبوه بالملك العزيز وتم أمره في الملك ودقت الكوسات بالقلعة‏.‏
وكان خليفة الوقت يوم سلطنته المعتضد بالله داؤد العباسية والقضاة‏:‏ قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر الشافعي وقاضي القضاة بدر الدين محمود العيني الحنفي وقاضي القضاة شمس الدين محمد البساطي المالكي وقاضي القضاة محب الدين أحمد بن نصر الله البغدادي الحنبلي‏.‏
ومن الأمراء أصحاب الوظائف من المقدمين وغالبهم كان مجردًا بالبلاد الشامية‏.‏
فالذين كانوا بالديار المصرية‏:‏ الأمير الكبير أتابك العساكر جقمق العلائي والأمير قراخجا الحسني والأمير تنبك من بردبك الظاهري والأمير تغري بردي البكلمشي المعروف بالمؤذي‏.‏



والذين كانوا بالتجريدة بالبلاد الشامية‏:‏ مقدم العساكر الأمير قرقماس الشعباني الناصري أمير سلاح وآقبغا التمرازي أمير مجلس وأركماس الظاهري الدوادار الكبير وتمراز القرمشي الظاهري رأس نوبة النوب وجانم الأشرفي الأمير آخور الكبير ويشبك السودوني حاجب الحجاب وخجا سودون السيفي بلاط الأعرج وقراجا الأشرفي لتتمة ثمانية من مقدمي الألوف‏.‏

فجملة الحاضرين والمسافرين ثلاثة عشر أميرًا من المقدمين‏.‏
وأما من كان من أصحاب الوظائف من أمراء الطبلخاناه والعشرات‏:‏ فشاد الشراب خاناه عظيم المماليك الأشرفية إينال الأبو بكري الأشرفي الفقيه العالم ونائب القلعة تنبك السيفي نوروز الخضري المعروف بالجقمقي كلا شيء والحاجب الثاني أسنبغا الناصري المعروف بالطياري والزرد كاش تغري برمش السيفي يشبك بن أزدمر فهؤلاء وإن كانوا أمراء طبلخاناه وعشرات فمنازلهم منازل مقدمي الألوف لأن الأعصار الخالية كان لا يلي كل وظيفة من هذه الوظائف إلا مقدم ألف ويظهر ذلك من لبسهم الخلع في المواسم وغيرها وكان الدوادار الثاني تمرباي السيفي تمربغا المشطوب ورأس نوبة ثاني طوخ من تمراز الناصري والأمير آخور الثاني يخشباي المؤيدي ثم الأشرفي والخازندار علي باي الساقي الأشرفي وهو أمير عشرة وأستادار الصحبة مغلباي الجقمقي أمير عشرة والزمام الطواشي الحبشي جوهر الجلباني اللالا والخازندار الطواشي الحبشي جوهر القنقبائي أمير عشرة أيضًا ومقدم المماليك الطواشي الرومي خشقدم اليشبكي أمير طبلخاناه ونائبه فيروز الركني أمير عشرة‏.‏



ومباشرو الدولة‏:‏ كاتب السر الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله الفوي وناظر الجيش زين الدين عبد الباسط بن خليل الدمشقي والوزير الصاحب كريم الدين عبد الكريم ابن كاتب المناخ وناظر الخاص الشريف الصاحب جمال الدين يوسف ابن كاتب جكم والأستادار جانبك مملوك عبد الباسط صورة - ومعناها أستاذه عبد الباسط ولولا مخافة أن أتهم بالنسيان لوظيفة كالأستادارية ما ذكرناه هنا - ومحتسب القاهرة القاضي الإمام نور الدين علي السويفي أحد أئمة السلطان ووالي القاهرة عمر الشوبكي‏.‏

ومن عاصره من ملوك الأقطار وأمراء الحجاز ونواب البلاد الشامية وغيرها‏:‏ فممالك العجم بيد القان معين الدين شاه رخ بن تيمورلنك وهو صاحب خراسان وجرجان وخوارزم وما وراء النهر ومازندران وجميع عراق العجم وغالب ممالك الشرق إلى دلي من بلاد الهند وإلى حدود أذربيجان التي كرسيها مدينة تبريز وصاحب تبريز يومذاك إسكندر بن قرا يوسف وقد تشتت عنها منهزمًا من شاه رخ وقتل في هذه السنة أخوه أصبهان بن قرا يوسف صاحب بغداد وغالب عراق العرب وقد خربت تلك الممالك في أيامه وأيام أخيه شاه محمد وملوك ديار بكر بن وائل عدة كبيرة فصاحب ماردين وآمد وأرزن وأرقنين وغيرهم أولاد قرايلك وحصن كيفا بيد الملك الكامل صلاح الدين خليل الأيوبي وقلعة أكل بيد دولات شاه الكردي والجزيرة بيد عمر البختي وإقليم شماخي بيد السلطان خليل والروم بيد ثلاثة ملوك أعظمهم السلطان مراد بك بن محمد بن عثمان صاحب برصا وأدرنابولي وغيرها‏.‏



وبجانب آخر‏:‏ إسفنديار بن أبي يزيد وباقي أطراف الروم مع السلطان إبراهيم بن قرمان مثل لارندة وقونية وغيرهما وبلاد المغرب‏:‏ فصاحب تونس وبجاية وبلاد إفريقية أبو عمرو عثمان بن أبي عبد الله محمد ابن مولاي أبي فارس عبد العزيز الحفصي وبلاد تلمسان والغرب الأوسط‏:‏ أبو يحيى بن أبي حمود وبممالك فاس ثلاثة ملوك‏:‏ أعظمهم صاحب فاس وهو أبو محمد عبد الحق بن عثمان بن أحمد بن إبراهيم ابن السلطان أبي الحسن المريني وملك أندلس أبو عبد الله محمد بن الأيسر ابن الأمير نصر ابن السلطان أبي عبد الله بن نصر المعروف بابن الأحمر صاحب غرناطة‏.‏

وصاحب مكة المشرفة زين الدين أبو زهير بركات بن حسن بن عجلان الحسيني وأمير المدينة الشريف إميان بن مانع بن علي الحسيني وأمير الينبوع الشريف عقيل بن وبير بن نخبار‏.‏

وببلاد اليمن‏:‏ الظاهر يحيى ابن الملك الأشرف إسماعيل من بني رسول وهو صاحب تعز وعدن وزبيد وما والاها وصاحب صنعاء وبلاد صعدة الإمام صلاح الدين محمد وبلاد الفرنج ست عشرة مملكة يطول الشرح في تسميتها وببلاد الحبشة‏:‏ الحطي الكافر ومحاربه ملك المسلمين شهاب الدين أحمد بدلاي ابن السلطان سعد الدين أبي البركات محمد بن أحمد بن علي بن ناصر الدين محمد بن دلحوي بن منصور بن عمر بن ولسمع الجبرتي الحنفي‏.‏



ونواب البلاد الشامية‏:‏ نائب دمشق الأتابك إينال الجكمي ونائب حلب حسين بن أحمد البهسني المدعو تغري برمش ونائب طرابلس جلبان الأمير آخور وفي معتقده أقوال كثيرة ونائب حماة قاني باي الحمزاوي ونائب صفد إينال العلائي الناصري أعني السلطان الملك الأشرف إينال ونائب غزة آقبردي القجماسي ومات بعد أيام ونائب الكرك خليل بن شاهين ونائب القدس طوغان العثماني ونائب ملطية حسن بن أحمد أخو نائب حلب وحسن الأكبر.‏

قلت‏:‏ وفائدة ما ذكرناه هنا من ذكر أصحاب الوظائف من الأمراء وغيرهم يظهر بتغيير الجميع وولاية غيرهم بعد مدة يسيرة في أوائل سلطنة الملك الظاهر جقمق لتعلم تقلبات الدهر وأن الله على كل شيء قدير‏.‏

وأما ذكر ملوك الأطراف وغيرهم فهو نوع استطراد لا يخلو من فائدة وليس فيه خروج مما نحن بصدده - انتهى‏.‏

ولما تم أمر السلطان الملك العزيز ونودي بسلطنته وبالنفقة على المماليك السلطانية في يوم الاثنين خامس عشر ذي الحجة لكل مملوك مائة دينار سكن قلق الناس وسروا جميعًا بولايته ولم يقع في ذلك اليوم هرج ولا فتنة ولا حركة واطمأنت الناس وباتوا على ذلك وأصبحوا في بيعهم وشرائهم غير أن المماليك صاروا فرقًا مختلفة والقالة موجودة بينهم في الباطن‏.‏



ولما كان يوم الأحد رابع عشر ذي الحجة حضر الأمراء والخاصكية للخدمة بالقصر على العادة وأنعم السلطان الملك العزيز على الخليفة أمير المؤمنين المعتضد بالله بجزيرة الصابوني زيادة على ما بيده وكتب إلى البلاد الشامية وجميع المماليك بسلطنته‏.‏

ثم في يوم الاثنين ابتدأ السلطان بنفقة المماليك السلطانية بعد أن جلس بالمقعد الملاصق لقاعة الدهيشة المطل على الحوش السلطاني وبجانبه الأمير الكبير جقمق العلائي وبقية الأمراء‏.‏

وشرع السلطان في دفع النفقة إلى المماليك السلطانية لكل واحد مائة دينار كبيرهم وصغيرهم وجليلهم وحقيرهم بالسوية فحسن ذلك ببال الناس وكثر الدعاء للسلطان وعطفت القلوب على محبته‏.‏

ثم عين للتوجه إلى البلاد الشامية للبشارة الأمير إينال الأحمدي الظاهري الفقيه أحد أمراء العشرات ورأس نوبة وعلى يده مع البشائر كتب للأمراء المجردين بالبلاد الشامية تتضمن موت الملك الأشرف وسلطنة ولده الملك العزيز هذا‏.‏



ثم قدم رسول الأمير حمزة بن قرايلك صاحب ماردين وأرزن وصحبته شمس الدين القلمطاوي ومعهما هدية وكتاب يتضمن دخول حمزة المذكور في طاعة السلطان وأنه أقام الخطبة وضرب السكة إلى السلطان ببلاده وأنه صار من جملة نواب السلطان وكان الأمراء المجردون كاتبوه في دخوله في طاعة السلطان فأجاب وفي جملة الهدية دراهم ودنانير بسكة السلطان الملك الأشرف برسباي فخلع على قاصده وأكرمه‏.‏

ثم خلع السلطان في يوم الثلاثاء سادس عشر ذي الحجة على الأمير طوخ مازي الناصري - ثاني رأس نوبة - باستقراره في نيابة غزة بعد موت آقبردي القجماسي‏.‏
كل ذلك والسلطان يطيل السكوت في المواكب السلطانية ولا يتكلم في شيء من الأمور‏.‏
وصار المتكلم في الدولة ثلاثة أنفس‏:‏ الأمير الكبير جقمق العلائي والأمير إينال الأبو بكري الأشرفي شاد الشراب خاناه والزيني عبد الباسط ناظر الجيش فمشى الحال عل ذلك أيامًا‏.‏



فلما كان يوم السبت العشرين من ذي الحجة وقع بين الأمير إينال الأبوبكري المذكور وبين جكم الخاصكي - خال الملك العزيز - مفاوضة آلت إلى شر وابتدأت الفتنة من يومئذ وعظم الأمر بينهما من له غرض في إثارة الفتن لغرض من الأغراض‏.‏

وكان سبب الشر إنكار جكم على إينال لتحكمه في الدولة وأمره ونهيه وكونه صار يبيت بالقلعة‏.‏
فغضب إينال أيضًا ونزل إلى داره ومال إليه جماعة كبيرة من إنياته بطبقة الأشرفية‏.‏
ثم نزل عبد الباسط إلى داره من الخدمة فتجمع عليه جماعة كبيرة من المماليك الأشرفية وأحاطوا به وأوسعوه سبًا وربما أراد بعضهم ضربه والاخراق به لولا ما خلصه بعض من كان معه من أمراء المؤيدية بأن تضرع للمماليك المذكورين ووعدهم بعمل المصلحة حتى تفرقوا عنه وتوجه إلى داره على أقبح وجه‏.‏

واستمر من هذا اليوم الكلمة مختلفة وأحوال الناس متوقفة وصار كل من المماليك الأشرفية يريد أن يكون هو المتكلم في الدولة ويقدم إنياته ويجعلهم خاصكية‏.‏
كل ذلك والأمير الكبير جقمق سامع لهم ومطيع وصار يدور معهم كيف ما أرادوا وإينال المشد يزداد غضبه ويكثر من القالة لتحكم جكم في الباطن والشر ساكن في الظاهر والمملكة مضطربة ليس للناس فيها من يرجع إلى كلامه‏.‏



فلما كان يوم السبت سابع عشرين ذي الحجة أنعم السلطان الملك العزيز على الأتابك جقمق العلائي بإقطاعه الذي كان بيده في حياة والده بعد أن سأل السلطان الأتابك جقمق في ذلك غير مرة وأنعم بإقطاع الأتابك جقمق على الأمير تمراز القرمشي رأس نوبة النوب وهو أحد الأمراء المجردين إلى البلاد الشامية وأنعم بإقطاع تمراز المذكور على تمرباي التمربغاوي الدوادار الثاني والجميع تقادم ألوف لكن التفاوت في كثرة الخراج وزيادة المغل في السنة‏.‏

وأنعم بإقطاع تمرباي المذكور على الأمير علي باي الأشرفي الساقي الخازندار وأنعم بإقطاع طوخ مازي الناصري - المنتقل إلى نيابة غزة قبل تاريخه - على الأمير يخشباي الأشرفي الأمير آخور الثاني وأنعم بإقطاع يخشباي المذكور على الأمير يلخجا من مامش الساقي الناصري رأس نوبة والجميع أيضًا طبلخاناه‏.‏

وأنعم بإقطاع يلخجا الساقي على السيفي قاني باي الجاركسي وصار أمير عشرة بعد أن جهد الأتابك جقمق في أمره وسعى في ذلك غاية السعي وأرسل بسببه إلى عبد الباسط وإلى الأمير إينال المشد غير مرة حتى تم له ذلك‏.‏

وخلع السلطان على الأمير إينال الأبوبكري المشد باستقراره دوادارًا ثانيًا عوضًا عن تمرباي كل ذلك والقالة موجوعة بين جميع العساكر ظاهرًا وباطنًا‏.‏



ثم أصبح من الغد في يوم الأحد خلع السلطان على الأمير علي باي الخازندار باستقراره شاد الشراب خاناه عوضًا عن إينال الأبو بكري‏.‏

ثم في يوم الاثنين استقر دمرداش الأشرفي أحد أصاغر المماليك الأشرفية والي القاهرة عوضًا عن عمر الشوبكي‏.‏

وانفض الموكب ونزل الأتابك إلى جهة بيته‏.‏
فلما كان في أثناء الطريق اجتمع عليه جماعة كبيرة من المماليك الأشرفية وطلبوا منه أرزاقًا فأوعدهم وخادعهم وتخلص منهم فتوجهوا إلى الزيني عبد الباسط ناظر الجيش فاختفى منهم وقد صار في أقبح حال منذ مات الملك الأشرف من الذلة والهوان ومما داخله من الخوف من المماليك الأشرفية من كثرة التهديد والوعيد وقد احتار في أمره وهم على الهروب غير مرة‏.



واستهلت
سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة

يوم الثلاثاء وقد ورد الخبر بقدوم عرب لبيد إلى البحيرة فندب السلطان تغري بردي البكلمشي المؤذي أحد مقدمي الألوف فخرج من القاهرة في يوم الجمعة رابع المحرم وصحبته عدة من المماليك السلطانية‏.‏

وفي هذا اليوم خلع السلطان على خاله جكم باستقراره خازندارًا كبيرًا عوضًا عن علي باي الأشرفي واستمر على إقطاع جنديته من غير إمرة‏.‏

ثم في يوم الاثنين خامس عشر المحرم نزل الطلب إلى شيخ الشيوخ سعد الدين سعد الديري وخلع عليه باستقراره قاضي قضاة الحنفية بالديار المصرية بعد عزل قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني بعد تمنع كبير وشروط منها‏:‏ أنه لا يقبل رسالة أحد منهم - أعني أكابر الدولة - وأنه لا يتوجه عليه في شيء وأشياء غير ذلك ونزل إلى داره بالجامع المؤيدي وقد سر الناس بولايته غاية السرور‏.‏

وفيه أنعم السلطان على سبعة من الخاصكية لكل منهم بإمرة عشرة وهم‏:‏ قانم من صفر خجا المؤيدي المعروف بالتاجر أحد الدوادارية وجكم النوروزي المجنون وقانبك الأبو بكري الأشرفي الساقي وجانبك الساقي الأشرفي المعروف بقلق سيز وجانم الأشرفي أحد الدوادارية المعروف برأس نوبة سيدي وجرباش الأشرفي رأس نوبة الجمدارية المعروف بمشد سيدي والسابع ما أدري‏:‏ أهو جكم خال الملك العزيز أو هو آقبردي المظفري الظاهري برقوق رأس نوبة الجمدارية‏.‏



وفيه أيضًا خلع السلطان على مراد قاصد الأمير حمزة بك بن قرايلك ورسم بسفره وصحبته شمس الدين القلمطاوي أحد موقعي حلب وجهز السلطان صحبتهما مبارك شاه البريدي وعلى يده جواب كتاب الأمير حمزة بشكره والثناء عليه وتشريف له بنيابة السلطنة بممالكه وفرس بقماش ذهب وهدية هائلة ما بين قماش سكندري وسلاح وغيره ونسخة يمين‏.‏

وأجيب الأمراء المجردون أيضًا عن كتبهم ورسم لهم أن يسرعوا في الحضور إلى الديار المصرية‏.‏

وفي هذه الأيام كثر الكلام بين الأمراء والخاصكية بسبب التوجه إلى البلاد الشامية وحمل تقاليد النواب بالاستمرار إلى أن كان يوم السبت تاسع عشر المحرم خلع السلطان على الأمير أزبك السيفي قاني باي أحد أمراء العشرات ورأس نوبة معروف بجحا - وعين لتقليد الأمير إينال الجكمي نائب الشأم باستمراره على عادته وكان تقدم أن السلطان خلع على الأمير إينال الفقيه بتوجهه إلى نائب حلب وخلع السلطان على إينال الخاصكي بتوجهه إلى الأمير جلبان نائب طرابلس وعلى دولات باي الخاصكي بالتوجه إلى قاني باي الحمزاوي نائب حماة وعلى يشبك الخاصكي بالتوجه إلى إينال العلائي الناصري نائب صفد كل والنواب في التجريدة صحبة الأمراء المصريين‏.‏

وفي هذا اليوم حل بالزيني عبد الباسط أمور غير مرضية من بعض المماليك الأشرفية في وقت الخدمة السلطانية هذا بعدما نزل به قبل تاريخه في هذه الأيام أنواع من المكاره ما بين تهديد ولكم وإساءة احتاج من أجلها إلى بذل الأموال ولمن يحميه منهم ليخلص من شرهم فلم يتم له ذلك‏.‏



ثم في ثالث عشرين المحرم قدم ركب الحاج إلى القاهرة وأمير حاج حمل آقبغا من مامش الناصري المعروف بالتركماني أحد أمراء العشرات ورأس نوبة بعد أن حل بالحاج من البلاء ما لا مزيد عليه من أخذهم وأخذ أموالهم ونهبهم وقد فعلت الأعراب بهم ما فعله التمرية في أهل البلاد الشامية ومعظم المصيبة كانت بالركب الغزاوي فلم يلتفت أحد من أهل الدولة لذلك لشغل كل واحد بما يرومه من الوظائف والإقطاعات وغيرها ودع الدنيا تخرب ويحصل له ثم في يوم الثلاثاء تاسع عشرين المحرم قدم إلى القاهرة مماليك نواب البلاد الشامية وعلى أيديهم مطالعات تتضمن أنهم ملكوا مدينة أرزنكان وأنه خطب بها باسم السلطان الملك الأشرف برسباي ولم يعلموا إذ ذاك بموته‏.‏

ثم في يوم الخميس أول صفر عملت الخدمة السلطانية ونزل كل واحد إلى داره‏.‏
فلما كان عبد الباسط بالقرب من باب الوزير تجمع عليه عدة من المماليك الأشرفية وتحاوطوه وأوسعوه سبًا ووعيدًا وهموا به وأراد بعضهم ضربه حتى منعه عنه من كان معه من الأمراء وتخلص منهم وولى هاربًا يريد القلعة حتى دخلها وهم في أثره فامتنع بها‏.‏

وأقام بالقلعة يومه كله وبات بها وهو يطلب الإعفاء من وظيفتي نظر الجيش والأستادارية‏.‏

وأصبح السلطان من الغد جلس بالحوش السلطاني على الدكة وطلع الأمير الكبير جقمق نظام الملك واستدعى عبد الباسط إلى حضرة السلطان والسلطان على عادته من السكات لا يتكلم في شيء من أمور المملكة وليس ذلك لصغر سنه وإنما هو لأمر يريده الله تعالى‏.‏



فلما حضر عبد الباسط كلمه الأمير الكبير في استمراره على وظيفته فشكا له ما يحط به فلم يلتفت إلى شكواه وخلع عليه باستمراره وعلى ملوك جانبك باستمراره على وظيفته الأستادارية ونزلا إلى دورهما ومعهما جماعة كبيرة‏.‏

ثم في يوم الأحد رابع صفر ورد في السلطان كتاب الأمير إينال الجكمي نائب الشام بوصوله بالعساكر المصرية والشامية من البلاد الشمالية إلى حلب وأن الأمير حسين بن أحمد المدعو تغري برمش نائب حلب تأخر عنهم لما بلغه موت الملك الأشرف وأنه أراد أن يكبس على الأمراء المصريين فبلغهم ذلك فاحترزوا على نفوسهم منه إلى أن دخلوا إلى حلب‏.‏

ثم في يوم السبت عاشر صفر رسم السلطان بأن تقتصر الخدمة السلطانية على أربعة أيام في الجمعة وأن تكون الخدمة بالقصر فقط عندما يحضر الأتابك جقمق وأن تبطل خدمة الحوش لغيبة الأتابك منه‏.‏

وهذا ابتداء أمر الأتابك جقمق وظهوره في الدولة لكثرة من انضم عليه من الطوائف من الأمراء وأعيان المماليك السلطانية‏.‏



ثم قدم كتاب نائب حلب يتضمن رحيل العساكر من حلب إلى دمشق في سادس عشرين المحرم وأنه قدم إلى حلب بعدهم في ثامن عشرينه وأنه كان تخوف من الأمراء المصريين أن يقبضوا عليه فلهذا تخلف عنهم وأنه في طاعة السلطان وتحت أوامره فلم يجب بشيء لشغل أهل الدولة بما هم فيه من تنافر قلوب بعضهم من بعض‏.‏

وقد وقع أيضًا بين المماليك الأشرفية وبين خجداشهم وأعظمهم الأمير إينال الأبو بكري الدوادار الثاني‏.‏

فلما كان يوم الاثنين ثاني عشره تجمع المماليك الأشرفية بالقلعة يريدون قتل الأمير إينال الأبو بكري المقدم ذكره ففر منهم بحماية بعضهم له ونزل إلى داره‏.‏

فوقفوا خارج القصر وسألوا الأمير جقمق بأن يكون هو المستبد في الأمر والنهي والتحكم في الدولة وأن ترفع يد إينال وغيره من الحكم في المملكة فأجاب إلى ذلك ووعدهم بكل خير ونزل‏.‏

وقد اتسع للأتابك جقمق - بهذا الكلام - الميدان ووجد لدخوله في المملكة بابًا كبيرًا فإنه كان عظم جمعه قبل ذلك لكنه كان تخشى كثرة المماليك الأشرفية فلما وقع الآن بينهم المباينة خف عنه أمرهم قليلًا وقوي أمره كل ذلك ولم يظهر منه الميل للوثوب على الملك العزيز بالكلية غير أنه يوافق القوم في الإنكار على فعل المماليك الأشرفية وكثرة شرورهم لا غير‏.‏

ولما كان صباح النهار المذكور وهو يوم الثلاثاء ثالث عشر صفر وقف جماعة من الأشرفية تحت القلعة بغير سلاح ووقع بينهم وبين خجداشيتهم الذين هم من طبقة الأشرفية من إنيات إينال وإخوته وقعة هائلة بالدبابيس ثم انفضوا وعادوا من الغد في يوم الأربعاء إلى مكانهم بسوق الخيل‏.‏



فلما وقع ذلك تحقق المماليك القرانيص وقوع الخلف بين المماليك الأشرفية فقاموا عند ذلك وتجمعوا عند الأمير الكبير ومعهم الأمير إينال المذكور بإنياته وخجداشيته من المماليك الأشرفية وهم جمع كبير أيضًا وتكلموا مع الأمير الكبير بالقيام في نصرة إينال المذكور - وليس ذلك مرادهم وإنما قصدهم غير ذلك لكنهم لم يجدوا مندوحة لغرضهم أحسن من هذه الحركة - وأظهروا الميل الكلي إلى نصرة إينال وصاروا له أصدقاء وهم في الحقيقة أعدى العدى‏.‏

فمال الأتابك جقمق إلى نصرة إينال لكوامن كانت عنده من القوم وقد صار بهذه القضية في عسكر هائل وجمع كبير من المماليك الظاهرية برقوق وهم خجداشيته والمماليك الناصرية فرج والمماليك المؤيدية شيخ والسيفية وعالم كبير من المماليك الأشرفية أصحاب إينال‏.‏

وبقي العسكر قسمين‏:‏ قسم مع الأمير الكبير جقمق وهم من ذكرنا ومعظم الأمراء من مقدمي الألوف وغالب أمراء الطبلخانات والعشرات ما خلا جماعة من أمراء الأشرفية وقسم آخر بالقلعة عند السلطان الملك العزيز وهم أكثر المماليك الأشرفية وعندهم الخليفة والخزائن والزردخانة إلا أنهم جهال بمكائد الأخصام ووقائع الحروب لم تمر بهم التجارب ولا مارسوا الوقائع وأعظم من هذا أنهم لم يقربوا أحدًا من الأكابر وأرباب المعرفة فضلوا وأضلوا وذهبوا وأذهبوا وأضعفوا بسوء تدبيرهم قواهم وتركوا الملك باختلاف آرائهم لمن عداهم على ما سيأتي بيان ذلك كله في محله‏.‏



هذا وكل من الطائفتين يدعي طاعة الملك العزيز غير أن الخصم هو إينال وقد التجأ إلى الأمير الكبير جقمق نظام الملك فقبله الأمير الكبير بمن معه وقام في الظاهر بنصرة إينال أتم قيام وفي الحقيقة إنما هو قام بنصرة نفسه وقد ظهر ذلك لكل أحد حتى لإينال غير أنه صار يستبعد وما من حبه أحنو عليه ولكن بغض قوم آخرينا ولما وقع ذلك استفحل أمر الأتابك وتكاثف جمعه ومعظم من قام في هذه القضية معه المماليك المؤيدية وقد أظهروا ما كان في ضمائرهم من الأحقاد القديمة في الدولة الأشرفية وأخذوا في الكلام مع الأتابك وتقوية جانبه على الوثوب بالمماليك الأشرفية الذين بقلعة الجبل وهو يتثاقل عن ذلك حتى يتحقق من أمرهم ما يثق به وصار يعتذر لهم بأعذار كثيرة‏:‏ منها قلة المال والسلاح وأن الذين بقلعة الجبل أقوياء بالقلعة والمال والسلطان والسلاح‏.‏

فقالوا‏:‏ هو ما قلت غير أن هؤلاء جهلة لا يدرون الوقائع ولا مقاومة الحروب ولا أمر العواقب ونحن أعرف بذلك منهم وجمعنا يقاتل معك من غير أن تبذل لهم الأموال‏.‏

ولا زالوا به حتى أذعن لهم بعد أن بلغه عن بعضهم أنه يقول عنه‏:‏ ‏"‏ الأمير الكبير دقن المرأة ‏"‏ وأشياء غير ذلك كونه لا يوافقهم على الركوب وأنهم يقولون‏:‏ ‏"‏ إن كان الأمير الكبير ما يوافقنا أقمنا لنا أستاذًا غيره ‏"‏‏.‏



ولما وافقهم الأمير الكبير على الركوب أشاروا عليه بعدم الطلوع إلى الخدمة السلطانية من الغد في موكب يوم الخميس خامس عشر صفر فقبل منهم ذلك‏.‏

وأصبح يوم الخميس المذكور وقد كثر جمعه وتحول من داره التي تجاه الكبش على بركة الفيل إلى بيت نوروز الحافظي تجاه مصلاة المؤمني وقد اجتمع عليه خلائق من المماليك من سائر الطوائف وعليهم السلاح الكامل وآلة الحرب‏.‏

وقبل أن يركب الأمير الكبير جقمق عند وضع رجله في الركاب قال‏:‏ ‏"‏ هذا دقن المرأة بيركب حتى نبصر إيش تفعل الرجال الفحوله ‏"‏ فصاحوا بأجمعهم‏:‏ لا نقاتل بين يديك إلى أن نفنى أو ينصرك الله على من يعاديك ‏"‏‏.‏

ثم سار بجموعه حتى وافى البيت المذكور فوقف على باب الدار وقد اجتمع عليه جمع من المماليك والزعر والعامة فوعدهم الأمير الكبير بالنفقة والإحسان إليهم‏.‏
كل ذلك ولم يقع إلى الآن قتال‏.‏



فلما تحقق المماليك الأشرفية ركوب الأمير الكبير ورأوهم من أعلى قلعة الجبل أخرجوا السلطان من الدور إلى القصر المطل على الرميلة واجتمعوا عليه بالقصر وغيره وقد لبسوا السلاح أيضًا‏.‏

وكان كبراء الأشرفية الذين بالقلعة عند الملك العزيز من أمراء الأشرفية وغيرهم جماعة‏:‏ منهم الأمير يخشباي الأشرفي الأمير آخور الثاني وعلي باي شاد الشراب خاناه وتنبك النوروزي المعروف بالجقمقي نائب قلعة الجبل وخشكلدي من سيدي بك الناصري رأس نوبة وكزل السودوني المعلم رأس نوبة وجكم الخازندار خال الملك العزيز وجماعة أخر ممن تأخر في أمسه من المماليك الأشرفية ومعظم الخاصكية الأشرفية أصحاب الوظائف وغيرهم ما خلا من نزل منهم مع الأمير إينال الأبو بكري‏.‏

واستعدوا لقتال الأمير الكبير ومن معه وباتوا تلك الليلة بعد أن تناوشوا في بعض الأحيان بالرمي بالنشاب ولم يقع قتال في مقابلة‏.‏



وأصبحوا يوم الجمعة سادس عشر صفر على ما باتوا عليه‏.‏

واستمر كل طائفة من الفريقين على تعبيتهم إلى بعد صلاة العصر فزحف أصحاب الأمير الكبير إلى باب القرافة وهدموا جانبًا من سور ميدان القلعة وغيره ودخلوا إلى الميدان فنزل إليهم طائفة من السلطانية ركبانًا ومشاة وقاتلوهم مواجهة حتى هزموهم وأخرجوهم من الميدان‏.‏

وتراموا بالنشاب ساعة فحال بينهم الليل وبات كل طائفة منهم على حذر‏.‏
وتوجهت الأشرفية الذين بالقلعة وفتحوا باب الزردخانة السلطانية وأخذوا من السلاح الذي بها ما أرادوا ونصبوا مكاحل النفط على سور القلعة وأخذوا في أهبة القتال‏.‏

حتى أصبحوا يوم السبت سابع عشر صفر وقد استفحل أمر السلطانية من عصر أمسه فتجمعت الجقمقية وابتدؤوا بقتال السلطانية فوقع بين الطائفتين قتال بالنشاب والنفوط فهلك من العامة خلائق ممن كان من حزب الأمير جقمق كل ذلك وأمر السلطانية يقوى إلى بعيد الظهر فلاح عليهم الخذلان من غير أمر يوجب ذلك ومشت القضاة بين السلطان والأمير الكبير جقمق غير مرة في الصلح والكف عن القتال وحقن دماء المسلمين وإخماد الفتنة‏.‏



هذا وقد ترجح جهة الأمير الكبير جقمق وطمعت عساكره في السلطانية فقال الأمير الكبير‏:‏ ‏"‏ أصطلح بشرط أن يرسل السلطان إلي بأربعة نفر وهم‏:‏ جكم خال الملك العزيز الخازندار وتنم الساقي وأزبك البواب ويشبك الفقيه الأشرفي الدوادار ‏"‏ فأذعن السلطان ومن عنده لذلك بعد كلام كثير فنزل الأربعة من القلعة بعد صلاة العصر من يوم السبت المذكور مع من كان تردد في الصلح وساروا حتى دخلوا بيت الأمير الكبير فحال وقع بصره عليهم قبض عليهم واحتفظوا بهم‏.‏

وركب الأمير الكبير فرسه وساروا معه أعيان أصحابه إلى أن صار في وسط الرميلة تجاه باب السلسلة فنزل عن فرسه بعد أن فرش له ثوب سرج جوخ وقبل الأرض بين يدي السلطان الملك العزيز لكونه أرسل إليه أخصامه ثم ركب في أصحابه وعاد إلى بيته بالكبش ومعه المقبوض عليهم إلى أن نزل بداره في موكب جليل إلى الغاية‏.‏

وأخذ أمر الأمير الكبير جقمق من هذا اليوم في زيادة وقوة وأمر الملك العزيز ومماليك أبيه الأشرفية في نقص ووهن وإدبار‏.‏



وأصبح بكرة يوم الأحد ثامن عشر صفر أرسل الأمير الكبير إلى السلطان في طلب جماعة أخر من المماليك الأشرفية فنزل إليه الأمير يخشباي الأمير آخور الثاني والأمير علي باي شاد الشراب خاناه وهما من عظماء القوم والمشار إليهما من القلعة الأشرفية وقبلا يد الأمير الكبير جقمق فأكرمهما الأمير الكبير ووعدهما كل خير‏.‏

ثم أمر في الحال بطلب الأمير الطواشي خشقدم اليشبكي مقدم المماليك السلطانية فحضر إليه وقبل يده فأمره الأمير الكبير أن يتقدم بنزول جميع من في الأطباق من المماليك الأشرفية وهدده إن لم يفعل ذلك فاستبعد الناس وقوع ذلك لكثرة المماليك الأشرفية وشدة بأسهم‏.‏
فحالما طلع خشقدم وأمرهم بالنزول أجابه الجميع بالسمع والطاعة‏.‏
ونزل صبيان طبقة بعد طبقة إلى بيت الأمير الكبير وقد حضر عنده قضاة القضاة الأربعة وأهل الدولة وأعيانها وحلفوا الأمير الكبير على طاعة السلطان ثم حلفوا المماليك الأشرفية على طاعة الأمير الكبير وحكم قاضي القضاة سعد الدين بن الديري الحنفي بسفك دم من خالف هذا اليمين‏.‏



وعند انقضاء الحلف أمر الأمير الكبير بنزول جميع المماليك الأشرفية من أطباقهم بالقلعة إلى إسطبلاتهم ما خلا المماليك الصغار فاعتذروا عن قلة مساكنهم بالقاهرة فلم يقبل الأمير الكبير أعذارهم وشدد عليهم والناس تظن غير ذلك فخرجوا‏.‏

وفي الحال أخذوا في تحويل متاعهم ونزلوا من الأطباق بعد أن ظن كل أحد منهم أنه لا بد له من إثارة فتنة وشر كبير تسفك فيه دماء كثيرة قبل نزولهم فلم يقع شيء من ذلك ونزلوا من غير قتال ولا إكراه وخلت الطباق منهم في أسرع وقت خذلانًا من الله تعالى وتركوا السلطان والخزائن والسلاح والقلعة ونزلوا من غير أمر يوجب النزول وهم نحو الألف وخمسمائة نفر هذا خلاف من كان انضم عليهم من الناصرية والمؤيدية والسيفية‏.‏

ولله در القائل‏:‏ السريع ما يفعل الأعداء في جاهل ما يفعل الجاهل في نفسه وتعجب الناس من نزولهم حتى الأمير الكبير جقمق‏.‏



وصار يتحدث بذلك أوقاتًا في سلطنته فإنه كان أولًا تخوف منهم أن يقبضوا عليه عند طلوعه إلى القلعة غير مرة ولهج الناس بذلك كثيرًا وبلغ الأتابك أنهم يريدون أن يقبضوا عليه وعلى عبد الباسط وعلى الصاحب جمال الدين ناظر الخاص فقال‏:‏ وإيش يمنعهم من ذلك‏.‏

وانقطع عن الخدمة السلطانية أيامًا حتى كلمه أصحابه في الطلوع وشجعوه وقالوا له‏:‏ نحن نطلع في خدمتك ولا يصيبك مكروه حتى تذهب أرواحنا‏.‏

كل ذلك قبل أن يقع الشر بين الأمير إينال وخجداشيته فهذا كله ذكرناه لتعرف به شدة بأس المماليك الأشرفية وكثرة عددهم‏.‏

فلما تكامل نزول المماليك الأشرفية من الأطباق إلى حال سبيلهم كان هذا أول مبدأ زوال ملك السلطان الملك العزيز يوسف‏.‏

ومن يومئذ أخذ الأمير إينال الأبو بكري الأشرفي في الندم بما وقع منه من الانفراد عن خجداشيته والانضمام على الأتابك جقمق حتى إنه صار يبكي في خلواته ويقول‏:‏ ‏"‏ ليتني كنت حبست بثغر الإسكندرية ودام تحكم ابن أستاذي وخجداشيتي‏.‏
وما عسى خجداشيتي كانوا يفعلون بي ‏"‏‏.‏
وندم حيث لا ينفع الندم‏.‏



وربما بلغ الأمير الكبير عنه ذلك فأخذ يحلف له أنه لا يريد الوثوب على السلطنة ولا خلع الملك العزيز وأنه لا يريد إلا يكون نظام ملكه ومدبر ممالكه وأشياء غير ذلك‏.‏

قلت‏:‏ وأنا أظن أن الأمير إينال ما طال حبسه إلا بهذا المقتضى والله أعلم‏.‏

ثم في يوم الأحد هذا قدم الأمير تغري بردي البكلمشي المؤذي أحد مقدمي الألوف من البحيرة بمن كان صحبته من المماليك السلطانية - وكان الأتابك أرسل يستحثه في القدوم عليه ليكون من حزبه على قتال الأشرفية فتقاعد عنه إلى أن انتهى أمر الوقعة وحضر - فأخذ الأتابك جقمق يوبخه لعدم حضوره وهو يعتذر بعدم وصول الخبر إليه ويقبل يده‏.‏

ثم ورد الخبر على السلطان بأن العسكر المجرد من الأمراء وصل إلى دمشق في خامس صفر‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء العشرين من صفر شفع الملك العزيز في خاله جكم ورفقته فأفرج عنهم الأتابك جقمق وخلع على كل منهم كاملية مخمل بفرو سمور وبمقلب سمور‏.‏



ثم في يوم الخميس ثاني عشرين صفر طلع الأمير الكبير جقمق إلى الخدمة السلطانية ومعه سائر الأمراء وأرباب الدولة ومنع المماليك الأشرفية من الدخول إلى قصر في وقت الخدمة إلا من له وحضر الأمير الكبير الخدمة وخلع عليه السلطان تشريفًا عظيمًا باستمراره على حاله‏.‏

ونزل من وقته إلى باب السلسلة وسكن الحراقة من الإسطبل السلطاني بعد نقل إليها قماشه ورخته في أمسه وبعد أن أمر الأمير يخشباي الأمير أخور الثاني بالنزول من الإسطبل إلى بيته قبل تاريخه‏.‏

فنزل يخشباي إلى داره وكانت دار قطلوبغا الكركي التي تجاه دار منجك اليوسفي بالقرب من الجامع الحسيني وجلس وأغلق عليه باب الدار ومنع الناس من التردد إليه وصار كالمرسم عليه وهذا أيضًا من أعجب العجب كون الشخص يكون على إقطاعه ووظيفته ويصير على هذه المثابة‏.‏



وسكن الأمير الكبير بالسلسلة وتصرف في أمور المملكة من غير مشارك واستبد بتدبير أحوال السلطنة من ولاية الوظائف والإنعام بالإقطاعات والإمريات على من يريد ويختار فصار الملك العزيز ليس له من السلطنة إلا مجرد الاسم فقط‏.‏

فعظم ذلك على المماليك الأشرفية وأنكروا سكنى الأمير الكبير بباب السلسلة واتفقوا ووقفوا في جمع كبير بالرميلة وأكثروا من الكلام في ذلك ثم انفضوا من غير طائل وفي أملهم أن الأمراء إذا قدموا من سفرهم أنكروا على الأمير الكبير ما فعله وقاموا بنصرة الملك العزيز وانتظروا ذلك‏.‏

وأخذ الأتابك جقمق في تحصين باب السلسلة والقلعة وأشحنهما بالسلاح والرجال وصارت الأعيان من كل طائفة تبيت عنده بباب السلسلة في كل ليلة والأمراء والأعيان تتردد إلى خدمته‏.‏

وتركت الخدمة السلطانية واحتج الأمير الكبير بتركها أنه بلغه أن المماليك الأشرفية اتفقوا على قتله إذا طلع إلى الخدمة السلطانية وجعل ذلك عذرًا له عن عدم حضور الخدمة‏.‏



وصار هو المخدوم والمشار إليه وتردد مباشرو الدولة إلى بابه وسائر الناس وتلاشى أمر السلطان الملك العزيز إلى الغاية‏.‏

ولهج الناس بسلطنة الأتابك جقمق وشاع ذلك بين الناس‏.‏
وصار الأتابك كلما بلغه فلك أنكره وأسكت القائل بذلك ولسان حاله ينشد‏:‏ الكامل لا تنطقن بحادث فلربما نطق اللسان بحادث فيكون هذا والأتابك جقمق متخوف في الباطن من الأمراء المجردين لكونهم جمعًا كبيرًا وفيهم جماعة من حواشي الملك الأشرف ومماليكه مثل أركماس الظاهري الدوادار الكبير وتمراز القرمشي رأس نوبة النوب وجانم الأشرفي الأمير آخور الكبير وقراجا الأشرفي وخجا سودون السيفي بلاط الأعرج وفيهم أيضًا من تحدثه نفسه بالوثوب على الأمر وهو الأمير قرقماس الشعباني الناصري أمير سلاح المعروف بأهرام ضاغ فلهذا صار الأتابك جقمق يقدم رجلًا ويؤخر أخرى‏.‏

ثم قدم الخبر بخروج الأمراء من مدينة غزة إلى جهة الديار المصرية وأن خجا سودون البلاطي أحد مقدمي الألوف تأخر عنهم على عادته في كل سفرة فندب الأتابك السيفي دمرداش الحسني الظاهري برقوق الخاصكي بالتوجه إلى غزة وعلى يده مرسوم شريف بتوجه خجا سودون إلى القدس بطالًا فمضى دمرداش المذكور وفعل ما ندب إليه‏.‏



فلما كان يوم الأربعاء خامس شهر ربيع الأول وصل الأمراء إلى الديار المصرية وطلعوا الجميع إلى الأتابك جقمق ما خلا الأمير يشبك السودوني حاجب الحجاب فإنه قدم القاهرة في الليل مريضًا في محفة إلى داره‏.‏

ولم ينزل الأتابك إلى تلقي الأمراء المذكورين وكان أرسل إليهم يخوفهم من المماليك الأشرفية وذكر لهم أنهم يريدون الركوب عليهم يوم دخولهم فدخلوا الجميع بأطلابهم‏.‏

ولما طلعوا إلى جقمق قام لهم واعتنقهم وأكرمهم غاية الإكرام‏.‏
وأرسل إلى الملك العزيز أنه يخرج ويجلس بشباك القصر حتى يقبلوا له الأمراء الأرض من الإسطبل السلطاني ولا يطلع إليه أحد ففعل الملك العزيز ذلك وجلس بشباك القصر حتى أخذ الأتابك جقمق الأمراء وسار بهم من الحراقة يريد الإسطبل السلطاني والجميع مشاة وقد جلس السلطان الملك العزيز بشباك القصر فوقف الأمراء تحت شباك القصر وأومؤوا برؤوسهم كأنهم قبلوا له الأرض‏.‏

وأحضر إليهم التشاريف السلطانية في الحال فلبسوها وقبلوا الأرض ثانيًا كالمرة الأولى وعادوا راجعين في خدمة الأمير الكبير حتى طلعوا معه إلى الحراقة ثم سلموا عليه وكنت لما لاقيت الأمير أقبغا التمرازي أمير مجلس سألني عن أحوال الأتابك جقمق فقلت له كلاما متحصله أنه ليس بينه وبين السلطنة إلا أن تضرب له السكة ويخطب باسمه فاستبعد ذلك لقوة بأس المماليك الأشرفية وعظم شوكتهم فلما نزل من القلعة وعليه الخلعة قلت له قبل أن يصل إلى داره‏:‏ كيف رأيت جقمق قال‏:‏ سلطان على رغم الأنف‏.‏
ومعنى قوله‏:‏ على رغم الأنف ‏"‏ لأنه كان بينهما حضوض أنفس قديمة‏.‏



ثم أصبحوا يوم الخميس سادس شهر ربيع الأول حضروا الجميع إلى عند الأتابك جقمق بباب السلسلة وجلس الأتابك في الصدر وكل من الأمراء على يمينه وشماله إلا قرقماس أمير سلاح فإنه زاحم الأتابك جقمق في مجلسه وجلس معه على فراشه والأمير جقمق يجذبه إلى عنده ويخدعه بأنه لا يفعل شيئًا إلا بمشورته وأنه قوي أمره بقدومه وأنه شيخ كبير عاجز عن الحركة واقتحام الأهوال إلا إن كان بقوة قرقماس المذكور‏.‏

كل ذلك وهما جلوس على المرتبة فانخدع قرقماس وطابت نفسه بما سمعه من الأتابك جقمق أنه ربما إن تحرك بعد ذلك بحركة تمت له لضعف جقمق عن مقاومته‏.‏
هذا وقد برز الطلب لجماعة من الأشرفية وغيرهم وجميع من هو بالقلعة من الأعيان فلما حضروا أشار قرقماس لجماعة من الرؤوس نوب وأمراء جندار ممن حضر المجلس أن اقبضوا وأول ما بدأ برفيقه الأمير جانم الأشرفي الأمير آخور الكبير ثم أشار لواحد بعد واحد إلى أن قبضوا على جماعة كبيرة من الأمراء والخاصكية وهم‏:‏ الأمير جانم المقدم ذكره ويخشباي الأمير آخور الثاني وعلي باي شاد الشراب خاناه وتنبك السيفي نوروز الخضري المعروف بالجقمقي نائب قلعة الجبل وخشقدم الطواشي الرومي اليشبكي مقدم المماليك ونائبه الطواشي فيروز الركني الرومي أيضًا وخشكلدي من سيدي بك الناصري أحد أمراء العشرات ورأس نوبة وجكم خال الملك العزيز وجرباش الأشرفي أحد أمراء العشرات المعروف بمشد سيدي وجانبك قلق سيز الساقي أحد أمراء العشرات ومن الخاصكية‏:‏ تنم الساقي وأزبك البواب ويشبك الفقيه - وكل من هؤلاء الثلاثة أحد الأربعة المقدم ذكرهم - وتنبك الفيسي المؤيدي رأس نوبة الجمدارية وأرغون شاه الساقي وبيرم خجا أمير مشوي ودمرداش الأشرفي والي القاهرة وبايزير خال الملك العزيز وقيدوا الجميع‏.‏



وفي الحال خلع على الأمير تمر باي التمربغاوي أحد مقدمي الألوف باستقراره في نيابة الإسكندرية عوضًا عن الزيني عبد الرحمن بن الكويز بحكم عزله وأمر بالسفر إلى الإسكندرية من يومه وخلع على قراجا العمري الخاصكي الناصري باستقراره في ولاية القاهرة عوضًا عن دمرداش الأشرفي بحكم القبض عليه‏.‏

ثم ندب الأمير الكبير الأمير تنبك البردبكي أحد مقدمي الألوف والأمير أقطوه الموساوي أحد أمراء العشرات البرقوقيين في عدة من المماليك السلطانية أن يطلعوا إلى القلعة ويقيموا بها لحفظها‏.‏

وكان تنبك المذكور ولي نيابة القلعة قبل تاريخه سنين كثيرة في الدولة الأشرفية فطلع إلى القلعة وسكن بمكانه أولًا على العادة‏.‏

ثم انفض الموكب وقد تزايد عظمة الأمير الكبير جقمق وهابته النفوس بما فعله قرقماس بين يديه من القبض على الأمراء المذكورين‏.‏



وفهم الناس أنه فعل ذلك خدمة للأمير الكبير وكان غرض قرقماس غير ذلك فإنه رام نفع نفسه فنفع غيره فكان حاله كقول من قال‏:‏ ‏"‏ مع الخواطىء سهم صائب ‏"‏ وكقولهم‏:‏ ‏"‏ رب رمية من غير رام ‏"‏‏.‏

ونزل الأمراء إلى دورهم وقد استخف الناس عقل قرقماس وخفته وطيشه في سرعة ما فعله كل ذلك لاقتحامه على حب الرئاسة‏.‏

ونزل قرقماس إلى دار وفي زعمه أن جميع من هو بخدمة الأمير الكبير ينقلبون عن الأمير الكبير إليه ويترددون إلى بابه لأنه هو كان الحاكم في هذا اليوم ولم يدر أن القلوب نفر منه لتحققهم ما يظنوه من كبره وجبروته وبطشه وقد اعتادوا بلين الأمير الكبير وبأخذه لخواطرهم في هذه المدة وتمسكه عن قبض من كان لهم غرض قبضه وقد صاروا له كالمماليك والخدم لطول تردادهم إليه في باب السلسلة وغيرها وقد انتهى أمره وحصل لهم ما كان في أملهم وأيضًا أنهم لما رأوا قرقماس فعل ما فعل لم يشكوا في أمره أنه من جملة من يقوم بنصرة الأتابك وأنه كواحد منهم فلم يطرق أحد منهم بابه ولم يدخل إليه في ذلك اليوم إلا من يلوذ به من حواشه ومماليكه‏.‏
وسافر تمرباي نائب الإسكندرية من الغد في يوم الجمعة‏.‏



وأصبح في يوم السبت ثامن شهر ربيع الأول انزل من باب السلسلة من تقدم ذكره من الأمر الخاصكية الممسوكين على البغال بالقيود إلى سجن الإسكندرية وقد اجتمع لرؤيتهم خلائق لا تحصى وهم قسمان‏:‏ قسم باق عليهم وقسم شامت لتقاعدهم عن القتال في خدمة ابن أستاذهم الملك العزيز يوسف وأيضًا لما كان يقع منهم في أيام أستاذهم من التكبر والجبروت‏.‏

ثم أرسل الأمير الكبير في اليوم المذكور إلى الأمراء القادمين من التجريدة بمال كبير له صورة لا سيما ما حمله إلى قرقماس فإنه كان جملة مستكثرة‏.‏

ثم في يوم الأحد تاسع شهر ربيع الأول خلع على الزيني عبد اللطيف الطواشي الرومي المنجكي المعروف بالعثماني أحد الجمدارية باستقراره مقدم المماليك السلطانية وأنعم عليه بإمرة عشرة لا غير وهو إقطاع النيابة الذي كار بيد فيروز الركني نائب مقدم المماليك وكانت الخلعة عليه بين يدي العزيز بعثه الأمير الكبير إليه وأمره أن يخلع عليه واستقر في نيابة المقدم جوهر المنجكي ثم في يوم الاثنين عاشره ركب السلطان الملك العزيز من القلعة ونزل إلى الميدان ومعه الزيني عبد الباسط ناظر الجيش وجماعة أخرى من خواصه الأصاغر وركب الأمير الكبير من الحراقة وفي خدمته جميع الأمراء مشاة ما عدا أركماس الظاهري الدوادار الكبير وآقبغا التمرازي أمير مجلس وساروا الثلاثة على خيولهم من الإسطبل السلطاني حتى نزلوا إلى الميدان وبه السلطان يسير‏.‏



فعندما رأوا الأمراء الملك العزيز ترجلوا عن خيولهم وقبلوا الأرض وتقدم الأمير الكبير جقمق وقبل رجل السلطان في الركاب ثم بعده جميع الأمراء فعلوا مثل فعله‏.‏

ثم تقدم الأمير يشبك السودوني حاجب الحجاب قبل الأرض وخلع عليه خلعة السفر لأنه كان انقطع عن رفقته لتوعك كان به وطلع في هذا اليوم انصرف الجميع عائدين في خدمة الأمير الكبير إلى أن أوصلوه إلى سلم الحراقة ووقفوا له هناك حتى سلم عليهم وعادوا إلى دورهم‏.‏

وكان سبب تأخر قرقماس عن الطلوع في هذا اليوم والذي قبله أمور‏:‏ منها أنه كان في نفسه الوثوب على الأمر وفعل ما فعل من مسك الأمراء وغيرهم ليروج أمره بذلك فلم ينتج أمره وتقهقر وزادت عظمة الأتابك جقمق فعز عليه ذلك في الباطن وكان في ظنه أنه لابد أن يملك الديار المصرية من يوم توجه إلى مكة وحكمها‏.‏



فلما عرف منه ذلك تقرب إليه جماعة من الذين يوهمون الناس أنهم صلحاء ولهم إطلاع على المغيبات وصاروا يبشرونه بسلطنة مصر وتخبره جماعة أخر بمنامات تدل على قصده فينعم عليهم بأشياء كثيرة‏.‏

ثم كلما نظر من يدعي معرفة علم النجوم يسأله عما في خاطره - وقد أشيع عنه حب الرئاسة - فيبشره الرمال أو المنجم أيضًا بما يسرة من قبله وحسب اجتهاده لأخذ دراهمه‏.‏

فكان قرقماس ينتظر موت الملك الأشرف يومًا بيوم فاتفق موت الملك الأشرف باي وهو مسافر وإلى أن يحضر انتظم أمر الأتابك جقمق وتم فلم يلتفت إلى ما رأى من أمر جقمق بما سبق عنده أنه لابد له من السلطنة وأخذ يسلك طريقًا تصادف ما هو قصده‏.‏

فدخل القاهرة مطلبًا فلم يلتفت إليه أحد‏.‏
وطلع إلى الأتابك جقمق وامتنع من طلوع القلعة إلى الملك العزيز حتى قبل الأرض من الإسطبل خوفًا من أن يقبض عليه يريد بذلك أن ينتبه إليه الناس فلم ينظر إليه أحد‏.‏
ثم أخذ في مسك الأمراء حتى يعظم في النفوس فلم يقع ذلك‏.‏



فانقطع بداره عن الطلوع إلى الأتابك مدة أيام وتعلل بأنه بلغه عن الأمير الكبير وحواشيه ما غير خاطره يظهر ذلك لتتسامع بغضبه الناس ويأتوه ليثور بهم فلم ينضم إليه أحد فاستدرك فارطه واستمر بداره إلى هذا اليوم‏.‏

فلما عاد الأتابك من عند الملك العزيز إلى سكنه بالحراقة من باب السلسلة أرسل إلى الأمير قرقماس المذكور الأمير تمراز القرمشي رأس نوبة النواب وقراجا الأشرفي أحد مقدمي الألوف والزيني عبد الباسط ناظر الجيش يسألوه عن سبب انقطاعه عن الطلوع إلى الأمير الكبير في هذه الأيام فذكر لهم أنه بلغه عن حواشي الأمير الكبير من المؤيدية أنهم يتهموه بالركوب وإثارة الفتن وأنه يريد يتسلطن ولم يكن له علم بشيء من ذلك‏.‏

فما زالوا به حتى ركب معهم وطلع إلى الأمير الكبير بالحراقة من الإسطبل السلطاني فقام الأمير الكبير واعتنقه وأخذ بيده ودخلا مع أعيان الحاضرين إلى مبيت الحراقة وجلسا في خلوة وتعاتبا قليلًا‏.‏

وأخذ الأمير الكبير يقول له إن قرقماس عنده في مقام روحه وإنه لم يتصل إلى هذا الموصل إلا بقوته وكونه معه وأخذ قي مخادعته والأخذ بخاطره إلى أن تحقق قرقماس أنه لا يأتيه ما يكره من قبل الأتابك إلى أن يدبر لنفسه ما يوصله إلى غرضه‏.‏



ثم حلف له الأتابك على هذا المعنى جميعه وبكى واعتنقه وخرجا من المبيت وقد صفا ما بينهما ظاهرًا والباطن فلا يعلم ما فيه إلا الله تعالى‏.‏

وهو أن قرقماس لم يطلع في هذا اليوم إلى الأتابك إلا بعد أن عجز عما في خاطره فاحتاج إلى المداهنة حتى يطول أمره إلى أن يحصل له مراده‏.‏
ولم يخف ذلك عن الأتابك جقمق غير أنه رأى أنه لا يتم أمره فيما يروم إلا بموافقة قرقماس له أولًا ثم بعد ذلك يفعل ما بدا له‏.‏

وعندما قام قرقماس من مجلس الأتابك ليتوجه إلى داره قدم له الاتابك فرسًا بقماش ذهب من مراكيبه فركبه قرقماس ونزل إلى داره ومعه أيضًا الأمير تمراز رأس نوبة النواب وقراجا وهما في خدمته إلى داره فأركب قرقماس كلًا منهما فرسًا بقماش ذهب‏.‏

ثم أخذه القلق وأخذ يدبر في تأليف المماليك الأشرفية عليه فرأى أنه لا يتم له ذلك بالعطاء ولا بالملق لكثرتهم وإنما يتم له ذلك بسلطنة الأتابك جقمق لينفر عنه من كان من حزبه من المماليك الأشرفية وينضموا عليه وكان هذا حدسًا صائبًا ووقع له ما أراد غير أنه استعجل لأمر يريده الله‏.‏



فأخذ قرقماس من يومذاك يحسن للأتابك جقمق توليته السلطنة وخلع الملك العزيز‏.‏
ولا زال يلح عليه في ذلك وهو يلين تارة ويتوقف تارة وكان هذا الأمر في خاطر الأتابك وأصحابه غير أنه كان يستعظم الأمر ويخاف من نفور قرقماس عنه إذا فعل ذلك‏.‏
وأخذ ينتظر فرصة للوثوب بعد حين فحرك الله تعالى قرقماس حتى سأله في ذلك وألح عليه لما في غرضه في أيسر مدة لتعلم أن الله على كل شيء قدير‏.‏
ومن يومئذ هان الأمر على الأتابك وأخذ في أسباب السلطنة وكتب يطلب صهره القاضي كمال الدين محمد بن البارزي من دمشق

ثم أصبح يوم الخميس ثالث عشر شهر ربيع الأول عملت الخدمة السلطانية وحضرها الأمير وكانت الخدمة السلطانية قد تركت من مدة أيام فأجراهم السلطان الملك لعزيز على عادته من السكات وعدم الكلام وانفض الموكب‏.‏

ثم طلع الأمير قرقماس من الغد في يوم الجمعة وحضر الصلاة مع السلطان بالمقصورة من جامع القلعة ولم يطلع الأتابك جقمق‏.‏
ونزل قرقماس ولم يتكلم مع السلطان كلمة واحدة‏.‏



ثم في يوم السبت عملت الخدمة أيضًا بالقصر على العادة وحضر الأمير الكبير‏.‏
ثم في يوم الاثنين عملت الخدمة أيضًا‏.‏
كل ذلك بتدبير قرقماس وهو أنه لما علم أن الأمير الكبير جقمق تم أمره ولم يبق له منازع يعيقه عن السلطنة أخذ في عمل الخدمة حتى يجد نفسًا من الملك العزيز أو من أحد من حواشيه حتى تصير له مندوحة لمطاولة الأتابك على السلطنة لأنه ندم على ما تفوه به ولم يجد لنفسه قوة حتى يرجع عن قوله لقوة شوكة الأتابك وكثرة أعوانه ممن اجتمع عليه من الطوائف لا سيما الطائفة المؤيدية فإنهم صاروا عصبًا له وغيرية على قرقماس لما كان بين قرقماس وبين الأمير دولات المحمودي المؤيدي من العداوة قديمًا لسبب السكات عنه أليق ودولات هو يومذاك عين المؤيدية ورئيسهم غير أن جميع طائفة الناصرية كانت مع قرقماس في الباطن لكونه خجداشهم ولكن هم أيضًا ممن كان انضم على الأتابك وصار لهم به إلمام كبير فلم يظهروا الميل لقرقماس قي الظاهر مخافة أن لا يتم أمره وينحط قدرهم عند الأتابك فصاروا يلاحظونه بالقلب والخاطر لا بالفعل والقيام معه والأتابك جقمق يعرف جميع ذلك غير أنه يتجاهل عليهم تجاهل العارف لقضاء حاجته ‏.‏

ولما عملت الخدمة في هذه الأيام ولم يحصل لقرقماس غرضه عاد إلى رأيه الأول من الكلام في سلطنة الأتابك جقمق‏.‏
وألح عليه حتى أجابه صريحًا‏.‏



وكان في هذه الأيام كلها كلما طلع الأمراء إلى الخدمة السلطانية ينزل الجميع من القصر بعد انقضاء الخدمة إلى الأمير جقمق ويأكلون السماط عنده‏.‏
فلما كان آخر خدمة عملت عند الملك العزيز يوسف في يوم الاثنين سابع عشر شهر ربيع الأول نزل قرقماس من عند السلطان مع جملة الأمراء واجتمع بالأمير الكبير وألح عليه بأنه يتسلطن في اليوم المذكور فلم يوافقه جقمق على ذلك وواعده على يوم الأربعاء تاسع عشر شهر ربيع الأول‏.‏

ووافقه جميع الأمراء على خلع الملك العزيز وسلطنته إلا آقبغا التمرازي فإنه أشار عليه أن يؤخر ذلك ويتجرد إلى البلاد الشامية ويمهدها كما فعل الملك الظاهر ططر ثم يتسلطن مخافة من عصيان النواب بالبلاد الشامية عليه عقيب سلطنته قبل أن يرسخ قدمه فرد قوله قرقماس وأشار بسلطنته في يوم الأربعاء ووافقه على ذلك جماعة المؤيدية فتم الأمر على ما قاله قرقماس‏.‏

وكان الحزم ما قاله آقبغا التمرازي وبيانه أنه لولا أن سعد الملك الظاهر جقمق حرك قرقماس للركوب في غير وقته لكان قرقماس انتصر عليه لكثرة من كان انضم عليه من المماليك الأشرفية وغيرهم وأيضًا لولا استعجال إينال الجكمي في صدمته العساكر المصرية لكان تم أمره لعظم ميل الناس إليه‏.‏



وأما تغري برمش نائب حلب فكان مسكه على غير القياس فإنه كان تركمانيًا ووافقه جماعة كبيرة من التركمان مع قوته وكثرة ماله فكان يمكنه أن يتعب الملك الظاهر جقمق بتلك البلاد طول عمره فلهذا أشار آقبغا التمرازي بسفره قبل سلطنته‏.‏

وقد حسب البعيد ونظر في العواقب فلم يسمع الملك الظاهر له وتسلطن وقاسى بعد ذلك شدائد وأهوالًا أشرف منها غير مرة على زوال ملكه لولا مساعدة المقادير وخدمة السعد لما سبق له في القدم‏.‏

ولما كان يوم الأربعاء تاسع عشر شهر ربيع الأول من سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة خلع الملك العزيز يوسف من الملك وتسلطن الأمير الكبير جقمق العلائي وتلقب بالملك الظاهر حسبما يأتي ذكره في أوائل سلطنته‏.‏



وكانت مدة

سلطنة الملك العزيز على مصر

أربعة وتسعين يومًا‏.‏

ولم يكن للملك العزيز في السلطنة إلا مجرد الاسم فقط ولم تطل أيامه ولا تحكم في الأمور لتشكر أفعاله أو تذم وإنما كان آلة في الملك والمتصرف غيره لصغر سنه وعدم أهلية مماليك أبيه‏.‏

ولما خلع الملك العزيز أدخل إلى الدور السلطانية واحتفظ به وسكن بقاعة البربرية أشهرًا حتى تسحب منها ونزل إلى القاهرة واختفى أيامًا كثيرة حتى ظفر به وحبس بالقلعة أيامًا قليلة ثم نقل إلى سجن الإسكندرية حسبما يأتي ذكر ذلك كله مفصلًا في ترجمة الملك الظاهر جقمق إن شاء الله تعالى‏.‏

واستمر الملك العزيز بسجن الإسكندرية على أجمل حال وأحسن طريقة من طلب العلم وفعل الخير إلى يومنا هذا أحسن الله عاقبته بمحمد وآله‏.‏

وهو ثاني سلطان لقب بالملك العزيز من ملوك مصر والأول‏:‏ العزيز عثمان ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب والثاني‏:‏ العزيز هذا‏.‏

وهو أيضًا ثاني من سمي يوسف من ملوك مصر فالأول السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب والثاني هذا والله تعالى أعظم‏.‏
















صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 25-01-2012, 02:28 AM   رقم المشاركة:592
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 54
المشاركات: 8,675
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الظاهر أبي سعيد جقمق (1)


سلطنة الظاهر أبي سعيد جقمق









سلطنة الظاهر أبي سعيد جقمق

السلطان الملك الظاهر سيف الدين أبو سعيد جقمق العلائي الظاهري الجركسي وهو الرابع والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية والعاشر من الجراكسة وأولادهم‏.‏

تسلطن بعد خلع الملك العزيز يوسف ابن الملك الأشرف برسباي باتفاق الأمراء وأعيان المملكة على سلطنته‏.‏

ولما تم أمره استدعي الخليفة المعتضد بالله داؤد والقضاة الأربعة والأمير قرقماس أمير سلاح وسائر الأمراء وجميع أعيان الدولة إلى الحراقة بباب السلسلة من الإسطبل السلطاني وجلس كل واحد في مجلسه‏.‏

فافتتح الأمير قرقماس بالكلام مع الخليفة والقضاة بأن قال‏:‏ ‏"‏ السلطان صغير والأحوال ضائعة لعدم اجتماع الكلمة في واحد بعينه‏.‏

ولابد من سلطان ينظر في مصالح المسلمين وينفرد بالكلمة ولم يكن يصلح لهذا الأمر سوى الأمير الكبير جقمق هذا ‏"‏‏.‏

فقال جقمق‏:‏ ‏"‏ هذا لا يتم إلا برضا الأمراء والجماعة ‏"‏‏.‏

فصاح الجميع‏:‏ ‏"‏ نحن راضون بالأمير الكبير ‏"‏‏.‏

فعند ذلك مد الخليفة يده وبايعه بالسلطنة ثم بايعه القضاة والأمراء على العادة‏.‏



ثم قام من فوره إلى مبيت الحراقة ولبس الخلعة الخليفتية السوداء وتقلد بالسيف وخرج ركب فرسا أعد له بأبهة السلطنة وشعار الملك وحملت على رأسه القبة والطير حملها الأمير قرقماس أمير سلاح والأمراء مشاة بين يديه وسار إلى أن طلع إلى القصر السلطاني بقلعة الجبل وجلس على تخت الملك وقبل الأمراء الأرض بين يديه على العادة‏.‏

وكان جلوسه على تخت الملك في يوم الأربعاء التاسع عشر من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة على مضي سبع عشرة درجة من النهار المذكور والطالع برج الميزان بعشر درجات وخمس وعشرين دقيقة وكانت الشمس في السادس والعشرين من السنبلة والقمر في العاشر من الجوزاء وزحل في الثاني والعشرين من الحمل والمشتري في السابع عشر من القوس والمريخ في الخامس من الميزان والزهرة في الحادي عشر من الأسد وعطارد في الرابع عشر من السنبلة والرأس في الثاني من الميزان‏.‏



أصل الملك الظاهر جقمق وقدومه إلى مصر ونسبته بالعلائي ثم بالظاهري فنقول‏:‏ كان جاركسي الجنس وأخذ من بلاده صغيرًا فاشتراه خواجا كزلك وكزلك بفتح الكاف وسكون الزاي وفتح اللام وكسرها وسكون الكاف الثانية‏.‏

وجلبه خواجا كزلك المذكور إلى الديار المصرية فابتاعه منه الأتابك إينال اليوسفي وقيل ولده أمير علي بن إينال المذكور وهو الأصح ورباه عنده وأرسله مع والدته إلى الحج‏.‏

ثم عاد جقمق إلى القاهرة في خدمة والدة أمير علي المذكور وكانت والدة أمير علي متزوجة بشخص من الأجناد من أمير آخورية السلطان يسمى نغتاي‏.‏

ونغتاي بفتح النون والغين المعجمة وبعدهما تاء مفتوحة وألف وياء ساكنة‏.‏



ولما قدم جقمق إلى القاهرة أقام بها مدة يسيرة وتعارف مع أخيه جاركس القاسمي المصارع وكان جاركس يوم ذاك من أعيان خاصكية أستاذه الملك الظاهر برقوق فكلم جاركس الملك الظاهر برقوقًا في أخذ جقمق هذا من أستاذه أمير علي بن إينال فطلبه الملك الظاهر منه في سرحة سرياقوس وأخذه وأعطاه لأخيه جاركس إنيًا بطبقة الزمام من قلعة الجبل‏.‏

وقد اختلفت الأقوال في أمر عتقه‏:‏ فمن الناس من قال إن أمير علي كان أعتقه قبل أن يطلبه الملك الظاهر منه فلما طلبه الملك الظاهر سكت أمير علي عن عتقه لتنال جقمق السعادة بأن يكون من جملة مشتروات الملك الظاهر وكان كذلك‏.‏
وهذا القول هو الأقوى والمتواتر بين الناس ولما يأتي بيانه‏.‏

ومن الناس من قال إنه كان في الرق وقدمه أمير علي إلى الملك الظاهر لما طلبه منه ولو كان حرًا يوم ذاك لاعتذر بعتقه‏.‏

وهذا أيضًا مقبول غير أن الذي يقوي القول الأول يحتج بأن الملك الظاهر جقمق هذا لما كان أمير طبلخاناه وخازندارًا في الدولة المؤيدية شيخ أخذ الشهابي أحمد بن أمير علي بن إينال اليوسفي وهو صغير ووقف به إلى السلطان الملك المؤيد وسأل السلطان فيه ليكون من جملة المماليك السلطانية فسأل المؤيد عن أحمد المذكور فقال جقمق‏:‏ ‏"‏ يا خوند هذا ابن استاذي أمير علي ‏"‏ فقال المؤيد‏:‏ ‏"‏ ومن أين يكون هذا ابن استاذك الملك الظاهر أعتقك بحضرتنا الجميع وأخرج لك خيلًا على العادة ‏"‏‏.‏



فقال جقمق‏:‏ ‏"‏ نعم هو كما قال السلطان غير أن أمير علي كان أعتقني قبل ذلك وسكت عن عتقي لما طلبني الملك الظاهر منه ‏"‏‏.‏

فغضب الملك المؤيد من ذلك ووبخه كونه أنكر عتاقة الملك الظاهر له واعترف بعتاقة أمير علي ولم ينزل لذلك أحمد المذكور في جملة المماليك السلطانية فأخذه جقمق عنده وتولى تربيته‏.‏

قلت‏:‏ وعندي اعتراض آخر وهو أنه يمكن أن الملك الظاهر كان هو الذي أعتقه وإنما أراد الملك الظاهر جقمق بقوله إن أمير علي أعتقه ليعظم الأمر على الملك المؤيد لينزل أحمد المذكور في جملة المماليك السلطانية لكثرة حنوه على أحمد المذكور ولم يدر أن الملك المؤيد يغضبه ذلك فإنه يقال في الأمثال‏:‏ ‏"‏ صاحب الحاجة أعمى لا يريد إلا قضاءها ‏"‏‏.‏



وكان الملك الظاهر جقمق في طبعه الرأفة والشفقة على أيتام الأجانب فكيف الأقارب ولا أستبعد ذلك ‏.‏

فنقول‏:‏ واستمر جقمق هذا عند أخيه بطبقة الزمام مدة يسيرة وأعتقه الملك الظاهر برقوق وأخرج له خيلًا وقماشًا على العادة بمفرده وهو أن بعض المماليك السلطانية من طبقة الزمام المذكورة توفي فقام جاركس في مساعدة أخيه جقمق هذا حتى أخذ له جامكيته وخيله‏.‏
وأعتقه الملك الظاهر ثم جعله بعد قليل خاصكيًا كل ذلك بسفارة أخيه جاركس المذكور‏.‏
واستمر جقمق خاصكيًا إلى مات الظاهر برقوق وصار ساقيًا في سلطنة الملك الناصر فرج ثم تأمر عشرة إلى أن خرج أخوه جاركس عن طاعة الملك الناصر فرج فأمسك السلطان جقمق هذا وحبسه بواسطة عصيان أخيه فدام في السجن إلى أن شفع فيه الوالد وجمال الدين يوسف الأستادار وأطلق من السجن‏.‏

ثم قتل جاركس فانكف جقمق هذا عن الدولة بتلطف إلى أن قتل الملك الناصر وملك شيخ المحمودي الديار المصرية فأنعم عليه بإمرة عشرة ثم نقله بعد سلطنته بمدة إلى إمرة طبلخاناه جعله خازندارًا كبيرًا بعد انتقال الأمير يونس الركني إلى نيابة غزة‏.‏



ثم نقل إلى إمرة مائة وتقدمة ألف في دولة المظفر أحمد ابن الملك المؤيد شيخ‏.‏
ثم صار حاجب الحجاب بعد الأمير طرباي في أواخر الدولة الصالحية محمد أو في أوائل الدولة الأشرفية برسباي‏.‏
ثم نقل إلى الأمير آخورية الكبرى عوضًا عن الأمير قصروه من تمراز بحكم انتقال قصروه إلى نيابة طرابلس في أوائل صفر من سنة ست وعشرين وثمانمائة وتولى الحجوبية من بعده الأمير جرباش الكريمي المعروف بقاشق‏.‏
ثم نقل من الأمير آخورية إلى إمرة سلاح بعد إينال الجكمي واستقر عوضه في الأمير آخورية الأمير حسين بن أحمد البهسني التركماني المدعو تغري برمش‏.‏
ودام على ذلك سنين إلى أن نقل إلى أتابكية العساكر بالديار المصرية‏.‏
عوضًا عن إينال الجكمي أيضًا بحكم انتقال الجكمي إلى نيابة حلب بعد عزل قرقماس الشعباني وقدومه على إقطاع إينال الجكمي مقدم ألف بالقاهرة‏.‏
فاستمر أتابكًا إلى أن مات الملك الأشرف برسباي في ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وثمانمائة بعد أن أوصى جقمق على ولده وجعله مدبر مملكته إلى أن صار من أمره ما رقاه إلى السلطنة‏.‏
وقد ذكرنا ذلك كله مفصلًا غير أننا أعدناه هنا لينتظم سياق الكلام مع سياقه .‏



ولنعد الآن إلى ما كنا فيه‏:‏ ولما جلس الملك الظاهر جقمق على تخت الملك وتم أمره وخلع على الخليفة وعلى الأمير قرقماس وقيد لهما فرسين بقماش ذهب ولقب بالملك الظاهر أبي سعيد جقمق‏.‏
ثم نودي في الحال بالقاهرة ومصر بسلطنته والدعاء له وأن النفقة لكل ملوك من المماليك السلطانية مائة دينار فابتهج الناس بسلطنته‏.‏

ثم أمر السلطان فقبض على الطواشي صفي الدين جوهر الجلباني الحبشي لالا الملك العزيز وهو يومئذ زمام الدار السلطاني وخلع على الزيني فيروز ثم أصبح في يوم الخميس العشرين من شهر ربيع الأول المذكور خلع على الأمير قرقماس الشعباني الناصري - أمير سلاح المعروف بأهرام ضاغ - باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية عوضًا عن نفسه وخلع على الأمير آقبغا التمرازي أمير مجلس باستقراره أمير سلاح عوضًا عن قرقماس المذكورة وخلع على الأمير يشبك السودوني حاجب الحجاب باستقراره أمير مجلس عوضًا عن آقبغا التمرازي‏.‏



وكان السلطان خير تمراز القرمشي رأس نوبة النوب في وظيفة أمير مجلس أو الأمير آخورية الكبرى فمال إلى الأمير آخورية الكبرى فخلع عليه بها عوضًا عن الأمير جانم الأشرفي بحكم حبسه بثغر الإسكندرية‏.‏
وخلع على أركماس الظاهري الدوادار الكبير باستمراره على وظيفة الدوادارية وعلى الأمير قراخجا الحسني الظاهري باستقراره رأس نوبة النوب عوضًا عن تمراز القرمشي وعلى الأمير تغري بردي البكلمشي المؤذي باستقراره حاجب الحجاب عوضًا عن يشبك السودوني وعلى الأمير تنبك البردبكي أحد أمراء الألوف باستقراره في نيابة قلعة الجبل ثاني مرة عوضًا عن تنبك النوروزي الجقمقي وخلع على الأمير قراجا الأشرفي فوقانيًا وهو آخر من بقي من مقدمي الألوف‏.‏
وباقي الإقطاعات شاغرة إلى الآن عن أصحابها‏.‏
وكتب بحضور الأمير جرباش الكريمي قاشق من ثغر دمياط وكان له به سنين كثيرة بطالًا‏.‏



ثم خلع السلطان على دولات باي المحمودي الساقي المؤيدي - أحد أمراء العشرات ورأس نوبة - باستقراره أمير آخور ثانيًا عوضًا عن يخشباي المقبوض عليه قبل تاريخه وعلى الأمير تنم من عبد الرزاق المؤيدي - أحد أمراء العشرات ورأس نوبة - باستقراره محتسب القاهرة عوضًا عن الإمام نور الدين السويفي وعلى قاني باي الجاركسي - الذي تأمر قبل تاريخه بمدة يسيرة - باستقراره شاد الشراب خاناه عوضًا عن علي باي الأشرفي بحكم القبض عليه واستمر على إمرة عشرة وعلى الأمير قاني باي الأبوبكري الأشرفي الساقي باستقراره خازندارًا عوضًا عن جكم خال العزيز بحكم القبض عليه أيضًا‏.‏

ثم أنعم السلطان على جماعة كثيرة جدًا باستقرارهم أمراء عشرات يطول الشرح في ذكرهم لأنها دولة أقيمت بعد ذهاب دولة وتغير جميع من كان من أرباب الوظائف الذين كانوا في الدولة الأشرفية من الخاصكية وغيرهم واستقر جماعة كبيرة رؤوس نوب منهم من خلع عليه قبل أن يلبس فوقاني الإمرة وهو إلى الآن بحياصة ذهب‏.‏



ونالت السعادة جميع المماليك المؤيدية الأصاغر بحيث إن بعضهم كان فقيرًا يعيش بالتكدي فأخذ إقطاعًا هائلًا واستقر بوابًا دفعة واحدة وأشياء كثيرة من هذا ذكرناها في غير هذا المحل‏.‏

ثم في يوم الاثنين رابع عشرين شهر ربيع الأول المذكور جلس السلطان الملك الظاهر جقمق بالمقعد المطل على الحوش تجاه باب الحوش المذكور وابتدأ فيه بنفقة المماليك السلطانية لكل ثم في يوم الثلاثاء خامس عشرينه وصل الأمير جرباش قاشق من ثغر دمياط فأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بالقاهرة‏.‏



ثم في يوم الخميس سابع عشرينه عمل السلطان المولد النبوي بالحوش على العادة وزاد فيه زيادات حسنة من كثرة الأسمطة والحلاوات وانفض الجميع بعد صلاة المغرب‏.‏

ثم في يوم السبت تاسع عشرينه تجمع تحت القلعة نحو ألف مملوك من مماليك الأمراء يريدون النفقة كما نفق على المماليك السلطانية فأمر لهم السلطان بنفقة فنفقت فيهم ولم يكن لذلك عادة قبل تاريخه‏.‏

ثم في يوم الاثنين ثالث شهر ربيع الآخر قبض السلطان تاج الدين عبد الوهاب الأسلمي - المدعو بالخطير - ناظر الإسطبل السلطاني وعلى ولديه والثلاثة أشكال عجيبة‏.‏
وفيه كانت مبادئ وقعة قرقماس مع الملك الظاهر جقمق‏.‏



وخبره أنه لما كان يوم الثلاثاء المذكور ثار جماعة كبيرة من المماليك القرانيص ممن كان قام مع الملك الظاهر جقمق على المماليك الأشرفية وطلبوا زيادة جوامكهم ورواتب لحمهم ووقفوا تحت القلعة فأرسل إليهم السلطان يعدهم بعمل المصلحة فلم يرضوا بذلك‏.‏
وأصبحوا من الغد في يوم الأربعاء رابع شهر ربيع الآخر على مواقفهم‏.‏
وركب السلطان ولعب الكرة بالحوش السلطاني مع الأتابك قرقماس الشعباني وغيره من الأمراء إلى أن انتهى لعبهم فأسر بعض من تأمر من المماليك المؤيدية إلى السلطان بأن الأتابك قرقماس يريد الركوب على السلطان فنهره السلطان واستبعد وقوع ذلك من قرقماس لا سيما في هذا اليوم‏.‏



هذا وقد كثر جمع المماليك السلطانية من الأشرفية وغيرهم ووقفوا تحت القلعة كما كانوا في أمسه ثم وقفوا عند باب المدرج أحد أبواب القلعة وصاروا كلما نزل أمير من الخدمة السلطانية اجتمعوا به وكلموه في عمل مصالحهم‏.‏

ووقع لهم ذلك مع جماعة كبيرة من الأمراء إلى أن نزل الأتابك قرقماس فأحاطوا به وحدثوه في ذلك وأغلظوا في حق السلطان فوعدهم قرقماس بأنه يتحدث بسببهم مع السلطان وبش لهم وألان معهم في الكلام فطمعوا فيه وأبوا أن يمكنوه من الرجوع إلى السلطان وكلموه في الركوب على السلطان وهم يوافقوه على ذلك فأخذ يمتنع تمنعًا ليس بذاك‏.‏
وظهر من كلامه في القرائن أنه يريد كثرة من يكون معه وأن ذلك لا يكون في هذا اليوم‏.‏
فلما فهموا منه ذلك تحركت كوامن المماليك الأشرفية من الملك الظاهر جقمق وانتهزوا الفرصة وقصدوا الركوب ووقوع الحرب في الحال بجهل وعدم دربة بالوقائع والحروب وأخذوه ومضوا وهم في خدمته إلى بيته وكار سكنه بملكه بالقرب من المدابغ خارج باب زويلة‏.‏



وتلاحق بهم جماعة كثيرة من أعيان المماليك السلطانية وبعض الأمراء وعليهم السلاح وراودوه على الركوب فلم يعجبه ذلك وقال لهم ما معناه أن له أصحابًا وخجداشية كثيرة وجماعة من أكابر الأمراء لهم معه ميل وغرض ‏"‏ فاصبروا إلى باكر النهار من الغد لنتشاور معهم في أمرنا هذا وفيما نفعله ‏"‏ فامتنعوا من ذلك وأظهروا له إن لم يركب في هذا اليوم لم يوافقوه بعد ذلك‏.‏

وكان جمعهم قد كثر إلى الغاية ولكن غالبهم المماليك الأشرفية‏.‏
وكان الذي قال له ذلك الأمير مغلباي الجقمقي أستادار الصحبة على لسان بعض أصحابه وقيل إن قرقماس أراد بهذا الكلام توقفهم حتى يتفرقوا عنه ثم يصعد هو إلى القلعة ويعلم السلطان بذلك‏.‏
وعندي أن الصحيح أنه لم يرد بقوله هذا إلا تحكيم أمره حتى يأتوه من الغد بجموعهم ويأخذوه غصبًا كما فعل القوم بالملك الظاهر جقمق ويجتمع عليه حواشيه وأصحابه - وأنا أعرف بحاله من غيري‏.‏
فأبو عليه وألحوا في ركوبه في الوقت وخوفوه تفرق من اجتمع عليه في هذا اليوم وكانوا خلائق كثيرة إلى الغاية‏.‏



فنظر عند ذلك في أمره فلم يجد بدًا من موافقتهم وركوبه معهم في هذا اليوم لما في نفسه من الوثوب على السلطنة والاستبداد بالأمر وكان فيه طيش وخفة في صفة عقل ورزانة لا يفهم منه ذلك إلا من له ذوق ومعرفة بنقد الرجال‏.‏
وخاف قرقماس إن لم يركب في هذا اليوم وأراد الركوب بعد ذلك لا يوافقه أحد من هؤلاء فينحل بذلك برمه ويطول عليه الأمر لعظم صفة مظلوم مبتلى غير مرحوم ‏"‏‏.‏

وأحسن من هذا قول القائل وهو لسان حال الملك الظاهر جقمق‏:‏ الطويل وكل أداريه على حسب حاله سوى حاسدي فهي التي لا أنالها وكيف يداري المرء حاسد نعمة إذا كان لا يرضيه إلا زوالها فعند ذلك قام ولبس آلة الحرب هو ومماليكه وركب من وقته قريب الظهر من يوم الأربعاء رابع شهر ربيع الآخر المذكور وخرج من بيته بعساكر عظيمة ومعه أمراء العشرات‏:‏ الأمير أزبك السيفي قاني باي نائب الشام المعروف بأزبك جحا والأمير جانم الأشرفي المعروف برأس نوبة سيدي وكلاهما أمير عشرة‏.‏



وقد وافقه غيرهما مثل الأمير قراجا الأشرفي أحد مقدمي الألوف والأمير مغلباي الجقمقي أستادار الصحبة ووعداه أنهما يوافياه بمماليكهما بالرملة‏.‏
وخرج الأمير قرقماس من بيته بمجموعه فوافيته خارج باب زويلة من غير ميعاد وسرت معه وصحبته عساكر كثيرة من الأشرفية وغيرهم وأنا بجانبه‏.‏
فتأملت في أمره فلم يعجبني حاله لاضطراب عساكره ولعدم من يرأسهم من أعيان الأمراء ممن مرت بهم التجارب وأيضًا لكثرة قلقه في مسيره وعدم ثباته في كلامه‏.‏

وظهر لي منه أيضًا أنه لم يعجبه ما هو فيه من اختلاف كلمة من هو معه من المماليك السلطانية وآرائهم المفلوكة وكثرة هرجهم ثم صار يقول في مسيره‏:‏ ‏"‏ الله ينصر الحق ‏"‏ فيقول آخر‏:‏ ‏"‏ الله ينصر الملك العزيز يوسف ‏"‏ ويقول آخر‏:‏ ‏"‏ الله ينصر الأمير قرقماس ‏"‏ ومنهم من قال‏:‏ ‏"‏ الله ينصر السلطان ‏"‏ ولم أدر أي سلطان قصد كل ذلك في تلك المسافة القريبة من بيته إلى الرملة‏.‏



ثم كشف قرقماس رأسه وصاح‏:‏ ‏"‏ الله ينصر الحق ‏"‏ غير مرة فتعجبت أنا من دعائه لأي حق يريد فلما أن كشف رأسه تفاءل الناس بخذلانه وظهر لي منه أيضًا أنه كان يتخوف من المماليك الأشرفية لما بلغني بعد ذلك أنه بلغه في اليوم المذكور أنهم إذا انتصروا على الملك الظاهر جقمق وملكوا القلعة ضربوا رقبة قرقماس فنفر خاطره من ذلك‏.‏
وكأنه بلغه ذلك بعد ركوبه وشروعه فيما هو فيه فبقي لا يمكنه إلا الإتمام لأن الشروع ملزم والمقصود أنه سار إلى أن وصل قريبًا من جامع السلطان حسن فوافاه الأمير قراجا بطلبه ومماليكه وعليهم السلاح والأمير مغلباي الجقمقي وسارا معه من تحت مدرسة السلطان حسن إلى بيت قوصون تجاه باب السلسلة وكان يسكنه يوم ذاك الأمير أركماس الظاهري الدوادار الكبير وقد أغلقه مماليك أركماس المذكور فقصد قرقماس المذكور عبور البيت المذكور فوجده مغلقًا‏.‏

ثم دخله بعد أمور فإذا بأركماس الظاهري قد خرج من باب سر البيت المذكور ومضى إلى حال سبيله محمولًا لعجزه عن الحركة لوجع كان يعتريه برجليه وأيضًا لم يكن من هذا القبيل‏.‏



وملك قرقماس البيت ودخله وأخذ فيما يفعله مع عساكر السلطان من القتال وغيره فلم ينتظم له أمر ولا رتب له طلب من كثرة الغوغاء والهرج حتى إن باب السلسلة كان مفتوحًا منذ قدم قرقماس إلى الرملة وأخذ بيت أركماس الظاهري والأمير تمراز القرمشي الأمير آخور الكبير لم يلتفت إلى غلقه ولا تحرك من مجلسه ولا ألبس أحدًا من مماليكه السلاح ومن عظم تراخيه في ذلك نسبوه للممالأة مع قرقماس - ولا يبعد ذلك‏.‏

ومع هذا كله لم يلتفت أحد من أصحاب قرقماس إلى أخذ باب السلسلة ولا سار أحد إلى جهته جملة كافية لعظم اضطرابهم وقلة سعدهم‏.‏

كل ذلك والسلطان الملك الظاهر إلى الآن بالقلعة في أناس قليلة من خواصه وهو لا يصدق ما قيل له في حق قرقماس إلى أن حضر قرقماس إلى الرملة وملك بيت قوصون فعند ذلك ركب السلطان من الحوش السلطاني ونزل في أمرائه الصغار وخاصكيته إلى باب السلسلة وجلس بالمقعد المطل على الرميلة وقد صحب معه فرسًا عليه قماش ذهب يوهم به أنه لأجل قرقماس إذا طلع إليه طائعًا وأن قرقماس أرسل يقول له إنه يريد أن يفر من المماليك الأشرفية ويطلع إلى القلعة مسك بهذه الحركة جماعة كبيرة عن التوجه إلى قرقماس من خجداشيته وأصحابه‏.‏



كان هذا الذي فعله الملك الظاهر من أكبر المصالح فإن كان على حقيقته فقد نفع وإن كان حيلة من الملك الظاهر جقمق فكانت في غاية الحسن ومن أجود الحيل‏.‏

ولما جلس الملك الظاهر بالمقعد من الإسطبل السلطاني المطل على الرميلة نزلت جماعة من خاصكيته مشاة وعليهم السلاح وناوشوا القرقماسية بالقتال قليلًا‏.‏

ثم مر السلطان فنودي‏:‏ ‏"‏ من كان من حزب السلطان فليتوجه إلى بيت الأمير آقبغا لتمرازي أمير سلاح ‏"‏ وكان سكن آقبغا المذكور بقصر بكتمر الساقي بالقرب من الكبش تجاه مدرسة سنجر الجاولي ‏"‏‏.‏
فلما سمع الأمراء والمماليك المناداة ذهبوا إلى بيت الأمير آقبغا التمرازي فاجتمع عنده خلائق وجماعة كبيرة من الأمراء‏.‏

فممن اجتمع عنده من مقدمي الألوف‏:‏ الأمير قراخجا الحسني رأس نوبة النوب وحاجب الحجاب تغري بردي البكلمشي المؤذي ومن الطبلخاناه وغيرهم‏:‏ الأمير أسنبغا الطياري وعدة كبيرة‏.‏



ثم أرسل آقبغا التمرازي رأس نوبته لكشف خبر قرقماس ومن وافقه من الأمراء فتوجه المذكور وعاد إليه بالخبر أنه ليس معه من الأمراء إلا قراجا وأزبك جحا ومغلباي الجقمقي وجانم الأشرفي‏.‏
فقال آقبغا‏:‏ ‏"‏ إذن فلا شيء ‏"‏‏.‏
وركب فرسه وركب الأمراء معه بمن انضم عليهم من المماليك السلطانية وساروا إلى أن وصلوا إلى صليبة أحمد بن طولون عند الخانقاه الشيخونية ووقفوا هناك وتشاوروا في مرورهم إلى باب السلسلة وقد ملأت عساكر قرقماس الرميلة فمن الناس من قال‏:‏ ‏"‏ نتوجه من على المشهد النفيسي إلى باب القرافة ثم نطلع إلى القلعة ‏"‏ ومنهم من قال غير ذلك‏.‏

وبينا هم في ذلك ورد عليهم الخبر أن الأمير قراجا ومغلباي الجقمقي خرجا من عسكر قرقماس ولحقا بالسلطان فعند ذلك قوي عزم الأمراء على الطلوع إلى القلعة من سويقة منعم فساروا بمن معهم إلى أن صاروا بآخر سويقة منعم فحركوا خيولهم يدًا واحدة إلى أن وصلوا إلى القلعة بعد أن كبا بآقبغا التمرازي فرسه ثم قام به ولم يفارق السرج‏.‏



وطلعوا الجميع إلى القلعة وقبلوا الأرض بين يدي السلطان فأكرمهم السلطان غاية الإكرام وندبهم لقتال قرقماس‏.‏

فنزلوا من وقتهم بأطلابهم ومماليكهم وقد انضم معهم جميع أمراء الألوف ومخيرها‏.‏
وصف آقبغا عساكره والأطلاب الذين معه وقبل أن يعبي عساكر السلطان صدمته القرقماسية من غير تعبية ولا مصاففة لأن قرقماس لما وقف تجاه باب السلسلة لم يقدر على تعبية عساكره لكثرة المماليك وقلة من معه من الأمراء ووقف هو بينهم في الوسط ولم يكن لمعسكره قلب ولا ميمنة ولا ميسرة وذلك لقلة معرفة أصحابه بممارسة الحروب وتعبية العساكر‏.‏

وكان ذلك من أكبر الأسباب في هزيمة قرقماس فإنه تعب في موقفه ذلك اليوم غاية التعب فصار تارة يكر في الميمنة وتارة في الميسرة وتارة يقاتل بنفسه حتى أثخن جراحه وتارة يعود إلى سنجقه‏.‏



ولم يقع ذلك لعساكر السلطان فإن غالبهم كانوا أمراء ألوف وطبلخانات وعشرات فأما مقدمو الألوف فوقفت أطلابهم تحت القلعة تجاه قرقماس كل طلب على حدته فصاروا كالتعبية‏.‏

وبرزت الأمراء والخاصكية لقتال قرقماس طائفة بعد أخرى هذا مع معرفتهم بمكائد الحروب وأحوال الوقائع وآقبغا التمرازي في اجتهاد يعبي العساكر السلطانية ميمنة وميسرة وقلبًا وجناحين‏.‏

وكان قصده تعبية المجنح فلم يمهله القرقماسية وبادروه بالقتال والنزال من غير إذن قرقماس فتصادم الفريقان غير مرة والهزيمة فيها على السلطانية وتداول ذلك بينهم مرارًا كثيرة واشتد القتال وفشت الجراحات في الطائفتين وقتل الأمير جكم النوروزي أحد أمراء العشرات بوسط الرملة وهو من حزب السلطان‏.‏

كل ذلك ومنادي قرقماس ينادي في الناس‏:‏ ‏"‏ من يأتي قرقماس من المماليك السلطانية فله مائتا دينار ومن يأتيه من الزعر فله عشرون دينار ‏"‏ فكثر جمعه من الزعر والعامة‏.‏



فأخذ الملك الظاهر جقمق ينثر الذهب على الزعر فمالوا إليه بأجمعهم وقال لسان حالهم‏:‏ ‏"‏ درة معجلة ولا درة مؤجلة ‏"‏‏.‏

ثم أمر السلطان بمناد فنادى من أعلى سور القلعة‏:‏ ‏"‏ من كان في طاعة السلطان فليحضر وله الأمان كائن من كان وله كذا وكذا ‏"‏ وأوعد بأشياء كثيرة‏.‏
كل ذلك والقتال في أشد ما يكون‏.‏

ولم يكن غير ساعة جيدة إلا وأخذ عسكر قرقماس في تقهقر وتوجهت الناس إلى السلطان شيئًا بعد شيء‏.‏
وكان جماعة من أصحابنا من الناصرية وقفوا عند الصوة من تحت الطبلخاناه السلطانية حتى يروا ما يكون من أمر خشداشهم الأتابك قرقماس وهواهم وميلهم إليه فإنه قيل في الأعصار الخالية‏:‏ ‏"‏ لا أفلح من هجيت قبيلته ‏"‏ فلما رأوا أمر قرقماس في إدبار وأخذ أصحابه في التفرق عنه انحازوا بأجمعهم إلى جهة باب السلسلة وأظهر كل واحد منهم أنه كان ممن قاتل قرقماس‏.‏



ولم يخف ذلك على الملك الظاهر لكنه لم يسعه يوم ذاك إلا السكات وبالله لقد رأيت الأمير آقبغا التركماني الناصري وهو يحق بزخمته على طلبه ويندب الناس لأخذ قرقماس بعد أن أشرف على الهزيمة وعبرته قد خنقته حتى إنه لا يستطيع الكلام من ذلك‏.‏

ولما كان بين الظهر والعصر أخذ قرقماس في إدبار واضمحلت عساكره وذهبت أصحابه وجرح هو في وجهه ويده وكل وتعب وانفلت عنه جموعه وصار الرجل من أصحابه يغير لبسه ثم يطلع في الحال إلى القلعة حتى ينظره السلطان هذا والرمي عليه من أعلى القلعة مترادف بالسهام والنفوط‏.‏

وكان أصحاب قرقماس في أول حضوره إلى الرميلة اقتحموا باب مدرسة السلطان حسن فلم يقدروا على فتحه فأحرقوه ودخلوا المدرسة وصعدوا على سطحها وأرموا على السلطان بالنشاب والكفيات إلى أن أبادوا القلعيين ومع هذا كله وأمر قرقماس في إدبار‏.‏



وقبل أن تقع الهزيمة على عساكر قرقماس من الذين ثبتوا معه فر العاجل فانهزم عند ذلك عسكره بعد أن ثبتوا بعد ذهابه ساعة ثم انقلبوا الأدبار‏.‏
فما أذن العصر إلا وقد تمت الهزيمة بعد أن جرح خلائق من الطائفتين‏.‏
فكان ممن جرح من أعيان السلطانية‏:‏ الأمير آقبغا التمرازي أمير سلاح والأمير بردي المؤذي حاجب الحجاب برمح أخرق شدقه لزم منه الفراش مدة وأشرف على الموت والأمير أسنبغا الطياري أيضًا من طعنة رمح أصابه في ضلعه وجماعة كثيرة من الخاصكية والمماليك يطول الشرح في تسميتهم‏.‏

وعندما انهزمت عساكر قرقماس أخذوا سنجقه وطلعوا به إلى السلطان قرقماس فلم يعرف أين ذهب فتوهم السلطان أنه توجه إلى جهة الشام فندب آقبغا التمرازي في جماعة إلى جهة الخانقاه فسار إلى أن قارب المرج والزيات فلم يجد في طريقه أثر أحد من العساكر فعلم أن قرقماس اختفى بالقاهرة فعاد‏.‏
وأما الزعر فإنهم لما رأوا الهزيمة على القرقماسية أخذوا في نهبهم توجهوا إلى داره فنهبوها وأخذوا جميع ما فيها‏.‏

وفي الحال سكنت الفتنة وفتحت الدكاكين ونودي بالأمان والبيع والشراء‏.‏
وأخذ أهل الحرس في تتبع قرقماس وحواشيه وندب السلطان أيضًا جماعة من خواصه في الفحص عن أمره‏.‏
وما أمسى الليل حتى ذهب أثر الفتنة كأنها لم تكن وبات الناس في أمن وسلام‏.‏



وأما السلطان فإنه لما تحقق هزيمة قرقماس قام من مجلسه بمقعد الإسطبل وطلع إلى القلعة مؤيدًا منصورًا كأول يوم تسلطن فإنه كان في بحران كبير من قرقماس وشدة بأسه وعظم شوكته وجلالته في النفوس‏.‏
وقد كان الملك الظاهر يتحقق أن قرقماس لا بد له من الركوب عليه لحبه للرئاسة وتشعب رأسه بالسلطنة ولا يمكنه القبض عليع لاضطراب أمره كما هي أوائل الدول فكان السلطان يريد مطاولته من يوم إلى يوم إلى أن يتمكن منه بأمر من الأمور فعجل الله له أمره بعد شدة هالته عقبها فرج وأمن‏

ولما أصبح يوم الخميس خامس شهر ربيع الأخر عملت الخدمة السلطانية بالقصر السلطاني وطلع القضاة والأعيان وهنؤوه بالنصر والظفر وقد وقف على باب القصر جماعة من أمراء المؤيدية الرؤوس نوب مثل جانبك المحمودي وعلي باي العجمي وأمثالهما ومنعوا المماليك الأشرفية من الدخول إلى الخدمة السلطانية وصار كل واحد منهم يضرب المملوك من الأشرفية على رأسه وأكتافه بالعصي حتى يمنعه من الدخول هذا بعد أن يوسعه سبًا وتوبيخًا وقطع رواتب جماعة كثيرة منهم‏.‏



ثم أمر السلطان القضاة فجلسوا بجامع القلعة بسبب قطع سلالم مآذن مدرسة السلطان حسن فحكم قاضي القضاة شمس الدين محمد بن البساطي المالكي بقطعها وألزم الناظر على المدرسة بقطعه السلالم المذكورة فقطعت في الحال‏.‏

ثم أمر السلطان بالفحص عن قرقماس ونودي عليه بشوارع القاهرة وهدد من أخفاه فظفر به من الغد في يوم الجمعة سادس شهر ربيع الآخر‏.‏
وكان من خبره أنه لما انهزم سار وحده إلى جهة الرصد وقيل معه واحد من حواشيه فأقام به نهاره ثم عاد من ليلته - وهي ليلة الخميس - إلى جهة الجزيرة ثم مضى منها إلى بستانه بالقرب من موردة الجبس وقد ضاقت عليه الدنيا بأسرها وكاد يهلك من الجوع والعطش‏.‏
فلما رأى ما حل به بعث إلى الزيني عبد الباسط يعرفه بمكانه ويأخذ له أمانًا من السلطان‏.‏
فركب عبد الباسط في الحال وطلع إلى السلطان في بكرة يوم الجمعة المذكور وعرفه بأمر قرقماس فندب السلطان ولده المقام الناصري محمدًا للنزول إليه فركب وسار في خدمته عبد الباسط حتى أتوا إلى موضع كان فيه قرقماس‏.‏



حدثني المقام الناصري محمد المذكور قال‏:‏ لما دخلت على قرقماس قام إلي وانحط يقبل قدمي فمنعته من ذلك فغلبني وقبل قدمي ثم يدي ثم شرع يتخضع إلي ويتضرع وقد علاه الذل والصغار ولم أر في عمري رجلًا ذل كذلته ولا جزع جزعه‏.‏

وأخذت أسكن روعه وجعلت في عنقه منديل الأمان الذي أرسله والدي إليه‏.‏
فقبل يدي ثانيًا ثم أراد الدخول تحت ذيلي فلم أمكنه من ذلك إجلالًا له‏.‏
ثم خرجنا من ذلك المجلس وركبنا وأركبناه فرسًا من جنائبي ومضينا به إلى القلعة وهو في طول طريقه يبكي ويتضرع إلي بحيث إنه رق عليه قلبي‏.‏
وكلما مررنا به على أحد من العامة شتمه ووبخه وأسمعه من المكروه ما لا مزيد عليه حتى لو مكنهم رجمه لرجموه‏.‏

هذا ما حكاه المقام الناصري‏.‏
ولما أن وصل قرقماس إلى القلعة وبلغ السلطان وصوله جلس على عادته‏.‏
فحال ما مثل بين يديه خر على وجهه يقبل الأرض‏.‏
ثم قام ومشى قليلًا ثم خر وقبل الأرض ثانيًا‏.‏
هذا ووجهه كلون الزعفران من الصغار وشدة الخوف‏.‏
فلما قرب من السلطان أراد أن يقبل رجله فمنعوه أرباب الوظائف من ذلك‏.‏
ثم أخذ يتضرع فلم يطل السلطان وقوفه ووعده بخير على هينته‏.‏



ثم أمر به فأخذ وأدخل إلى مكان بالحوش فقيد في الحال وهو يشكو الجوع وذكر أنه من يوم الوقعة ما استطعتم بطعام فأتي له بطعام فأكله وقد زال عنه تلك الأبهة والحشمة من عظم ما داخله من الخوف والذل ولهجت العامة تقول في الطرقات‏:‏ ‏"‏ الفقر والإفلاس ولا ذلتك يا قرقماس ‏"‏‏.‏

قلت‏:‏ وما أبلغ قول القائل في معناه‏:‏ الوافر أرى الدنيا تقول بملء فيها حذار حذار توبيخي وفتكي ولا يغرركم مني ابتسام فقولي مضحك والفعل مبكي وأبلغ من هذا قول أبي نواس‏:‏ الطويل إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت له عن عدو في ثياب صديق ولما أمسك قرقماس المذكور تم سرور السلطان وهدأ سره وأخذ في مسك جماعة من أعيان الأشرفية فأمسك في يوم واحد أزيد من ستين خاصكيًا من أعيان المماليك الأشرفية وحبس الجميع بالبرج من قلعة الجبل‏.‏

ثم في يوم السبت سابع ربيع الآخر خلع السلطان على الأمير آقبغا التمرازي أمير سلاح باستقراره أتابك العساكر عوضًا عن قرقماس المقدم ذكره‏.‏
وخلع على يشبك السودوني أمير مجلس باستقراره أمير سلاح عوضًا عن آقبغا التمرازي وعلى الأمير جرباش قاشق باستقراره أمير مجلس عوضًا عن يشبك المذكور‏.‏



وفي هذا اليوم أيضًا انزل بالأمير قرقماس الشعباني المقدم ذكره مقيدًا من القلعة على بغل على العادة إلى الإسكندرية بعد أن سمع من العامة مكروهًا كثيرًا إلى الغاية كل ذلك لأنه كان لما ولي الحجوبية بالديار المصرية شدد على الناس وعاقب على المسكرات العقوبات الخارجة عن الحد فإنه كان في ظلم وجبروت فلما أن وقع له ما وقع صار من كان في نفسه شيء انتقم منه في هذا اليوم ويوم طلوعه فنعوذ بالله من زوال النعم‏.‏

ثم في يوم الاثنين تاسعه قرىء عهد السلطان الملك الظاهر جقمق بالقصر السلطاني من قلعة الجبل وقد حضر الخليفة أمير المؤمنين أبو الفتح داؤد والقضاة الأربعة وتولى قراءته كاتب السر الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله وكان من إنشاء القاضي شرف الدين الأشقر نائب كاتب السر‏.‏

ولما انتهى كاتب السر من قراءة العهد خلع السلطان على الخليفة والقضاة وعلى كاتب السر ونائبه شرف الدين المذكور وانفض الموكب‏.‏

ثم في يوم السبت رابع عشر شهر ربيع الآخر أنعم السلطان على الأمير الأشرفي أحد مقدمي الألوف بإقطاع الأتابك آقبغا التمرازي بحكم انتقال على إقطاع الأتابك قرقماس الذي هو برسم من يكون أتابك العساكر وكان السلطان زاد قرقماس تقدمة أخرى زيادة على إقطاع الأتابكية يترضاه بذلك فلم السلطان بالزيادة على آقبغا بل أنعم بها على بعض الأمراء‏.‏



وأنعم السلطان بتقدمة قراجا على الأمير ألطنبغا المرقبي المؤيدي الذي كان ولي حجوبية الحجاب الدولة المؤيدية وكان له مدة طويلة بطالًا ثم صار أمير عشرة‏.‏

وأنعم السلطان مائة وتقدمة ألف على الأمير إينال الأبو بكري الأشرفي عوضًا عن قرقماس التقدمة التي كانت مع قرقماس زيادة على إقطاع الأتابكية المقدم ذكرها‏.‏
بإقطاع إينال ووظيفته الدوادارية الثانية على الأمير أسنبغا الطياري الحاجب الثاني‏.‏
وفيه حضر المقر الكمالي محمد بن البارزي من دمشق بطلب بعد أن تلقاه جميع أعيان الديار المصرية‏.‏

وأصبح من الغد في يوم الثلاثاء سابع عشر ربيع المذكور خلع السلطان عليه باستقراره في كتابة السر الشريف بالديار المصرية عوضًا عن الصاحب بدر الدين بن نصر الله بحكم عزله وهذه ولاية كمال الدين المذكور لوظيفة كتابة السر ثالث مرة وهي أعظم ولاياته لأنه صار صهر السلطان وكاتب سره‏.‏



وفي يوم الثلاثاء هذا خلع السلطان على الأمير أسنبغا الطياري بالدوادارية الثانية وخلع على الأمير يلبغا البهائي الظاهري أحد أمراء العشرات باستقراره حاجبًا ثانيًا عوضًا عن أسنبغا الطياري‏.‏
ثم في يوم الخميس تاسع عشره خلع السلطان على الأمير إينال الأبوبكري الأشرفي باستقراره أمير حاج المحمل وأنعم عليه بعشرة آلاف دينار‏.‏
هذا والقبض على المماليك الأشرفية مستمر في كل يوم وكل من قبض عليه منهم أخرج إقطاعه ووظيفته وحبس بالبرج من القلعة وقد عين السلطان جماعة منهم للنفي إلى الواحات‏.‏

ثم في يوم الأربعاء خامس عشرينه أخرج السلطان جماعة كبيرة من المماليك الأشرفية من برج القلعة وأمر بنفيهم إلى الواحات فخرجوا من القاهرة من يومهم وكانوا عدة كبيرة‏.‏

ثم في يوم السبت خامس جمادى الأولى رسم السلطان بالإفراج عن الأمير خشقدم الطواشي اليشبكي مقدم المماليك كان ونائبه فيروز الركني من سجن الإسكندرية ورسم لها بالتوجه إلى دمياط على حمل خمسة عشر ألف دينار‏.‏

وفيه ورد كتاب الأمير حسين بن أحمد المدعو تغري برمش نائب حلب على السلطان يتضمن أنه مقيم على طاعة السلطان وأنه لبس التشريف المجهز له وقبل الأرض فلم يكترث الملك الظاهر بذلك وكتب ملطفات إلى أمراء حلب بالقبض عليه إن أمكنهم ذلك‏.‏



ثم في ثامن جمادى الأولى استقر الشريف صخرة بن مقبل بن نخبار في إمرة الينبع عوضًا عن الشريف عقيل بن زبير بن نخبار‏.‏

ثم في يوم الخميس عاشره استقر زين الدين يحيى ابن كاتب حلوان الأشقر المعروف بقريب ابن أبي الفرج ناظر الإسطبل السلطاني على مال بذله في ذلك بعد سعي كبير وخلع السلطان أيضًا على محمد الصغير معلم النشاب أحد ندماء السلطان باستقراره في نيابة دمياط بعد عزل الأمير أسنباي الزردكاش الظاهري‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء خامس عشر جمادى الأولى المذكور طلب السلطان الشيخ حسن العجمي أحد ندماء الملك الأشرف برسباي فلما مثل بين يديه تقدم الشيخ حسن ليقبل يد السلطان فضربه السلطان بيده على خده لطشة كاد أن يسقط منها إلى الأرض ثم أمر به فعري وضرب بالمقارع ضربًا مبرحًا وشهر بالقاهرة ثم سجن ببعض الحبوس وذلك لسوء سيرة حسن المذكور وقلة أدبه مع الأمراء في أيام الملك الأشرف برسباي‏.‏
وكان أصل هذا حسن من أوباش الأعاجم المولدة من الجغتاي واتصل بالملك الأشرف بعد سلطنته بسنين ونادمه واختص به فنالته السعادة وعمر له الملك الأشرف زاوية بالصحراء بالقرب من تربة الملك الظاهر برقوق وأوقف عليها وقفًا جيدًا‏.‏
وكان حسن المذكور في أيام أستاذه الملك الأشرف يدخل إلى أكابر الأمراء ويكلفهم ويأخذ منهم ما أراد من غير تحشم وعدم اكتراث بهم فكأنه طرق الملك الظاهر جقمق وفعل معه ذلك فأسرها الملك الظاهر له إلى وقتها مع ذنوب أخر حتى فعل معه ما فعل ثم نفاه إلى قوص فدام به إلى أن مات فيما أظن‏.‏
ثم جهز السلطان الأمير سودون المحمدي وخلع عليه بنظر مكة المشرفة وندبه أيضًا لقتال عرب بلي وصحبته جماعة من المماليك السلطانية وعرب بلي هؤلاء هم الذين فعلوا بالحجاج ما فعلوه في موسم السنة الخالية‏.‏

وندب بعده أيضًا الشهابي أحمد بن إينال اليوسفي أحد أمراء العشرات لإصلاح مناهل الحجاز وتقوية لسودون المحمدي‏.‏
ثم خلع السلطان على الأمير أقبغا من مامش التركماني الناصري أحد أمراء العشرات ورأس نوبة باستقراره في نيابة الكرك بعد عزل الصاحب خليل بن شاهين الشيخي وانتقاله إلى أتابكية صفد‏.‏



ثم في يوم الخميس أول شهر رجب أنفق السلطان في المماليك السلطانية نفقة الكسوة وكانت عادتهم أن يدفع لكل واحد منهم خمسمائة درهم من الفلوس فلما قرب أوان تفرقة الكسوة وقفوا في يوم الاثنين ثامن عشرين جمادى الآخرة وطلبوا أن ينفق فيهم عن ثمن الكسوة عشرة دنانير لكل واحد فما زالوا به حتى أنفق فيهم ألف درهم الواحد ولكل خاصكي ألفًا وخمسمائة‏.‏

وفيه رسم السلطان بأن يكون نواب القاضي الشافعي خمسة عشر ونواب الحنفي عشرة ونواب المالكي والحنبلي أربعة أربعة ووقع ذلك أيامًا ثم عادوا إلى ما كانوا عليه‏.‏
قتل قرقماس الشعباني الناصري المقدم ذكره ولما كان يوم الخميس ثامن شهر رجب جمع السلطان القضاة بالقصر بعد الخدمة السلطانية وادعى القاضي علاء الدين علي بن أقبرس أحد نواب الحكم لشافعية عند القاضي المالكي شمس الدين البساطي على الأمير قرقماس المذكور بأنه خرج عن الطاعة وحارب الله ورسوله وأن بقاءه بالسجن مفسدة وإثارة فتنة وأن في قتله مصلحة وشهد بخروجه عن الطاعة ومحاربته جماعة من أكابر الأمراء فحكم البساطي بموجب ذلك فقيل له‏:‏ ‏"‏ ما موجبه ‏"‏ فقال‏:‏ ‏"‏ القتل ‏"‏ انفض المجلس‏.‏
فندب السلطان طوغان السيفي آقبردي المنقار أحد الخاصكية لقتله فسافر طوغان إلى الإسكندرية ودفع لنائبها ما على يده من المحضر المكتتب على قرقماس وحكم القاضي المالكي بقتله فأخرجه النائب من السجن فقرىء عليه حكم حدثني طوغان المذكور بعد عوده من الإسكندرية قال‏:‏ لما وصلت إلى إسكندرية ودفعت إلى الأمير تمربابي التمربغاوي نائب الإسكندرية ما كان على يدي من المراسيم السلطانية وغيرها بقتل قرقماس فأمر به تمرباي فأخرج من سجنه بقيده يده إلى بين يدي النائب‏.‏



فقام النائب وأجلسه مكانه وسأله في الأعذار فأعذر وقد امتلأ المجلس بالناس وصار النائب يستحي أن يأمره بالقيام حتى تكلم بعض من حضر بانفضاض المجلس وقد حضر المشاعلي والوالي وأقيم قرقماس وأخذ لتضرب رقبته فجزع جزعًا عظيمًا وشرع يقول لي‏:‏ ‏"‏ يا أخي يا طوغان تضرب رقبتي في هذا الملأ ‏"‏ وكرر ذلك غير مرة‏.‏
فقلت له‏:‏ ‏"‏ يا خوند أنا عبد مأمور والشرع حكم بذلك ‏"‏‏.‏
فقدم واجلس على ركبتيه وأخرج المشاعلي سيفًا من غير قراب بل كان ملفوفًا بحاشية من حواشي الجوخ التي لا ينتفع بها فلما رأيت ذلك قلت للمشاعلي‏:‏ ‏"‏ إيش هذا السيف الوحش ‏"‏‏.‏
قال‏:‏ ‏"‏ لا بل هو سيف جيد ‏"‏‏.‏
ثم أخذ المشاعلي السيف المذكور وضرب به رقبة قرقماس فقطعت من رقبته مقدار نصف قيراط لا غير وعند وقوع الضربة في رقبة قرقماس صاح صيحة واحدة مات فيها من عظم الوهم‏.‏

ثم ضربه المشاعلي أخرى ثم ثالثة وفي الثالثة حزها حزًا حتى تخلصت‏.‏
كل ذلك وقرقماس لا يتكلم ولا يتحرك سوى الصيحة الأولى فعلمت بذلك أنه مات في الضربة الأولى من عظم ما داخله من الوهم وكان ذلك في يوم الاثنين ثاني عشر شهر رجب من سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة‏.‏



ومات قرقماس وسنه نيف على الخمسين سنة تخمينًا ويأتي بقية أحواله عند ذكر الوفيات من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى‏.‏

تم في يوم الاثنين ثاني عشر شهر رجب خلع السلطان على الأمير يلبغا البهائي الظاهري برقوق أحد أمراء الطبلخانات وثاني حاجب باستقراره في نيابة الإسكندرية عوضًا عن الأمير تمرباي التمربغاوي بحكم عزله‏.‏
ثم ندب السلطان الأمير يشبك السودوني الأمير سلاح لسفر الصعيد وعين معه عدة كبيرة من المماليك الأشرفية نجدة لمن تقدم قبله لقتال عرب الصعيد وخرج في يوم الاثنين ثاني شهر رمضان بمن معه من المماليك الأشرفية‏.‏

ثم في يوم الاثنين تاسع شهر رمضان قدم الأمير الطواشي خشقدم اليشبكي ونائبه فيروز الركني الرومي من ثغر دمياط وأمرهما السلطان بالتوجه إلى المدينة النبوية صحبة ركب الحاج ليقيما بها‏.‏



ثم في يوم الأربعاء حادي عشر شهر رمضان المذكور ورد على السلطان كتاب الأمير قاني باي الحمزاوي نائب حماة يتضمن ورود الأمير بردبك العجمي الجكمي حاجب الحجاب بحلب عليه وصحبته من أمراء حلب أميران بعد هزيمتهم من الأمير تغري برمش نائب حلب بعد خروجه عن طاعة السلطان وعصيانه‏.‏

وكان أشيع خبر عصيانه إشاعات فلما ورد هذا الخبر تحقق كل أحد صحة ما أشيع‏.‏
وكان من خبر عصيانه أن تغري برمش المذكور كان له من يوم مات الملك الأشرف برسباي أخذ في أسباب الخروج واحترز على نفسه في عوده صحبة العساكر إلى حلب غاية الاحتراز حتى إنه لم يدخل حلب إلا بعد خروج العساكر المصرية منها بعد أيام‏.‏
ولما دخل حلب شرع في تدبير أمره والنظر في ما يفعله لنفسه‏.‏

ولم يكن له غرض في طلب الملك لمعرفته أن القوم لا يرضونه لذلك غير أنه يعلم أنهم لا يدعونه في نيابة حلب إن أمكنهم ذلك لكونه تركمانيًا غير الجنس‏.‏
وتحقق هذا فأخذ في عمل مصلحة نفسه واستدعى أمراء التركمان للقيام معه فأجابه جماعة كبيرة وانضم عليه خلائق‏.‏

وكان تغري برمش من رجال الدهر عارفًا بتدبير أموره جيد التصرف وعنده عقل ومكر وحدس صائب وتدبير جيد وهمة عالية على أنه كان لا يعرف المسألة الواحدة في دين الله مع جمودة في مجالسته وخشونة ألفاظ تظهر منه كما هي عادة أوباش التركمان وجميع جهده ومعرفته كانت في أمور دنياه لا غير مع جبن وبخل إلا في مستحقه‏.‏



فلما استفحل أمره بمن وافقه من أمراء التركمان في الباطن وبكثرة مماليكه وخدمه مع ما كان حصله من الأموال وبلغه مع ذلك أن الملطفات السلطانية وردت على أمراء حلب في القبض عليه رأى أنه يظهر ما استكتمه من الخروج عن الطاعة ويملك حلب وأعمالها طول عمره لما دبره أنه إذا غلب عليها وكثرت عساكره بها يحصنها ويقيم بها فإن جاءه عسكر هو قبيله قاتله وإن كانت الأخرى انهزم أمامه بعد تحصين قلعتها وتوجه إلى جهة بلاد التركمان إلى أن يعود عنها من أتاها من العساكر ولم يبق بها إلا من استنيب بها وقدمها تغري برمش وملكها منه كما كان يفعله شيخ ونوروز مع الملك الناصر فرج بن برقوق مع أن تغري برمش هذا كان أرسخ منهما قدمًا بتلك البلاد لكونه كان تركمانيًا وله أموال جمة وأكثر دهاء ومكرًا وإن كان شيخ ونوروز أعظم في النفوس وأشجع فليس هذا محل شجاعة وعظمة وإنما هو محل تشويش وتنكيد‏.‏

وتأييد ما قلته أن الملك الظاهر جقمق قلق لعصيان تغري برمش هذا أكثر من عصيان الأمير إينال الجكمي نائب الشام الآتي ذكره‏.‏

وأرسل الملك الظاهر خلفي وكلمني في المحضر المكتتب في حق تغري برمش هذا قديمًا من قتله لبعض مماليك الوالد لما كان تغري برمش المذكور بخدمة الوالد على ما سيأتي بيانه في ذكر وفيات هذا الكتاب إن شاء الله تعالى وكلمني الملك الظاهر في أمر تغري برمش بسبب المحضر وغيره فلحظت منه ما ذكرته من تخوفه من طول أمر تغري برمش المذكور معه ‏.‏



وكان أول ما بدأ به تغري برمش أنه أخذ يستميل الأمير حطط نائب قلعة حلب فلم يتم له ذلك‏.‏
فأخذ يدبر على أخذ القلعة بالحيل فأحس حطط وكلم أمراء حلب بسببه واتفقوا على قتاله وبادروه وركبوا عليه بعد أمور وقعت يطول شرحها‏.‏

ورمى عليه حطط من أعلى قلعة حلب وركب الأمير بردبك العجمي الجكمي حاجب حلب والأمير قطج من تمراز أتابك حلب وجماعة أمراء حلب وعساكرها وواقعوه فصدمهم بمماليكه صدمة بدد شملهم فيها وانهزموا وتشتتوا‏.‏
فتوجه قطج إلى جهة البيرة فيما أظن وتوجه بردبك العجمي ومعه أيضًا جماعة إلى حماة وكانت الوقعة في ليلة الجمعة ثامن عشرين شعبان ودخل بردبك حماة في آخر يوم السبت سلخ شعبان‏.‏
هذا ما كان من أمر تغري برمش ويأتي بيان أمر هذه الوقعة في كتاب تغري برمش المذكور إلى السلطان فيما بعد‏.‏
وأما ما كان من أمر السلطان فإنه لما بلغه خبر عصيانه طلب الأمراء وعمل معهم مشورة بسببه فوقع الاتفاق بعزله عن نيابة حلب وتولية غيره ثم ينتظر السلطان بعد ذلك ما يرد عليه من الأخبار من البلاد الشامية لما كان أشيع بالقاهرة أن الأمير إينال الجكمي هو الذي أشار لتغري برمش المذكور بالخروج عن الطاعة وأنه موافقه في الباطن فلذلك لم يعين السلطان أحدًا من العساكر المصرية ولا نواب البلاد الشامية لقتال تغري برمش‏.‏



فلما كان يوم الخميس ثاني عشر شهر رمضان المذكور كتب السلطان بنقل الأمير جلبان أمير آخور نائب طرابلس إلى نيابة حلب عوضًا عن تغري برمش المذكور وأن يستقر الأمير قاني باي الحمزاوي نائب حماة المقدم ذكره في نيابة طرابلس عوضًا عن جلبان وأن يستقر بردبك العجمي الجكمي حاجب حجاب حلب المقدم ذكره في نيابة حماة عوضًا عن قاني باي الحمزاوي‏.‏

وتوجه الأمير علي باي العجمي المؤيدي أحد أمراء العشرات ورأس نوبة بتقليد جلبان وتشريفه بنيابة حلب وتقليد بردبك العجمي بنيابة حماة وبردبك المذكور هو خال علي باي المتوجه وجالبه وبه يعرف بالعجمي على شهرة خاله المذكور‏.‏

وتوجه الأمير جانبك المحمودي المؤيدي أحد أمراء العشرات ورأس نوبة بتقليد الأمير قاني باي الحمزاوي وتشريفه بنيابة طرابلس وعلي باي وجانبك هما يوم ذاك عقد المملكة وحلها‏.‏

وبقي السلطان في قلق بسبب إينال الجكمي نائب الشام لكونه أشيع أن سودون أخا إينال الجكمي منذ قدم من عند إينال إلى القاهرة يستميل الناس إليه‏.‏














صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 25-01-2012, 02:29 AM   رقم المشاركة:593
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 54
المشاركات: 8,675
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الظاهر أبي سعيد جقمق (2)


سلطنة الظاهر أبي سعيد جقمق









وكان السلطان لما تسلطن أرسل سودون المذكور إلى جميع نواب البلاد الشامية - وكانت العادة جرت أنه يتوجه لكل نائب أمير يبشره بجلوس السلطان على تخت الملك - كل ذلك مراعاة لخاطر أخيه إينال الجكمي‏.‏

وكان السلطان أيضًا أرسل إلى إينال المذكور بخلعة ثانية مع الأمير ناصر الدين محمد بن إبراهيم بن منجك باستمراره على نيابة دمشق‏.‏

فلما كان يوم الاثنين سادس عشر شهر رمضان ورد الخبر على السلطان من الأمير طوخ مازي الناصري نائب غزة بأن الأمير ناصر الدين محمد بن منجك المقدم ذكره لما وصل من عند السلطان بما على يده من الخلعة إلى جسر يعقوب بعث إليه إينال الجكمي ساعيًا يستحثه على سرعة القدوم إلى دمشق ثم أردفه بآخر حتى قدم ابن منجك إلى دمشق في يوم السبت سابع شهر رمضان المذكور وخرج إينال إلى لقائه ولبس التشريف السلطاني المجهز إليه على يد ابن منجك وقبل الأرض وركب الفرس المحضر معه أيضًا ودخل إلى دمشق في موكب جليل ونزل بدار السعادة فاطمأن أهل دمشق بذلك فإنه كان قد أشيع أيضًا بدمشق بعصيان نائبها المذكور‏.‏



فلما كان يوم الاثنين تاسعه ركب الأمير إينال الجكمي الموكب على العادة ودخل إلى دار السعادة وجميع أمراء دمشق وسائر المباشرين بين يديه وقد اطمأن كل أحد بأن ملك الأمراء مستمر على الطاعة‏.‏

فما هو إلا أن استقر في مجلسه أشار بالقبض على أعيان أمراء دمشق فأغلق الباب وقبض على جميع الأمراء والمباشرين وكان القائم في قبض الأمراء الأمير قاني باي الأبوبكري الناصري أتابك دمشق وقانصوه النوروزي أحد مقدمي دمشق‏.‏

والمقبوض عليهم أجلهم‏:‏ الأمير برسباي الحاجب وعدة كبيرة أخر يأتي ذكرهم‏.‏
قال‏:‏ وإن علي باي العجمي وجانبك المحمودي المتوجهين بتقليد نائب حلب وطرابلس وصلا إلى غزة وأقاما بها‏.‏
فلما سمع السلطان هذا الخبر اضطرب وتشوش غاية التشويش لأنه كان عليه أدهى وأمر‏.‏
وجمع الأمراء واستشارهم في أمر إينال وتغري برمش فأشاروا الجميع بسفره‏.‏

وتذكر السلطان قول آقبغا التمرازي لما أشار عليه قبل سلطنته أن يتوجه إلى البلاد الشامية ثم يتسلطن فلم تفده التذكرة الآن‏.‏
وانفض الموكب على أن السلطان يسافر لقتال المذكورين‏.‏

ثم في يوم الأربعاء ورد الخبر على السلطان أن الأمير قطج أتابك حلب وصل أيضًا إلى حماة وأن تغري برمش أخذ مدينة عين تاب وقلعتها وأن عدة من قبض عليه الأمير إينال الجكمي من أمراء دمشق تسعة عشر أميرًا وأنه قبض أيضًا على جمال الدين يوسف بن الصفي الكركي ناظر جيش دمشق وعلى القاضي بهاء الدين محمد بن حجي كاتب سر دمشق وأن علي باي وجانبك المحمودي توجها من غزة إلى الأمير إينال الناصري العلائي نائب صفد‏.‏



ثم في يوم الخميس عشرينه ورد على السلطان كتاب الأمير تغري برمش نائب حلب مؤرخًا بثاني شهر رمضان يتضمن أنه في يوم الثالث والعشرين من شعبان لبس الأمير حطط نائب القلعة ومن معه بالقلعة السلاح وقاموا على سور القلعة ونصبوا المكاحل وغيرها وأمروا من تحت القلعة من أرباب المعايش وسكان الحوانيت بالنقلة من هناك وأنه لما رأى ذلك بعث يسأل حطط عن سبب هذا فلم يجبه‏.‏

إلى أن كان ليلة التاسع والعشرين منه ركب الأمير قطج أتابك العساكر والأمير بردبك الحاجب في عدة أمراء لابسين السلاح ووقفوا تحت القلعة فبعث إليهم جماعة من عسكره فكانت بين الفريقين وقعة هائلة انهزم فيها قطج وأنه باق على طاعة السلطان وأنه بعث يسأل حطط ثانيًا عن سبب هذه الحركة فأجاب بأن الأمير بردبك الحاجب ورد عليه مرسوم السلطان بالركوب عليك وأخذك‏.‏

وجهز تغري برمش أيضًا محضرًا ثانيًا على قضاة حلب بمعنى ما ذكره وأنه باق على طاعة السلطان وأنه لم يتعرض إلى القلعة فلم يعول السلطان على كتابه ولا على ما ذكره لما سبق عنده من خروجه عن الطاعة.‏



ثم ورد على السلطان كتاب الأمير فارس نائب قلعة دمشق بأن الأمير إينال الجكمي أمر فنودي بدمشق بالأمان والاطمئنان والدعاء للسلطان الملك العزيز يوسف وأن القاضي تقي الدين بن قاضي شهبة قاضي قضاة دمشق دعا للملك العزيز على منبر جامع بني أمية في يوم الجمعة وأن الخطبة بقلعة دمشق باقية باسم السلطان الملك الظاهر جقمق كل ذلك والسلطان قد اتفق ثم في يوم السبت حادي عشرين شهر رمضان استقر القاضي بدر الدين محمد ابن قاضي القضاة ناصر الدين أحمد التنسي أحد خلفاء الحكم المالكية قاصي قضاة الديار المصرية بعد موت العلامة شمس الدين محمد بن أحمد البساطي‏.‏

ثم أصبح السلطان من الغد في يوم الأحد ابتدأ بعرض المماليك السلطانية وعين من الخاصكية ثلاثمائة وعشرين خاصكيًا لسفر الشام مع من يأتي ذكره من أمراء الألوف وغيرهم‏.‏

ثم في يوم الاثنين ثالث عشرينه خلع السلطان على الأمير الكبير آقبغا التمرازي باستقراره في نيابة دمشق عوضًا عن إينال الجكمي بحكم عصيانه على كره منه وتمنع كبير‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء أيضًا عرض السلطان الخاصكية وعين منهم للسفر ثلاثمائة وثلاثين خاصكيًا لتتمة ستمائة وستين خاصكيًا ثم نقص منهم خمسة بعد أيام‏.‏



ثم في يوم الأربعاء خامس عشرينه عين السلطان للسفر من أمراء الألوف‏:‏ قراخجا الحسني رأس نوبة النوب وتمرباي السيفي تفربغا المشطوب ومن أمراء الطبلخانات‏:‏ الأمير طوخ من تمراز الناصري رأس نوبة ثاني وهو مسفر الأتابك آقبغا التمرازي ومن أمراء العشرات عشرة وهم‏:‏ أقطوه الموساوي وقد صار أمير طبلخاناه وتنم من عبد الرازق المؤيدي محتسب القاهرة ورأس نوبة ثم أعفي بعد ذلك ويشبك من أزوباي الناصري رأس نوبة وبايزير من صفر خجا الأشرفي رأس نوبة وآقبردي الأشرفي أمير آخور ثالث وقيز طوغان العلائي وسودون الإينالي المؤيدي المعروف بقراقاس رأس نوبة وسودون العجمي النوروزي رأس نوبة وسودون النوروزي السلاح دار رأس نوبة وجانبك النوروزي رأس نوبة وخشكلدي الناصري البهلوان‏.‏

ثم ورد الخبر على السلطان من الأمير طوغان العثماني نائب القدس بأن إينال الجكمي أطلق الأمراء الذين قبض عليهم قبل تاريخه وحلفهم للملك العزيز يوسف وذلك بشفاعة قاني باي الناصري البهلوان أتابك دمشق‏.‏

فحزر أهل المعرفة أن أمر إينال الجكمي لا يتم لتضييعه الحزم فيما فعل من الإفراج عن الأمراء بعد أن تأكدت الوحشة بينهم ومع ما كان بينه وبين الأمير برسباي الحاجب من حضوض الأنفس قديمًا‏.‏

ونفرت القلوب بذلك عن إينال الجكمي وأول من نفر عنه تغري برمش نائب حلب وقال في نفسه عن إينال المذكور‏:‏ ‏"‏ هذا في الحقيقة ليس بخارج عن الطاعة وإنما قصد بالإشاعة عنه أنه عاص حتى أقدم عليه ويقبض علي تقربًا لخاطر السلطان ‏"‏‏.‏



وهو معذور في ذلك فإن مثل هؤلاء ما كان يفرج عنهم بشفاعة ولا لشفقة عليهم وقد قصد ما قصد ولله در المتنبي في قوله‏:‏ الكامل لا يخدعنك من عدوك دمعه وارحم شبابك من عدو ترحم لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم ومن يومئذ أخذ أمر إينال الجكمي في الاضمحلال قليلًا واستخف كل أحد عقله وتعجب من سوء تدبيره وكاد أخوه سودون العجمي أن يموت قهرًا لما بلغه عن أخيه إينال ذلك وهو يوم ذاك من جملة أمراء العشرات بالديار المصرية‏.‏

ثم ورد الخبر على السلطان بأن الأمير إينال العلائي الناصري نائب صفد خرج منها وسار حتى نزل بالرملة في سابع عشر شهر رمضان بعدما أرسل إليه إينال الجكمي يدعوه لموافقته وأعلمه أيضًا أنه ما قام في هذا الأمر إلا وقد وافقه نواب المماليك وأركان الدولة وعظماء أمراء مصر فلم يلتفت إينال العلائي لكلامه ثم خشي أن يكبس بصفد فخرج منها بعد أن جعل حريمه بقلعة صفد وسار حتى نزل الرملة فسر السلطان بذلك وكتب إليه بالثناء والشكر ثم في يوم الخميس سابع عشرين شهر رمضان المذكور أنفق السلطان في العسكر المجرد إلى الشأم - وعدتهم ما بين خاصكي ومملوك‏:‏ ستمائة واثنان وخمسون نفرًا - كل واحد ثمانين دينارًا‏.‏

ثم قدم الخبر بأن الأمير جلبان المستقر في نيابة حلب وصل إلى الرملة في يوم الاثنين ثالث عشرين شهر رمضان فارًا من تغري برمش نائب حلب‏.‏

وكان من خبر تغري برمش نائب حلب أنه لما قوي أمره وبلغه عصيان إينال الجكمي أيضًا عظم أمره واستدعى التركمان إلى حلب فقدم عليه منهم جماعة كبيرة إلى الغاية ثم عمل مكحلة عظيمة من نحاس ليرمي بها على قلعة حلب‏.‏



وأخذ مع هذا كله يستميل جماعة من أهل قلعة حلب فمالوا له في الباطن وواعدوه على تسليم القلعة له وهو مع ذلك مستمر في حصار القلعة المذكورة والنقب في جدر القلعة عمال والقتال بينه وبينهم في كل يوم يزداد إلى أن بلغ الأمير حطط نائب قلعة حلب عمن وافق تغري برمش المذكور من أهل القلعة فقبض على الجميع وأخذ بعضهم وجعله في المنجنيق ورمى به على تغري برمش ثم قتل جماعة منهم وجعل رؤوسهم على سور قلعة حلب‏.‏

فلم يكترث تغري برمش بذلك واستمر على ما هو عليه من حصار القلعة حتى أشرف على أخذها فخوفه بعض أصحابه من وثوب أهل مدينة حلب عليه وأشاروا عليه بأن ينادي لهم بالأمان فأمر بذلك‏.‏
وكان
بلغ أهل حلب أن تغري برمش يريد أن يأمر التركمان بنهب حلب
فلما نودي بالأمان تحققوا ما كان قيل من نهب حلب وألقى الله في نفوسهم أن يركبوا عليه ويقاتلوه قبل أن يأمر بنهبهم‏.‏

فثارت العامة وأهل حلب بأجمعهم بقسيهم وسلاحهم على حين غفلة وساروا يدًا واحدة واحتاطوا بدار السعادة وبه النائب تغري برمش وقد تقدم أن تغري برمش المذكور كان جبانًا غير ثابت في الحروب ضعيف القلب عند ملاقاة العدو وليس فيه سوى جودة التدبير وحسن السياسة بحسب الحال‏.‏



وبالنسبة لأمثاله من الجهلة فعندما بلغه وثوب أهل حلب عليه لم يثبت وذهب فارًا يريد الخروج من المدينة وسار حتى وقف خارج السور في نحو الأربعين فارسًا تخمينًا وقد نهبت العامة جميع ما كان له بدار السعادة من الخيول والأموال والسلاح وامتدت أيديهم إلى مماليك تغري برمش وأتباعه يقتلونهم وينهبونهم‏.‏

وكان له المماليك الكثيرة المتجملة في لبسهم وسلاحهم غير أنهم كانوا على مذهب أستاذهم في الجبن والخور وعدم الثبات في القتال ولم يظهر لأحد منهم نتيجة في هذا اليوم ولا في يوم مصاففته للعسكر المصري بل هرب غالبهم وجاء إلى العساكر المصرية قبل وقوع القتال وتركوا أستاذهم في مثل ذلك اليوم مع عظم إحسانه لهم وتخولهم في النعم‏.‏
وكانت هذه الوقعة في يوم الثلاثاء عاشر شهر رمضان بعدما كان تغري برمش حاصر القلعة ثلاثة عشر يومًا‏.‏
وتلاحق عدة من أصحاب تغري برمش ومماليكه به ولم يجد له قوة للعود إلى حلب لقتال أهلها فسار بمن معه يريد طرابلس وانضم إليه الأمير طرعلي بن صقل سيز التركماني بأصحابه‏.‏

فلما قارب طرابلس لم يثبت الأمير جلبان وانهزم من طرابلس في العاجل إلى نحو الرملة حتى قدمها وانضم على من كان بالرملة من النواب وغيرهم‏.‏



وكان جلبان أيضًا من مقولة تغري برمش في القتال غير أن أمره كان في ستر لأمور لا تخفى على أحد‏.‏
فدقت البشائر لذلك وسر السلطان بهذا الخبر وتعجب الناس من نكبة تغري برمش المذكور مع قوة أمره وكثرة جموعه‏.‏

ولما وصل جلبان إلى الرملة واجتمع بالأمير إينال العلائي نائب صفد والأمير طوخ مازي نائب غزة والأمير طوغان العثماني نائب القدس اتفقوا على مكاتبة السلطان فكتبوا له يستدعونه للسير بنفسه بعد تجهيز العساكر بين يديه سريعًا‏.‏

وكان قدم بهذا الخبر صرغتمش السيفي تغري بردي أحد مماليك الوالد وهو يوم ذاك دوادار الأمير جلبان فخلع عليه السلطان في يوم الأحد تاسع عشرينه باستقراره دوادار السلطان بحلب عوضًا عن سودون النوروزي بحكم انتقاله إلى حجوبية حلب بعد بردبك العجمي المنتقل إلى نيابة حماة‏.‏



ثم في هذا اليوم قدم الأمير جانبك المحمودي المتوجه بتقليد قاني باي الحمزاوي بنيابة طرابلس بعد أن وصل إلى الرملة ولم يتمكن من التوجه إلى حماة خوفًا من إينال الجكمي فأثار عند قدومه إلى القاهرة شرورًا كبيرة فإنه زعم أنه ظفر بكتب جماعة من الأمراء وغيرهم إلى العصاة ببلاد الشام أوقف عليها السلطان فتعجب السلطان من ذلك غاية العجب فإنه كان من يوم جلس على تخت الملك ويده ممدودة بالإحسان لكل أحد حتى إنه ترقى في أيامه إلى الوظائف السنية والإقطاعات الهائلة جماعة من الأوباش لم يكن لهم ذكر بين الناس قبل ذلك وفيهم من لم أره قبل تاريخه ولا أعرف شكله جملة كافية وصار منهم السقاة ورؤوس نوب الجمدارية وبجمقدارية وسلاح دارية وغير ذلك وأثرى منهم جماعة ممن كان غالب معيشته بالشحاذة والتكدي لكثرة ما أغدق عليهم الملك الظاهر جقمق بالعطاء وصار ينعم عليهم بالأقمشة الفاخرة حتى إنه رهب لبعضهم الكوامل المخمل المنقوشة بأطواق السمور وبالطرز الزركش العريضة وهو مستمر على ما هو عليه ليوم تاريخه فلما وقف على الكتب قال‏:‏ هذه مفتعلة ولم ينتقم على أحد وأخذ فيما هو فيه من تجهيز العساكر‏.‏

فرار الملك العزيز ثم أصبح من الغد في يوم الاثنين سلخه عملت الخدمة بالقصر على العادة وبينما هو في ذلك بلغه من الأمير قراخجا الحسني رأس نوبة النوب فرار الملك العزيز يوسف من محبسه بدور قلعة الجبل - أعني سكنه فإنه كان سكن بقاعة البربرية من الحريم السلطاني - فاستبعد السلطان ذلك وندب بعض خواصه أن يتوجه إلى الأمير فيروز الزمام ويسأله عن صحة هذا الخبر‏.‏



فمضى المذكور لفيروز وسأله عن لسان السلطان فأنكر فيروز ذلك ودخل من وقته فلم يجد العزيز في مكانه ووجد نقبًا بقاعة البربرية يتوصل منه إلى المطبخ السلطاني فعاد القاصد بصحة الخبر على السلطان‏.‏

فلما تحقق السلطان ذهاب الملك العزيز كادت روحه أن تزهق وعظم عليه الخبر ونسي ما كان فيه من أمر إينال الجكمي وتغري برمش‏.‏

وعرف السلطان الأمراء وأكابر الدولة بذلك فما منهم إلا من ظهر عليه الخوف والفزع‏.‏
وماجت المملكة وكثر الكلام واختلفت الأقاويل في أمر الملك العزيز وفراره وفي أين توجه‏.‏
وكان من خبر العزيز - على اختلاف النقول - أن الملك العزيز لما حبس بقاعة البربرية من الدور السلطانية أقر الملك الظاهر عنده دادته سر النديم الحبشية ومعها عدة جوار أخر سراري الملك العزيز ومرضعته أيضًا ورسم لمرضعته أنها تخرج إلى حيث شاءت وجعل القائم في خدمة الملك العزيز لقضاء حوائجه طواشيًا هنديًا من عتقاء أمه خوند جلبان يسمى صندلًا وسنه دون العشرين سنة‏.‏
فصار صندل المذكور يتقاضى حوائج العزيز ويقبض له ما رتب له من النفقة من أوقاف أبيه فاحتوى صندل على جميعأمور الملك العزيز وعرف جميع أحواله‏.‏



وكان عند الطواشي يقظة ومعرفة وبقي كلما بلغه عن الملك العزيز شيء يبلغه له‏.‏
فأشيع بالقاهرة أن السلطان يريد يرسل الملك العزيز إلى سجن الإسكندرية ثم أشيع أنه يريد أن يكحله فبلغه صندل المذكور جميع ذلك فخاف العزيز خوفًا عظيمًا‏.‏

ثم بلغه أن بعض علماء العصر أفتى بقتل العزيز صيانة دماء المسلمين من كونه مخلوعًا عن الملك وله شوكة والملك الظاهر متول ولم يكن له شوكة فإن أبقي على العزيز ربما تثور شوكته ويقاتل السلطان فيقع بذلك الفساد وتسفك دماء كثيرة من المسلمين‏.‏
فلما بلغ العزيز ذلك - على ما قيل - حار في أمره فحسن له صندل المذكور الفرار فاستبعد العزيز وقوع ذلك ثم وافقه‏.‏

وكان للملك العزيز طباخ يسمى إبراهيم من أيام والده فداخله صندل في الكلام بفرار العزيز فأجابه إبراهيم المذكور أنه ينهض بذلك ويقدر على خروجه من القلعة بحيلة يدبرها‏.‏

ثم أمر إبراهيم الطباخ صندلًا أن ينقب من داخل القلعة نقبًا يصل إلى المطبخ المذكور وأن إبراهيم ينقب من خارج المطبخ مقابله‏.‏
فأمر العزيز جواريه بالنقب من داخل القلعة مساعدة للطباخ حتى تهيأ ذلك‏.‏



وتم هذا وصندل يتحدث مع جماعة من المماليك الأشرفية في مساعدة الملك العزيز إذا خرج ونزل من القلعة فمال إلى ذلك جماعة‏:‏ منهم طوغان الزردكاش وأزدمر مشد الملك العزيز أيام أبيه في آخرين من المماليك الأشرفية وبذلوا لصندل الطاعة في ذلك ورغبوه في نزول الملك العزيز إليهم واستحثوه على ذلك‏.‏

وتكلم طوغان الزردكاش مع جماعة أخر من الأشرفية فمال الجميع إلى نزوله إليهم مع عدم الاتفاق مع أكابر الأشرفية ولا تشاوروا في ذلك بل صاروا يحرضون صندلًا على نزوله ولم يعينوا له مكانًا يجلس فيه إلى أن يفعلوا له ما هو قصدهم فلم يعرف صندل العزيز ذلك بل صار يمليه بخلاف الواقع إلى أن انتهى النقب المذكور‏.‏

فلما كان الإفطار من ليلة الاثنين سلخ شهر رمضان من سنة اثنتين وأربعين والناس في شغل بالصلاة والفطر أخرج الطباخ الملك العزيز من النقب عريانًا مكشوف الرأس فألبسه الطباخ من ثيابه ثوبًا مملوءًا بسواد القدور والأوساخ وحمله قدرًا فيه طعام وقيل صحنًا فيه منفوع الطباخين من الطعام يوهم الطباخ بذلك أنه صبيه ثم جعل على يده خافقية فيها طعام وغير وجه الملك العزيز ويديه بالزفر وسواد القدور‏.‏



وخرجا جميعًا من غير هرج ولا اضطراب ولا خوف حتى وصلا إلى باب القلعة فوافاهم الأمراء والخاصكية وقد خرجوا بعد إفطارهم من عند السلطان‏.‏
فلما رأى إبراهيم الطباخ الأمراء والخاصكية خاف أن يفطن به أحد لجمال وجهه وحسن سمته ولما عليه من الرونق فضربه ضربة بيده وسبه يريد بذلك أنه صبيه ويستحثه على سرعة الحركة والمشي ليرد الوهم عنه بذلك‏.‏

فأسرع الملك العزيز في المشي وسارا حتى نزلا من قلعة الجبل فإذا صندل وطوغان الزردكاش وأزدمر مشد العزيز في آخرين واقفين في انتظاره‏.‏
فحال ما رأوه قبلوا يده وأخذوه إلى دار بعضهم فأنكر العزيز ذلك منهم ونهر صندلًا الطواشي وقال‏:‏ ‏"‏ ما على هذا أنزلت ‏"‏ وكان في ظن العزيز أنه ساعة ما ينزل إليهم يأخذوه ويركبون به إلى جهة قبة النصر أو غيرها بمجموعهم ويقاتلون السلطان الملك الظاهر حتى يملكوا منه القلعة على ما كان صندل يقول له مثل ذلك‏.‏
وأراد العزيز العود إلى مكانه بالقلعة فلم يمكنه ذلك‏.‏



وقام طوغان في منعه ووعده بقيام جميع خشداشيته من الأشرفية بنصرته وأنهم اتفقوا على ذلك وأنهم إلى الآن لم يصدقوا بنزول الملك العزيز فإذا علموا ذلك اجتمع الكل في القيام بنصرة الملك العزيز فإن لم يفعلوا ذلك أخذه هو وسار به إلى بلاد الصعيد عند الأمير يشبك السودوني أمير سلاح المجرد قبل تاريخه لقتال عرب الصعيد وكان صحبة يشبك جماعة كبيرة من المماليك الأشرفية نحو سبعمائة مملوك مع ميل يشبك إلى الأشرفية في الباطن لكونه كان ممن أنشأه الملك الأشرف برسباي ثم افترقوا واختفى الملك العزيز ومعه صندل وأزدمر وإبراهيم الطباخ في مكان ليلته ثم تنقل في عدة أماكن أخر‏.‏
وأخذ طوغان في الكلام مع خجداشيته الأشرفية في القيام بنصرة ابن أستاذهم الملك العزيز فاعتلوا بأن غالبهم قد توجه إلى بلاد الصعيد ولم يجيبوا له دعوة‏.‏
فلما علم منهم ذلك ركب هجنًا وسار إلى بلاد الصعيد لإعلام الأمير يشبك والمماليك الأشرفية بنزول الملك العزيز إليه‏.‏

ودخل جماعة كبيرة منهم إلى الأمير إينال الأبوبكري الأشرفي وكلموه في القيام بنصرة ابن أستاذه فخاف العواقب ولم يوافقهم وتسحب من داره على بغل ثم نزل ماشيًا واختفى‏.‏

هذا ما بلغنا من أفواه الناس فإني لم أجتمع مع إينال المذكور بعد ذلك هذا والسلطان وحاشيته قد عظم قلقهم وصار السلطان لا يعلم أين ذهب الملك العزيز ولم يشك هو وغيره أن الأمير إينال الأبوبكري أخذ العزيز على هجنه المجهزة لسفر الحجاز فإنه كان ولي إمرة الحاج وسار إلى الأمير إينال الجكمي‏.‏
قلت‏:‏ ولو فعل إينال ذلك لكان تم له ما قصد لكثرة هجنه ورواحله وعظم حواشيه من خجداشية وغيرهم وكان ذلك هو الرأي فحسن الله له غير ذلك حتى يصل كل موعود إلى ما وعد‏.‏
كل ذلك في يوم سلخ رمضان‏.‏



فلما كان الليل وهي ليلة عيد الفطر التي تسحب فيها إينال المذكور تفرقت المماليك المؤيدية وغيرهم إلى طرقات القاهرة ودار منهم طائفة كبيرة حول القلعة وبالقرب من بيت إينال المذكور مخافة أن يخرج إينال في الليل بالملك العزيز‏.‏

وكثر هرج الناس في تلك الليلة وتخوفوا من وقوع فتنة من الغد‏.‏
ومضت تلك الليلة على أبشع وجه من اضطراب الناس‏.‏

وتخوفهم وأصبح السلطان صلى صلاة العيد بجامع القلعة وهو على تخوف وقد وقف جماعة بالسلاح مصلتًا رأسه حتى قضى صلاته‏.‏
وخطب قاضي القضاة شهاب الدين بن حجر وأوجز في خطبته كما أسرع في صلاته‏.‏
وعندما فرغ من الخطبة وصل الخبر للسلطان إن الأمير إينال تسحب في الليل فعظم الخطب‏.‏
فلما علم السلطان بتسحب إينال أمر فنودي بالقاهرة أن لا يتخلف أحد من المماليك عن الخدمة وهدد من تخلف بالقتل‏.‏
فلما طلعوا قبض على جماعة من المماليك الأشرفية‏.‏

ثم نودي أيضًا في الناس بإصلاح الدروب وغلقهم أبواب دورهم وأن لا يخرج أحد من بيته بعد عشاء الآخرة وصارت أبواب القاهرة تغلق قبل عادة إغلاقها من الليل فكانت ليلة هذا العيد ويومه وثانيه من الأيام النكدة البشعة‏.‏



ثم في يوم الخميس ثالث شوال خلع السلطان على الأمير تنبك البردبكي أحد مقدمي الألوف باستقراره أمير حاج المحل عوضًا عن إينال المذكور بحكم تسحبه وخلع على قراجا الناصري الخاصكي البواب باستقراره والي القاهرة بعد عزل علاء الدين علي بن الطبلاوي وخلع على الأمير ممجق النوروزي أحد أمراء العشرات باستقراره في نيابة قلعة الجبل عوضًا عن تنبك المستقر في إمرة حاج المحمل‏.‏
وفيه أيضًا أمسك السلطان جماعة كبيرة من المماليك الأشرفية‏.‏

ثم في يوم الجمعة رابع شوال سار عسكر من الخاصكية إلى جهة الغربية تزيد عدتهم على سبعين فارسًا لمسك الأمير قراجا الأشرفي أحد مقدمي الألوف وكان ولي كشف الجسور الغربية‏.‏
فسار العسكر المذكور إلى جهة المحلة وبلغ قراجا ذلك فخرج إليهم وسلم نفسه فأخذ وقيد وحمل إلى الإسكندرية فسجن بها‏.‏

وأما السلطان فإنه أصبح في يوم السبت خامس شوال عزل الأمير أركماس الظاهري عن الدوادارية الكبرى وأخذت خيوله وخيول الأمير قراجا المقدم ذكره‏.‏



ثم في يوم الاثنين سابع شوال نودي بأن من وجد أحدًا من غرماء السلطان وطلع به فله خمسمائة دينار وإقطاع ومن غمز عليه أنه أخفى أحدًا منهم حل ماله ودمه هذا والمؤيدية قد تجردت للفحص عن الملك العزيز وعن المماليك الأشرفية في جميع الأماكن وقبضوا على جماعة من غلمانهم حتى دلوهم على أماكن بعضهم وصاروا يكبسون الدور والترب وديارات النصارى والبساتين وضواحي القاهرة ومصر ويمرون في الليل في الأزقة متنكرين فإنهم صاروا هم أكثر تخوفًا من السلطان على نفوسهم‏.‏

وسبب ذلك أن طائفة المماليك المؤيدية كانوا قاموا مع السلطان الملك الظاهر في أمر سلطنته أتم قيام مع من ساعدهم من جميع الطوائف غير أنهم كانوا هم أشد بأسًا في ذلك فلما تسلطن الملك الظاهر عرف لهم ذلك ورقاهم وقربهم حتى صاروا هم عقد المملكة وحلها وتحكموا في الدولة وأخرجوا المماليك الأشرفية من الديار المصرية إلى السجون وإلى الثغور وإلى البلاد وأهانوهم بعد عزهم واتضع جانبهم بعد رفعتهم‏.‏
فلما وقع لهم ذلك جدوا في الإغراء بالملك العزيز وقتله خوف العواقب فلم يسمع لهم السلطان‏.‏
فحسنوا له أن يكحله فلم يوافق أيضًا على ذلك‏.‏



فلما ثار الأمير إينال الجكمي نائب الشأم ودعا للملك العزيز وكان تغري برمش نائب حلب أيضًا أعظم ميلًا للملك العزيز لكونه نشء والده الملك الأشرف برسباي تحققت المؤيدية أنهم مقتولون أشر قتلة إن ملك العزيز ثانيًا وصار لشوكته دولة‏.‏

فحرضوا عند ذلك السلطان على قتله واستفتوا العلماء في ذلك فكتب بعضهم على قدر ما أنهى له في الفتوى وامتنع البعض‏.‏

ثم اشتهر بالقاهرة أنه إذا فرغ شهر رمضان يفعل بالعزيز ما هو القصد وتكلم الناس بذلك‏.‏
واتفق فرار العزيز إما لما بلغه هذا الخبر أو لمعنى آخر وأكثر قول الناس إنه لم يفر إلا لما خامر قلبه من الخوف والله أعلم‏.‏
ثم لما بلغ إينال الأشرفي خبر العزيز وتسحبه واستدعته خجداشيته بالقيام في نصرة ابن أستاذه فلم يوافق وخاف إن طلع القلعة من الغد يمسك اختفى‏.‏

فلما أصبح النهار وبلغ السلطان والناس فرار العزيز وتسحب إينال لم يشك الناس في أن إينال أخذ العزيز ومضى إلى إينال الجكمي‏.‏
ثم اختلفت الأقوال فعند ذلك علموا المؤيدية أنهم أشرفوا على الهلاك وأنهم ركبوا الأخطار فيما فعلوه في أمر الملك العزيز فحينئذ جدوا في الفحص عن أمره لبقاء مهجتهم لا لنصرة الملك الظاهر جقمق‏.‏



وصار الملك الظاهر يأخذ النار بيد غيره وهو فيما هو فيه من تجهيز العساكر لقتال الجكمي وتغري برمش‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء ثامن شوال أنعم السلطان بإقطاع الأمير قراجا الأشرفي على ولده المقام الناصري محمد وصار محمد المذكور من جملة أمراء الألوف واجلس تحت الأمير جرباش الكريمي أمير مجلس وهذا بخلاف العادة فإن العادة جرت من دولة الملك الظاهر برقوق إلى يومنا هذا أن ابن السلطان لا يجلس إلا رأس الميسرة فوق أمير سلاح فكلمه الأمراء في ذلك فلم يرض‏.‏

وما فعل الملأ الظاهر هذا الأمر وأمثاله إلا لعدم ثبات ملكه ولاضطراب دولته بسبب خروج النواب عن الطاعة وأيضًا تسحب العزيز‏.‏
ثم أنعم السلطان بإقطاع إينال الأشرفي الأبوبكري على الأمير جرباش الكريمي قاشق وأنعم بإقطاع جرباش على الأمير شادبك الجكمي المعزول عن نيابة الرها وهو يوم ذاك أحد أمراء الطبلخاناة وإقطاع جرباش والذي أخذه كلاهما تقدمة ألف غير أن الخراج يتفاوت بينهما‏.‏



وأنعم السلطان بإقطاع أركماس الظاهري على الأمير أسنبغا الطياري الدوادار الثاني وأنعم بإقطاع شادبك على الأمير جرباش المحمدي الناظري المعروف بكرد وأنعم بإقطاع الأمير أسنبغا الطياري على الأمير دولات باي المؤيدي الأمير آخور الثاني وكلاهما طبلخاناة‏.‏

كل ذلك والقبض على الأشرفية مستمر مع الكتابة إلى الأعمال بأخذ الطرقات عليهم برًا وبحرًا والسلطان يستحث آقبغا التمرازي نائب الشام على السفر في كل قليل‏.‏

فلما كان يوم الخميس عاشر شوال برز آقبغا التمرازي بمن معه من القاهرة إلى الريدانية بعد أن خلع عليه السلطان خلعة السفر‏.‏

فلما لبسها وجاء إلى السلطان ليقبل يده قام له السلطان واعتنقه فمسك آقبغا يده وقال له‏:‏ ‏"‏ يا خوند لا تغير نيتك ‏"‏ فقال السلطان‏:‏ ‏"‏ لا والله ‏"‏‏.‏

ثم تأخر بخلعته ووقف على ميمنة السلطان لأن السلطان كان شرط له أن لا يخرج عنه إقطاع الأتابكية ووظيفتها إلى أن ينظر في أمر الجكمي ما سيكون فلهذا المقتضى وقف آقبغا في منزلة الأتابكية على ميمنة السلطان وكان حقه الوقوف على الميسرة كما هي عادة منازل نواب دمشق مع أن الأمير يشبك السودوني أمير سلاح ترشح للأتابكية وهو مجرد ببلاد الصعيد وأخرجت وظيفة إمرة سلاح عنه في هذا اليوم ولكن بغياب يشبك فالأتابكية شاغرة‏.‏



ثم خلع السلطان بحضرة آقبغا المذكور على الأمير تمراز القرمشي الأمير آخور الكبير باستقراره أمير سلاح عوضًا عن يشبك السودوني وقد رشح يشبك للأتابكية عوضًا عن آقبغا التمرازي المذكور‏.‏

وخلع على الأمير قراخجا الحسني رأس نوبة النوب باستقراره أمير آخور كبيرًا عوضًا عن تمراز القرمشي وهو يوم ذاك مقدم العساكر وأمر السلطان ولده المقام الناصري محمدًا بسكنى الحراقة من باب السلسلة إلى أن يعود الأمير قراخجا الحسني من سفره بالبلاد الشامية ونزل تمراز القرمشي من باب السلسلة في يومه‏.‏

وخلع السلطان على الأمير تغري بردي البكلمشي المعروف بالمؤذي حاجب الحجاب باستقراره دوادارًا كبيرًا عوضًا عن أركماس الظاهري‏.‏

واستقر الأمير تنبك البردبكي أمير حاج المحمل حاجب الحجاب غير أنه لم يلبس خلعة الحجوبية في هذا اليوم‏.‏



ثم خلع السلطان على الأمير تمرباي التمربغاوي المعزول عن نيابة الإسكندرية باستقراره رأس نوبة النوب عوضًا عن قراخجا الحسني بحكم انتقاله أمير آخور وتمرباي هذا أيضًا ممن عين لسفر التجريدة‏.‏

ثم خلع السلطان على دولات باي المحمودي الساقي المؤيدي الأمير آخور الثاني باستقراره دوادارًا ثانيًا عوضًا عن أسنبغا الطياري وخلع السلطان على الأمير جرباش المحمدي كرد باستقراره أمير آخور ثانيًا بعد دولات باي المؤيدي فامتنع جرباش المذكور من قبول ذلك لكونه يدي الأمير آخورية الثانية عن دولات باي وهو أقل منة رتبة حتى استعطفه السلطان وقرره على رتبته‏.‏

ونزل آقبغا وقراخجا وتمرباي - الجميع بخلعهم - إلى مخيمهم بالريدانية حسبما تقدم ذكره ثم تبعتهم العساكر المجردة من المماليك السلطانية وأمراء الطبلخانات والعشرات وغيرهم‏.‏

وفي هذا اليوم قدم الأمير يونس الركني الأعور أحد مقدمي الألوف بدمشق فارًا من إينال الجكمي فأكرمه السلطان وأنعم عليه بزيادة جيدة على إقطاعه وتقدمته بدمشق‏.‏
وأقام آقبغا التمرازي بالريدانية إلى يوم السبت ثاني عشر شوال فرحل منها واستقل بالمسير إلى الشام‏.‏



وفي يوم السبت هذا نفى السلطان إمام الملك الأشرف نور الدين عليًا السويفي إلى دمياط‏.‏

ثم في يوم الاثنين رابع عشر شوال رحل الأمير قراخجا الحسني الأمير آخور الكبير والأمير تمرباي التمربغاوي رأس نوبة النوب بمن معهما من الأمراء والمماليك السلطانية من الريدانية إلى جهة الشام‏.‏
وفيه ورد الخبر على السلطان بأن إينال الجكمي برز بمخيمه من مدينة دمشق إلى ظاهرها‏.‏

فلما كان يوم الخميس ثالث شوال المذكور عزم هو على الخروج من المدينة بنفسه إلى مخيمه ليسير بمن معه إلى نحو الديار المصرية‏.‏

فبينما هو في ذلك ركب عليه الأمير قاني باي الأبوبكري الناصري البهلوان أتابك دمشق وكان ممن وافق الجكمي على العصيان وحسن له ذلك ثم تركه ومال إلى جهة السلطان وركب معه الأمير برسباي الناصري حاجب الحجاب بدمشق وجميع أمراء دمشق وعساكرها ولم يبق مع إينال من أعيان أمراء دمشق إلا جماعة يسيرة مثل الأمير قنصوه النوروزي أحد مقدمي الألوف بدمشق والأمير تنم العلائي المؤيدي الدوادار أحد أمراء الطبلخانات بدمشق والأمير بيرم صوفي أحد الطبلخاناة بدمشق أيضًا والأمير مسروق أخو الملك الظاهر ططر وجماعة أخر يسيرة جدًا أعيانهم من ذكرناه‏.‏
فلما بلغ إينال الجكمي ركوب هؤلاء عليه مال عليهم وقاتلهم فلم يثبتوا له وانهزموا أقبح هزيمة‏.‏
ثم تراجعوا فحمل عليهم فانكسروا وتمزقوا شذر مذر‏.‏
وطلع قاني باي البهلوان إلى قلعة دمشق في جماعة كبيرة من الأمراء وتوجه غيرهم إلى عدة أماكن‏.‏



وكان
سبب مخالفة قاني باي وغيره
لإينال الجكمي بعد موافقتهم له أن السلطان أرسل ملطفات إلى قاني باي المذكور وغيره من أمراء دمشق يستميلهم إليه ووعدهم بأشياء كثيرة فلما سمعوا ذلك مالوا إليه وتركوا ما كان بينهم وبين إينال الجكمي من العهود والمواثيق ولم يستعبوا ذلك لكون أن هذا الغدر صار عادة لمن تقدمهم‏.‏

ولما كتب السلطان الملطفات المذكورة أرسلها إلى الأمير خشكلدي السيفي يشبك بن أزدمر وهو يوم ذاك نائب قلعة صفد فبعث بها خشكلدي المذكور على يد نصراني إلى بهاء الدين محمد بن حجي كاتب سر دمشق ففرقها بهاء الدين على أربابها‏.‏

فحال ما وقفوا عليها مالوا بأجمعهم إلا من ذكرناه ممن ثبت مع إينال وقالوا‏:‏ نحن وافقناه فلا نبرح عنه إلى الممات أو يقضي الله أمرًا كان مفعولًا‏.‏
وكان أكثر من وعد من أمراء دمشق الأمير سودون أخو مامش المؤيدي والأمير تنم العلائي المؤيدي من خجداشيهما المؤيدية فلم يلتفتوا إلى كتبهم واستقبحوا الغدر والخيانة فلله درهما‏.‏

وأنا أقول‏:‏ أما طاعة السلطان فهي واجبة على كل أحد والعصيان ومخالفة السلطان لا يجوز ولا يستحسن‏.‏
لكن أيضًا يقبح بالرجل أن يدخل إلى ملك ويحسن له العصيان والثوران ولا يزال به حتى يقع في ذلك بعد أن يعطيه العهود والمواثيق على موافقته والقيام بنصرته ثم يتركه بعد تورطه ودخوله في ذلك لأجل النزر اليسير من حطام أو لتناوله ولاية من الولايات وعندي أن هذا لا يقع إلا من نذل ساقط الهمة والمروءة لا نخوة له والأنفس الكريمة تأبى ذلك ولو مسهم الضر والرجل الفحل هو الثابت على قوله والمقر على طاعة سلطانه حفظًا لدينه ودنياه فإن لم يكن ذلك وأطاع شيطانه وركب هواه فليتم على ما قصده من ركوب الأهوال واقتحام الخطوب وهجوم الحروب فإما وإما وما أحسن قول عنترة في ذلك حيث يقول‏:‏ الوافر أروم من المعالي منتهاها ولا أرضى بمنزلة دنيه فإما أن أشال على العوالي وإما أن توسدني المنيه فلما وصل هذا الخبر إلى السلطان سر بذلك ودقت البشائر بالديار المصرية‏.‏



ثم ورد الخبر على السلطان من بلاد الصعيد أن الأمير يشبك أمير سلاح انتهى بمن معه من العساكر السلطانية في طلب عرب هوارة إلى مدينة إسنا فلم يقع بهم وأنه رجع بالعساكر إلى مدينة هو فقدم عليه بها من المشايخ الصلحاء جماعة ومعهم طائفة من مشايخ هوارة راغبين في دخول الطاعة للسلطان وحلفوا على ذلك وأنه قدم عليهم بعد ذلك في يوم الأحد سادس شوال طوغان الأشرفي الزردكاش أحد الدوادارية الصغار ودعا العسكر إلى طاعة الملك العزيز والقيام بنصرته وذكر لهم أنه خرج من محبسه بقلعة الجبل ونزل إلى القاهرة واجتمع عليه جماعة من مماليك أبيه وأنه رآه بعينه ووعده بالوثوب معه هو وخجداشيته الأشرفية وأنه أمره أن يختفي فاختفى حتى ينتظم أمره بعود مماليك أبيه من بلاد الصعيد‏.‏
ثم حرضهم طوغان على ذلك فمال منهم طائفة وتخوفت طائفة‏.‏

واضطرب العسكر قليلًا إلى أن اجتمع الجميع على طاعة السلطان بعد أمور صدرت وحلفوا أنهم مقيمون على الطاعة‏.‏

فدقت البشائر لذلك وخلع على الواصل بهذا الخبر وأجيب الأمير يشبك بالشكر وبحمل طوغان المذكور في الحديد‏.‏
وكان علم السلطان قبل ذلك بتوجه طوغان المذكور إلى بلاد الصعيد وكتب إلى الأمير يشبك وإلى حكام الصعيد بحمله في الحديد‏.‏



ثم ورد الخبر بعد ذلك من الأمير يشبك بأنه نازل على مدينة سيوط وأن يونس الخاصكي ورد عليه بمرسوم شريف يتضمن القبض على طوغان المذكور وأن المماليك الأشرفية لم يمكنوه من ذلك فكثر قلق السلطان والدولة لورود هذا الخبر وخشوا وقوع فتنة ظنًا من المماليك الأشرفية أنهم من هذا القبيل ورسم السلطان في هذا اليوم بخروج الأمير أركماس - المعزول عن الدوادارية قبل تاريخه - إلى ثغر دمياط بطالًا‏.‏
ثم أخذ السلطان وحواشيه في الفحص عن الملك العزيز وكبست عدة أماكن وقبض على جماعة من المماليك الأشرفية‏.‏

وتزايد تحريض السلطان في طلب العزيز وقاسى الناس بسبب ذلك شدائد‏.‏
وكثرت الأراجيف بخروج الأمير يشبك أمير سلاح ومن معه من المماليك الأشرفية عن طاعة السلطان وأنهم عادوا يريدون القاهرة فمنعت المراكب من التعدية في النيل بكثير من الناس المتهمة بالخروج على السلطان هذا مع عظم التفتيش على العزيز والكبس على البيوت والبساتين والترب‏.‏
وغلقت بعض أبواب القاهرة نهارًا وأخذ أهل الدولة في الاستعداد للحرب‏.‏
هذا مع ما بالبلاد الشامية من الفتنة العظيمة من خروج نائب الشام ونائب حلب‏.‏
وصار السلطان في هذه الأيام في أشد ما يكون من القلق والتخوف وتكلم الناس بزوال ملكه‏.‏



فلما كان يوم السبت تاسع عشره برز أمير حاج المحمل الأمير تنبك بالمحمل وبعد خروجه من القاهرة قدم الخبر بالقبض على طوغان الزردكاش وحمله في الحديد ووصل طوغان المذكور في آخر النهار المذكور وكان أشيع الخبر بمسكه قبل ذلك فلم يصدقه أحد استبعادًا من تسليم خجداشيته له مع كثرتهم وشدة بأسهم‏.‏

وكان من خبر طوغان أنه لما نزل الملك العزيز من قلعة الجبل واجتمع به ووعده بالقيام معه توجه إلى الأمير إينال الأبوبكري الأشرفي فلم يحصل منه على طائل‏.‏

فمضى هو وجماعة إلى خجداشيتهم الأشرفية ووعدهم بالوثوب على الملك الظاهر والقيام بنصرة ابن أستاذهم فأجاب منهم طائفة كبيرة غير أنهم اعتذروا بغياب أعيانهم ببلاد الصعيد في التجريدة صحبة الأمير يشبك وأنهم في قلة لأن معظمهم بالصعيد وطلبوا منه أن يرسل يعلم خجداشيتهم بذلك فلم يجد لأحد منهم قوة للتوجه فقام هو بذلك بعد أن تحقق منهم الوثوب وخرج من القاهرة على الهجن‏.‏



وبلغ السلطان خبره فكتب بالقبض عليه في الطريق فلم يدركه أحد‏.‏
وسار حتى وصل إلى خجداشيته واجتمع بهم حسبما تقدم ذكره‏.‏
غير أنه أراد قضاء حاجته فأملى لخجداشيته أخبارًا في حق العزيز غير صحيحة يريد بذلك تمييز أمره فمالوا إلى كلامه‏.‏

فورد عليهم بعد ذلك الأخبار من المسافرين وغيرهم بهروب إينال واختفاء الملك العزيز على غير ما قاله له طوغان وأن الفحص على الملك العزيز في كل يوم مستمر فعند ذلك اختلفت كلمتهم على القيام بأمر العزيز وعلموا أن غالب كلام طوغان غير صحيح‏.‏
هذا والأمير يشبك يستميلهم إلى طاعة السلطان ويخوفهم عاقبة مخالف السلطان حتى أفضى به وبهم أن جمع عليه الكاشف بالوجه القبلي وعدة كبيرة مم عربان الطاعة وهم بمحاربتهم فلم يكن لهم طاقة بمحاربته مع ما تبين لهم من فساد أمرهم واختلاف كلام طوغان فأسلموه بعد أن كانوا انقلبوا جميعهم للخروج معه وهو أن طوغان لما جد في مسيره حتى وصل إليهم أعلمهم بأن الملك العزيز خرج من سجنه ونزل من القلعة واجتمع عليه خلائق من الأشرفية وغيرهم وأنه محاصر للملك الظاهر جقمق بقلعة الجبل فهيج هذا الكلام خواطرهم وتحركت كوامنهم وأجمعوا على القيام بنصرة ابن أستاذهم ومال إليهم كل أحد حتى الأمير يشبك في الباطن‏.‏

وكادت الفتنة تقوم ويظهر كل أحد الميل للملك العزيز فترادفت كف السلطان والقصاد بغير ما قاله طوغان فتوقفوا عما كانوا عزموا عليه‏.‏



ولا زال أمر الملك العزيز يتضح لهم حتى أسفرت القضية على أنه مختف وأن إينال تسحب فعند ذلك رجع كل أحد عما كان في ضميره وأظهر طاعة السلطان وأسلموا طوغان فقيد وحمل إلى القاهرة‏.‏

ولما طلع طوغان إلى القلعة حبس بها وأجري عليه أنواع العقوبة والعذاب المتلف وكسروا غالب أعضائه بالمعاصير وعوقب معه ثلاثة نفر من الخاصكية فلم يقر أحد منهم على غير ما قاله طوغان أن العزيز لما نزل من القلعة و إبراهيم الطباخ وقف بمكان بالمصنع بالقرب من قلعة الجبل واجتمع عدة من المماليك الأشرفية - وسماهم فكان غالبهم ممن لا يعرف - فأجمع رأيهم بأن يسيروا إلى الشام بالعزيز ثم انصرفوا عن هذا الرأي عجزًا وتوجه طوغان ليأتي بالمماليك الأشرفية من بلاد الصعيد‏.‏

فلما تحقق السلطان ذلك كف عن عقوبة طوغان بعد أن تلف وأخرجه في يوم الثلاثاء ثاني عشرين شوال محمولًا لعجزه عن الحركة من شدة العقوبة ومعه خير بك الأشرفي وقد عوقب أيضًا وحملا إلى الرميلة عند باب الميدان من تحت القلعة ووسط وكان أمر طوغان هذا من أعجب العجب فإنه كان في دولة أستاذه الأشرف زردكاشًا فلما مات الأشرف خالف خجداشيته وانتمى إلى الملك الظاهر جقمق قبل سلطنته مع الأمير إينال الأشرفي وصار خصيصًا عند الملك الظاهر وولاه دوادارًا وصار مقربًا عنده‏.‏



ثم استحال عن السلطان ودبر عليه وأخرج الملك العزيز وقام في أمره من غير موافقة أحد من أعيان خجداشيته ولا مشاورة أحد من أرباب العقول‏.‏
ولم يكن هو من هذا القبيل من سائر الوجوه فكان من فعله وتدبيره ما ساقه إلى حتفه وتدبيره‏.‏
وكان طوغان المذكور طوالًا غير لائق في طوله وعنده طيش وخفة مع جهل وعدم تثبت في أموره‏.‏
ولم يكن من أعيان الأشرفية ولا ممن يلتفت إليه في الدولة

ثم في يوم الأربعاء ثالث عشرين شوال قبض على سر النديم الحبشية دادة الملك العزيز بعدما كبس عليها بعدة أماكن وعوقب بسببها خلائق فلم يعترضها السلطان بسوء بل قررها على الملك العزيز فأعلمته أنه مختف بالقاهرة‏.‏

ثم قبض على صندل الطواشي وقرره السلطان أيضًا فقال كما قالت الدادة فتحقق السلطان منهما أن الملك العزيز وإينال لم يخرجا من القاهرة وأن الذي أشيع من خروجهما غير صحيح وأن الملك العزيز لم يجتمع مع إينال البتة وأنه كان هو وصندل هذا وطباخة إبراهيم ومشده أزدمر من غير زيادة على ذلك والملك العزيز ينتقل بهم من مكان إلى مكان وأن صندلًا فارقه من منذ أربعة أيام وقد طرده أزدمر المذكور لأمر وقع بينهما‏.‏



فلما قصد صندل مفارقتهم دفع له العزيز خمسين دينارًا ففارقهم صندل وصار يتردد إلى بيوت أصحابه في زي امرأة حتى دخل على بعض أصحابه من النسوة في الليل فآوته حتى أصبح فدل عليه زوجها حتى أمسك وعوقب حتى أقر على جميع ما ذكرناه وأنه الآن لا يعرف مكان العزيز‏.‏

فسجنه السلطان وهم بعقوبة الدادة فشفعت فيها خوند مغل بنت البارزي زوجة السلطان وتسلمتها من السلطان من غير عقوبة وتمت عندها‏.‏
فخف عن السلطان ما كان به قليلًا من أمر الملك العزيز فإنه كان ظن كل الظن أن إينال أخذه وتوجه إلى إينال الجكمي بدمشق ثم قبض على مرضعة الملك العزيز وزوجها وعلى جماعة أخر من الرجال والنساء ممن كان من جواري الأشرف ومعارفهن وممن اتهم بأنه معرفة أزدمر وإبراهيم الطباخ‏.‏

ثم في يوم الخميس رابع عشرين شوال
عزل السلطان الطواشي فيروز الجاركسي
عن الزمامية لكونه تهاون في أمر الملك العزيز حتى تسحب من الدور السلطانية وعين السلطان عوضه زمامًا الطواشي جوهرًا القنقبائي الخازندار مضافًا إلى الخازندارية‏.‏



وفي ليلة الجمعة ويوم الجمعة كبست المؤيدية على مواضع كثيرة بالقاهرة وظواهرها ومضوا إلى دور الصاحب أمين الدين إبراهيم بن الهيصم وكبسوا عليه وعلى جيرانه في طلب الأمير إينال الأشرفي والملك العزيز فلم يجدوا أحدًا‏.‏
وهرب الصاحب أمين الدين ثم ظهر وخلع عليه بعد ذلك‏.‏

واشتد طلب السلطان على الملك العزيز وهدد من أخفاه بأنواع العذاب والنكال فشمل الخوف غالب الناس‏.‏

ثم في يوم السبت سادس عشرين شوال خلع السلطان على جوهر الخازندار باستقراره زمامًا عوضًا عن فيروز الجاركسي بحكم عزله مضافًا للخازندارية والفحص على الملك العزيز مستمر في كل يوم وليلة وقد دخل الناس من الرعب والخوف ما لا مزيد عليه بسببه إلى أن كشف الله هذا البلاء عن الناس وقبض على الملك العزيز يوسف في ليلة الأحد سابع عشرين شوال واطمأن كل أحد على نفسه وماله بظهور الملك العزيز والقبض عليه‏.‏

خبر للملك عبد العزيز في فراره وكان من خبر الملك العزيز أنه لما اشتد الطلب عليه ضاقت عليه الأرض وكان له من يوم فر من القلعة وهو ينتقل من مكان إلى مكان لا سيما لما كثر الفحص عنه تخوف غاية الخوف حتى ألجأه ذلك إلى الانفراد مع أزدمر لا غير ليخف بذلك أمرهما على من أخفاهما ومع هذا تغلبا أين يذهبان‏.‏



واحتاج الملك العزيز أن أرسل إلى خاله الأمير بيبرس الأشرفي أحد أمراء العشرات ورأس نوبة بأنه يريد المجيء إليه في اللياق ويختفي عنده على ما قيل فواعده بيرس على أن يأتيه ليلًا‏.‏

ثم خاف بيبرس عاقبة أمره فإنه كان الملك الظاهر جقمق اختص به وأمره دون إخوته وأكرمه غاية الإكرام‏.‏

ورأى بيبرس أنه لا يحسن به أن يقبض عليه ويطلع به إلى السلطان فأعلم جاره يلباي الإينالي المؤيدي أحد أمراء العشرات ورأس نوبة بمجيء الملك العزيز إليه في الليلة المذكورة وأعلمه أيضًا أنه يمر من موضع كذا وكذا‏.‏

فخرج يلباي في الليل متنكرًا ومعه اثنان من خجداشيته المؤيدية وترصد للعزيز بخط زقاق حلب بعد عشاء الآخرة وبينما هم في ذلك إذ مر بهم العزيز ومعه أزدمر مشده وهما في هيئة مغربيين فوثب يلباي بأزدمر ليقبض عليه فامتنع منه ودفع عن نفسه فضربه يلباي أدمى وجهه وأعانه عليه رفقته حتى قبض عليه وعلى الملك العزيز وكان على الملك العزيز جبة صوف من لبس المغاربة‏.‏



وطلعوا بهما في الحال إلى باب السلسلة ثم إلى السلطان والملك العزيز حاف بغير نعل في رجليه وقد أخذه بعض المؤيدية بأطواقه يسحبه على ما قيل فإني لم أحضر المجلس تلك الساعة‏.‏

فلما مثل العزيز بين يدي السلطان أوقف ساعة ثم أمر به السلطان فأخذ إلى مكان في القلعة وسجن به إلى أن أصبح‏.‏

وطلع الأمراء وأرباب الدولة إلى الخدمة على العادة ودقت البشائر لقبض الملك العزيز وسر السلطان بذلك سرورًا عظيمًا وخف عنه الأمر كثيرًا بالنسبة إلى ما كان فيه‏.‏

ثم أخذ السلطان الملك العزيز إلى زوجته خوند البارزية بقاعة العواميد وأسلمها العزيز وأمرها أن تجعله في المخدع المعد لمبيت السلطان بالقاعة المذكورة وأن تتولى أمر أكله وشربه وحاجاته بنفسها‏.‏

فأقام العزيز على ذلك مدة إلى أن نقله السلطان في ليلة الأربعاء ثامن ذي القعدة إلى مكان بالحوش وضيق عليه ومنع من جميع خدمه ثم سيره إلى سجن الإسكندرية حسبما يأتي ذكره‏.‏



وأمر السلطان بأزدمر فسجن بالبرج من قلعة الجبل مع جماعة من خجداشيته الأشرفية ووجد مع الملك العزيز من الذهب ثمانمائة دينار أعطى السلطان منها إلى يلباي خمسمائة دينار وإلى رفيقيه مائة دينار ثم فرق الباقي من ذلك على من حضر‏.‏

ثم أنعم السلطان على يلباي المذكور بقرية سرياقوس زيادة على ما بيده وصار من جملة أمراء الطبلخانات‏.‏

وهدأ سر السلطان من جهة الملك العزيز والتفت إلى أخبار إينال الجكمي وتغري برمش‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء تاسع عشرينه ظهر الأمير إينال الأبو بكري الأشرفي من اختفائه‏.‏
وكان من خبره أنه من يوم تسحب الملك العزيز خاف القبض عليه فاختفى إلى أن ظهر الملك العزيز فخف عنه ما داخله من الوهم بسبب الملك العزيز وقد علم أن السلطان ظهر له أنه لم يجتمع مع الملك العزيز ولا قام بنصرته وأن اختفاءه كان نوعًا من مهابة السلطان‏.‏



فلما كان ليلة الثلاثاء المذكورة توجه إلى الأمير جرباش الكريمي المعروف بقاشق أمير مجلس وترامى عليه واستجار به وهو يظن أن في السويداء رجالًا فأجاره وهو يظن أن السلطان يقبل شفاعته‏.‏
وكان معظم ظهور إينال المذكور لما بلغه من اختفائه عن السلطان من الثناء عليه وبسط عذره في اختفائه وأنه باختفائه سكنت الفتنة فغره هذا الكلام وأيضًا أنه استند للأمير جرباش أمير مجلس وخجداش السلطان فأخذه الأمير جرباش من الغد في يوم الثلاثاء المذكور وطلع إلى القلعة‏.‏

وقد بلغ السلطان خبر إينال وظهوره ثم طلوعه مع جرباش فحال ما وقع بصر السلطان على إينال أمر به فقبض عليه وقيد وسجن بمكان بالقلعة حتى يحمل إلى الإسكندرية هذا والأمير جرباش يكرر تقبيل يد السلطان ورجله في أن يشفعه فيه ويدعه بطالًا ببعض الثغور فلم يلتفت السلطان إلى شفاعته ونزل جرباش إلى داره خجلًا مفضوحًا من حاشيته وأصحابه ومن يومئذ انحط قدره إلى أن مات‏.‏
على أنه صاهر السلطان بعد ذلك وصار حماه ومع هذا كله لم يكن له صولة في الدولة‏.‏
وأخرج السلطان إينال من يومه إلى سجن الإسكندرية وبها أعداؤه من خجداشيته فكان شماتتهم به أعظم عليه من حبسه‏.‏



وأخذ السلطان بعد ذلك يتشوف إلى أخبار عسكره المجرد إلى قتال إينال الجكمي وغيره‏.‏

فلما كان يوم الأربعاء ثامن ذي القعدة ورد على السلطان كتاب الأمير آلابغا حاجب غزة يتضمن قتال عسكر السلطان مع إينال الجكمي نائب الشام في يوم الأربعاء مستهل ذي القعدة وانهزام إينال الجكمي فأخذت الناس في هذا الخبر وأعطوا غير أنه دقت البشائر وسر السلطان بذلك‏.‏

ثم أصبح من الغد في يوم الخميس ورد الخبر بمسك إينال الجكمي فدقت البشائر أيضًا‏.‏
غير أن السلطان في انتظار كتاب آقبغا التمرازي فورد عليه كتابه في يوم الجمعة عاشر ذي القعدة وذكر واقعة العسكر مع إينال الجكمي وملخصها أن العساكر السلطانية المتوجهة من الديار المصرية والمتجمعة بالرملة من النواب والعساكر ساروا جميعًا من الرملة أمام الأمير قراخجا الحسني ومن معه من الأمراء والمماليك السلطانية كالجاليش لكن بالقرب منهم حتى نزلوا بمنزلة الخربة في يوم الأربعاء مستهل ذي القعدة وقد قدموا بين أيديهم كشافة على عادة العساكر فعادت الكشافة وأخبروا بقرب إينال الجكمي منهم‏.‏

فركبوا في الحال بعد أن عبوا أطلابهم وهم ستة نواب‏:‏ آقبغا التمرازي نائب الشام وجلبان الذي استقر نائب حلب وإينال العلائي نائب صفد - أعني الملك الأشرف - وطوخ مازي نائب غزة وطوغان العثماني نائب القدس وخليل بن شاهين وقد استقر نائب ملطية‏.‏



وساروا بمن اجتمع عليهم من العشير والعربان جاليشًا حتى وصلوا إلى مضيق قرب الحرة وإذا بجاليش إينال الجكمي فيه الأمير قانصوه النوروزي أحد مقدمي الألوف بدمشق ونائب بعلبك وكاشف حوران ومحمد الأسود بن القاق شيخ العشير ويرعلي الذكري أمير التركمان وطرعلي بن سقل سيز التركماني وكثير من العربان والعشير والجميع دون الألف فارس‏.‏

وصدموا النواب المذكورة فكانت بينهم وقعة كبيرة انهزم فيها الأطلاب الستة بعد أن أردفهم إينال الجكمي بنفسه وركب أقفية القوم وكان من الشجعان المشهورة إلى أن أوصلهم إلى السنجق السلطاني وتحته الأمير قراخجا الحسني الأمير آخور والأمير تمرباي رأس نوبة النوب بمن معهما من الأمراء والعساكر المصرية والسنجق بيد الأمير سودون العجمي النوروزي أحد أمراء العشرات ورأس نوبة وقد تخلت عن إينال أصحابه ومدوا أيديهم إلى النهب في أطلاب النواب لما انهزموا أمام العسكر الشامي‏.‏

وبقي إينال في أناس قليلة فحط بهم على العسكر المصري فثبتوا له وقاتلوه ساعة وقد تفرقت عنه أصحابه بسبب النهب فلم يجد مساعدًا فانهزم بعد أن قتل من الفريقين جماعة كبيرة جدًا ولم يقتل من الأعيان غير الأمير صرغتمش أحد مماليك الوالد الذي كان دوادار الأمير جلبان ثم استقر دوادار السلطان بحلب وخرح خلق كثير‏.‏



وقبض في الوقعة على الأمير تنم العلائي المؤيدي وعلى الأمير بيرم صوفي التركماني وعلى الأمير خير بك القوامي ومحمد بن قانصوه النوروزي وجماعة أخر‏.‏
وحال بينهم الليل‏.‏

فلما أصبح العسكر يوم الخميس ثاني في القعدة ورد الخبر عليهم من دمشق بالقبض على إينال الجكمي من قرية حرستا من عمل دمشق فدقت البشائر لذلك وتفرقت أخصاء السلطان للأعيان بالبشارة وزال ثلثا ما كان بالسلطان من أمر الملك العزيز وإينال وبقي تغري برمش‏.‏

وكان من خبر مسك إينال الجكمي أنه لما انكسر من العسكر المصري ساق في نفر يسير إلى أن وصل حرستا وقد تلفت خيوله لبعد المسافة ونزل بها وقد جهده التعب والجوع واختفى بها في مزرعة‏.‏
وأرسل بعض خدمه ليأتيه بطعام ففطن به رجل وعرف شيخ البلد فأرسل شيخ البلد إلى نائب قلعة دمشق بالخبر‏.‏
فخرج من دمشق في طلبه جانبك دوارار برسباي حاجب حجاب دمشق ومعه جماعة أخر وطرقوه بالقرية على حين غفلة فقام ودفع عن نفسه بكل ما تصل قدرته إليه فتكاثروا عليه وطعنه بعضهم في جنبه ورماه آخر أصاب وجهه ثم مسكوه وجيء به إلى دمشق على فرسه وقد وقف الفرس من العي فلم يصل إلى قلعة دمشق إلا بعد العصر والناس في جموع كثيرة لرؤيته ما بين باك وحزين وسجن بقلعة دمشق مقيدًا‏.‏



وأصبح دخل آقبغا التمرازي إلى دمشق في باكر نهار الجمعة ثالث ذي القعدة ومعه العساكر بسلاحهم ونزل بدار السعادة ولم يبتهج أهل دمشق بقدومه لعظم ميلهم لإينال الجكمي وإن كان آقبغا المذكور صهري فالواقع ما ذكرناه‏.‏
ومع هذا وقع يوم دخوله إلى دمشق حادثة غريبة وهي أن بلبان شيخ كرك نوح واسمه محمد وولده محمد أيضًا قدما إلى دمشق بجموعهما من العشير نصرة لعساكر السلطان - وبلبان المذكور فلاح الأمير برسباي الحاجب - كأكابر المدركين فلم يصل بلبان المذكور حتى انقضت الوقعة فتأسف على ذلك لما كان بينه وبين إينال الجكمي من المباينة مراعاة لأستاذه برسباي المذكور فعاد إلى دمشق في خدمة آقبغا التمرازي إلى أن دخل التمرازي إلى دار السعادة وذهب كل أمير إلى حال سبيله‏.‏

فعاد بلبان المذكور فيمن عاد حتى كان عند المصلى والعامة قد ملأت الطرقات وهم في كآبة لفقد إينال الجكمي ولما وقع له فصاح شخص من العامة بواحد من العشير من أعوان بلبان يقول‏:‏ ‏"‏ أبا بكر‏!‏ أبا بكر‏!‏ ‏"‏ وتبعه غيره يكررون ذلك مرارًا عديدة يريدون نكاية بلبان فإنهم يرمون بالرفض‏.‏
فلما كثر ذلك من العامة ضرب بعض العشير واحدًا من العامة فعند ذلك تجمعوا عليه وأرموه عن فرسه ليقتلوه فاجتمع أصحابه ليخلصوه من العامة وقبل أن يخلصوه بادره العامة وذبحوه وتناولوا الحجارة يرمون بها بلبان وأعوانه وكانوا في كثرة نحو الخمسمائة نفر وأكثر فتوغل بلبان بين أصحابه ولم يقدر أن يفوز بنفسه فتكاثروا عليه وألقوه إلى الأرض عن فرسه وذبحوه ثم أخذوا ابنه محمدًا أيضًا وذبحوه ووضعوا أيديهم في أصحاب بلبان إلى أن أسرفوا في القتل‏.‏



ولم يكن لذلك سبب ولا دسيسة من أحد ولا أمر من السلطان فوقع هذا الأمر ولم يقدر أحد على القيام بأخذ ثأره لاضطراب المملكة وراحت على من راحت إلى يومنا هذا‏.‏
قلت‏:‏ لا جرم إنما وقع له ببركة الشيخين فقوصص بذلك في الدنيا وله في الأخرى أعظم قصاص نكالًا من الله على رفضه وقبح سريرته‏.‏

ثم في يوم الأحد ثاني عشر ذي القعدة كتب بقتل إينال الجكمي بسجنه بقلعة دمشق بعد تقريره على أمواله وذخائره وبقتل جماعة من أصحابه ممن قبض عليه في الوقعة‏.‏

وفي هذه الأيام رسم السلطان بعقوبة جكم خال الملك العزيز بسجنه بالإسكندرية حتى يعترف بمتحصل الملك العزيز في أيام أبيه من إقطاعه وحماياته ومستأجراته فأجابهم عن ذلك كله وكان السلطان استولى على جميع ما للعزيز عند جذته لأمه من المال والقماش والفصوص وكان شيئًا كثيرًا‏.‏

وأمر السلطان أيضًا بعقوبة يخشباي الأمير آخور الثاني بسجن الإسكندرية أيضًا بعد أن أراد السلطان قتله بحكم الشرع من كونه سب شريفًا ببلاد الصعيد في أيام أستاذه الملك الأشرف فبادر يخشباي حتى حكم قاض شافعي بحقن دمه ووقع بسبب ذلك أمور وعقد مجلس بالقضاة والفقهاء ذكر ذلك كله في الحوادث‏.‏



ولما وقع اليأس من قتله رسم بعقوبته حتى يعترف بما له من الأموال فعوقب أشد عقوبة بحيث إنه لم يبق إلا موته‏.‏

ثم قدم الخبر على السلطان بأن العساكر توجهت من دمشق في حادي عشر ذي القعدة إلى حلب بعد أن عاد طوغان نائب القدس إلى القدس وتأخر آقبغا التمرازي نائب الشام به‏.‏
وكان الذي توجه من النواب إلى حلب صحبة العساكر المصرية‏:‏ جلبان نائب حلب وقاني باي الحمزاوي نائب طرابلس وهو إلى الآن بحماة غير أنه تهيأ للاجتماع بالعساكر المصرية وعنده أيضًا الأمير بردبك العجمي الذي استقر في نيابة حماة وقد قدمه إلى حلب وسار من النواب أيضًا الأمير إينال العلائي الناصري نائب صفد والأمير طوخ مازي نائب غزة‏.‏
وقدم الخبر أيضًا أنه قبض بدمشق على يرعلي الدكوي وشنق وأن تغري برمش نائب حلب كان نزل على حلب وصحبته الأمير طرعلي بن سقل سيز والأمير علي باي بار بن إينال بجمائعهما من التركمان والأمير غادر بن نعير بعربه من آل مهنا والأمير فرج وإبراهيم ولدا صوجي والأمير محمود ابن الدكري أيضًا بجمائعهم من التركمان وعدة الجميع نحو ثلاثة آلاف فارس وأن تغري برمش خيم بالجوهري وبعث بعدة كبيرة إلى خارج باب المقام فخرج إليه الأمير بردبك العجمي الذي ولي نيابة حماة وقد قدم حلب من أيام ومعه جماعة من أمراء حلب ومن تركمان الطاعة ومن العامة فكانت بينهم وقعة هائلة قتل فيها وجرح جماعة كثيرة من الفريقين وعاد كل منهما إلى مكانه‏.‏



ثم التقى الجمعان ثانيًا في يوم الجمعة خامس عشرين شوال على باب النيرب واقتتلوا يومًا وليلة قتالًا شديدًا قتل فيه عدة كبيرة من الناس وجرح نائب حماة وطائفةمن أمراء حلب ثم رجع كل فريق إلى موضعه‏.‏
ورحل تغري برمش من موضعه في يوم الأحد سابع عشرينه ونزل بالميدان والحرب مستمر والعامة تبذل جهدها في قتاله إلى أن كان يوم الخميس ثاني ذي القعدة أحضر تغري برمش آلات الحصار من مكاحل النفط والسلالم والجنويات إلى باب الفرج ونصب صيوانه تجاه سور حلب وجد في قتال الحلبيين‏.‏
هذا وأهل حلب يد واحدة على قتاله طول النهار مع ليلة الجمعة بطولها وأهل حلب يتضرعون ويدعون الله تعالى‏.‏

فلما أصبح نهار الجمعة رحل تغري برمش عن مكانه وعاد إلى الميدان بعد أن كانت القضاة وشيوخ العلم والصلاح وقفوا بالمصاحف والربعات على رؤوسهم وهم ينادون من فوق الأسوار‏:‏ ‏"‏ الغزاة معاشر الناس في العدو فإنه من قتل منكم كان في الجنة ومن قتل من العدو صار إلى النار ‏"‏ في كلام كثير يحرضون بذلك العامة على القتال ويقوون عزائمهم على الثبات إلى أن رحل تغري برمش بمن معه من الميدان إلى الجهة الشمالية في يوم الأحد خامس ذي القعدة بعد ما رعت مواشيهم زروع الناس وبساتينهم وكرومهم وقطعوها ونهبوا القرى التي حول المدينة وأخربوا غالب العمارات التي كانت خارج سور حلب وقطعوا القناة التي تدخل إلى مدينة حلب من ثلاثة أماكن‏.‏



وكان أشد الناس في قتال تغري برمش أهل بانقوسا‏.‏
هذا بعد أن ظفر تغري برمش بجماعة من الحلبيين في بعض قتاله فقطع أيدي الجميع وبالغ في الإضرار بالناس‏.‏
وأنا أقول‏:‏ لو كان لتغري برمش على أهل حلب دولة لفعل فيهم أعظم من فعل تيمورلنك لقلة دينه وجبروته ولحنقه من أهل حلب وأنا أعرف بحاله من غيري لكونه طالت أيامه في خدمة الوالد سنين ثم قتل أغاته من مماليك الوالد وفر كما سنحكيه في وفاته من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى‏.‏
ولما بلغ هذا الخبر الملك الظاهر قلق قلقًا عظيمًا لما وقع لرعيته من أهل حلب‏.‏
فلم يكن إلا أيامًا قليلة وقدم الخبر في يوم السبت خامس عشرين ذي القعدة بكسرة تغري برمش المذكور فدقت البشائر لذلك وعظم سرور السلطان غير أنه تشوش لعدم مسكه وخاف عاقبة أمره‏.‏

وكان من خبره أن العسكر المصري بمن معه من العسكر الشامي لما ساروا من دمشق إلى جهة حلب وافاهم الأمير قاني باي محمزاوي وغيره وصاروا جمعًا واحدًا فلقيهم تغري برمش المذكور بجموعه التي كانت معه قريبًا من حماة في يوم الجمعة سابع عشر ذي القعدة وقد صف عساكره من التركمان وغيرهم حتى ملؤوا الفضاء‏.‏

فحال ما وقع بصر عسكره على العساكر السلطانية أخذوا في الانهزام من غير مصاففة بل بعض تناوش من صغائر الطائفتين وولوا الأدبار ومدت العساكر السلطانية أيديها إلى عساكر تغري برمش فغنموا منهم غنائم لا تحصى كثرة منها نحو المائتي ألف رأس من الغنم سوى ما تمزق ونهب جميع وطاق تغري برمش وماله وانهزم هو في جماعة يسيرة من خواصه إلى جهة التركمان الصوجية على ما نذكره من قصته في ذي الحجة من هذه السنة‏.‏



ثم في يوم الاثنين سابع عشرين ذي القعدة قدم النجاب برأس الأمير إينال الجكمي وكان قتله بقلعة دمشق في ليلة الاثنين عشرين ذي القعدة فشهرت الرأس على رمح ونودي عليه‏:‏ ‏"‏ هذا جزاء من حارب الله ورسوله ‏"‏ ثم علقت على باب زويلة‏.‏

وقتل معه الأمير تنم العلائي المؤيدي وكان تنم المذكور أدوبًا حشمًا وقورًا وأما إينال الجكمي فيأتي التعريف بحاله في الوفيات على العادة‏.‏
وفي هذه الأيام حكم بقتل الأمير يخشباي الأشرفي الأمير آخور الثاني وقد تقدم أنه ادعي عليه أنه سب شريفًا ولعن والديه وأن بعض نواب الشافعي حكم بحقن دمه وسكن الحال مدة أشهر ثم طلب السلطان من القاضي المالكي قتله فاحتج بحكم الشافعي بحقن دمه فعورض بأن المطلوب الآن من الدعوى عليه غير المحكوم فيه بحقن الدم فصمم المالكي بأنهما قضية واحدة ووافقه غير واحد من المالكية ووقع أمور حكاها غير واحد من المؤرخين إلى أن قتل يخشباي المذكور حسبما يأتي ذكره‏.‏

ثم ورد على السلطان في يوم الأحد ثالث ذي الحجة مطالعة الأمير جلبان نائب حلب وقرينها مطالعات بقية الأمراء والنواب تتضمن أن تغري برمش لما انهزم على حماة مضى نحو الجبل الأقرع وقد فارقه الغادر بن نعير فقبض عليه أحمد وقاسم ولدا صوجي وقبض معه على دواداره كمشبغا وخازنداره يونس وعلى الأمير طرعلي بن سقل سيز والأمير صارم الدين إبراهيم بن الهذباني نائب قلعة صهيون وكتبوا بذلك إلى نائب حلب فورد الخبر بذلك على العسكر وهم على خان طومان في يوم الاثنين العشرين من ذي القعدة‏.‏



فجهز الأمير جلبان عند ذلك الأمير برد بك العجمي نائب حماة والأمير إينال العلائي نائب صفد والأمير طوخ مازي نائب غزة والأمير قطج أتابك حلب والأمير سودون النوروزي حاجب حجاب حلب لإحضار المذكورين‏.‏
ورحل جلبان بمن بقي معه يريد حلب فدخلها في يوم الثلاثاء حادي عشرين ذي القعدة المذكورة‏.‏
وسار بردبك العجمي نائب حماة بمن معه إلى أن تسلم تغري برمش ومن ذكرنا ممن قبض عليه من أصحابه وأتوا بهم‏.‏

فسمر طرعلي بن سقل سيز تسمير سلامة وسمر لهذباني ورفقته تسمير عطب‏.‏
وساروا بهم وتغري برمش راكب على فرس بقيد حديد حتى دخلوا به مدينة حلب وهو ينادي عليهم في يوم الخميس ثالث عشرينه وقد اجتمع من أعدائه الحلبيين خلائق لا يعلم عدتها إلا الله وهم من التخليق بالزعفران والتهانىء في أمر كبير‏.‏

وصاروا يسمعون تغري برمش المذكور من المكروه والسب والتوبيخ وإظهار الشماتة به أمورًا كثيرة حتى أوقفوهم تحت قلعة حلب ووسط الهذباني ورفيقه وتسلم تغري برمش وطرعلي الأمير حطط نائب قلعة حلب‏.‏
فانظر إلى هذا القصاص وهو أن تغري برمش لم يكن له في الدنيا عدو أعظم من بردبك العجمي وحطط ثم عامة حلب وقد تمكن الثلاثة منه فأما بردبك فإنه تسلمه وتحكم فيه من وقت أخذه من أولاد صوجي إلى أن أوصله إلى قلعة حلب وأما حطط فإنه تحكم فيه من وقت تسلمه من بردبك العجمي إلى أن قتل بين يديه وأما عامة أهل حلب فإنهم بلغوا منه مرادهم من إسماعه المكروه والشماتة به والتفرج عليه يوم قتله فنعوذ بالله من زوال النعم وشماتة الأعداء‏.‏














صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 25-01-2012, 02:30 AM   رقم المشاركة:594
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 54
المشاركات: 8,675
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الظاهر أبي سعيد جقمق (3)


سلطنة الظاهر أبي سعيد جقمق







وأما السلطان الملك الظاهر فإنه لما بلغه القبض على تغري برمش كاد أن يطير فرحًا وعلم أنه الآن بقي في السلطنة بغير نكد ولا تشويش‏.‏
ودقت البشائر لذلك ثلاثة أيام‏.‏
وكتب بقتل تغري برمش بعد عقوبته ليقر على أمواله فعوقب فأقر على شيء من ماله نحو الخمسين ألف دينار ثم انزل ونودي عليه إلى تحت قلعة حلب وضربت عنقه‏.‏
وقتل معه أيضًا طرعلي بن سقل سيز‏.‏
وصفا الوقت للملك الظاهر وخلا له الجو من غير منازع والتفت الآن إلى من له عنده رأس قديمة يكافئه عليها من خير وشر‏.‏

فأول ما بدأ به في يوم الخميس ثامن عشرين ذي الحجة أن قبض على زين الدين عبد الباسط بن خليل الدمشقي ناظر الجيش وعلى مملوكه جانبك الأستادار وعلى عدة كبيرة من حواشيه وأحيط بدور الجميع وكتب بإيقاع الحوطة على جميع ماله بالشام والحجاز والإسكندرية فزال بمسكه غمة كبيرة عن الناس فإنه كان غير محبب للناس حتى ولا إلى أصحابه لبادرة كانت فيه وسوء خلق وبطش مع سفه وبذاءة لسان‏.‏



ثم في يوم السبت سلخ ذي الحجة من سنة اثنتين وأربعين خلع السلطان على القاضي محب الدين بن الأشقر باستقراره في وظيفه نظر الجيش عوضًا عن عبد الباسط وخلع على الناصري محمد بن عبد الرزاق بن أبى الفرج نقيب الجيش باستقراره أستادارًا عوضًا عن جانبك الزيني عبد الباسط‏.‏
وابن الأشقر المذكور وابن أبي الفرج كل منهما كان من أصحاب عبد الباسط‏.‏

قلت‏:‏ عود وانعطاف على ما ذكرناه أنه كان يكرهه حتى أعز أصحابه ولولا ذاك ما وليا عنه هؤلاء وظائفه في حياته وإن كانا تمنعا عند الولاية فهذا باب تجمل ليس على حقيقته ولا يخفى ذلك على من له ذوق سليم فإننا لا نعرف أحدًا ولي وظيفة غصبًا كائنًا من كان‏.‏

وفي يوم السبت المذكور قدم رأس تغري برمش فطيف بها ثم علقت على باب زويلة أيامًا‏.‏

وفرغت هذه السنة أعني سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة بعد أن كان فيها حوادث كثيرة وعدة وقائع حسبما ذكرناه‏.‏



واستهلت سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة والسلطان مصمم على أنه لا يقنع منه بأقل من ألف ألف دينار ويهدده بالعقوبة ويعدد له ذنوبه حتى قال في بعض مجالسه بحضرتي‏:‏ ‏"‏ والله أشنكله بشنكال مثلما كانت تعمل الجغتية‏.‏
هذا أخرب مملكة مصر‏.‏
كان إذا كلمه أحد من أعيان الأمراء صفر له بفمه في وجهه ‏"‏ وأشياء كثيرة من ذلك‏.‏

ثم في يوم الاثنين ثاني محرم سنة ثلاث وأربعين خلع السلطان على القاضي ولي الدين محمد السفطي مفتي دار العدل وأحد ندماء السلطان وخواصه باستقراره في نظر الكسوة مضافًا لما بيده من وكالة بيت المال - فإن شرط الواقف أن يكون وكيل بيت المال ناظر الكسوة - عوضًا ثم خلع السلطان على فتح الدين محمد بن المحرقي باستقراره ناظر الجوالي عوضًا عن عبد الباسط وكان فتح الدين المذكور من حواشي الملك الظاهر أيضًا‏.‏

ثم في يوم الأربعاء حادي عشر المحرم أفرج عن جانبك الزيني عبد الباسط بعد أن حوسب في بيت تغري بردي المؤذي الدوادار الكبير وقد شطب عليه بمبلغ ألف ألف وثلاثماثة ألف درهم وجبت عليه للديوان وذلك سوى العشرة آلاف دينار التي ألزم بها‏.‏

ثم في سلخ المحرم قدم الأمير يشبك السودوني أمير سلاح من بلاد الصعيد بمن معه من المماليك الأشرفية وغيرهم فخلع السلطان عليه باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية عوضًا عن آقبغا التمرازي بحكم انتقاله إلى نيابة دمشق‏.‏

وكان يشبك أنعم عليه بالإقطاع والوظيفة من يوم ذاك غير أنه كان غائبًا ببلاد الصعيد هذه المدة الطويلة فلما حضر خلع عليه بالأتابكية‏.‏



ثم في يوم الاثنين أول صفر قدم الأمير قاني باي الأبو بكري الناصري المعروف بالبهلوان أتابك دمشق إلى القاهرة وخلع السلطان عليه باستقراره في تيابة صفد عوضًا عن الأمير إينال العلائي الناصري بحكم عزل إينال المذكور واستقراره من جملة مقدمي الألوف بديار مصر ورسم باستقرار الأمير إينال الششماني الناصري أحد مقدمي الألوف بدمشق في الأتابكية عوضًا عن قاني باي البهلوان‏.‏

ثم في يوم السبت سادس صفر قدم إلى القاهرة الأمراء المجردون إلى الشام بمن معهم من المماليك السلطانية فخلع السلطان على الأمير قراخجا الحسني الأمير آخور وعلى الأمير تمرباي التمربغاوي رأس نوبة النوب وعلى جميع من بقي من رفقتهما من أمراء الطبلخانات والعشرات وسكن قراخجا بباب السلسلة‏.‏

وفي هذه الأيام غضب السلطان على عبد الباسط ونقله في يوم الخميس حادي عشر صفر من المقعد الذي على باب الهجرة المطل على الحوش من قلعة الجبل إلى البرج عند باب القلعة‏.‏
وكان سبب ذلك أنه من يوم حبسه السلطان لم يهنه بضرب ولا بعقوبة والناس تتردد إليه وهو مطالبه بألف ألف دينار‏.‏



وقد تكلم بينه وبين السلطان المقر الكمالي محمد بن البارزي صهر السلطان وكاتب سره وراجع السلطان في أمره مرارًا عديدة وعبد الباسط يورد للسلطان من أثمان ما يباع له حتى وقف طلب السلطان بعد عناية ابن البارزي به على أربعمائة ألف دينار وأبى السلطان أن يضع عنه منها شيئًا وعبد الباسط يريد أن يحط عنه من ذلك شيئًا آخر‏.‏
وترامى على ابن البارزي المذكور واعترف بالتقصير في حقه في الدولة الأشرفية فلم يحوجه ابن البارزي لذلك بل شمر ساعدًا طويلًا لمساعدته حتى صار أمره إلى هنا بغير عقوبة ولا إهانة‏.‏

فلما كان يوم الخميس المذكور تكلم مع السلطان ابن البارزي وجماعة كبيرة من أعيان الدولة في أمر عبد الباسط وسألوه الحطيطة من الأربعمائة ألف دينار فغضب السلطان من ذلك وأمر به فأخرج إلى البرج على حالة غير مرضية ومضى من المقعد ماشيًا إلى البرج المذكور وسجنوه به‏.‏

ورسم السلطان له أن يدفع للمرسمين عليه لما كان بالمقعد وهم ثمانية من الخاضكية مبلغ ألفي دينار ومائتي دينار ودفعها لهم‏.‏

وبينما هو في ذلك دخل عليه الوالي وأمره أن يقلع جميع ما عليه من الثياب فإنه نقل للسلطان أن معه الاسم الأعظم أو أنه يسحر السلطان فإنه كان كلما أراد عقوبته صرفه الله عنه فخلع جميع ما كان عليه من الثياب والعمامة ومضى بها الوالي وبما في أصابع يديه من الخواتم فوجد في عمامته قطعة أديم ذكر أنها من نعل النبي صلى الله عليه وسلم ثم وجدت في عمامته أوراق فيها أدعية ونحوها وأخذ المقر الكمالي في القيام معه حتى كان من أمره ما سنذكره‏.‏



ثم في يوم السبت ثالث عشر صفر قدم الأمير إينال العلائي الناصري المعزول عن نيابة صفد وقد استقر من جملة مقدمي الألوف بالديار المصرية وقدم معه الأمير طوغان العثماني نائب القدس والأمير طوخ الأبو بكري المؤيدي أتابك غزة - وقد صار من جملة مقدمي الألوف بدمشق على إقطاع مغلباي الجقمقي بعد القبض عليه - وخلع السلطان على الجميع واركبوا ثم في رابع عشر صفر رسم السلطان بإحضار الأمراء المسجونين وغيرهم بثغر الإسكندرية إلى مدينة بلبيس ليحملوا إلى الحبوس بالبلاد الشامية وندب الأمير أسنبغا الطياري أحد أمراء الألوف بالديار المصرية لإحضارهم وهم‏:‏ الأمير جانم أخو الأشرف الأمير آخور وإينال الأبو بكري الأشرفي وعلى باي شاد الشراب خاناه الأشرفي وأزبك السيفي قاني باي رأس نوبة المعروف بجحا وجكم الخازندار خال العزيز وجرباش وجانبك قلق سيز‏.‏

ومن الخاصكية‏:‏ تنم الساقي وبيبرس الساقي ويشبك الدوادار وأزبك البواب وبايزير خال العزيز وجميع هؤلاء أشرفية وتنبك الإينالي المؤيدي الفيسي وبيرم خجا الناصري أمير مشوي وجماعة أخر لم يحضرني الآن أسماؤهم ولم يبق بسجن الإسكندرية سوى الأمير قراجا الأشرفي أحد مقدمي الألوف كان وخرج الأمير أسنبغا من يومه‏.‏
وفي هذا اليوم سافر الأمير قاني باي البهلوان نائب صفد إلى محل كفالته بها بعدما أنعم السلطان عليه بمال جزيل‏.‏
وسافر الطياري إلى الإسكندرية وأخذ المذكورين وعاد بهم إلى بلبيس في ثاني عشرين صفر والجميع بالحديد‏.‏



غير أن الأمير أسنبغا تلطف بهم وأحسن في خطابهم ومسيرهم إلى الغاية بخلاف من تولى تسفيرهم من بلييس إلى محل سجنهم فأفرج السلطان منهم عن بيرم خجا أمير مشوي ونفي إلى طرابلس وأخرج السلطان من البرج بقلعة الجبل اثنين أضافهما إلى هؤلاء ورسم أن يتوجه منهم سبعة نفر إلى قلعة صفد ليسجنوا بها وهم إينال الأشرفي أحد مقدمي الألوف وعلي باي المشد الأشرفي وأزبك خحا وجرباش مشد سيدي وتنبك الفيسي وحزمان وقاني باي اليوسفي ومسفر هؤلاء الأمير سمام الحسني الناصري أحد أمراء العشرات وأن يتوجه ثلاثة منهم إلى قلعة الصبيبة ليسجنوا بها وهم‏:‏ الأمير جانم أمير آخور وبايزير خال العزيز ويشبك بشق ومسفرهم هم ومن يمضي إلى حبس المرقب الآتي ذكرهم‏:‏ إينال أخو قشتم المؤيدي أحد أمراء العشرات‏.‏

والمتوجهون إلى حبس المرقب خمسة وهم‏:‏ جانبك قلق سيز وتنم الساقي وجكم خال العزيز ويشبك الفقيه وأزبك البواب والجميع أشرفية وساروا بهم في حالة غير مرضية‏.‏
ثم في سابع عشرين صفر قدم الأمير طوخ مازي نائب غزة فخلع السلطان عليه باستمراره وأكرمه‏.‏

وفي تاسع عشرينه نقل زين الدين عبد الباسط من محبسه بالبرج إلى موضع يشرف على باب القلعة بسفارة ابن البارزي وأخته خوند زوجة السلطان ووعده السلطان بخير بعدما كان وعده بالعقوبة‏.‏



ثم في يوم الاثنين سادس شهر ربيع الأول
خلع السلطان على الأمير طوخ مازي
نائب غزة خلعة ثم في ليلة السبت حادي عشرة أخرج الملك العزيز يوسف من محبسه بالقلعة وأركب فرسًا ومعه جماعة كبيرة ومضوا به حتى أنزل في الحراقة وساروا به حتى حبس بثغر الإسكندرية إلى يومنا هذا‏.‏
ومسفره جانبك القرماني أحد أمراء العشرات‏.‏
ورسم أن يصرف له من مال أوقاف العزيز ألف دينار‏.‏

وحمل مع الملك العزيز ثلاث جوار لخدمته ورتب له في كل يوم ألف درهم من أوقاف أبيه‏.‏
وكان لخروجه يوم مهول من بكاء جواري أبيه وأمه وتجمعن بعد خروجه بالصحراء في تربة أمه خوند جلبان وعملن عزاء كيوم مات الأشرف وبكين وأبكين‏.‏
ثم في حادي عشر شهر ربيع الأول المذكور استقر شمس الدين أبو النصر نصر الله المعروف بالوزة ناظر الإسطبل السلطاني بعد عزل زين الدين يحيى الأشقر قريب ابن أبي الفرج‏.‏
قلت‏:‏ وأي فخر أو سابق رئاسة لمن يعزل بهذا الوزة عن وظيفته‏‏‏.‏



ثم في يوم الأحد تاسع عشر شهر ربيع الأول سارت تجريدة في النيل ثغر رشيد‏.‏
وقد ورد الخبر بأن أربعة شوان للفرنج قاربت رشيد وأخذت أبقارًا وغيرها فأخرج السلطان لذلك الأمير أسنبغا الطياري والأمير شادبك الجكمي وهما من أمراء الألوف بالديار المصرية وحمل السلطان لكل منهما خمسمائة دينار‏.‏

وعندما نزلًا إلى المركب في بحر النيل احترقت مركب الطيارة مدفع نفط رموا به فعاد عليهم ناره وأحرق شيئًا مما كان معهم وأصاب بعضهم وفي أواخر شهر ربيع الأول هذا رسم السلطان بتوجه زين الدين عبد الباسط إلى الحجاز بأهله وعياله وسافر في يوم الثلاثاء ثاني عشر شهر ربيع الآخر بعد خلع السلطان عليه في يوم سفره وعلى معتقه جانبك الأستادار ونزل من القلعة مخيمه بالريدانية بعد أن حمل إلى الخزانة السلطانية مائتي ألف دينار وخمسين دينار ذهبًا عينًا سوى ما أخذ له من الخيول والجمال وسور تحف جليلة قدمها للسلطان وغيره ثم رحل عبد الباسط من الريدانية يريد الحجاز في خامس عشره ونزل ببركة الحاج وأقام بها أيضًا إلى ليلة ثامن عشره‏.‏

ثم في خامس عشرين شهر ربيع الآخر قدم الأمير تمراز المؤيدي أحد حجاب دمشق بسيف الأمير آقبغا التمرازي وقد مات فجاءة في يوم السبت سادس عشره‏.‏
فرسم السلطان للأمير جلبان نائب حلب باستقراره في نيابة دمشق وأن ينتقل الأمير قاني باي الحمزاوي نائب طرابلس إلى نيابة حلب وأن ينتقل الأمير برسباي الناصري حاجب حجاب دمشق إلى نيابة طرابلس ويستقر عوضه في حجوبية دمشق سودون النوروزي حاجب حجاب حلب وينتقل حاجب حماة الأمير سودون المؤيدي إلى حجوبية حجاب حلب وأن يستقر الأمير جمال الدين يوسف بن قلدر نائب خرت برت في نيابة ملطية بعد عزل الأمير خليل بن شاهين الشيخي عنها ويستقر خليل أحد أمراء الألوف بدمشق عوضًا عن الأمير ألطنبغا الشريفي ويستقر الشريفي أتابك حلب عوضًا عن قطج من تمراز وأن يحضر قطج المذكور إلى القاهرة إلى أن ينحل له إقطاع وجهزت تقاليد الجميع ومناشيرهم في سابع عشرينه ورسم للأمير دولات باي المحمودي الساقي المؤيدي الدوادار الثاني أن يكون مسفر جلبان نائب الشام وأن يكون الأمير أرنبغا اليونسي الناصري مسفرقاني باي الحمزاوي نائب حلب وأن يكون سودون المحمودي المؤيدي المعروف بأتمكجي مسفر برسباي نائب طرابلس وخلع على الجميع في يوم تاسع عشرين شهر ربيع الآخر‏.‏



ثم في يوم السبت خامس عشر جمادى الأولى استقر الأمير مازي الظاهري برقوق أحد أمراء دمشق في نيابة الكرك عوضًا عن آقبغا التركماني الناصري بحكم مسك آقبغا المذكور وحبسه بسجن الكرك‏.‏

وفي عشرينه خلع السلطان على الأمير أسنبغا الطياري أحد مقدمي الألوف باستقراره في نيابة الإسكندرية عوضًا عن يلبغا البهائي الظاهري برقوق بحكم وفاته زيادة على ما بيده من تقدمة ألف بمصر‏.‏

وطلب السلطان الأمير قراجا الأشرفي من سجن الإسكندرية فحضر في يوم الاثنين ثاني جمادى الآخرة فخلع عليه السلطان باستقراره أتابك حلب وبطل أمر الشريفي واستمر على إقطاعه بدمشق‏.‏

ثم في يوم الخميس ثاني عشر جمادى الآخرة عمل السلطان الموكب بالقصر وأحضر رسول القان معين الدين شاه رخ بن تيمورلنك فحضر الرسول وناول الكتاب الذي على يده وإذا فيه أنه بلغه موت الملك الأشرف وجلوس السلطان على تخت الملك فأراد أن يتحقق علم ذلك فأرسل هذا الكتاب فخلع السلطان عليه وأكرمه وأنزله بمكانه الذي كان أنزل فيه فإنه كان وصل في أول يوم من جمادى الأولى ورسم السلطان بكتابة جوابه‏.‏



ثم في يوم الاثنين رابع شهر رجب أدير المحمل على العادة وزاد السلطان في عدة الصبيان الذين يلعبون بالرمح الصغار عدة كبيرة ولم يقع في أياه المحمل بحمد الله ما ينكرمن الشناعات التي كانت تقع من المماليك الأشرفية‏.‏

وفي هذا اليوم أيضًا خلع السلطان على الأمير طوخ الأبو بكري المؤيدي أحد أمراء الألوف بدمشق وكان قبل أتابك غزة باستقراره في نيابة غزة بعد موت الأمير طوخ مازي الناصري فولي طوخ عوضًا عن طوخ وأنعم بتقدمة طوخ بدمشق على الأمير تمراز المؤيدي الحاجب الثاني بدمشق‏.‏

ثم في يوم السبت حادي عشر شعبان استقر القاضي بهاء الدين محمد بن حجي في نظر جيش دمشق عوضًا عن سراج الدين عمر بن السفاح ورسم لابن السفاح بنظر جيش حلب‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء ثامن عشر شوال خرج أمير حاج المحمل الأمير شادبك الجكمي أحد مقدمي ثم في يوم الثلاثاء خامس عشرين شوال قدم الأمير ناصر الدين بك واسمه محمد بن دلغادر نائب أبلستين إلى الديار المصرية بعدما تلقاه المطبخ السلطاني وجهزت له الإقامات في طول طريقه ثم سارت عدة من أعيان الدولة إلى لقائه ومعهم الخيول والخلع وله ولأعيان من معه من أولاده وأصحابه‏.‏

فلما دخل إلى القاهرة وطلع إلى القلعة ومثل بين يدي السلطان وقبل الأرض خلع عليه السلطان خلعة باستمراره على نيابة أبلستين على عادته وانزل في بيت بالقرب من القلعة وبالغ السلطان في الاحتفال بأمره والاعتناء به وشمله بالإنعامات الكثيرة‏.‏



وكان ناصر الدين بك المذكور له سنين كثيرة لم يدخل تحت طاعة سلطان وإن دخل فلم يطأ بساطه فلما سمع بسلطنة الملك الظاهر هذا وبحسن سيرته قدم وأقدم معه ابنته التي كانت تحت جانبك الصوفي وعدة من نسائه فعقد السلطان عقده على ابنته المذكورة التي كانت تحت جانبك الصوفي ولها من جانبك المذكور بنت لها من العمر نحو ثلاث سنين بعد أن حمل إليها المهر ألف دينار وعدة كثيرة من الشقق الحرير وغيرها‏.‏

وفي هذا الشهر أراد السلطان أن تكون تصرفاته في أمر جدة على مقتضى فتاوى أهل العلم لعلمه أن شاه رخ بن تيمور كان يعيب على الملك الأشرف برسباي لأخذه بجدة من التجار عشور أموالهم وأن ذلك من المكس المحرم فكتب بعض الفقهاء سؤالًا على غرض السلطان يتضمن أن التجار المذكورين كانوا يردون إلى بندر عدن من بلاد اليمن فيظلمون بأخذ أكثر أموالهم وأنهم رغبوا في القدوم إلى بندر جحة ليحتموا بالسلطان وسألوا أن يدفعوا عشر أموالهم فهل يجوز أخذ ذلك منهم فإن السلطان يحتاج إلى صرف مال كثير في عسكر يبعثه إلى مكة في كل سنة‏.‏
فكتب قضاة القضاة الأربعة بجواز أخذه وصرفه في المصالح‏.‏
فأنكر الشيخ تقي الدين على القضاة في كتابتهم على الفتاوى المذكورة وإنطلق لسانه بما شاء الله أن يقوله في حقهم - انتهى‏.‏



ثم في يوم الخميس ثامن عشر ذي القعدة قدم الأمير إينال الششماني الناصري أتابك دمشق والأمير ألطنبغا الشريفي الناصري أحد مقدمي الألوف بدمشق وطلعا إلى القلعة وخلع السلطان عليهما وأكرمهما‏.‏
وفيها أيضًا خلع السلطان على الأمير ناصر الدين بك بن دلغادر خلعة السفر وسافر يوم الاثنين تاسع عشرين ذي القعدة بعد أن بلغت النفقة عليه من الإنعامات ثلاثين ألف دينار‏.‏

ثم في يوم الأربعاء سابع ذي الحجة نودي بمنع المعاملة بالدراهم الأشرفية من الفضة وأن تكون المعاملة بالدراهم الظاهرية الجقمقية وهدد من خالف ذلك فاضطرب الناس لتوقف أحوالهم‏.‏

فنودي في آخر النهار بأن الفضة الأشرفية تدفع للصيارف بسعرها وهو كل درهم بعشرين درهمًا من الفلوس وأن تكون الدراهم الظاهرية كل درهم بأربعة وعشرين درهمًا وجعلت عددًا لا وزنًا‏.‏
فمنها ما هو نصف درهم عنه اثنا عشر درهمًا ومنها ما هو ربع درهم فيصرف بستة دراهم على أن كل دينار من الأشرفية بمائتين وخمسة وثمانين درهمًا من الفلوس‏.‏



ثم في يوم الثلاثاء خلع السلطان على غرس الدين خليل بن أحمد بن علي السخاوي أحد حواشي السلطان أيام إمرته باستقراره في نظر القدس والخليل والسخاوي هذا أصله من عوام القدس السوقة وقدم القاهرة وخدم بعض التجار وترقى وركب الحمار ثم ركب بعد مدة طويلة بغلة بنصف رحل على عادة العوام ورأيته أنا على تلك الهيئة ثم انتهى إلى خدمة السلطان وهو يوم ذاك أحد مقدمي الألوف واختص به حتى تحدث في إقطاعه ودام في خدمته إلى أن تسلطن وعظم أمره عند من هو دونه إلى أن ولي في هذا اليوم نظر القدس والخليل‏.‏

ثم في يوم الخميس ثامن المحرم من سنة أربع وأربعين خلع السلطان على الأمير قيز طوغان العلائي أحد أمراء العشرات وأمير آخور ثاني باستقراره أستادارًا عوضًا عن محمد بن أبي الفرج بحكم عزله والقبض عليه وحبسه بالقلعة إلى يوم الأحد حادي عشره فتسلمه الوزير كريم الدين ابن كاتب المناخ‏.‏

ثم في يوم السبت رابع عشرين المحرم خلع السلطان على زين الدين يحيى الأشقر قريب ابن أبي الفرج باستقراره في نظر ديوان المفرد عوضًا عن عبد العظيم بن صدقة بحكم مسكه ونقل ابن أبي الفرج من تسليم الوزير وسلم هو وعبد العظيم للأمير قيز طوغان الأستادار فأغرى زين الدين قيز طوغان بابن أبي الفرج وعبد العظيم حتى أخذ ابن أبي الفرج وعاقبه وأفحش في عقوبته في الملأ من الناس من غير احتشام ولا تجمل بل طرحه على الأرض وضربه ضربًا مبرحًا ووقع له معه أمور إلى أن أطلق وأعيد إلى نقابة الجيش بعد أن نفي ثم أعيد ومن يومئذ ظهر اسم زين الدين وعرف في الدولة وكان هذا مبدأ ترقيه حسبما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى‏.‏


وفي هذه الأيام وقع الاهتمام بتجهيز تجريدة في البحر لغزو الفرنج وكتب السلطان عدة من المماليك السلطانية وعليهم الأمير تغري برمش الزردكاش والسيفي يونس الأمير آخور وسافروا من ساحل بولاق في يوم الاثنين تاسع شهر ربيع الأول‏.‏

وكان جملة ما انحدر من ساحل بولاق خمسة عشر غرابًا فيها المماليك السلطانية والمطوعة‏.‏
وسبب هذه التجريدة كثرة عيث الفرنج في البحر وأخذها مراكب التجار وهذه أول بعثة بعثها الملك الظاهر من الغزاة‏.‏

ثم في يوم السبت سادس عشرين شهر ربيع الآخر قدم إلى القاهرة رسل القان معين الدين شاه رخ بن تيمورلنك ملك الشرق وقد زينت القاهرة لقدومهم وخرج المقام الناصري محمد ابن السلطان إلى لقائهم واجتمع الناس لرؤيتهم فكان لدخولهم يوم مشهود لم يعهد بمثله لقدوم رسل في الدول المتقدمة وأنزلوا بدار أعدت لهم إلى يوم الاثنين ثامن عشرينه فتوجهوا من الدار المذكورة إلى القلعة بعد أن شقوا القاهرة وهي مزينة بأحسن زينة والشموع وغيرها تشعل وقد اجتمع عالم عظيم لرؤيتهم وأوقفت العساكر من تحت القلعة إلى باب القصر في وقت الخدمة من باكر النهار المذكور‏.‏



فلما مثل الرسل بين يدي السلطان قرىء كتاب شاه رخ فكان يتضمن السلام والتهنئة بجلوس السلطان على تخت الملك ثم قدمت هديته وهي‏:‏ مائة فص فيروز وإحدى وثمانون قطعة من حرير وعدة ثياب وفرو ومسك وثلاثون بختيًا من الجمال وغير ذلك مما يبلغ قيمته خمسة آلاف دينار‏.‏
وأعيد الرسل إلى منازلهم وأجري عليهم الرواتب الهائلة في كل يوم‏.‏
ثم قلعت الزينة في يوم الثلاثاء سلخه‏.‏
وكان الناس تفننوا في زينة القاهرة ونصبوا بها القلاع وفي ظنهم أنها تتمادى أيامًا فانقضى أمرها بسرعة‏.‏

ثم في يوم الجمعة عاشر جمادى الأولى ورد الخبر على السلطان بنصرة الغزاة المجردين إلى قتال الفرنج‏.‏

ثم في يوم الاثنين عشرين جمادى الأولى خلع السلطان على القاضي بدر الدين أبي المحاسن محمد بن ناصر الدين محمد ابن الشيخ شرف الدين عبد المنعم البغدادي أحد نواب الحكم الحنابلة باستقراره قاضي قضاة الحنابلة بالديار المصرية بعد موت شيخ الإسلام محب الدين أحمد بن نصر الله البغدادي‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء حادي عشرين جمادى الأولى المذكور قدم الغزاة‏.‏


وكان من خبرهم أنهم انحدروا في النيل إلى دمياط ثم ركبوا منه البحر وساروا إلى جزيرة قبرس فقام لهم متملكها بالإقامات وساروا إلى العلايا فأمدهم صاحبها بغرابين فيهما المقاتلة ومضوا إلى رودس وقد استعد أهلها لقتالهم فكانت بينهم محاربة طول يومهم لم ينتصف المسلمون فيها وقتل منهم اثنا عشر من المماليك وجرح كثير وقتل من الفرنج أيضًا جماعة كثيرة‏.‏

فلما خلص المسلمون من قتالهم بعد جهد مروا بقرية من قرى رودس فقتلوا وأسروا ونهبوا ما فيها وعادوا إلى دمياط وأعلموا السلطان بأنه لم يكن لهم طاقة بأهل رودس‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء ثامن عشرين جمادى الأولى المذكور خلع على خواجا كلال رسول شاه رخ خلعة السفر وقد اعتني بها عناية لم يتقدم بمثلها لرسول في زماننا هذا وهي حرير مخمل بوجهين‏:‏ أحمد وأخضر وطرز زركش فيه خمسمائة مثقال من ذهب وأركب فرسًا بسرج ذهب وكنبوش زركش في كل منهما خمسمائة دينار وجهزت صحبته هدية ما بين ثياب حرير سكندري وسرج وكنبوش ذهب وسيوف مسقطة بذهب وغير ذلك مما تبلغ قيمته سبعة آلاف دينار هذا بعد أن بلغت النفقة من السلطان على الرسول المذكور ورفقته نحو خمسة عشر ألف دينار سوى الهدية المذكورة‏.‏

ثم في يوم السبت ثاني جمادى الآخرة وقع بين القاضي حميد الدين الحنفي وبين شهاب الدين أحمد بن إسماعيل بن عثمان الكوراني الشافعي مخاصمة وآل أمرهما إلى الوقوف بين يدي السلطان فغضب السلطان لحميد الدين وضرب الشهاب الكوراني وأهانه ورسم بنفيه إلى دمشق ثم إلى البلاد المشرقية فخرج على أقبح وجه‏.‏


وكان هذا الكوراني قدم القاهرة قبيل سنة أربعين وثمانمائة في فاقة عظيمة من الفقر والإفلاس واتصل بباب المقر الكمالي ابن البارزي فوالاه بالإحسان على عادة ترفقه بأهل العلم ونوه بذكره حتى عرفه الناس وتردد إلى الأكابر وصار له وظائف ومرتبات فلم يحفظ لسانه لطيش كان فيه حتى وقع له ما حكيناه‏.‏

ثم في يوم الخميس رابع عشر جمادى الآخرة قدم الأمير جلبان نائب الشأم إلى القاهرة ونزل السلطان إلى لقائه بمطعم الطير خارج القاهرة وهو أول ركبة ركبها بعد سلطنته بالموكب وخلع السلطان على جلبان المذكور خلعة الاستمرار وعاد السلطان إلى القلعة وهو في خدمته‏.‏

ثم في يوم الاثنين عاشر شهر رجب أنعم السلطان بإقطاع الأمير ألطنبغا المرقبي المؤيدي‏.‏
وتقدمته على الأمير طوخ من تمراز الناصري الرأس نوبة الثاني بعد موته وأنعم بإقطاع طوخ وهو إمرة أربعين على قاني باي الجاركسي شاد الشراب خاناه‏.‏

ثم في يوم الاثنين أول شعبان أضيف نظر دار الضرب للمقر الجمالي ناظر الخواص الشريف كما كانت العادة القديمة وذلك بعد موت جوهر القنقبائي الزمام والخازندار‏.‏

ثم في يوم السبت سادسه خلع السلطان علي الطواشي هلال الرومي الظاهري برقوق شاد الحوش السلطاني باستقراره زمامًا عوضًا عن جوهر المقدم ذكره على مال كثير بذله في ذلك‏.‏

ثم في يوم الأحد سابعه خلع علي الزيني عبد الرحمن بن علم الدين داؤد بن الكويز باستقراره أستادار الذخيرة وخلع علي الطواشي الحبشي جوهر التمرازي الجمدار باستقراره خازندارًا كلاهما عوضًا عن جوهر المذكور‏.‏


ثم في يوم السبت عشرين شعبان ركب السلطان من قلعة الجبل بغير قماش الموكب لكن بجميع أمرائه وخاصكيته ونزل في أبهة عظيمة وسار على خليج الزعفران خارج القاهرة ونزل هناك بمخيمه ومدت له أسمطة جليلة وأنواع كثيرة من الحلوى والفواكه‏.‏
ثم ركب بعد صلاة الظهر وعاد إلى القلعة بعد أن دخل من باب النصر وشق القاهرة وابتهج الناس به كثيرًا‏.‏

وهذه أول مرة شق فيها القاهرة بعد سلطنته‏.‏
وكان هذا الموكب جميعه بغير قماش الموكب ولم يكن ذلك في سالف الأعصار وأول من فعل ذلك وترخص في النزول من القلعة بغير كلفتاه ولا قماش الملك الناصر فرج ثم اقتدى به الملك المؤيد شيخ ثم من جاء بعدهما‏.‏

وفي هذا الشهر تكلم زين الدين يحيى الأشقر ناظر الديوان المفرد مع الأمير قيزطوغان العلائي الأستادار بأنه يكلم السلطان في إخراج جميع الرزق الأحباسية والجيشية التي بالجيزة وضواحي القاهرة وحسن له ذلك حتى تكلم قيزطوغان المذكور في ذلك مع السلطان وألح عليه‏.‏
ومال السلطان لإخراج جميع الرزق المذكورة إلى أن كلمه في ذلك جماعة من الأعيان ورجعوه عن هذه الفعلة القبيحة فاستقر الحال على أنه يجبى من الرزق المذكورة في كل سنة عن كل فدان مائة درهم من الفلوس فجبيت‏.‏
واستمرت إلى يومنا هذا في صحيفة زين الدين المذكور لأنه هو الدال عليها والدال على الخير كفاعله وكذلك الشر‏.‏


ثم في يوم الثلاثاء أول شهر رمضان ورد الخبر على السلطان بالقبض على الأمير قنصوه النوروزي وكان له من يوم وقعة الجكمي في اختفاء فرسم بسجنه بقلعة دمشق‏.‏
وقانصوه هذا من أعيان الأمراء المشهورين بالشجاعة وحسن الرمي بالنشاب غير أنه من كبار المخاميل الفلاسة المديونين‏.‏

ثم في يوم السبت ثاني عشر شهر رمضان خلع السلطان على القاضي معين الدين عبد اللطيف ابن القاضي شرف الدين أبي بكر سبط العجمي باستقراره في نيابة كتابة السر بعد وفاة أبيه‏.‏

ثم في يوم الاثنين تاسع عشر شوال برز أمير حاج المحمل الأمير تمرباي رأس نوبة النوب بالمحمل وأمير الركب الأول سودون الإينالي المؤيدي المعروف بقراقاس أمير عشرة‏.‏

وحج في هذه السنة ثلاثة من أمراء الألوف‏:‏ تمرباي المقدم ذكره والأمير تمراز القرمشي أمير سلاح والأمير طوخ من تمراز الناصري وسبعة أمراء أخر ما بين عشرات وطبلخانات‏.‏

وتوجه تمراز أمير سلاح بالجميع ركبًا وحده قبل الركب الأول كما سافر في السنة الماضية الأمير جرباش الكريمي قاشق أمير مجلس وصحبته ابنته زوجة السلطان الملك الظاهر‏.‏

ثم في يوم السبت سابع ذي القعدة قدم إلى القاهرة الأمير قاني باي الحمزاوي نائب حلب باستدعاء فركب السلطان إلى ملاقاته بمطعم الطير وخلع عليه باستمراره على كفالته‏.‏

وفي أواخر هذا الشهر طرد السلطان أيتمش الخضري الظاهري أحد الأمراء البطالة من مجلسه ومنعه من الاجتماع به وهذه ثاني مرة أهانه السلطان وطرده‏.‏
وأما ما وقع لأيتمش المذكور قبل ذلك في دولة الأشرف برسباي من البهدلة والنفي فكثير وهو مع ذلك لا ينقطع عن الترداد للأمراء وأرباب الدولة بوجه أقوى من الحجر‏.‏


وفي هذه السنة أعني سنة أربع وأربعين وثمانمائة جدد بالقاهرة وظواهرها عدة جوامع منها جامع الصالح طلائع بن رزيك خارج باب زويلة قام بتجديده رجل من الباعة يقال له عبد الوهاب العيني ومنها مشهد السيدة رقية قريبًا من المشهد النفيسي جدده الشريف بدر الدين حسين بن أبي بكر الحسيني نقيب الأشراف وجدد أيضًا جامع الفاكهيين بالقاهرة وجامع الفخر بخط سويقة الموفق بالقرب من بولاق وجدد أيضًا جامع الصارم أيضًا بالقرب من بولاق وأنشأ أيضًا جوهر المنجكي نائب مقدم المماليك جامعًا بالرميلة تجاه مصلاة المؤمني وعمارته بالفقيري بحسب الحال وأنشأ تغري بردي المؤذي البكلمشي الدوادار جامعًا بخط الصليبية على الشارع الأعظم‏.‏
قلت‏:‏ الناس على دين مليكهم وهو أنه لما كانت الملوك السالفة تهوى النزه والطرب عمرت في أيامهم بولاق وبركة الرطلي وغيرهما من الأماكن وقدم إلى القاهرة كل أستاذ صاحب آلة من المطربين وأمثالهم من المغاني والملاهي إلى أن تسلطن الملك الظاهر جقمق وسار في سلطنته على قدم هائل من العبادة والعفة عن المنكرات والفروج وأخذ في مقت من يتعاطى المسكرات من أمرائه وأرباب دولته فعند ذلك تاب أكثرهم وتصولح وتزهد وصار كل أحد منهم يتقرب إلى خاطره بنوع من أنواع المعروف فمنهم من صار يكثر من الحج ومنهم من تاب وأقلع عما كان فيه ومنهم من بنى المساجد والجوامع ولم يبق في دولته ممن استمر على ما كان عليه إلا جماعة يسيرة ومع هذا كان أحدهم إذا فعل شيئًا من ذلك فعله سرًا مع تخوف ورعب زائد يرجفه في تلك الحالة صفير الصافر وخفق الرياح فلله دره من ملك في عفته وعبادته وكرمه‏.‏

ثم في يوم السبت ثالث شهر ربيع الأول من سنة خمس وأربعين وثمانمائة خلع السلطان على يار علي بن نصر الله الخراساني العجمي الطويل باستقراره في حسبة القاهرة مضافًا لما بيديه من حسبة مصر القديمة عوضًا عن قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني الحنفي بحكم عزله‏.‏
ثم في يوم الخميس ثامن شهر ربيع الأول المذكور كانت مبايعة الخليفة أمير المؤمنين سليمان ابن الخليفة المتوكل على الله أبي عبد الله محمد بالخلافة بعد وفاة أخيه المعتضد داؤد بعهد منه إليه ولقب بالمستكفي بالله أبي الربيع سليمان


ثم في يوم الاثنين سادس عشر جمادى الأولى خلع السلطان على الشريف علي بن حسن بن عجلان باستقراره في إمرة مكة عوضًا عن أخيه بركات بن
حسن بحكم عزله لعدم حضوره إلى الديار المصرية وعين السلطان مع الشريف علي المذكور خمسين مملوكًا من المماليك السلطانية وعليهم الأمير يشبك الصوفي المؤيدي أحد أمراء العشرات ورأس نوبة لمساعدة علي المذكور على قتال أخيه الشريف بركات وسافر الشريف علي من القاهرة في يوم ثم في يوم الاثنين سادس شهر رجب قدم إلى القاهرة الأمير برسباي نائب طرابلس ونزل السلطان إلى مطعم الطيور خارج القاهرة وتلقاه وخلع عليه على العادة‏.‏

ثم يوم الثلاثاء سابع شهر رجب أمسك السلطان الأمير قيز طوغان العلائي الأستادار وقبض معه على زين الدين يحيى ناظر ديوان المفرد وسلمهما للأمير دولات باي المحمودي المؤيدي الدوادار الثاني‏.‏

ثم خلع السلطان في يوم الخميس سادس عشره على الزيني عبد الرحمن بن الكويز باستقراره أستادارًا عوضًا عن قيز طوغان وخلع على زين الدين المذكور باستقراره على وظيفة نظر المفرد على عادته‏.‏
وأنعم السلطان على الأمير قيز طوغان بإمرة مائة وتقدمة ألف بحلب وخرج في يوم السبت خامس عشرينه‏.‏


ثم في يوم الاثنين سابع عشرينه خلع السلطان على الشهابي أحمد بن علي بن إينال اليوسفي أحد أمراء العشرات باستقراره في نيابة الإسكندرية بعد عزل الأمير أسنبغا الناصري الطياري عنها وقدومه إلى القاهرة على عادته أمير مائة ومقدم ألف‏.‏

ثم في يوم السبت أول شهر رمضان قدم الشيخ شمس الدين محمد الخافي الحنفي من مدينة سمرقند قاصدًا الحج - وهو أحد أعيان فقهاء القان شاه رخ بن تيمور وولده ألوغ بك ثم في يوم الخميس ثامن عشر شوال برز أمير حاج المحمل تغري برمش السيفي يشبك بن أزدمر الزردكاش بالمحمل إلى بركة الحاج دفعة واحدة - وكانت العادة أن أمير حاج المحمل يبرز من القاهرة إلى الريدانية ثم يتوجه في ثانيه إلى بركة الحاج - وأمير حاج الركب الأول الأمير يونس السيفي آقباي أحد أمراء العشرات المعروف بالبواب‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء ثالث عشرين شوال أمسك السلطان الأمير جانبك المحمودي المؤيدي أحد أمراء العشرات ورأس نوبة وحبسه بالبرج من قلعة الجبل‏.‏


وكان السلطان قصد مسكه قبل ذلك فخشي عاقبة خجداشيته فلما زاد جانيك المذكور عن الحد في التكلم في الدولة ومداخلة السلطان في جميع أموره بعدم دربة وقلة لباقة مع حدة وطيش وخفة وسوء خلق أمسكه في هذا اليوم وقصد بذلك حركة ظهر من خجداشيته المؤيدية فلم يتحرك ساكن بل خاف أكثرهم وحسن حاله مع السلطان وانكف أكثرهم عن مداخلة السلطان وأنعم السلطان بإمرته على خجداشه خير بك الأشقر المؤيدي أحد الدوادارية الصغار ولم يكن خيربك المذكور ممن ترشح للإمرة‏.‏

ومن يومئذ عظم أمر السلطان في ملكه وهابته الناس وانقطع عن مداخلته جماعة كبيرة ثم حمل جانبك المذكور إلى سجن الإسكندرية فسجن به‏.‏
هذا والسلطان في اهتمام تجريدة لغزو رودس وعين عدة كبيرة من المماليك السلطانية والأمراء ومقدم الجميع اثنان من مقدمي الألوف‏:‏ الأمير إينال العلائي الناصري المعزول عن نيابة صفد والأمير تمرباي رأس نوبة النوب‏.‏
وسافروا الجميع من ساحل بولاق في محرم سنة ست وأربعين ومعهم عدة كبيرة من المطوعة بأبهج زي من العلا والسلاح وكان لسفرهم بساحل بولاق يوم مشهود إلا أنهم عادوا في أثناء السفر ولم ينالوا من رودس غرضًا بعد أن أخربوا قشتيل حسبما يأتي ذكره في الغزوة الثالثة الكبرى‏.‏


وبعد سفرهم وقع حادثة شنعة وهي أنه لما كان يوم الاثنين سادس عشر صفر وثب جماعة كبيرة من مماليك السلطان الأجلاب من مشترواته الذين بالأطباق من القلعة وطلعوا إلى أسطحة أطباقهم ومنعوا الأمراء وغيرهم من الأعيان من طلوع الخدمة وأفحشوا في ذلك إلى أن خرجوا عن الحد ونزلوا إلى الرحبة عند باب النحاس وكسروا باب الزردخاناه السلطانية وضربوا جماعة من أهل الزردخاناه وأخذوا منها سلاحًا كثيرًا ووقع منهم أمور قبيحة في حق أستاذهم الملك الظاهر ولهجوا بخلعه من الفلك‏.‏
وهم السلطان لقتالهم ثم فتر عزمه عن ذلك شفقة عليهم لا خوفًا منهم‏.‏
ثم سكنت الفتنة بعد أمور وقعت بين السلطان وبينهم‏.‏

ثم في يوم الخميس عاشر شهر ربيع الأول قدم الأمير مازي الظاهري برقوق نائب الكرك وطلع إلى القلعة وخلع عليه باستمراره‏.‏
ثم في يوم الاثنين حادي عشرين شهر ربيع الأول المذكور خلع السلطان على مملوكه قراجا الظاهري الخازندار باستقراره خازندارًا كبيرًا عوضًا عن الأمير قانبك الأبو بكري الأشرفي الساقي بحكم مرضه بداء الأسد نسأل الله العفو والعافية‏.‏
وفيه أيضًا استقر ابن الحاضري قاضي قضاة الحنفية بحلب بعد عزل محب الدين محمد بن الشحنة لسوء سيرته‏.‏


ثم في يوم الأحد ثاني عشر شهر ربيع الآخر قدم الأمير سودون المحمدي من مكة المشرفة إلى القاهرة وهو مجرح في مواضع من بدنه من قتال كان بين الشريف علي صاحب مكة وبين أخيه بركات انتصر فيه الشريف علي وانهزم بركات إلى القبر‏.‏

ثم في يوم الأحد سادس عشرين شهر ربيع الآخر المذكور أمسك السلطان الزيني عبد الرحمن بن الكويز وعزله عن الأستادارية‏.‏

ثم أصبح من الغد خلع على زين الدين يحيى ناظر الديوان المفرد باستقراره أستادارًا عوضًا عن ابن الكويز المذكور‏.‏
وكان من خبر زين الدين هذا أنه كان كثيرًا ما يلي الوظائف بالبذل ثم يعزل عنها بسرعة وقد تجمد عليه جمل من الديون وكان خصمه في وظيفة نظر الديوان المفرد عبد العظيم بن صدقة الأسلمي وغريمه في نظر الإسطبل شمس الدين الوزة‏.‏
ولا زال زين الدين المذكور في بحبوحة من الفقر والذل والإفلاس إلى أن ولي الأمير قيز طوغات الأستادارية فاختار زين الدين هذا لنظر الديوان المفرد وضرب عبد العظيم وأهانه كونه كان من جملة أصحاب محمد بن أبي الفرج وركن إلى زين الدين هذا وصار المعول عليه بديوان المفردة فاستفحل أمره وقضى ديونه‏.‏


فحدثته نفسه بالأستادارية لمصداق المثل السائر‏:‏ ‏"‏ لا تموت النفس الخبيثة حتى تسيء لمن أحسن إليها ‏"‏‏.‏
فأخذ زين الدين يدبر على الأمير طوغان في الباطن ويملي له المفسود بأن يحسن له الإقالة من الوظيفة حتى يعظم أمره من سؤال السلطان له باستقراره في الوظيفة ويظهر له بذلك النصح إلى أن انفعل له طوغان وسأل الإحالة فأقاله السلطان وخلع على الزيني عبد الرحمن بن الكويز بالأستاداريه‏.‏

واستمر زين الدين على وظيفة نظر ديوان المفرد وقد تفتحت له أبواب أخذ الأستادرية لسهولة ابن الكويز وخروج قيز طوغان من مصر فإنه كان لا يحسن به المرافعة في طوغان ولا السعي عليه بوجه من الوجوه فسلك في ذلك ما هو أقرب لبلوغ قصده بعزل طوغان وولاية ابن الكويز حتى تم له ذلك ولبس الأستادارية ونعت بالأمير لكنه لم يتزيا بزي الجند بل استمر على لبسه أولًا‏:‏ العمامة والفرجية فصار في الوظيفة غير لائق كونه أستادارًا وهو بزي الكتبة وأميرًا ولا يعرف باللغة التركية ورئيسًا وليس فيه شيم الرئاسة وكانت ولايته وسعادته غلطة خلت الرقاع من الرخاخ ففرزنت فيها البيادق وتصاهلت عرج الحمير فقلت‏:‏ من عدم السوابق وفيه خلع السلطان على الأمير أقبردي المظفري الظاهري برقوق أحد أمراء العشرات ورأس نوبة وندبه للتوجه إلى مكة المشرفة وصحبته من المماليك السلطانية خمسون مملوكًا ليستعين بهم الشريف علي صاحب مكة على من خالفه وسافر بعد أيام رجبية‏.‏


ثم في يوم الخميس أول جمادى الأولى أمسك السلطان الصفوي جوهرًا التمرازي الخازندار ورسم عليه عند تغري برمش الجلالي المؤيدي الفقيه نائب قلعة الجبل وطالبه السلطان بمال كبير‏.‏

وخلع السلطان على الطواشي فيروز الرومي النوروزي رأس نوبة الجمدارية باستقراره خازندارًا عوضًا عن جوهر المذكور وتأسف الناس كثيرًا على عزل جوهر التمرازي فإنه كان سار في الوظيفة أحسن سيرة وترقب الناس بولاية فيروز هذا أمورًا كثيرة‏.‏
ثم في يوم الاثنين سادس عشرينه استقر فيروز النوروزي المذكور زمامًا مضافًا للخازندارية بعد عزل هلال الطواشي عنها‏.‏

ثم في يوم الخميس ثالث عشر جمادى الآخرة
خلع السلطان على الأمير إينال العلائي الناصري
باستقراره دوادارًا كبيرًا بعد موت الأمير تغري بردي المؤذي البكلمشي وأنعم بتقدمة تغري بردي المذكور على الأمير قاني باي الجركسي واستمر على وظيفة شد الشراب خاناه مع تقدمة ألف وأنعم بطبلخاناه قاني باي على جانبك القرماني الظاهري برقوق رأس نوبة وأنعم بإقطاع جانبك على أيتمش بن عبد الله من أزوباي أستادار الصحبة وهي إمرة عشرة وأنعم بإقطاع أيتمش على سنجبغا وكلاهما إمرة عشرة والتفاوت في زيادة المغل‏.‏


ثم في يوم السبت خامس شعبان رسم السلطان بنفي الأمير سودون السودوني الظاهري الحاجب إلى قوص فشفع فيه فرسم بتوجهه إلى طرابلس ثم شفع فيه ثانيًا فرسم له بالإقامة بالقاهرة بطالًا‏.‏
ثم في الاثنين ثالث شوال خلع السلطان على الشريف أبي القاسم بن حسن بن عجلان باستقراره أمير مكة عوضًا عن أخيه علي بحكم القبض عليه وعلى أخيه إبراهيم بمكة المشرفة‏.‏

ثم في سابع عشره برز أمير حاج المحمل الأمير تنبك البردبكي حاجب الحجاب بالمحمل إلى بركة الحاج وهذه سفرته الثانية وأمير الركب الأول الأمير الطواشي عبد اللطيف المنجكي العثماني الرومي مقدم المماليك السلطانية‏.‏

ثم في يوم السبت تاسع عشرين شوال خلع السلطان على قاضي القضاة بدر الدين محمود ثم في يوم الاثنين أول ذي القعدة قدم الأمير أركماس الظاهري الدوادار الكبير - كان - من ثغر دمياط بطلب من السلطان وطلع إلى القلعة وخلع عليه السلطان كاملية مخمل بمقلب سمور ورسم له أن يقيم بالقاهرة بطالًا وأذن له بالركوب حيث شاء‏.‏

ثم في يوم الاثنين تاسع عشرين ذي القعدة المذكور خلع السلطان على القاضي بهاء الدين محمد ابن القاضي نجم الدين عمر بن حجي ناظر جيش دمشق باستقراره ناظر الجيوش المنصورة بالديار المصرية مضافًا لما بيده من نظر جيش دمشق عوضًا عن القاضي محب الدين بن الأشقر بحكم عزله وغيابه في الحج وذلك بسفارة حميه القاضي كمال الدين بن البارزي كاتب السر الشريف‏.‏


ثم في يوم الثلاثاء ثاني عشر صفر من سنة سبع وأربعين وثمانمائة أعيد يارعلي الخراساني إلى حسبة القاهرة وصرف العيني عن الحسبة‏.‏
ثم في يوم الأربعاء حادي عشر شهر ربيع الأول عمل السلطان المولد النبوي على العادة‏.‏
ثم في يوم الأربعاء ثامن جمادى الآخرة قدم الزيني عبد الباسط بن خليل وكان توجه من سنة أربع وأربعين من الححاز إلى دمشق بشفاعة الناصري محمد بن منجك له‏.‏
ولما وصل إلى القاهرة طلع إلى القلعة وقبل الأرض ومعه أولاده ثم تقدم وباس رجل السلطان فقال له السلطان‏:‏ ‏"‏ أهلا ‏"‏ بصوت خفي ولم يزده على ذلك‏.‏
ثم ألبسه كاملية سابوري أبيض بفرو سمور وألبس أولاده كل واحد كاملية سمور بطوق عجمي ثم نزل إلى داره‏.‏
وقدم تقدمته في يوم الجمعة عاشر جمادى الآخرة المذكورة وكانت تشتمل على شيء كثير من ذلك أربعة وأربعون قفصًا من أقفاص الحمالين مشحونة بالأقمشة من أنواع الفراء والصوف والمخمل والشقق الحرير والسلاح وطبول بأزات مذهبة وخيول نحو مائتي فرس وأربعين فرسًا منها أكاديش خاصة بسروج مذهبة وبدلات مينة عبي حرير عدة كبيرة ومنها عشرة خيول عليها بركستوانات ملونة وسروج مغرقة ومنها ثمانية سروج سذج برسم الكرة وبغال ثلاثة أقطار وجمال بخاتي قطار واحد فقبل السلطان ذلك كله‏.‏
وبعد هذا كله لم يتحرك حظ عبد الباسط عند السلطان ولا تجمل معه بوظيفة من الوظائف بل أمره بالسفر بعد أيام قليلة‏.‏
قلت‏:‏ ليس للطمع فائدة وأخذ ما يأخذ زمانه وزمان غيره وما أحسن قول من قال‏:‏ المتدارك وترى الدهر لعبًا لمعتبر والناس به دول دول كرة وضعت لصوالجة فتلقفها رجل رجل ثم في يوم الاثنين عشرينه قدم الأمير خليل بن شاهين الشيخي نائب ملطية وخلع عليه السلطان خلعة الاستمرار وقدم هديته‏.‏
وأقام بالقاهرة إلى يوم الاثنين رابع شهر رجب فخلع السلطان عليه باستقراره أتابك حلب عوضًا عن الأمير قيز طوغان العلائي المعزول عن الأستادارية بحكم استقرار قيز طوغان في نيابة ملطية عوضًا عن خليل المذكور‏.‏


ثم في يوم السبت ثامن عشر شوال برز أمير حاج المحمل الأمير شادبك الجكمي أحد مقدمي الألوف بالمحمل إلى بركة الحاج وأمير الركب الأول الأمير سونجبغا اليونسي أحد أمراء العشرات ورأس نوبة‏.‏
ثم في يوم الأربعاء ثاني عشرين شوال أعيد القاضي محب الدين بن الأشقر إلى وظيفة نظر الجيش وصرف عنها القاضي بهاء الدين بن حجي واستمر على وظيفته نظر جيش دمشق على عادته أولًا وكانت بيده لم تخرج عنه‏.‏

ثم في يوم الخميس سلخ شوال قدم ابن حجي المذكور إلى السلطان تقدمة هائلة تشتمل على خمسة وأربعين قفصًا من أقفاص الحمالين ما بين ثياب بعلبكي وقسي وصوف وأنواع الفرو وغير ذلك‏.‏
ثم في يوم الاثنين رابع ذي القعدة خلع السلطان على بهاء الدين المذكور خلعة السفر وأضيف إليه نظر قلعة دمشق‏.‏

ثم في يوم الأحد رابع عشرينه ركب السلطان من قلعة الجبل ونزل بخواصه إلى أن وصل إلى ساحل بولاق ثم عاد حتى علم الناس بعافيته لأنه كان توعك توعكًا هينًا فأرجف الناس ثم في يوم الاثنين ثاني ذي الحجة وصل الأمير جلبان نائب الشام إلى القاهرة ونزل السلطان إلى ملاقاته بمطعم الطيور بالريدانية خارج القاهرة وخلع عليه خلعة الاستمرار على نيابة دمشق وهذه قدمته الثانية في الدولة الظاهرية‏.‏
ثم قدم جلبان المذكور تقدمته إلى السلطان من الغد في يوم الثلاثاء وكانت تشتمل على عدة حمالين كثيرة منها سمور خمسة أبدان ووشق بدنان وقاقم خمسة أبدان وسنجاب خمسون بدنًا وقرضيات خمسون قرضية ومخمل ملون خاص أربعون ثوبًا ومخمل أحمر وأخضر وأزرق حلبي خمسون ثوبًا وصوف ملون مائة ثوب وثياب بعلبكي خمسمائة ثوب وثياب بطائن خمسمائة أيضًا وقسي حلقة ثلاثمائة قوس منها خمسون خاصًا وطبول بازات مذهبة عشرة وسيوف خمسون سيفًا وخيول مائتا رأس منها واحد بسرج ذهب وكنبوش زركش وبغال ثلاثة أقطار وجمال أربعة أقطار وعشرون ألف دينار على ما قيل‏.‏


وفي أواخر هذه السنة ظهر الطاعون بمصر وفشا في أول المحرم سنة ثمان وأربعين وثمانمائة وقد أخذ السلطان في تجهيز تجريدة عظيمة لغزو رودس وأخذ الطاعون يتزايد في كل يوم حتى عظم في صفر وزاد عدة من يموت فيه على خمسمائة إنسان‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء حادي عشرين صفر نفى السلطان كسباي الششماني المؤيدي أحد الدوادارية الصغار وعد ذلك من الأشياء التي وضعها الملك الظاهر في محلها وقد استوعبنا أمر كسباي هذا والتعريف بأحواله في غير هذا المحل‏.‏
ثم في شهر ربيع الأول أخذ الطاعون يتناقص من القاهرة ويتزايد بضواحيها‏.‏
ثم في يوم السبت سادس عشر شهر ربيع الأول المذكور نفى السلطان سودون السودوني الحاجب إلى قوص وأنعم بإقطاعه على الأمير ألطنبغا المعلم الطاهري برقوق زيادة على ما بيده‏.‏
ثم في يوم السبت المذكور خرجت الغزاة من القاهرة فنزلت في المراكب من ساحل بولاق وقصدوا الإسكندرية ودمياط ليركبوا من هناك البحر المالح والجميع قصدهم غزو رودس‏.‏
وكانوا جمعًا موفورًا ما بين أمراء وخاصكية ومماليك سلطانية ومطوعة‏.‏
وكان مقدم الجميع في هذه السنة أيضًا الأمير إينال العلائي الدوادار الكبير كما كان في السنة الخالية‏.‏
وكان معه من الأمراء الطبلخانات الأمير يلخجا من مامش الساقي الناصري الرأس نوبة الثاني ومن العشرات جماعة كبيرة منهم‏:‏ تغري برمش الزردكاش وتغري برمش الفقيه نائب القلعة‏.‏


وهو مستمر على وظيفته - ورسم السلطان للأمير يونس العلائي الناصري أحد أمراء العشرات أن يسكن بباب المدرج إلى أن يعود تغري برمش المذكور من الجهاد - وسودون الإينالي المؤيدي قراقاس رأس نوبة وتمربغا الظاهري جقمق ونوكار الناصري وتمراز النوروزي رأس نوبة المعروف بتعريص ويشبك الفقيه المؤيدي وفيها تأمر بعد عوده - بعد موت تمراز النوروزي من جرح أصابه - وجماعة أخر من أعيان الخاصكية كل منهم مقدم على غراب أو زورق ومعه علة من المماليك السلطانية وغيرهم‏.‏

وكانت المماليك السلطانية في هذه الغزوة تزيد عدتهم على ألف مملوك هذا خارج عمن سافر من المطوعة‏.‏
وأضاف إليهم السلطان أيضًا جماعة كبيرة من أمراء البلاد الشامية كما فعل الملك الأشرف في غزوة قبرس المقدم ذكرها‏.‏
ورسم لهم السلطان أن يتوجه الجميع إلى طرابلس ليضاف إليهم العسكر الشامي ويسير الجميع عسكرًا واحدًا ففعلوا ذلك وسافر الجميع من ثغر دمياط وثغر الإسكندرية في يوم الخميس حادي عشر شهر ربيع الآخر وكان لخروجهم من ساحل بولاق يوم عظيم لم ير مثله إلا نادرًا‏.‏

وساروا من ثغر الإسكندرية ودمياط إلى طرابلس ثم من طرابلس إلى رودس حتى نزلوا على برها بالقرب من مدينتها في الخيم وقد استعد أهلها للقتال فأخذوا في حصار المدينة ونصبوا عليها المناجيق والمكاحل وأرموا على أبراجها بالمكاحل والمدافع واستمروا على قتال أهل رودس في كل يوم‏.‏
هذا ومنهم فرقة كبيرة قد تفرقت في قرى رودس وبساتينها ينهبون ويسبون‏.‏


واستمروا على ذلك أيامًا ومدينة رودس لا تزداد إلا قوة لشدة مقاتليها ولعظم عمارتها وقد تأهبوا للقتال وحصنوا رودس بالآلات والسلاح والمقاتلة وصار القتال مستمرًا بينهم في كل يوم وقتل من الطائفتين خلائق كثيرة‏.‏
هذا وقد استقر الأمير يلخجا الناصري في المراكب ومعه جماعة كبيرة من المماليك السلطانية وغيرهم لحفظ المراكب من طارق يطرقهم من الفرنج في البحر وكان في ذلك غاية المصلحة‏.‏

وصار يلخجا مقدم العساكر في البحر كما كان إينال مقدم العساكر في البر‏.‏
وبينما يلخجا ورفقته ذات يوم إذ هجم عليهم الفرنج في عدة كبيرة من المراكب فبرز إليهم يلخجا ومن معه وقاتلوهم قتالًا عظيمًا حتى نصر الله المسلمين وانهزم الفرنج وغنم المسلمون منهم‏.‏
كل ذلك وقتال رودس مستمر في كل يوم والعساكر في غاية ما يكون من الاجتهاد في قتال رودس غير أن رودس لا يزداد أمرها إلا قوة لعظم استعداد أهلها للقتال‏.‏
ولما كان في بعض الأيام وقع للمسلمين محنة عظيمة قتل فيها جماعة كبيرة من أعيان الغزاة من الخاصكية وغيرهم وهو أن جماعة من المسلمين الأعيان نزلوا في كنيسة تجاه رودس وبينهم وبين العسكر الإسلامي رفقتهم مخاضة من البحر المالح وبينهم أيضًا وبين مدينة رودس طريق سالكة‏.‏


فاتفق أهل رودس على تبييت هؤلاء المسلمين الذين بالكنيسة المذكورة إلى أن أمكنهم ذلك فخرجوا إليهم على حين غفلة وطرقوهم بالسيوف والسلاح وكان المسلمون في أمن من جهتهم وغالبهم جالس بغير سلاح وهم أيضًا في قلة والفرنج في كثرة‏.‏

فلما هجموا على المسلمين ووقعت العين في العين قام المسلمون إلى سلاحهم فمنهم من وصل إلى أخذ سلاحه وقاتلهم حتى قتل ومنهم من قتل دون أخذ سلاحه ومنهم من ألقى بنفسه إلى الماء ونجا وهم القليل‏.‏
على أنه قتل من الفرنج جماعة كبيرة قتلتهم فرسان المسلمين قبل أن يقتلوا لما عاينوا الهلاك أثابهم الله الجنة‏.‏
ولما وقعت الهجة قام كل واحد من المسلمين إلى نجدة هؤلاء المذكورين فلم يصل إليهم أحد حتى فرغ القتال إلا أن بعض أعيان الخاصكية مع رفقته لحق جماعة من الفرنج قبل دخولهم إلى رودس ووضعوا فيهم السيف‏.‏
وقد استوعبنا واقعتهم بأطول من هذا في غير هذا الكتاب‏.‏
وكان عدة من قتل في هذه الكائنة نيفًا على عشرين نفسًا‏.‏
ودام القتال بعد ذلك في كل يوم بين عساكر الإسلام وبين فرنج رودس أيامًا كثيرة ومدينة رودس لا تزداد إلا قوة‏.‏
فعند ذلك أجمع المسلمون على العود وركبوا مراكبهم وعادوا إلى أن وصلوا إلى ثغر الإسكندرية ودمياط ثم قدموا إلى القاهرة‏.‏


فكانت غزوة العام الماضي أعني غزوة قشتيل التي أخربوها وسبوا أهلها أبهج من هذه الغزوة فلله الأمر من قبل ومن بعد‏.‏
وكان وصول الغزاة المذكورين إلى القاهرة في ثم في يوم الاثنين ثالث شهر ربيع الآخر خلع السلطان على الأمير سودون المحمدي أحد أمراء العشرات باستقراره في نيابة قلعة دمشق بعد نقل الأمير جانبك الناصري دوادار برسباي الحاجب منها إلى حجوبية الحجاب بدمشق بعد موت الأمير سودون النوروزي‏.‏

وفيه استقر الأمير قنصوه النوروزي - الخارج على السلطان في نوبة الجكمي - في نيابة ملطية بعد عزل الأمير قيز طوغان العلائي وقدومه إلى حلب أتابكًا بها عوضًا عن الصاحب خليل بن شاهين بحكم عزله ونفيه‏.‏

ثم في يوم السبت رابع شهر رجب وصل إلى القاهرة الأمير بردبك العجمي الجكمي نائب حماة وطلع إلى القلعة وقبل الأرض فنهره السلطان وأمر بالقبض عليه فأمسك وحبس بالقلعة ثم سفر إلى ثغر الإسكندرية فسجن بها وسبب ذلك واقعة كانت بينه وبين أهل حماة قتل فيها جماعة كبيرة من الحمويين استوعبناها في ‏"‏ الحوادث ‏"‏ من غير هذا الكتاب‏.‏
ورسم السلطان للأمير قاني باي الأبو بكري البهلوان نائب صفد بنيابة حماة ونقل الأمير بيغوت المؤيدي الأعرج نائب حمص إلى نيابة صفد‏.‏


ثم في يوم الاثنين سادس عشر رجب المذكور خلع السلطان على الأمير تنم من عبد الرزاق المؤيدي الذي كان ولي حسبة القاهرة باستقراره في نيابة الإسكندرية بعد عزل الأمير ألطنبغا المعلم اللفاف الظاهري برقوق وقدومه إلى القاهرة على إقطاعه وقد زاده السلطان عدة زيادات‏.‏

ثم في يوم الخميس خامس عشر شعبان قدم إلى القاهرة قاصد القان معين الدين شاه رخ بن تيمورلنك وفي خدمته نحو المائة نفر وأتباع كثيرة‏.‏
وكان معه أيضًا امرأة عجوز من نساء تيمورلنك قدمت برسم الحج إلى بيت الله الحرام أقامت بدمشق لتتوجه في الموسم صحبة الركب الشامي ومع القاصد المذكور كسوة الكعبة التي أرسلها شاه رخ‏.‏
وكان القاصد الذي قدم في العام الماضي استأذن السلطان في ذلك واعتذر أن شاه رخ نذر أن يكسو الكعبة - كما كان ذكر ذلك للملك الأشرف برسباي وكان ذلك سببًا لضرب الأشرف لقصاده والإخراق بهم‏.‏
فلما استأذن القاصد الملك الظاهر جقمق أذن له وعاد القاصد بالجواب إلى شاه رخ فأرسلها في هذه السنة صحبة هذا القاصد المذكور‏.‏
واعتذر الملك الظاهر بقوله‏:‏ ‏"‏ إن هذه قربة ويجوز أن يكسو الكعبة كائن من كان ‏"‏ وعظم ذلك على أمراء الدولة والمصريين إلى الغاية‏.‏
ونزل القاصد المذكو في بيت جمال الدين الأستادار بين القصرين‏.‏


فلما كان يوم الاثنين حادي عشر شهر رمضان طلع قاصد شاه رخ المذكور ورفقته إلى القلعة وكان السلطان قد احتفل إلى طلوعهم ونادى أن أحدًا من أجناد الحلقة والمماليك السلطانية لا يتأخر عن طلوع القلعة في هذا اليوم‏.‏
وعمل السلطان الخدمة بالحوش من القلعة ولم تكن العادة بعمل الخدمة إلا في إيوان القلعة فأبطل السلطان ذلك وعملها في الحوش‏.‏
وطلعوا القصاد ومعهم التقدمة والكسوة فأمر السلطان بإدخال ما معهم إلى البحرة لئلا يفطن أحد بالكسوة المذكورة‏.‏

وترحب السلطان بالقصاد وأكرمهم وقرىء ما على يدهم من المكاتبة وعادوا إلى جهة منزلهم إلى أن وصلوا إلى بيت جمال الدين حيث سكنهم وقد أطلقت الألسن في حقهم بالوقيعة من العوام والرجم المتتابع إلى البيت المذكور‏.‏
وحال دخولهم إلى البيت نزل خلفهم في الوقت من المماليك السلطانية الذين بأطباق القلعة مقدار ثلاثمائة مملوك وانضاف إليهم جماعة كبيرة من المماليك البطالين والعوام وكبسوا على القصاد المذكورين ونهبوا جميع ما كان لهم وكان شيئًا كثيرًا إلى الغاية وأفحشوا في النهب حتى أخذوا خيولهم وكان قيمة ما نهب هم من الفصوص الفيروزج الكرماني والشقق الحرير والمخمل والمسك وأنواع الفرو وغير ذلك يربو على عشرين ألف دينار وأكثر‏.‏

ولولا أن الأمير يلخجا الرأس نوبة الثاني كان سكنه بالقرب منهم فركب في الحال بمماليكه ونجدهم ومنع الناس من نهبهم ثم وصل إليهم الأمير إينال العلائي الدوادار الكبير ثم الأمير تنبك حاجب الحجاب ولما بلغ السلطان الخبر غضب غضبًا شديدًا وأمسك جماعة من العامة ضربهم بالمقارع وأبدع فيهم وقطع أرزاق بعض المماليك السلطانية من الخدامة وأولاد الناس‏.‏
ثم أعطى السلطان القصاد شيئًا كثيرًا وطيب خواطرهم .‏

ثم في أواخر شهر رمضان المذكور نفى السلطان الأمير أقطوه الموساوي ظاهري برقوق أحد أمراء الطبلخاناه إلى طرسوس ثم شفع فيه فتوجه إلى دمشق بطالًا‏.‏
ثم في شوال ورد الخبر على السلطان بنصرة مراد بك بن عثمان متملك بلاد الروم على بني الأصفر‏.‏














صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 25-01-2012, 02:31 AM   رقم المشاركة:595
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 54
المشاركات: 8,675
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الظاهر أبي سعيد جقمق (4)


سلطنة الظاهر أبي سعيد جقمق








وفي هذه السنة أبطل السلطان الرماحة الذين يلعبون بالرمح يوم دوران المحمل في شهر رجب‏.‏

ثم يوم الاثنين استقر محب الدين محمد بن الشحنة الحنفي قاضي قضاة حلب وكاتب سرها وناظر الجيش بها بسفارة الصاحب جمال الدين يوسف ناظر الخاص الشريف‏.‏

ثم في يوم الخميس خامس عشرين ذي القعدة قدم الزيني عبد الباسط من دمشق إلى القاهرة وهذه قدمته الثانية من يوم عزل وصودر وطلع إلى السلطان في يوم السبت سابع عشرينه وخلع عليه كاملية بفرو سمور‏.‏
ثم قدم هديته إلى السلطان في يوم الاثنين تاسع عشرينه وكانت تشتمل على شيء كثير مع مبلغ كبير من الذهب‏.‏


ثم في يوم الخميس سادس عشر ذي الحجة خرجت تجريدة إلى البحيرة ومقدم العسكر الأمير قراخجا الحسني الأمير آخور الكبير ومعه ستة من الأمراء‏.‏

ثم في يوم الخميس رابع عشر محرم سنة تسع وأربعين وثمانمائة استقر الشيخ شمس الدين محمد القاياتي قاضي قضاة الشافعية بالديار المصرية وصرف الحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر ونزل القاياتي بغير خلعة تورعًا وعليه طيلسانه وبين يديه أعيان الدولة‏.‏
ولما نزل إلى الصالحية لم يسمع الدعوى التي يدعيها بعض الرسل وقال‏:‏ هذه حيلة ثم قام وتوجه إلى داره وفي ظن كل أحد أنه سيسير في القضاء على قاعدة السلف لما عهدوا من تقشفه وتعففه فوقع بخلاف ما كان في الظن ومال إلى المنصب وراعى الأكابر وأكثر من النواب وظهر منه الميل الكلي إلى الوظيفة حتى لعله لو عزل منها لمات أسفًا عليها‏.‏

ثم في يوم الاثنين ثامن عشر المحرم المذكور خلع السلطان على الأمير يلخجا من مامش الساقي الناصري الرأس نوبة الثاني باستقراره في نيابة غزة بعد موت الأمير طوخ الأبوبكري المؤيدي قتيلًا بيد العشير‏.‏

ثم في يوم الاثنين العشرين من شهر ربيع الآخر خلع السلطان على الأمير شادبك الجكمي أحد مقدمي الألوف باستقراره في نيابة حماة عوضًا عن قاني باي البهلوان بحكم انتقاله إلى نيابة ثم في يوم الخميس خامس عشر جماد الأول من سنة تسع وأربعين المذكورة رسم السلطان بنفي الأمير علي باي العجمي المؤيدي أحد أمراء العشرات ورأس نوبة إلى صفد ثم حول إلى دمشق بطالًا وأنعم بإمرته على الأمير جانبك اليشبكي الساقي والي القاهرة وأنعم بإقطاع جانبك المذكور على جماعة من الخاصكية الأشرفية ممن كان نفي في أول الدولة بدمشق وغيرها‏.‏


ثم في يوم الاثنين رابع عشرين جماد الآخر وصل الأمير قاني باي الحمزاوي نائب حلب إلى القاهرة وقبل الأرض واستقر من جملة مقدمي الألوف بها وكان الكلام قد كثر في أمره وأشيع بعصيانه‏.‏
وفي هذا الشهر
ندب السلطان مملوكه جانبك الظاهري الخاصكي إلى التكلم
على بندر جدة وهذه أول سفرة سافرها جانبك المذكور ومبدأ أمره في التكلم على بند جدة إلى يومنا هذا‏.‏
وكان من خبر استمراره على التكلم في البندر المذكور أن السلطان كان في كل سنة يندب للتكلم على البندر أحدًا من الأمراء أو أعيان الخاصكية فيتوجه المذكور ثم يعود إلى القاهرة وقد تغير خاطر السلطان عليه لأمور شتى فيعزله السلطان على أقبح وجه ومنهم من يصادره ويأخذ منه الأموال الكثيرة ومنهم من ينفى ومنهم من يرسم عليه ويبهدل وقل من يسلم من فلما ولي جانبك هذا باشر البندر المذكور بمعرفة وحنق مع المهابة ووفور العقل والحرمة ونفوذ الكلمة ونهض بما لم ينهض به غيره ممن تقدمه‏.‏
وأنا أقول‏:‏ ولا ممن تأخر عنه إلى يوم القيامة على ما سيأتي بيان ذلك في مواطن كثيرة من هذه الترجمة وغيرها وقد استوعبنا حاله في تاريخنا ‏"‏ المنهل الصافي ‏"‏ بأوسع من هذا وأيضًا ذكرنا أموره مفضلًا في تاريخنا ‏"‏ الحوادث ‏"‏ عند ذهابه إلى جدة وإيابه وما يقع له بها في الغالب ‏.‏

ثم في يوم الخميس ثالث شعبان خلع السلطان على الأمير إينال العلائي الدوادار الكبير باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية بعد موت الأمير الكبير يشبك السودوني المشد‏.‏
قلت‏:‏ وفي تولية إينال هذا للألابكية في يوم ثالث الشهر رد على من يتشاءم بالحركة في يوم ثالث الشهر فإنه نقل من هذه الوظيفة إلى السلطنة فأي شؤم وقع له في ولايته ‏.‏


ثم خلع السلطان على الأمير قاني باي الجاركسي شاد الشراب خاناه باستقراره دوادارًا كبيرًا عوضًا عن إينال المذكور وأنعم بإقطاع الأمير إينال المذكور على الشهابي أحمد بن علي بن إينال اليوسفي وصار أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية‏.‏

وخلع السلطان على الأمير يونس السيفي آقباي باستقراره شاد الشراب خاناه عوضًا عن قاني باي الجاركسي واستمر على إقطاعه إمرة عشرة‏.‏
ووقع بسبب تولية الأمير إينال المذكور للأتابكية كلام كثير في الباطن لكون السلطان قدمه على الأمير تمراز القرمشي أمير سلاح وجرباش الكريمي أمير مجلس وقراخجا الحسني الأمير آخور الكبير وهؤلاء الثلاثة من أكابر المماليك البرقوقية ووظائفهم أيضًا تقتضي الانتقال منها إلى الأتابكية بخلاف وظيفة الدوادارية‏.‏
وبلغ السلطان ذلك أو فطن به فلما كان يوم السبت خامسه نزل من قلعة الجبل إلى خليج الزعفران وصحبته جميع الأمراء إلى مخيم ضرب له به وجلس فيه وأكل السماط ودام هناك إلى قريب الظهر ثم ركب وعاد إلى القلعة‏.‏
وكان قصد الملك الظاهر بالنزول إلى خليج الزعفران في هذا اليوم استخفافًا بالقوم لأنهم أشاعوا أن جماعة تريد الركوب فكأنه قال لهم بلسان حاله‏:‏ ‏"‏ ها قد نزلت من القلعة بخليج الزعفران من كان له غرض في شيء فليفعله ‏"‏ فلم يتحرك ساكن وانقمع كل أحد فكانت هذه الفعلة من أحسن أفعاله وأعظمها‏.‏


ثم في يوم الخميس سابع عشر شهر شعبان المذكور خلع السلطان على الأمير الكبير إينال المذكور خلعة نظر البيمارستان المنصوري وخلع على قاني باي الجاركسي خلعة الإنظار المتعلقة بالدوادارية‏.‏

ثم في يوم السبت سابع عشر شوال برز أمير حلج المحمل الأمير دلاوت باي المحمودي المؤيدي ثم في يوم الخميس ثالث المحرم سنة خمسين وثمانمائة خلع السلطان على الصاحب خليل بن شاهين المعزول عن نيابة ملطية قبل تاريخه باستقراره في نيابة القدس عوضًا عن طوغان العثماني بحكم توجهه حاجب حجاب حلب بعد موت قاني باي الجكمي‏.‏

وفيه استقر القاضي برهان الدين إبراهيم بن الديري في نظر الجوالي مضافًا لما بيده من نظر الإسطبلات السلطانية عوضًا عن ابن المحرقي بعد عزله‏.‏

ثم في يوم الاثنين خامس صفر أعيد قاضي القضاة شهاب الدين بن حجر للقضاء بعد موت قاضي القضاة شمس الدين القاياتي‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء سادس صفر أيضًا استقر القاضي ولي الدين السفطي في تدريس المدرسة الصلاحية بقبة الشافعي عوضًا عن القاياتي‏.‏

ثم في يوم السبت ثامن شهر ربيع الأول من سنة خمسين المذكورة قدم إلى القاهرة الشريف محمد بن الشريف بركات بن حسن بن عجلان ومعه تقدمة من عند أبيه ما بين خيول وغيرها وأقام بالقاهرة إلى سلخ الشهر المذكور وعاد إلى مكة وقد أعطاه السلطان أمانًا لأبيه بركات ووعلى بكل خير من ولاية مكة وغير ذلك‏.‏


ثم في يوم الاثنين أول شهر ربيع الآخر خلع السلطان على ولي الدين السفطي باستقراره في نظر البيمارستان المنصوري عوضًا عن القاضي محب الدين بن الأشقر ناظر الجيش بحكم عزله عنها‏.‏
وسار السفطي في النظر المذكور سيرة سيئة وهو أنه صار يأخذ ما لا يستحقه ويدفعه لمن لا يستحقه وحسابه على الله‏.‏
وفيه استقر أسنبغا مملوك ابن كلبك شاد الشون السلطانية في نيابة بعلبك ولم يقع ذلك فيما تقدم‏.‏
والعادة أن نائب دمشق هو الذي يستقر بمن يختاره من مماليكه في نيابة بعلبك‏.‏
هذا في هذا الزمان وأما الوالد فإنه ولى في نيابته على دمشق نيابة القدس والرملة‏.‏

ثم في أواخر جمادى الأولى توغر خاطر السلطان على الأمير شاد بك الجكمي نائب حماة وعزله عن نيابة حماة وولى عوضه الأمير يشبك من جانبك المؤيدي الصوفي أحد أمراء الألوف بحلب - وكان السلطان نفى يشبك المذكور من مصر ثم أنعم عليه بإمرة بحلب وأنعم بإقطاع يشبك المذكور على خجداشه الأمير علي باي العجمي المنفي أيضًا قبل تاريخه إلى دمشق - ورسم لشاد بك المذكور أن يتوجه إلى القدس بطالًا وحمل تقليد يشبك المذكور بنيابة حماة وتشريفه الأمير تمربغا الظاهري أحد أمراء العشرات‏.‏

وفي هذا الشهر رسم السلطان بإطلاق جماعة من المماليك الأشرفية ممن كان حبسهم في أول دولته بالبلاد الشامية ورسم بقدومهم إلى القاهرة‏.‏


ثم في يوم الخميس سابع عشر شوال برز أمير حاج المحمل الأمير سونجبغا اليونسي الناصري أحد أمراء العشرات ورأس نوبة بالمحمل إلى بركة الحاج وأمير الركب الأول الأمير سمام الحسني الظاهري برقوق أحد أمراء العشرات‏.‏

وسافرت في هذه السنة إلى الحجاز زوجة السلطان الملك الظاهر جقمق خوند مغل بنت البارزي ومعها أيضًا زوجة السلطان بنت ابن دلغادر‏.‏
وحج في هذه السنة أيضًا القاضي كمال الدين بن البارزي كاتب السر الشريف صحبة أخته خوند المذكورة في الركب الأول‏.‏
وسافر كمال الدين المذكور بتجمل كبير وفعل في سفرته من الخيرات والإحسان لأهل مكة ما سيذكر إلى الأبد‏.‏

ثم في يوم السبت أول محرم سنة إحدى وخمسين وثمانمائة خلع السلطان على قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني باستقراره قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية بعد عزل قاضي القضاة شهاب الدين ابن حجر‏.‏
وفيه استقر السيفي آقبردي الساقي جقمق في نيابة قلعة حلب عوضًا عن تغري بردي الجاركسي بحكم عزله وتوجهه إلى دمشق‏.‏
وكان آقبردي المذكور توجه إلى حلب في أمر متعلق بالسلطان‏.‏

وفيه أنعم السلطان على خليل بن شاهين الشيخي بإمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق عوضًا عن قير طوغان بحكم القبض عليه وحبسه بقلعة دمشق بسبب ما وقع منه لما توجه أمير حاج الركب الشامي من إحراقه باب المدينة الشريفة لسبب من الأسباب‏.‏
وفيه أيضًا استقر الأمير يشبك الحمزاوي دوادار السلطان بحلب في نيابة غزة عوضًا عن حطط بحكم عزله وتوجهه إلى دمشق بطالًا وأنعم بإقطاع يشبك الحمزاوي وهو تقدمة ألف بحلب على الأمير سودون من سيدي بك الناصري المعروف بالقرماني‏.‏
وأنعم بإقطاع سودون القرماني وهو إمرة عشرة على الأمير علي باي الأشرفي شاد الشراب خاناة كان‏.‏


ثم في يوم الخميس رابع صفر من سنة إحدى وخمسين خلع السلطان علي مملوكه سنقر الظاهري باستقراره أستادار الصحبة بعد موت أيتمش من أزوباي المؤيدي‏.‏

ثم في يوم الخميس حادي عشر صفر المذكور رسم السلطان بنفي تغري برمش الجلالي الفقيه نائب قلعة الجبل إلى القدس بطالًا واستقر الأمير يونس العلائي الناصري أحد أمراء العشرات عوضه في نيابة قلعة الجبل وأنعم بإقطاع تغري برمش المذكور على شريكه الأمير جانبك النوروزي المعروف بنائب بعلبك زيادة على ما بيده ولبس المقدم ذكره خلعة نيابة القلعة في يوم الاثنين خامس عشر صفر‏.‏

ثم في يوم الخميس ثالث شهر ربيع الأول خلع السلطان على الأمير برسباي الساقي السيفي تنبك البجاسي باستقراره في نيابة الإسكندرية بعد عزل الأمير تنم من عبد الرازق المؤيدي عنها وذلك بسفارة عظيم الدولة الصاحب جمال الدين يوسف ناظر الخاص الشريف‏.‏
وفيه خلع السلطان على الأمير جانبك النوروزي المقدم ذكره المعروف بنائب بعلبك باستقراره أمير المماليك السلطانية المجاورين بمكة المشرفة‏.‏

ثم في يوم الاثنين حادي عشرين شهر ربيع الأول المذكور رسم بنقل الأمير لرسباي الناصري من نيابة طرابلس إلى نيابة حلب بعد موت الأمير قاني باي الأبوبكري الناصري البهلوان‏.‏
ورسم بنقل الأمير يشبك المؤيدي الصوفي من نيابة حماة إلى نيابة طرابلس عوضًا عن برسباي المذكور‏.‏

وخلع السلطان على الأمير تنم بن عبد الرازق المؤيدي المعزول عن نيابة الإسكندرية باستقراره في نيابة حماة عوضًا عن يشبك الصوفي رشحه إلى ذلك المقر الجمالي ناظر الخواص‏.‏
وحمل إلى برسياي نائب حلب التقليد والتشريف الأمير جرباش المحمدي الناصري الأمير آخور الثاني المعروف بكرت‏.‏
وتوجه بتقليد يشبك بنيابة طرابلس الأمير قراجا الظاهري الخازندار الكبير‏.‏
واستقر مسفر تنم بنيابة حماة الأمير لاجين الظاهري الساقي فصالحه الأمير تنم على عدم سفره صحبته على ثلاثة آلاف دينار‏.‏


ثم في يوم الخميس ثامن شهر ربيع الآخر استقر الأمير سودون السودوني الظاهري برقوق من جملة الحجاب وكان سودون المذكور قد ولي الحجوبية الثانية قبل ذلك قلت‏:‏ درجة إلى أسفل‏.‏

ثم في يوم الخميس خامس عشره خلع السلطان على القاضي ولي الدين السفطي باستقراره قاضي قضاة الديار المصرية بعد عزل قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني مضافًا لما بيده من تدريس قبة الشافعي ونظر البيمارستان ونظر الكسوة ووكالة بيت المال ومشيخة الجمالية ونظرها وغير ذلك من الوظائف ومع هذا كله والبلص عمال والشحاذة في كل يوم من الأمير الكبير إلى مقدم الجبلية‏.‏
وسار في القضاء أقبح سيرة وسلك مع الناس طريقًا غير محمودة من الحط على الفقهاء والترسيم عليهم والإفحاش في أمرهم لاسيما ما فعله مع مباشري الأوقاف‏.‏
وفي هذا الشهر خلع السلطان على شخص من الباعة يعرف بأبي الخير النحاس شهرة ومكسبًا باستقراره في وكالة بيت المال عوضًا عن السفطي‏.‏
وهذا أول خمول السفطي ومبدأ أمر أبي الخير النحاس وما سيأتي من أمرهما فأعجب‏.‏
ولا بد من التعريف بأصل أبي الخير المذكور وسبب ترقيه وإن كان في ذلك نوع إطالة فيحتمل ذلك لنوع من الأنواع فنقول‏:‏ اسمه محمد وكنيته أبو الخير وبكنيته أشهر ابن محمد بن أحمد بن محمد المصري الأصل والمولد الشافعي النحاس‏.‏
نشأ تحت كنف والده وحفظ القرآن وتعلم من والده وجده صناعة عمل النحاس ومهر فيه واتخذ له حانوتًا بسوق النحاس بخط الشوائين بالقرب من دكان أبيه‏.‏
وأخذ في حانوته وأعطى حتى صار بينه وبين الناس معاملات ومشاركات ألجأه ذلك لتحمل الديون إلى أن عامله الشيخ أبو العباس الوفائي وصار له عليه جمل مستكثرة من الديون‏.‏
وكان الستر مسبولًا بينهما أولًا ثم وقع بينهما وحشة وكان ذلك هو السبب بوصلة النحاس هذا بالملك الظاهر جقمق وهو أن أبا العباس لما ماطله أبو الخير المذكور أخذ في الإلحاح عليه في طلب حقه والدعوى عليه بمجالس الحكام والتجريء عليه والمبالغة في إنكائه بحيث إنه ادعى عليه مرة عند الأمير سودون السودوني الحاجب بعد أن أخرجه من السجن محتفظًا به فضربه سودون المذكور علقتين في يوم واحد ودام هذا الأمر بينهما أشهرًا بل وسنين‏.‏


وصار أبو العباس لا يرق لفقر أبي الخير وإفلاسه وعدم موجوده بل يلح في طلب حقه فعند ذلك أخذ أبو الخير النخاس في مرافعة أبي العباس المذكور بأن الذي بيده من المال إنما هو من جملة ذخائر الصفوي جوهر القنقبائي الخازندار وقد بقيت عند أبي العباس بعد موت جوهر‏.‏
ولا زال أبو الخير يجتهد في ذلك إلى أن توصل إلى السلطان وأنهى في حق أبي العباس ما تقدم ذكره وعليه محاققة ذلك وإظهار الحق في جهته فلما سمع السلطان كلامه مال إليه وقال له‏:‏ قد فنزل أبو الخير في الحال من بين يدي السلطان وقد صار مطالبًا بعدما كان مطلوبًا وادعى على أبي العباس المذكور بدعاو كثيرة يطول الشرح في ذكرها وخدمه السعد في إظهار بعض موجود جوهر من عند أبي العباس المذكور فحسن ذلك ببال السلطان ونبل أبو الخير في عين السلطان ووكله بعد مدة في جميع أموره كل ذلك في سنة ست وأربعين وثمانمائة‏.‏
وتردد أبو الخير النحاس إلى السلطان وحسن حاله من لبس القماش النظيف وركوب الحمار واكتسى كسوة جيدة‏.‏
كل ذلك وأبو الخير يلح في طلب المال من أبي العباس‏.‏

ثم التفت إلى غير ذلك مما يعود نفعه على السلطان وبقي بسبب ذلك يكثر الطلوع إلى القلعة وصار يتقرب إلى السلطان بهذه الأنواع فمشى أمره وظهر عند العامة اسمه واستمر على ذلك إلى سنة ثمان وأربعين فركب فرسًا من غير لبس خف ولا مهماز وصار يطلع إلى القلعة في كل يوم مرة بعد نزول أرباب الدولة من الخدمة ويتقاضى أشغال السلطنة‏.‏
كل ذلك وأعيان الدولة لا تلتفت إليه ولا يعاكسه أحد فيما يرومه لعدم اكتراثهم به وإهمالهم أمره لوضاعته لا لجلالته فاستفحل أمره بهذه الفعلة وطالت يده في الدولة‏.‏
فأول ما بدأ به أخذ في معارضة السفطي وساعده في ذلك سوء سيرة السفطي وملل السلطان منه فولي عنه وكالة بيت المال‏.‏
ثم أخذ أمره يتزايد بعد ذلك على ما سيأتي ذكره مفصلًا‏.‏

وقد استوعبنا حاله في تاريخنا ‏"‏ المنهل الصافي ‏"‏ بأطول من هذا إذ هو كتاب تراجم لا غير وأما أمره في تاريخنا ‏"‏ حوادث الدهور ‏"‏ فهو مفضل باليوم والساعة من أول أمره إلى آخره


ثم في يوم السبت أول جمادى الأولى برز المرسوم الشريف باستقرار خير بك الأجرود المؤيدي أحد مقدمي الألوف بدمشق في أتابكية دمشق بعد موت الأمير إينال الششماني الناصري وأنعم السلطان بإقطاع خير بك المذكور على الأمير خشقدم الناصري المؤيدي أحد أمراء العشرات ورأس نوبة بالقاهرة‏.‏

ثم في يوم الاثنين ثامن جمادى الآخرة خلع السلطان على الصاحب أمين الدين إبراهيم بن الهيصم ناظر الدولة باستقراره في الوزارة عوضًا عن الصاحب كريم الدين عبد الكريم ابن كاتب المناخ بحكم طول مرضه وهذه ولاية الصاحب أمين الدين الثانية للوزر‏.‏

ثم في يوم الاثنين سابع عشرين شهر رجب برز المرسوم الشريف على يد الأمير إينال أخي قشتم المؤيدي باستقرار الأمير تنم من عبد الرازق المؤيدي نائب حماة في نيابة حلب عوضًا عن الأمير برسباي الناصري بحكم استعفائه عن نيابة جلب لطول لزومه الفراش ورسم أيضًا بنقل الأمير بيغوت من صفر خجا المؤيدي الأعرج نائب صفد إلى نيابة حماة عوضًا عن تنم المذكور وحمل إليه التقليد والتشريف الأمير يلبغا الجاركسي أحد أمراء العشرات ورأس نوبة‏.‏
ورسم باستقرار الأمير يشبك الحمزاوي نائب غزة في نيابة صفد‏.‏
ورسم باستقرار طوغان العثماني حاجب الحجاب بحلب في نيابة غزة عوضًا عن يشبك الحمزاوي واستقر في حجوبية حلب الأمير جانبك المؤيدي المعروف بشيخ أحد أمراء طرابلس‏.‏

ثم في يوم الخميس أول شعبان قدم الشريف بركات بن حسن بن عجلان ونزل الملك الظاهر جقمق إلى لقائه بمطعم الطيور الريدانية خارج القاهرة‏.‏


وبالغ السلطان في إكرام بركات المذكور وقام إليه ومشى له خطوات وأجلسه بجانبه ثم خلع عليه وقيد له فرسًا بسرج ذهب وكنبوش زركش وركب مع السلطان وسار إلى قريب قلعة الجبل فرسم له السلطان بالعود إلى محل أنزله به وهو مكان أخلاه له المقر الجمالي ناظر الخواص ورتب له الرواتب الهائلة‏.‏

وقام الجمالي المذكور بجميع ما يحتاج إليه بركات من الكلف والخدم السلطانية وغيرها وكان أيضًا هو القائم بأمره إلى أن أعاده إلى إمرة مكة والسفير بينهما الخواجا شرف الدين موسى التتائي الأنصاري التاجر‏.‏

ثم في يوم الخميس سابع شهر رمضان خلع السلطان على الأمير بيسق اليشبكي أحد أمراء العشرات باستقراره في نيابة دمياط بعد عزل الأمير بدخاص العثماني الظاهري برقوق‏.‏

ثم في يوم الخميس رابع عشره خلع السلطان على أبي الخير النخاس المقدم ذكره باستقراره في ثم في يوم الخميس خامس شوال خلع السلطان على الأمير تمراز من بكتمر المؤيدي المصارع أحد أمراء العشرات باستقراره في بابة القدس بعد عزل خشقدم السيفي سودون من عبد الرحمن‏.‏

ثم في يوم الاثنين أول ذي القعدة أنعم السلطان على أسنباي الجمالي الظاهري جقمق الساقي بإمرة عشرة بعد موت إينال أخي قشتم وأنعم بوظيفة أسنباي - السقاية - على جانم الظاهري جقمق‏.‏

ثم في يوم الأربعاء ثالثه برز الأمر الشريف بحبس الأبرين المقيمين بالقدس الشريف وهما‏:‏ شاد بك الجكمي المعزول عن نيابة حماة وإينال الأبو بكري الأشرفي فحبسا بقلعة صفد‏.‏

ثم في يوم الاثنين ثامن ذي القعدة استقر شاهين الظاهري ساقيًا عوضًا عن جكم قلق سيز بحكم تغير خاطر السلطان عليه‏.‏


ثم في محرم سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة رسم السلطان للأمير يشبك طاز المؤيدي أحد أمراء دمشق بحجوبية طرابلس عوضًا عن يشك النوروزي‏.‏

ثم في يوم الأربعاء حادي عشرين المحرم وصل الركب الأول من الحاج صحبة الأمير الطواشي عبد اللطيف المنجكي ثم العثماني مقدم المماليك السلطانية‏.‏

وأصبح قدم من الغد أمير حاج ثم في يوم الجمعة ثالث عشرين المحرم المذكور رسم السلطان بنفي الأمير قراجا العمري الناصري أحد المقدمين بدمشق إلى سيس وأنعم بتقدمته على الأمير مازي الظاهري برقوق نائب الكرك كان‏.‏

ثم في يوم الخميس ثامن عشرين صفر رسم بإطلاق قيز طوغان من محبسه بقلعة دمشق بشفاعة الأمير جلبان نائب دمشق‏.‏
وفيه أيضًا رسم بمجيء كسباي الدوادار المؤيدي المجنون من طرابلس إلى القاهرة بشفاعة جرباش قاشق‏.‏

ثم في يوم الأحد أول شهر ربيع الأول رسم السلطان بتبقية الأمير قيز طوغان في الحبس وردت المراسيم التي كانت كتبت بإطلاقه بواسطة زين الدين يحيى الأشقر الأستادار‏.‏

ثم في يوم الاثنين ثاني ربيع الأول عاد الأمير جلبان إلى محل كفالته بدمشق‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء ثالثه عزل السلطان الأمير عبد اللطيف زين الدين الطواشي العثماني عن تقدمة المماليك السلطانية وخلع على الطواشي جوهر النوروزي نائب مقدم المماليك باستقراره في تقدمة المماليك عوضًا عن عبد اللطيف المذكور‏.‏


ثم في يوم الخميس خامسه استقر عوضه نائب مقدم المماليك مرجان العادلي المحمودي‏.‏
ثم في يوم السبت حادي عشرينه استقر أبو الخير النحاس في نظر الكسوة عوضًا عن السفطي ثم في يوم الأربعاء ثالث شهر ربيع الآخر عزل السلطان السفطي عن قضاء الديار المصرية‏.‏

ثم في يوم الخميس رابعه استقر برهان الدين إبراهيم بن ظهير في نظر الإسطبل السلطاني عوضًا عن برهان الدين إبراهيم بن الديري‏.‏
وفيه ولي الشيخ أشرف الدين يحيى المناوي تدريس قبة الشافعي عوضًا عن السفطي‏.‏
وفي يوم السبت سادسه نكب شمس الدين محمد الكاتب وعزر وامتحن حسبما ذكرناه في الحوادث مفصلًا‏.‏

ثم في يوم الأحد سابع شهر ربيع الآخر أعيد قاضي القضاة شهاب الدين ابن حجر إلى القضاء بعد عزل السفطي واستقر أيضًا في مشيخة الخانقاه البيبرسية على عادته ولبس خلعتهما من الغد في يوم الاثنين‏.‏

ثم في يوم الخميس حادي عشره استقر أبو الخير النحاس ناظر البيمارستان المنصوري عوضًا عن السفطي‏.‏

ثم في يوم الاثنين لبس السفطي كاملية خضراء بسمور بعد أن حمل مبلغ خمسة آلاف دينار وخمسمائة دينار بسبب أنه ادعي عليه أنه تناولها من وقف الكسوة‏.‏


ثم في يوم الاثنين ثاني عشرين ربيع الآخر المذكور عزل الأمير تمراز البكتمري المؤيدي المصارع وفي هذا الشهر طلق السلطان زوجته خوند الكبرى مغل بنت البارزي‏.‏

ثم في يوم الاثنين سابع عشرين جمادى الأولى خلع السلطان على الأمير قاني باي الحمزاوي أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية باستقراره في نيابة حلب ثانيًا بعد عزل الأمير تنم المؤيدي عنها وقدومه إلى القاهرة على إقطاع قاني باي الحمزاوي المذكورة واستقر يونس العلائي الناصري نائب قلعة الجبل مسفر قاني باي فصالحه السلطان عنه بمبلغ كبير من الذهب لقلة موجود قاني باي المذكور‏.‏
وفيه استقر الأمير بيسق اليشبكي أحد أمراء العشرات بالقاهرة في نيابة قلعة دمشق بعد موت شاهين الطوغاني وفرق السلطان إقطاع بيسق على كسباي المجنون المؤيدي وغيره بواسطة المقر الجمالي ناظر الخواص الشريفة‏.‏

ثم في يوم الاثنين حادي عشره برز الأمير قاني باي الحمزاوي إلى محل كفالته بحلب‏.‏

ثم في يوم الأحد رابع عشرين جمادى الآخرة أمر السلطان بنفي الأمير تمراز المصارع المعزول عن نيابة القدس إلى دمشق ثم شفع فيه وأعيد بعد أيام بعد أن أخرج السلطان إقطاعه إلى أزبك من ططخ الساقي الظاهري والإقطاع إمرة عشرة واستقر خشقدم السيفي سودون من عبد الرحمن في نيابة القدس عوضًا عن تمراز المذكور واستقر إينال الظاهري الخاصكي ثم في يوم الاثنين خامس عشرين جمادى الآخرة المذكور عزل الحافظ شهاب الدين بن حجر نفسه عن قضاء الشافعية ولم يلها بعد ذلك إلى أن مات‏.‏


وخلع السلطان في يوم الثلاثاء سادس عشرينه على قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني وأعيد إلى قضاء الديار المصرية عوضًا عن ابن حجر المذكور‏.‏

ثم في يوم الأثنين ثالث شهر رجب رسم السلطان بإطلاق إينال الأبو بكري من حبس صفد وتوجهه إلى القدس بطالًا‏.‏

ثم في يوم الأربعاء خامس شهر رجب منع ولي الدين السفطي من طلوع القلعة والاجتماع بالسلطان ثم رسم بتوجهه إلى بيت قاضي القضاة الحنفي للدعوة عليه فتوجه وادعى عليه جماعة بحقوق كثيرة فحلف عن بعضها ثلاثة أيمان واعترف بالبعض ثم نقل إلى القاضي المالكي وادعي عليه أيضًا بدين فصالح المدعي على ثلاثمائة دينار‏.‏
ثم رسم السلطان بمنع اليهود والنصارى من طب أبدان المسلمين‏.‏
ثم عزل السفطي عن مشيخة المدرسة الجمالية ودرس التفسير بها‏.‏
ثم في يوم ثالث عشرينه رسم بمجيء السفطي إلى بيت قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني الشافعي ليدعي عليه الزيني قاسم المؤذي الكاشف بسبب حمامه التي بباب الخرق وكان السفطي اشتراها منه في أيام عزه‏.‏
فحضر السفطي إلى مجلس القاضي وادعى عليه قاسم بأنه كان أوقفها قبل بيعها وأن الشراء لم يصادف محلًا وأنه أكرهه على تعاطي البيع‏.‏
وخرج قاسم لإثبات ذلك‏.‏
ولما خرج السفطي من بيت القاضي عارضه شخص آخر وأمسكه من طوقه وعاد به إلى مجلس القاضي وادعى عليه أنه غصب منه خشبًا وغيره فأنكر السفطي فطلب تحليفه والتغليظ عليه فصالحه على شيء ومضى إلى داره وأخذ في السعي إلى أن أعاده السلطان إلى مشيخة الجمالية على عادته


ثم في يوم الخميس سابع عشرين شهر رجب أمر السلطان ناصر الدين محمد بن أبي الفرج نقيب الجيش أن يأخذ السفطي ويمضي به إلى بيت قاضي القضاة الشافعي ثانيًا لسماع بينة الإكراه منه لقاسم الكاشف‏.‏
فتوجه السفطي وسمع ذلك وذكر أن له دافعًا وخرج ليبديه فبلغ بعض أعداء السفطي السلطان أنه يمتنع من التوجه إلى الشرع ووغر خاطر السلطان عليه فأمر السلطان قاني بك السيفي‏.‏
يشبك بن أزدمر أحد الدوادارية في يوم الأحد سلخ شهر رجب أن يتوجه إلى السفطي ويأخذه ويمضي به إلى حبس المقشرة ويحبسه به مع أرباب الجرائم‏.‏
فتوجه إليه قاني بك المذكور وحبسه بالمقشرة وقد انطلقت الألسن بالوقيعة في حقه ولولا رفق قاني بك به لقتلته العامة في الطريق‏.‏
ومن لطيف ما وقع للسفطي أنه لما حبس بسجن المقشرة دخل إليه بعض الناس وكلمه بسبب شيء من تعلقاته وخاطبه الرجل المذكور بيا مولانا قاضي القضاة فصاح السفطي بأعلى صوته‏:‏ ‏"‏ تقول لي قاضي القضاة‏!‏ أما تقول‏:‏ يا لص يا حرامي يا مقشراوي‏!‏ ‏"‏ فقال له لرجل‏:‏ ‏"‏ يا لص يا حرامي يا مقشراوي‏!‏ ‏"‏‏.‏

ثم في يوم الاثنين أول شعبان وصل الأمير تنم من عبد الرزاق المؤيدي المعزول عن نيابة حلب وطلع إلى السلطان وقبل الأرض فأكرمه السلطان وخلع عليه وأجلسه تحت أمير مجلس جرباش الكريمي وأنعم عليه بإقطاع قاني باي حمزاوي وأركبه فرسًا بسرج ذهب وكنبوش زركش كل ذلك بعناية عظيم الدولة صاحب جمال الدين ناظر الخاص لصحبة كانت بينهما‏.‏

وفي هذا اليوم أخرج ولي الدين السفطي من سجن المقشرة وذهب ماشيًا من السجن إلى بيت قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني ثم توجه منه راكبًا إلى المدرسة الصالحية وحضر قاضي القضاة أيضًا بالصالحية فلم ينفصل له أمر طلق من الغد من الترسيم‏.‏


ثم في يوم الاثنين ثامن شعبان رسم السلطان لقاضي القضاة بدر الدين محمد بن عبد المنعم البغدادي الحنبلي بطلب السفطي وسماع الدعوى عليه والترسيم عليه بسبب الحمامين والفرن والدكاكين بحارة زويلة فإنه ظهر أنهم كانوا في جملة وقف الطيبرسية فتجمل القاضي الحنبلي في حق السفطي فلم يعجب ذلك أعداءه وعرفوا السلطان بذلك فرسم في يوم السبت ثالث عشر شعبان بتوجهه إلى حبس المقشرة ثانيًا بسبب الدكاكين والحمامين التي بحارة زويلة ثم شفع فيه‏.‏

ثم في يوم السبت سابع عشرين شعبان ادعي على القاضي ولي الدين السفطي بمجلس القضاء ناصر الدين بن المخلطة المالكي بحضور قاضي القضاة بدر الدين الحنبلي بسبب الحمامين وما معهما وخرج على الأعذار‏.‏

ثم في يوم الأربعاء أول شهر رمضان حضر السفطي وغرماؤه والقاضي ناصر الدين بن المخلطة عند قاضي القضاة بدر الدين الحنبلي وانفصل المجلس أيضًا على غير طائل‏.‏
وادعى السفطي أن السلطان رسم بأن لا يدعى عليه عند ابن المخلطة وكان ذلك غير صحيح فلم يسمع له ذلك‏.‏
ولا زال الحنبلي يعتني به حتى صالح جهة وقف طيبرس بألف دينار‏.‏

ثم في يوم السبت خلع السلطان على السفطي كاملية بفرو سمور بعد أن حمل أربعة آلاف دينار‏.‏
ثم في يوم الجمعة ثالث شهر رمضان أنعم السلطان على مملوكه سنقر الخاصكي المعروف بالجعيدي بإمرة عشرة بعد موت الأمير صرغتمش القلمطاوي زيادة على ما بيده من حصة بشبين القصر‏.‏


ثم في يوم السبت سابع عشر شوال برز أمير حاج المحمل الأمير سونجبغا اليونسي بالمحمل وأمير الركب الأول الأمير قانم المؤيدي التاجر‏.‏

ثم في يوم الاثنين عشرين شهر رمضان خرج الأمير جانبك الظاهري المتكلم على بندر جدة إليها بمماليكه وحواشيه على عادته في كل سنة‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء ثامن عشر ذي القعدة استقر الأمير خيربك النوروزي حاجب صفد في نيابة غزة بعد عزل طوغان العثماني عنها وذلك بمال كبير بذله له في ذلك لوضاعة خيربك المذكور في الدولة‏.‏
وأستهل ذو الحجة أوله الأحد فيه ظهر الطاعون في الديار المصرية وأخذ في التزايد‏.‏

وفي يوم الخميس خامس ذي الحجة استقر علاء الدين علي بن إسكندر ابن أخي زوجة كمشبغا الفيسي معلم السلطان على العمائر عوضًا عن الناصر محمد بن حسين بن الطولوني بحكم وفاته‏.‏

ثم في يوم السبت حادي عشرينه استقر الحكيم ابن العفيف الشهير بقوالح أحد مضحكي المقر الجمالي ناظر الخواص بسفارته في رئاسة الطب والكحل بمفرده‏.‏

ثم في يوم الأحد ثاني عشرين ذي الحجة المذكور استقر علاء الدين علي بن محمد بن آقبرس في حسبة القاهرة عوضًا عن يرعلي الخراساني بمال بذله في ذلك‏.‏















صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 25-01-2012, 02:31 AM   رقم المشاركة:596
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 54
المشاركات: 8,675
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الظاهر أبي سعيد جقمق (5)


سلطنة الظاهر أبي سعيد جقمق






وكان أصل ابن آقبرس هذا عنبريًا بسوق العنبر في حانوت ثم اشتغل بالعلم وتردد للأكابر واتصل بالملك الظاهر جقمق في أيام إمرته وناب في الحكم عن القضاة الشافعية إلى أن تسلطن الملك الظاهر جقمق فصار ابن آقبرس هذا من ندمائه وولي نظر الأوقاف وعدة وظائف أخر‏.‏
وكان أيضًا من جملة مبغضي السفطي وممن يعيب عليه أفعاله القبيحة من البلص والطلب من الناس وسماه ‏"‏ الهلب ‏"‏ على أن ابن آقبرس أيضًا كان من مقولة السفطي وزيادة‏.‏

ثم في يوم الخميس حادي عشر محرم سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة ضربت رقبة أسد الدين الكيماوي بمقتضى الشرع بعد أمور وقعت له ذكرناها مفصلًا في تاريخنا ‏"‏ حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور ‏"‏‏.‏
وفي هذا الشهر تشاكى الأمير تمراز المؤيدي نائب القدس كان وناظر القدس عبد الرحمن بن الديري فمال السلطان على ابن الديري وبهدله وأمر به فجعل في عنقه جنزير إلى أن شفع فيه عظيم الدولة الجمالي ناظر الخواص الشريفة‏.‏

ثم في يوم السبت ثالث عشره توجه تمراز المذكور وعبد الرحمن بن الديري وأبو الخير النحاس إلى بيت ناظر الخاص المذكور وجلسوا بين يديه إلى أن أصلح بينهما وأنعم على كل منهما بفرس مسروج وأنعم على أبي الخير بشيء فقبل الثلاثة يده وخرجوا من عنده‏.‏
وأبو الخير يوم ذاك في تنبوك عزه وعظم تعاظمه على جميع أرباب الدولة إلا الصاحب جمال الدين هذا فإنه معه على هذا وقد فشا أمر الطاعون بالقاهرة وتزايد‏.‏


ثم أهل صفر من سنة ثلاث وخمسين يوم الأربعاء فيه عظم الطاعون ومات في هذا الشهر جماعة كبيرة ه الأمراء وأعيان الدولة على ما سيأتي ذكره في الوفيات من هذا الكتاب‏.‏

ثم في يوم الأحد ثاني عشر صفر أعيد القاضي برهان الدين إبراهيم بن الديري إلى نظر الإسطبل السلطاني بعد موت برهان الدين بن ظهير‏.‏

وفي يوم الاثنين ثالث عشره استقر الأمير جرباش الكريمي الظاهري أمير مجلس أمير سلاح بعد موت الأمير تمراز القرمشي الظاهري وفيه أيضًا استقر الأمير تنم المعزول عن نيابة حلب أمير مجلس عوضًا عن جرباش المذكور وفيه أنعم السلطان على الأمير دولات باي المحمودي المؤيدي الدوادار الثاني بإمرة مائة وتقدمة ألف بعد موت تمراز القرمشي وصار من جملة أمراء الألوف وأنعم بإقطاعه على الأمير يونس الأقبائي شاد الشراب خاناه والإقطاع إمرة طبلخاناه‏.‏
وأنعم بإقطاع يونس على السيفي جانبك رأس نوبة الجمدارية الظاهري جقمق وعلى مغلباي طاز الساقي الظاهري أيضًا لكل واحد منهما إمرة عشرة‏.‏

ثم في يوم الخميس سادس عشر صفر استقر الأمير تمربغا الظاهري جقمق دوادارًا ثانيًا عوضًا عن دولات باي المقدم ذكره على إمرة عشرة‏.‏
وفيه أيضًا أنعم السلطان على قاني باي المؤيدي ثم في يوم الاثنين عشرين صفر ووافقه أول خمسين النصارى تناقص الطاعون‏.‏


ثم في يوم الخميس ثالث عشرينه أنعم السلطان على الأمير يشبك الفقيه المؤيدي بإقطاع الأمير بختك الناصري بعد موته وأنعم بإقطاع يشبك المذكور على الشهابي أحمد من الأمير الكبير إينال العلائي وكلاهما إمرة عشرة‏.‏
وفيه أيضًا أنعم السلطان على مغلباي الشهابي رأس نوبة الجمدارية بإمرة عشرة عوضًا عن مغلباي الساقي بعد موته وكان مغلباي أخذ الإمرة قبل موته بأيام يسيرة حسبما تقدم ذكره‏.‏

وفي يوم الخميس هذا أنعم السلطان بإقطاع الأمير قراخجا الحسنى الأمير آخور بعد موته على الأمير تنم أمير مجلس وأنعم بإقطاع تنم على الأمير جرباش المحمدي الناصري الأمير آخور الثاني المعروف بكرت وصار من جملة المقدمين وأنعم بإقطاع جرباش المذكور ووظيفته الأمير آخورية الثانية على الأمير سودون المحمدي المؤيدي المعروف بسودون أتمكجي وأنعم بإقطاع سودون أتمكجي المذكور على الأمير جانبك اليشبكي والي القاهرة بسفارة المقر الجمالي ناظر الخواص‏.‏

وفيه أيضًا استقر الأمير قاني باي الجاركسي الدوادار الكبير أمير آخور كبيرًا بعد موت الأمير قراخجا الحسني وكان السلطان رشح الأمير أسنبغا الطياري للأمير آخورية فألح قاني باي في سؤال السلطان على أن يليها اقتحامًا على الرئاسة ولا زال به حتى ولاه واستقر أيضًا دولات باي المحمودي المؤيدي دوادارًا كبيرًا عوضًا عن قاني باي الجاركسي بمال كبير بذله في ذلك‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء ثامن عشرين صفر خلع السلطان على القاضي ولي الدين محمد السنباطي باستقراره قاضي قضاة المالكية بالديار المصرية عوضًا عن قاضي القضاة بدر الدين محمد بن التنسي بحكم وفاته وكان السنباطي هذا يلي قضاء الإسكندرية فلما مات ابن التنسي طلب وولي القضاء وجميع من ذكرنا وفاته هنا ماتوا بالطاعون‏.‏


ثم في يوم الخميس أول شهر ربيع الأول خلع السلطان على الطواشي فيروز النوروزي الزمام والخازندار باستقراره أمير حاج المحمل‏.‏

ثم في يوم الاثنين خامس شهر ربيع الأول خلع السلطان على الأمير أسنبغا الطياري باستقراره رأس نوبة النوب بعد موت الأمير تمرباي التمربغاوي بالطاعون‏.‏

وفي أواخر هذا الشهر قل الطاعون بالقاهرة بعد أن مات بها خلائق كثيرة فكان من جملة من مات للسلطان فقط أربعة أولاد من صلبه حتى لم يبق له ولد ذكر غير المقام الفخري عثمان‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء سابع عشرين شهر ربيع الأول أخذ السلطان من السفطي ستة عشر ألف دينار وسبب ذلك أن قاضي القضاة بدر الدين الحنبلي كان وصيًا على تركة قاضي القضاة بدر الدين بن التنسي المالكي فلما عرض موجوده وجد في جملة أوراقه ورقة فيها ما يدل على أنه كان للسفطي عنده ستة عشر ألف دينار وديعة ثم وجد ورقة أخرى فيها ما يدل على أن السفطي أخذ وديعته وبلغ السلطان ذلك فرسم بأخذ المبلغ منه - قلت‏:‏ لا شلت يداه‏!‏ ‏"‏ والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا ‏"‏ - فحملت بتمامها إلى السلطان‏.‏
ولم يرض السلطان بذلك وهو في طلب شيء آخر فتح الله عليه وهو أن السلطان صار يطلب السفطي بما وقع منه من الأيمان أنه ما بقي يملك شيئًا من الذهب ثم وجد له هذا المبلغ فصار للسلطان مندوحة بذلك في أخذ ماله‏.‏


فلما استهل شهر ربيع الآخر يوم الجمعة وطلع القضاة للتهنئة بالشهر تكلم السلطان معهم في أمر السفطي وما وقع منه من الأيمان الحانثة واستفتاهم في أمره وحرض القضاة على مجازاته فنزلوا من عند السلطان على أن يفعلوا معه الشرع‏.‏
وبلغ السفطي ذلك فخاف وأخذ في السعي في رضى السلطان وخدم بجملة مستكثرة ورضي السلطان عنه‏.‏

ثم تغير عليه وأخذ منه في يوم الثلاثاء ثاني عشر شهر ربيع الآخر عشرة آلاف دينار كانت له وديعة عند بعض القضاة فأخذها السلطان وهو مطالب بغيرها‏.‏

ثم في يوم الخميس رابع عشره أفحش السلطان في الحط على السفطي وبالغ في ذلك بحيث إنه قال‏:‏ ‏"‏ هذا ليس له دين وهذا استحق القتل بما وقع منه في الأيمان الفاجرة بأن ليس له مال ثم ظهر له هذه الجمل الكثيرة وقد بلغني أن له عند شخص آخر وديعة مبلغ سبعة وعشرين ألف دينار ‏"‏ وظهر من كلام السلطان أنه يريد أخذها بل وأخذ روحه أيضًا كل ذلك مما يوغر أبو الخير النحاس خاطر السلطان عليه‏.‏

وبلغ السفطي جميع ما قاله السلطان فداخله لذلك من الرعب والخوف أمر عظيم ومع ذلك بلغني أن السفطي في تلك الليلة تزوج بكرًا ودخل بها واستبكرها فهذا دليل على عدم مروءته زيادة على ما كان عليه من البخل والطمع فإني لم أعلم أنه وقع لقاض من قضاة مصر ما وقع للسفطي من البهدلة والإخراق وأخذ ماله مع علمي بما وقع للهروي وغيره ومع هذا لم يحصل على أحد ما حصل على هذا المسكين فما هذا الزاوج في هذا الوقت‏!‏‏.‏


ثم في يوم الثلاثاء سادس عشرين شهر ربيع الآخر المذكور رسم بنفي يرعلي العجمي الخراساني المعزول عن الحسبة ثم شفع فيه المقر الجمالي ناظر الخواص فرسم له السلطان بلزوم داره بخانقاه سرياقوس ويرعلي هذا أيضًا من أعداء النحاس‏.‏

ثم في يوم السبت سلخه أنعم السلطان على أسندمر الجقمقي السلاح دار بإمرة عشرة بعد موت الأمير أركماس الأشقر المؤيدي‏.‏

ثم في يوم الاثنين ثاني جمادى الأولى خلع السلطان على مملوكه الأمير أزبك من ططخ الساقي باستقراره من جملة رؤوس النوب عوضًا عن أركماس الأشقر المقدم ذكره‏.‏
وفيه استقر الزيني عبد الرحمن بن الكويز أستادار السلطان بدمشق عوضًا عن محمد بن أرغون شاه النوروزي بحكم وفاته‏.‏

ثم في يوم الأربعاء رابع جمادى الأولى المذكور استقر علي بن إسكندر أحد أصحاب النحاس في حسبة القاهرة وعزل ابن أقبرس عنها لتزايد الأسعار في جميع المأكولات‏.‏

ثم في يوم الاثنين ثالث عشرين جمادى الأولى المذكور خرجت تجريدة من القاهرة إلى البحيرة فيها نحو الأربعمائة مملوك وعدة أمراء ومقدم الجميع الأمير الكبير إينال العلائي الناصري وصحبته من الأمراء المقدمين تنم أمير مجلس وقاني باي الجاركسي أمير آخور وعدة أخر من الطبلخانات والعشرات‏.‏


ثم في يوم الاثنين ثامن عشرينه عزل قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني الشافعي عن القضاء لسبب حكيناه في تاريخنا ‏"‏ حوادث الدهور ‏"‏ إذ هو كتاب ضبط حوادث ووفيات لا غير‏.‏
ثم أعيد قاضي القضاة علم الدين في يوم الثلاثاء أول جمادى الآخرة‏.‏

ثم في يوم الجمعة رابع جمادى الآخرة سافر الأمير قانم من صفر خجا المؤيدي المعروف بالتاجر رسولًا إلى ابن عثمان متملك بلاد الروم صحبة قاصد ابن عثمان الواصل قبل تاريخه‏.‏

ثم في يوم السبت تاسع عشره رسم السلطان بنفي الأمير سودون السودوني الحاجب فشفع فيه فأمر السلطان بإقامته بالصحراء بطالًا‏.‏
وكان
سبب نفي السودوني
أنه كان له مغل فكلمه علي بن إسكندر المحتسب في بيع نصفه وتخلية نصفه لقلة وجود الغلال بالساحل فامتنع سودون السودوني من ذلك فشكاه أبو الخير النحاس للسلطان فأمر بنفيه‏.‏
وقد تقدم أن سودون السودوني هذا ضرب أبا الخير بالنحاس في يوم واحد علقتين ليخلص منه مال أبي العباس الوفائي‏.‏
ومن ظريف ما وقع لسودون السودوني هذا مع أبي الخير النحاس من قبل هذه الحادثة أو بعدها أنه لما صار من أمر أبي الخير ما صار خشيه سودون السودوني مما كان وقع منه في حقه قديمًا فأراد أن يزول ما عنده ليأمن شره فدخل إليه في بعض الأيام وقد جلس أبو الخير النحاس في دست رئاسته وبين به أصحابه وغالبهم لا يعرف ما وقع له مع سودون السودوني المذكور فلما استقر بسودون الجلوس أخذ في الاعتذار لأبي الخير فيما كان وقع منه بسلامة باطن على عادة مغفلي الأتراك وساق الحكاية في ذلك الملأ من الناس من أولها إلى آخرها وأبو الخير ينقله من ذلك الكلام إلى كلام غيره ويقصد كفه عن الكلام بكل ما تصل قدرته إليه وهو لا يرجع عما هو فيه إلى أن استتم الحكاية وكان من جملة اعتذاره إليه أن قال له ما معناه‏:‏ ‏"‏ والله يا سيدي القاضي أنا رأيتك شاب فقير من جملة الباعة وحرضوني عليك بأنك تأكل أموال الناس فما كنت أعرف أنك تصل إلى هذا الموصل في هذه المدة اليسيرة ووالله لو كنت أعرف أنك تبقى رئيس لكنت وزنت عنك المال ‏"‏‏.‏


وشرع في اعتذار آخر وقد ملأ النحاس مما سمع من التوبيخ فاستدرك فارطه بأن قام على قدميه واعتنق السودوني وأظهر له أنه زال ما عنده وأوهم أنه يريد الدخول إلى حريمه حتى مضى عنه إلى حال سبيله وتحاكى الناس ذلك المجلس أيامًا كثيرة‏.‏
هذا ما بلغنا من بعض أصحاب النحاس وقد حكى غير واحد هذه الحكاية على عدة وجوه وليس هذا الأمر من أخبار تحرر وما ذكرناه إلا على سبيل الاستطراد‏.‏

وفي هذه الأيام توقف ماء النيل عن الزيادة بل تناقص نقصًا فاحشًا ثم أخذ في زيادة ما نقصه فاضطرب الناس لذلك وتزايدت الأسعار إلى أن أبيع الإردب القمح بأربعمائة درهم‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء تاسع عشرينه وصل الأمير جانبك الظاهري نائب جدة وخلع السلطان عليه خلعة هائلة ونزل إلى داره وبين يديه وجوه الناس على كره من أبي الخير النحاس‏.‏

ثم في يوم الاثنين ثاني عشر شهر رجب خلع السلطان على الشيخ يحيى مناوي باستقراره قاضي قضاة الشافعية بعد عزل قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني‏.‏

ثم في يوم الخميس خامس عشره استقر الأمير برسباي الإينالي المؤيدي الأمير آخور الثالث أمير آخور ثانيًا بعد موت سودون أتمكجي وأنعم عليه بطبلخاناته واستقر الأمير سنقر الظاهري الجعيدي أمير آخور ثالثًا وهو في التجريدة بالبحيرة‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء عشرينه رسم السلطان بأن يكتب مرسوم شريف إلى دمشق بضرب الزيني عبد الرحمن بن الكويز وحبسه بقلعة دمشق وله سبب ذكرناه في ‏"‏ الحوادث ‏"‏‏.‏


ثم في يوم الاثنين سادس عشرين شهر رجب استقر علاء الدين بن آقبرس ناظر الأحباس بعد عزل قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني عنها لكبر سنه فلم يشكر ابن أقبرس على ما فعله لسعيه في ذلك سعيًا زائدًا وكان الأليق عدم ما فعله لأن مقام كل منهما معروف في العلم والقدر والرئاسة‏.‏

ثم في يوم الخميس تاسع عشرين شهر رجب المذكور جرت حادثة غريبة وهو أنه لما كان وقت الخدمة السلطانية أعني بعد طلوع الشمس بقدر عشرة درج وقفت العامة بشوارع القاهرة من داخل باب زويلة إلى تحت القلعة وهم يستغيثون ويصرخون بالسب واللعن ويهددون بالقتل ولا يدري أحد ما الخبر لعظم الغوغاء إلى أن اجتاز علي بن إسكندر محتسب القاهرة فلما رأوه أخذوا في زيادة ما هم فيه وحطوا أيديهم في الرجم فرجموه من باب زويلة إلى أن وصل باب القلعة أو غيرها بعد أن شبعوه سبًا وتوبيخًا بألفاظ يستحى من ذكرها‏.‏
فلما نجا علي منهم وطلع إلى القلعة استمروا على ما هم عليه بالشوارع وقد انضم عليهم جماعة كثيرة من المماليك السلطانية وهم على ما هم عليه غير أنهم صاروا يعرضون بذكر أبي الخير النحاس ووقفوا في انتظاره إلى أن يطلع إلى القلعة وكان عادته لا يطلع إليها إلا بعد نزول أعيان الدولة‏.‏

وكان أبو الخير قد ركب من داره على عادته فعرفه بعض أصحابه بالحكاية فخرج من داره وسار من ظاهر القاهرة ليطلع إلى القلعة إلى أن وصل بالقرب من باب الوزير بلغ المماليك الذين هم في انتظاره أنه قد فاتهم فأطلقوا رؤوس خيولهم غارة والعامة خلفهم حتى وافوه في أثناء طريقه فأكل ما قسم له من الضرب بالدبابيس وانهزم أمامهم وهم في أثره والضرب يتناوله وحواشيه وهو عائد إلى جهة القاهرة‏.‏
وترك طلوع القلعة لينجو بنفسه واستمر على ذلك إلى أن وصل إلى جامع أصلم بخط سوق الغنم فضربه شخص من العامة على رأسه فصرعه عن فرسه ثم قام من صرعته ورمى بنفسه إلى بيت أصلم الذي بالقرب من جامع أصلم وهو يوم ذاك سكن يشبك الخاصكي الظاهري جقمق من طبقة الزمام‏.‏


ومن غريب يشبك هذا صاحب الدار إلى السلطان وشوش عليه غاية التشويش حتى أخذه أغاته الأمير فيروز الزمام وبعثه إلى أبي الخير النحاس على هيئة غير مرضية فصفح عنه أبو الخير خوفًا من خجداشيته لا تكرمًا عليه والمقصود أن أبا الخير لما ضرب وطاح عن فرسه وكان الضارب له عبد أسود وأخذ عمامته من على رأسه فلما رأى أبو الخير نفسه في بيت يشبك المذكور هجمت العامة عليه ومعهم المماليك إلى بيت يشبك وكان غائبًا عن بيته وقبضوا عليه وأخذوا في ضربه والإخراق به وعروه جميع ما كان عليه حتى أخذوا أخفافه من رجليه‏.‏

واختلفت الأقوال في الإخراق به فمن الناس من قال‏:‏ أركبوه حمارًا عريانًا وأشهروه في البيت المذكور ومنهم من قال أعظم من ذلك ثم نجا منهم ببعض من ساعده منهم وألقى بنفسه من حائط إلى موضع آخر فتبعوه أيضًا وأوقعوا به وهو معهم عريان وانتهبوا جميع ما كان في بيت يشبك المذكور‏.‏
ووصل يشبك إلى داره فما أبقى ممكنا في مساعدة النحاس وما عسى يفعله مع السواد الأعظم وكان بلغ السلطان أمره فشق عليه ذلك إلى الغاية فأرسل إليه جانبك والي القاهرة نجدة فساق إليه حتى لحقه وقد أشرف على الهلاك وخلصه منهم وأراد أن يركبه فرسًا فما استطاع أبو الخير الركوب لعظم ما به من الضرب في رأسه ووجهه وسائر بدنه فأركبه عريانًا وعليه ما يستره على بغلة وأردفه بواحد من خلفه على البغلة المذكورة وتوجه به على تلك الهيئة إلى الأمير تمربغا الدوادار الثاني بالقرب من جامع سودون من زادة والعامة خلفه ينادونه بأنواع السب ويذكرون له فقره وإفلاسه وما قاساه من الذل والهوان أن وصل إلى بيت تمربغا المذكور بغير عمامة على رأسه فأجلسه تمربغا بمكان تحت مقعده واستمر به إلى الليل فقام وتوجه إلى داره مختفيًا خائفًا مرعوبًا‏.‏
وأنا أقول‏:‏ لو مات أحد من شدة الضرب لمات أبو الخير المذكور في هذا‏.‏
كل ذلك بغير رضى السلطان لأن المماليك والعامة اتفقوا على أبي الخير شر وعلى الفتك به وقل أن يتفقوا على أمر‏.‏
فكان هذا اليوم من الأيام المشهودة بالقاهرة لأني ما رأيت ولا سمعت بمثل هذه الواقعة‏.‏


وقد سبق كثير من إخراق المماليك لرؤساء الدولة ونهب بيوتهم وأخذ أموالهم ومع هذا كله لم يقع منهم بعض ما وقع لأبي الخير هذا فإن جميع الناس قاطبة كانت عليه وكل منهم لا يريد إلا قتله وإتلافه‏.‏
وأنا أقول إنهم معذورون فيما يفعلونه لأنه كان بالأمس في البهموت من والذل والإفلاس وصار اليوم في الأوج من الرئاسة والمال والتقرب من السلطان‏.‏
ومع هذا الانتقال العظيم صار عنده شمم وتكبر حتى على من كان لا يرضي أقل غلمانه أن يستخدمه في أقل حوائجه‏.‏
وأما على من كان من أمثاله وأرباب صنعته فإنه لم يتكبر عليهم بل أخذ في أذاهم والإخراق بهم حتى أبادهم شرًا‏.‏
وأنا أتعجب غاية العجب من وضيع يترأس ثم يأخذ في التكبر على أرباب البيوت وأصحاب الرئاسة الضخمة فما عساه يقول في نفسه‏!‏ والله العظيم إنني كنت إذا دخل علي الفقيه الذي أقرأني القرآن في صغري على أن بضاعته من العلوم كان مزجاة أستحي أن أتكلم بين يديه بفضيلة أو علم من العلوم لكونه كان يعرفني صغيرًا لا فقيرًا فكيف حال هؤلاء مع الناس كانوا يرتجون خدمة أصاغر خدمهم فليس هذا إلا عظم الوقاحة وغلبة الجنون لا غير

ثم في يوم السبت ثاني شعبان عزل السلطان علي بن إسكندر عن حسبة القاهرة ورسم لزين الدين يحيى الأستادار بالتكلم فيها فباشر زين الدين الحسبة من غير أن يلبس لها خلعة وكانت سيرة علي بن إسكندر ساءت في الحسبة إلى الغاية‏.‏

وأما أبو الخير النحاس فإنه استمر في داره إلى يوم الاثنين ثالث شعبان طلع إلى القلعة وخلع السلطان عليه كاملية مخمل أحمر بمقلب سمور‏.‏
ونزل إلى داره وهو في وجل من شدة رعبه من المماليك والعامة لكنه شق القاهرة في نزوله ولم يسلم من الكلام وصار بعض العامة يقول‏:‏ ‏"‏ أيش هذه البرودة‏!‏ ‏"‏ فيقول الآخر‏:‏ ‏"‏ إذا اشتهيت أن تضحك على الأسمر لبسه أحمر‏!‏ ‏"‏‏.‏


هذا وأبو الخير يسلم في طريقه على الناس من العامة وغيرها فمنهم من يرد سلامه ومنهم من لا يرد سلامه ومنهم من يقول بعد أو يولي بأقوى صوته‏:‏ ‏"‏ خيرتك وإلا ينحسوها ‏"‏ أعني رقبته‏.‏
ولم ينزل معه أحد من أرباب الدولة إلا المقر الجمالي ناظر الخواص الشريفة قصد بنزوله معه أمورًا لا تخفى على أرباب الذوق السليم لأنه لم يؤهله قبل ذلك لأمر من الأمور فما نزوله الآن معه وقد وقع في حقه ما وقع‏.‏

ثم في يوم الاثنين حادي عشر شعبان قدم الأمراء من تجريدة البحيرة صحبة الأمير الكبير إينال العلائي وخلع السلطان على أعيانهم الثلاثة الأمير الكبير إينال وتنم المؤيدي أمير مجلس وقاني باي الجاركسي الأمير آخور‏.‏

ثم في يوم الاثنين ثامن عشر شعبان برز الأمير جرباش الكريمي الظاهري برقوق أمير سلاح إلى بركة الحاج على هيئة الرجبية وصحبته قاضي القضاة بدر الدين بن عبد المنعم الحنبلي والزيني عبد الباسط بن خليل الدمشقي وجماعة كثيرة من الناس‏.‏

ثم في يوم السبت سابع شهر رمضان اختفى السفطي فلم يعرف له مكان بعد أمور وقعت له مع قاسم الكاشف فعمل السلطان في يوم الاثنين سادس عشره عقد مجلس بين يديه بالقضاة والعلماء بسبب حمام السفطي وظهر السفطي من اختفائه وحضر المجلس وانفصل عقد ثم في يوم الخميس سابع عشر شوال برز أمير حاج المحمل فيروز النوروزي الزمام الخازندار بالمحمل وأمير الركب الأول الأمير تمربغا الظاهري الدوادار الثاني‏.‏
وحج في هذه السنة من الأعيان الأمير طوخ من تمراز المعروف بيني بازق أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية ويني بازق باللغة التركية‏:‏ أي غليظ الرقبة‏.‏
وخرج تمراز البكتمري المؤيدي المصارع صحبة الحاج واستقر في مشدية بندر جدة عوضًا عن الأمير جانبك الظاهري حسبما نذكره من أمره فيما يأتي مفصلًا إن شاء الله تعالى‏.‏

ثم في يوم السبت تاسع عشره استقر القاضي ولي الدين الأسيوطي في مشيخة المدرسة الجمالية بعد تسحب ولي الدين السفطي واختفائه‏.‏


ثم في يوم الاثنين العشرين من ذي القعدة استقر الأمير جانبك اليشبكي والي القاهرة في حسبة القاهرة مضافًا لما معه من الولاية وشد الدواوين والحجوبية وجانبك هذا أحد من رقاه المقر الصاحبي ناظر الخاص المقدم ذكره‏.‏

ثم في يوم الخميس ثالث عشرين في القعدة أيضًا نودي بالقاهرة على ولي الدين السفطي بأن من أحضره إلى السلطان يكون له مائة دينار وهدد كل أخفاه بعد ذلك بالعقوبة والنكال‏.‏

ثم في يوم الخميس ثامن ذي الحجة وصل الأمير يشبك الصوفي المؤيدي نائب طرابلس إلى القاهرة وطلع إلى القلعة وقبل الأرض فحال وقوفه رسم السلطان بتوجهه إلى ثغر دمياط بطالًا وذلك لسوء سيرته في أهل طرابلس‏.‏
وفي عزل السلطان الأمير علان جلق المؤيدي عن حجوبية حلب لشكوى الأمير قاني باي الحمزاوي نائب حلب عليه ثم انتقض ذلك واستمر علان على وظيفته‏.‏

ووقع في هذه السنة - أعني ثلاث وخمسين - غريبة وهي أنه مات فيها من ذوات الأربع مثل الأغنام والأبقار وغيرها شيء كثير من عدم العلوفة لغلو الأسعار والفناء فأيقن كل أحد بتزايد أثمان الأضحية فلما كان العشر الأول من ذي الحجة وصل إلى القاهرة من البقر والغنم شيء كثير حتى أبيعت بأبخسر الأثمان‏.‏

ثم في يوم تاسع عشر ذي الحجة المذكور سمر نجم الدين أيوب بن بشارة وطيف به ثم وسط من يومه ووسط معه شخص آخر من أصحابه‏.‏
وقد ذكرنا سبب القبض عليه وما وقع له من تاريخنا ‏"‏ حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور ‏"‏ إذ هو محله‏.‏

ثم في يوم السبت رابع عشرينه عزل السلطان الأمير علان المؤيدي عن حجوبية حجاب حلب لأمر وقع بينه وبين نائب حلب الأمير قاني باي الحمزاوي ورسم بتوجه علان المذكور إلى مدينة طرابلس بطالًا واستقر عوضه في حجوبية حلب قاسم بن جمعة القساسي وأنعم بإقطاع قاسم على الأمير جانبك المؤيدي المعروف بشيخ المعزول أيضًا عن حجوبية حلب قبل تاريخه والإقطاع إمرة خاناه بدمشق‏.‏
وفيه رسم السلطان لماماي السيفي بيبغا المظفري أحد الدودارية الصغار بالتوجه إلى ثغر دمياط وأخذ الأمير يشبك الصوفي منه وتحبسه بثغر الإسكندرية مقيدًا ووقع ذلك‏.‏


ثم في يوم الخميس خامس عشرين ذي الحجة رسم باستقرار الأمير يشبك النوروزي حاجب حجاب دمشق في نيابة طرابلس عوضًا عن يشبك الصوفي المقبوض عليه قبل تاريخه وولاية يشبك المذكور طرابلس على مال كبير بذله له وحمل إليه التقليد والتشريف بنيابة طرابلس الأمير أسنباي الجمالي الساقي الظاهري جقمق ورسم السلطان بإعادة الأمير جانبك الناصري إلى حجوبية دمشق عوضًا يشبك النوروزي‏.‏
وفرغت هذه السنة والديار المصرية في غاية ما يكون من غلو الأسعار‏.‏
وفي هذه السنة أيضًا ورد الخبر بوقوع خسف بين أرض سيس وطرسوس ولم أتحقق‏.‏
مقدار الأرض التي خسفت‏.‏
وفيها أيضًا كان فراغ مدرسة زين الدين الأستادار بخط بولاق على النيل ولم أدر المصروف على بنائه من أي وجه ومن كان له شيء فله أجره‏.‏

واستهلت سنة أربع وخمسين وثمانمائة الموافقة لحادي عشرين مسرى والناس في جهد وبلاء من غلو الأسعار وسعر القمح ثمانمائة درهم الإردب وقد ذكر سعر جميع المأكولات في ‏"‏ حوادث الدهور ‏"‏‏.‏

ولما كان يوم السبت أول محرم سنة أربع وخمسين المذكورة وصل الأمير بردبك العجمي الجكمي المعزول عن نيابة حماة من ثغر دمياط وطلع إلى القلعة وأنعم السلطان عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق‏.‏

وفي هذه الأيام وصلت إلى القاهرة
رمة قاسم المؤذي الكاشف غريم السفطي
ليدفن بالقاهرة‏.‏


ثم في يوم الخميس ثالث عشر المحرم وصل الأمير جرباش الكريمي أمير سلاح من الحجاز وتخلف قاضي القضاة بدر الدين الحنبلي عنه مع الركب الأول من الحاج‏.‏
وكان الزيني عبد الباسط بن خليل سبق الأمير جرباش من العقبة ودخل القاهرة قبل تاريخه وخلع السلطان على جرباش المذكور كاملية بمقلب سمور وخرج من عند السلطان ودخل إلى ابنته زوجة السلطان وهي يوم ذلك صاحبة القاعة الكبرى بالدور السلطانية وسلم عليها ثم نزل إلى داره المعروفة بالبيت الكبير تجاه القلعة‏.‏

ثم في يوم الجمعة ثامن عشرينه عقد السلطان عقد مملوكه الأمير أزبك من ططخ على ابنته من مطلقته خوند مغل بنت البارزي وكان العقد بقلعة الدهيشة بحضرة السلطان بعد نزول ثم في يوم الخميس رابع شهر صفر استقر أبو الفتح الطيبي أحد أصحاب أبي الخير النحاس في نظر جوالي دمشق ووكالة بيت المال بها على أنه يقوم في السنة للخزانة الشريفة بخمسين ألف دينار على ما قيل وما سيأتي من خبر أبي الفتح فأعجب‏.‏
وفي هذه الأيام ظهر رجل من عبيد قاسم الكاشف وشهر بالصلاح وتردد الناس لزيارته حتى جاوز أمره الحد وخشي على الناس من إتلاف عقائدهم فأمر السلطان الأمير تنبك حاجب الحجاب أن يتوجه إليه ويضربه ويحبسه وصحبته جانبك الساقي والي القاهرة‏.‏
فلما دخلا عليه تهاون الأمير تنبك في ضربه خشية من صلاحه‏.‏
وبلغ السلطان ذلك فرسم بنفيه إلى ثغر دمياط بطالًا ومسفره جانبك الوالي وتولى خشقدم الطواشي الظاهري الرومي ووالي القاهرة ضرب العبد المذكور وحبسه‏.‏
وقد أوضحت أمر هذا العبد وما وقع له في تاريخنا ‏"‏ الحوادث ‏"‏ فلينظر هناك‏.‏
ثم رسم السلطان بعد مدة بقدوم الأمير خشقدم الناصري المؤيدي أحد المقدمين بدمشق إلى القاهرة واستقراره في حجوبية الحجاب عوضًا عن تنبك المذكور ورسم للأمير علان المؤيدي المعزول عن حجوبية حلب بإقطاع خشقدم المذكور بدمشق‏.‏


ثم في يوم الثلاثاء سادس عشر صفر رسم السلطان بنقل الأمير جانم الأمير آخور قريب الملك الأشرف برسباي من القدس الشريف وحبسه بسجن الكرك‏.‏
وكان جانم المذكور حبس عدة سنسن ثم أطلق وجاور بمكة سنيات ثم سأل في القدوم إلى القدس فأجيب وقدمه فتكلم فيه بعض أعدائه إلى أن حبس بالكرك ثانيًا‏.‏

ثم في يوم الخميس ثامن عشر صفر قدم الأمير قانم التاجر المؤيدي من بلاد الروم إلى القاهرة‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء ثالث عشرين صفر المذكور نودي بالقاهرة بأن لا يلبس النصارى واليهود على رؤوسهم أكثر من سبعة أذرع من العمائم لكونهم تعدوا في ذلك وزادوا عن الحد وفي هذه الأيام تزايد أمر النحاس وطغى وتجبر ونسي ما وقع له من البهدلة والإخراق‏.‏

وفي يوم الاثنين رسم السلطان بالإفراج عن عبد قاسم الكاشف من حبس المقشرة وتوجهه إلى حيث شاء ولا يسكن القاهرة‏.‏

ثم في يوم السبت ثاني عشر شهر ربيع الأول ورد الخبر بموت الأمير شاد بك الجكمي المعزول عن نيابة حماة بالقدس بعد مرض طويل‏.‏

ثم في يوم الخميس سادس عشره وصل إلى القاهرة الأمير خشقدم المؤيدي من دمشق وقبل الأرض وأنعم عليه السلطان بإمرة مائة وتقدمة ألف عوضًا عن تنبك البردبكي الحاجب بحكم نفيه إلى دمياط‏.‏
وفي هذا اليوم كان مهم الأمير أزبك وعرسه على بنت السلطان بالقاهرة في بيت خالها القاضي كمال الدين بن البارزي ولم يعمل بالقلعة‏.‏

ثم في يوم الاثنين حادي عشرين شهر ربيع الأول المذكور استقر خشقدم عوضًا عن تنبك المقدم ذكره في حجوبية الحجاب‏.‏


ثم في يوم الخميس ثاني شهر ربيع الآخر أنعم السلطان على تمراز الأشرفي الزردكاش كان بإقطاع علي باي الساقي الأشرفي بحكم وفاته‏.‏
قلت‏:‏ بئس البديل وإن كان كل منهما أشرفيًا فالفرق بينهما ظاهر‏.‏
وفي هذه الأيام عظم أمر النخاس حتى إنه ضاهى المقر الصاحبي ناظر الخواص في نفوذ الكلمة في الدولة لأمور صدرت بينهما يطول الشرح في ذكرها وليس لذلك فائدة ولا نتيجة وملخص ذلك أن أبا الخير عظم في الدولة حتى هابه كل أحد من عظماء الدولة إلا المقر الجمالي فأخذ أبو الخير يدبر في الباطن ويوغر خاطر السلطان عليه بأمور شتى ولم ينهض أن يحول السلطان عنه بسرعة لثبات قدمه في المملكة ولعظمه في النفوس‏.‏
كل ذلك والمقر الجمالي لا يتكلم في حقه عند السلطان بكلمة واحدة ولا يلتفت إلى ما هو فيه وأبو الخير في عمل جد مع السلطان في أمر الجمالي المذكور بكلتا يديه‏.‏
وبينما هو في ذلك أخذه الله من حيث لا يحتسب حسبما يأتي ذكره مفصلًا إن شاء تعالى‏.‏
ومن غريب الاتفاق أنه دخل عليه قيل محنة أبي الخير النخاس بمدة يسيرة رجل من أصحابه وأخذ في تعظيم المذكور وبالغ في أمره حتى قال إنه قد تم له كل شيء طلبه فأنشدته من باب المماجنة‏:‏ المتقارب إذا تم أمر بدا نقصه توق زوالًا إذا قيل تم وافترقنا فلم تمض أيام حتى وقع من أمره ما وقع‏.‏

ثم في يوم الاثنين ثالث عشر شهر ربيع الآخر المقدم ذكره نفي الأمير سودون الإينالي المؤيدي المعروف بقراقاش أحد أمراء العشرات ورأس نوبة لأمر مطول ذكرناه في ‏"‏ الحوادث ‏"‏‏.‏
وفي هذه الأيام برز المرسوم الشريف بعزل الأمير بيغوت من صفر خجا المؤيدي الأعرج عن نيابة حماة لأمور مطولة ذكرناها في ‏"‏ الحوادث ‏"‏ من أولها إلى آخرها وإلى حضوره إلى القاهرة وما وقع له ببلاد الشرق وغيره‏.‏
ورسم للأمير سودون الأبوبكري المؤيدي أتابك حلب باستقراره عوضه في نيابة حماة وأنعم بأتابكية حلب على الأمير علي باي العجمي المؤيدي وأنعم بتقدمة علي باي المذكور على إينال الظاهري جقمق وقد نفي قبل تاريخه من الديار المصرية‏.‏


مبدأ نكبة أبي الخير النحاس على سبيل الاختصار ولما كان يوم الأحد حادي عشر جمادى الأولى من سنة أربع وخمسين المذكورة أحضر السلطان إلى بين يديه مماليك الأمير تنم من عبد الرزاق المؤيدي أمير مجلس وعين منهم نحو العشرة ورسم بحبسهم بسجن المقشرة بسبب تجرئهم على أستاذهم المذكور وشكواه عليهم‏.‏

فلما أصبح من الغد في يوم الاثنين ثاني عشره انفض الموكب السلطاني ونزل الأمير تنم المذكور صحبة الأتابك إينال العلائي وغيره من الأمراء فلما صاروا تجاه سويقة منعم احتاطت بهم المماليك السلطانية الجلبان وخشنوا لتنم في القول بسبب شكواه على مماليكه فأخذ الأتابك إينال في تسكينهم وضمن لهم خلاص المماليك المذكورة من حبس المقشرة فخلوا عنهم ورجعوا غارة إلى زين الدين يحيى الأستادار فوافوه بعد نزوله من الخدمة بالقرب من جامع المارداني وتناولوه بالدبابيس فمن شدة الضرب ألقى بنفسه عن فرسه وهرب إلى أن أنجده الأمير أزبك الساقي والأمير جانبك اليشبكي الوالي وأركباه على فرسه وتوجها به إلى داره‏.‏
فلما فات المماليك زين الدين رجعوا غارة إلى جهة القلعة ووقفوا تحت الطبلخاناه السلطانية بالصوة في انتظار أبي الخير النحاس‏.‏
وبلغ النحاس الخبر فمكث نهاره عند السلطان بالقلعة لا ينزل إلى داره‏.‏
فشق ذلك المماليك واتفقوا على نهب دار أبي الخير النحاس فساروا من وقتهم إلى على هيئة مزعجة فوجدوا باب داره قد غلقه مماليكه وأعوانه وقد وقفت مماليكه بأعلى بابه لمنع المماليك من الدخول فوقع بينهم بعيض قتال ثم هجمت المماليك السلطانية على بابه الذي كان من بين السوريين وأطلقوا فيه النار واحترق الباب وما كان عليه من المباني‏.‏
ودخلوا إلى البيت وامتدت الأيدي النهب فما عفوا ولا كفوا وأخذوا من الأقمشة والأمتعة والصيني والتحف ما يطول الشرح في ذكره‏.‏


واستمرت النار تعمل في باب أبي الخير إلى أن اتصلت إلى عدة بيوت بجواره ولم تصل النار إلى داره لأنها كانت فوق الريح وأيضا كانت بالبعد عن الباب وهي الدار التي عمرها قديمًا صلاح الدين بن نصر الله وانتقلت بعده إلى أقوام كثيرة حتى ملكها النحاس هذا وجددها وتناهى فيها‏.‏
ثم حضر والي القاهرة وغيره لطفي النار فطفيت بعد جهدة ولما انتهى المماليك من النهب وعلموا أنه لم يبق بالدار ما يؤخذ توجهوا إلى حال سبيلهم وقد تركوا بيت النحاس خاليًا من جميع ما كان فيه بعد أن سلبوا حريمه جميع ما كان عليهن من الأقمشة وأفحشوا في أمرهن من الهتكة والجرجرة والهجم عليهن‏.‏
وعادوا من دار النخاس وشقوا باب زويلة وقد غلقت عدة حوانيت بالقاهرة لعظم ما هالهم من النهب في بيت النحاس فمضوا ولم يتعرضوا لأحد بسوء‏.‏

وباتوا تلك الليلة وأصبحوا يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الأولى المذكور ووقفوا بالرملة محدقين بالقلعة مصممين على الفتك بأبي الخير النخاس وقد بات النحاس بالقلعة وطلبوا تسليمه من السلطان وعزل جو النوروزي عن تقدمة المماليك وعزل زين الدين الأستادار عن الأستادارية وانفض الموكب ونزل كل من الأعيان إلى داره في خفية ونزل الأمير تمربغا الظاهري الدوادار الثاني والأمير أزبك الساقي وبردبك البجمقدار إلى نحو بيوتهم فلما صاروا بالرملة ضربوا عليهم المماليك الجلبان حلقة وكلموهم في عودهم إلى السلطان والتكلم معه في مصالحهم فقال لهم تمربغا‏:‏ ‏"‏ ما هو غرضكم ‏"‏ قالوا‏:‏ ‏"‏ عزل جوهر مقدم المماليك وتسليم غريمنا ‏"‏ يعنون النحاس‏.‏
فعاد تمربغا إلى القلعة من وقته وعرف السلطان بمقصودهم‏.‏
وكان الأمير الكبير إينال قد طلع باكر النهار إلى القلعة وصحبته الأمير أسنبغا الطياري رأس نوبة النوب وأما الأمير تنم فإنه كان طلع إلى القلعة من أمسه وبات بها في طبقة الزمام وأجمع رأيه أنه لا ينزل من القلعة إلى أن يفرج عن مماليكه المحبوسين خشية من المماليك الجلبان‏.‏












صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 25-01-2012, 02:32 AM   رقم المشاركة:597
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 54
المشاركات: 8,675
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الظاهر أبي سعيد جقمق (6)


سلطنة الظاهر أبي سعيد جقمق




فلما طلع الأمير الكبير باكر النهار شفع في مماليك الأمير تنم فرسم بإطلاقهم‏.‏
ثم تكلم الأمير الكبير مع السلطان في الرضى عن المماليك الجلبان والسلطان مصمم على مقالته التي قالها بالأمس أنه يرسل ولده المقام الفخري عثمان وحريمه إلى الشام ويتوجه هو إلى حال سبيله فنهاه الأمير الكبير عن ذلك‏.‏
وقام السلطان ودخل إلى الدهيشة فكلمه بعض أمرائه أيضًا في أمرهم فشق ثوبه غيظًا منه ونزل الأمير الكبير ثم كان نزول تمربغا والمقصود أن تمربغا لما عاد إلى السلطان وعرفه قصد المماليك وقبل أن يتكلم سبقه بعض أمرائه وأظنه الأمير قراجا الخازندار وقال‏:‏ ‏"‏ يجبر مولانا السلطان خاطر مماليكه بعزل المقدم وإخراج النحاس من القاهرة فانقاد السلطان إلى كلامه ورسم بعزل جوهر مقدم المماليك وتوجهه إلى المدينة الشريفة وإخراج النخاس إلى مكة المشرفة وعاد تمربغا إلى المماليك بهذا الخبر فرضوا وتوجه كل واحد إلى حال سبيله وتم ذلك إلى بعد الظهر من اليوم المذكور‏.‏
فلما كان بعد الظهر توجه جماعة من المماليك إلى الأمير أسنبغا الطياري رأس نوبة النوب وكلموه أن يطلع إلى السلطان ويطلب منه إنجاز ما وعدهم به من إخراج النحاس وعزل المقدم فركب أسنبغا من وقته وطلع إلى السلطان وكلمه في ذلك فلما سمع السلطان مقالة أسنبغا اشتد غضبه وطلب في الحال جوهرًا مقدم المماليك ونائبه مرجان العادلي المحمودي وخلع عليهما باستقرارهما ورسم أن يكون النحاس على حاله أولًا بالقاهرة ورسم للأمير تغري برمش اليشبكي الزردكاش أن يستعد لقتال المماليك الجلبان فخرج الزردكاش من وقته ونصب عدة مدافع على أبراج القلعة وصمم السلطان على قتال مماليكه المذكورين‏.‏

وبلغ الأمراء ذلك فطلع منهم جماعة كبيرة إلى السلطان وأقاموا ساعة بالدهيشة إلى أن أمرهم السلطان بالنزول إلى دورهم ونزلوا‏.‏
واستمر الحال إلى باكر يوم الأربعاء رابع عشره فجلس السلطان بالحوش على الدكة ثم التفت إلى شخص من خاصكيته وقال له‏:‏ ‏"‏ أين الذين قلت عنهم ‏"‏ فقال‏:‏ ‏"‏ الآن يحضروا ‏"‏ فقال السلطان‏:‏ ‏"‏ انزل إليهم وأحضرهم ‏"‏ فنزل الرجل من وقته وقام السلطان إلى الدهيشة ونزل المذكور إلى المماليك وأخذ منهم جماعة كبيرة وطلع بهم إلى السلطان فلما مثلوا بين يديه قال لهم‏:‏ ‏"‏ عفوت عنكم امضوا إلى أطباقكم ‏"‏ فلم يتكلم أحد منهم بكلمة‏.‏


واستمر أبو الخير بالقلعة خائفًا من النزول إلى داره وقد أشيع سفره إلى الحجاز إلى أن كان يوم الخميس خامس عشر جمادى الأولى نزل أبو الخير إلى داره على حين غفلة قبل العصر بنحو خمس درج وانحاز بداره وقفل الباب عليه إلى يوم الأربعاء حادي عشرينه فوصل البلاطنسي من دمشق وطلع إلى السلطان وشكا على أبي الفتح الطيبي الذي ولي وكالة بيت مال دمشق بسفارة النحاس وذكر عنه عظائم فعزله السلطان ورسم بحضوره إلى القاهرة في جنزير ورسم لأبي الخير النحاس بالسفر إلى المدينة الشريفة ونزل البلاطنسي من القلعة بعد أن أكرمه السلطان وحصل على مقصوده من عزل أبي الفتح الطيبي‏.‏

ورسم السلطان لأبي الخير المذكور أن يكتب جميع موجوده ويرسله إلى السلطان من الغد ورسم أيضًا بعمل حسابه‏.‏
وتردد إليه الصفوي جوهر الساقي كل قبل السلطان غير مرة وكثر الكلام بسببه فقلق النحاس من ذلك غاية القلق وعلم بزوال أمره‏.‏

فأصبح من الغد في يوم الخميس ثاني عشرينه طلع إلى القلعة في الغلس من غير إذن السلطان واختفى بالقلعة في مكان إلى أن انفض الموكب فتحيل حتى دخل على السلطان واجتمع به‏.‏
ثم نزل من وقته وقد أصلح ما كان فسد من أمره وأنعم له السلطان بموجوده وترك له جميع ما كان عزم على أخذه‏.‏
واستمر بداره وقد هابته الناس وكثر تردادهم إليه‏.‏
ورسم بإبطال ما كان رسم به من عزل أبي الفتح الطيبي وإحضاره وأمر البلاطنسي بالسفر إلى دمشق بعد أن لهج الناس بحبسه في سجن المقشرة فتحقق الناس بهذا الأمر ميل السلطان لأبي الخير وكف جميع أعداء النحاس عن الكلام في أمره مع السلطان‏.‏
واستمر بداره والناس تتردد إليه إلى يوم الخميس تاسع عشرين جمادى الأولى المذكور رسم السلطان لجوهر الساقي بنزوله إلى أبي الخير النحاس ومعه نقيب الجيش ويمضيا به إلى بيت قاضي القضاة شرف الدين يحيى المناوي الشافعي ليدعي عليه التاجر شرف الدين موسى التتائي الأنصاري بمجلس الشرع بدعاو كثيرة ورسم السلطان لجوهر أن يحتاط بعد ذلك على جميع موجوده‏.‏


فنزل جوهر المذكور من وقته إلى أبي الخير النحاس وأخرجه من داره ماشيًا ممسوكًا مع نقيب الجيش وقد ازدحم الناس على بابه للتفرج عليه والفتك به فحماه جوهر ومن معه من المماليك منهم وأخذه ومضى‏.‏
وانطلقت الألسن إليه بالسب واللعن والتوبيخ وجوهر يكفهم عنه ساعة بعد ساعة وهم خلفه وأمامه وهو مار في طريقه ماشيًا إلى أن وصل بيت القاضي المذكور بسويقة الصاحب من القاهرة وأدخلوه إلى المدرسة الصاحبية محتفظًا به مع رسل الشرع‏.‏
وعاد جوهر الساقي وشرف الدين التتائي إلى الحوطة على موجود أبي الخير النحاس بداره وحواصله‏.‏

ووجدت العامة بغياب جوهر فرصة إلى الدخول على أبي الخير المذكور فهجموا عليه وأخذوه من أيدي الرسل وضربوه ضربًا مبرحًا فصاحت رسل الشرع عليهم وأخذوه من أيديهم وهربوه إلى مكان بالمدرسة المذكورة‏.‏
وأعلموا القاضي بذلك فأرسل القاضي خلف الأمير جانبك والي القاهرة حتى حضر وقدر على إخراجه من المدرسة المذكورة إلى بيت القاضي وادعى شرف الدين التتائي عليه بدعاو يطول الشرح في ذكرها‏.‏
والسبب الموجب لهذه القضية أن أبا الخير النخاس لما وقع له ما وقع وأقام بالقلعة من يوم الاثنين إلى يوم الخميس ثم نزل قبيل العصر إلى داره بقي الناس في أمره على قسمين‏:‏ فمن الناس من لا سلم عليه ولا راعاه ومنهم من صار يترحبه ويتردد إليه‏.‏

ودام على ذلك إلى أن طلع أبو الخير إلى السلطان من غير إذن وأصلح ما كان فسد من أمره ونزل إلى داره وقد وقع بينه وبين وسبب ذلك أن شرف الدين كان في هذه المدة هو رسول النحاس إلى السلطان ومهما كان للنخاس من الحوائج يقضيها له عند السلطان فظهر لأبي الخير المذكور بطلوعه إلى القلعة في ذلك اليوم أن شرف الدين ليس هو له بصاحب وأنه ينقل عنه إلى السلطان ما ليس هو مقصوده بل ينهي عنه ما فيه دماره فنزل إلى شرف الدين وأظهر له المباينة وتوعده بأمور إن طالت يده فانتدب عند ذلك شرف الدين له ودبر عليه وساعدته المقادير مع بغض الناس قاطبة له حتى وقع ما حكيناه وادعى عليه بدعاو كثيرة‏.‏


واستمر أبو الخير في بيت القاضي شرف الدين في الترسيم وهو يسمع من العامة والناس من أنواع البهدلة والسبب ما لا مزيد عليه مواجهة بل يزدحمون على باب القاضي لرؤيته وصارت تلك الحارة كبعض المفترجات لعظم سرور الناس لما وقع لأبي الخير المذكور حتى النساء وأهل الذمة‏.‏

وأصبح من الغد نهار الجمعة طلب السلطان خيوله ومماليكه فطلعوا بهم في الحال بعد أن شقوا بهم القاهرة وازدحم الناس لرؤيتهم فكانت عدة الخيول نيفًا على أربعين فرسًا منها بغال أزيد من عشرة والباقي خيول خاص هائلة والمماليك نحو من عشرين نفرًا‏.‏
واستمر شرف الدين يتتبع آثاره وحواصله هذا بعد أن أشهد على أبي الخير المذكور أن جميع ما يملكه من الأملاك والذخائر والأمتعة والقماش وغير ذلك هو ملك السلطان الملك الظاهر دون ملكه ثم في يوم السبت أول جمادى الآخرة رسم بفتح حواصل أبي الخير ففتحت فوجد فيها من الذهب العين نحو سبعة عشر ألف دينار ووجد له من الأقمشة والتحف والقرقلات التي برسم الحرب والصيني الهائل والكتب النفيسة أشياء كثيرة ووجد له حجج مكتتبة على جماعة بنحو ثلاثين ألف دينار‏.‏
فحمل الذهب العين إلى السلطان وبعض الأشياء المستظرفة وختم على الباقي حتى تباع‏.‏
ودام شرف الدين في الفحص على موجوده‏.‏
وأخرج السلطان جميع تعلقات النحاس من الإقطاعات والحمايات والمستأجرات وغير ذلك‏.‏

ثم في يوم الأحد ثاني جمادى الآخرة خلع السلطان على المقر الجمالي ناظر الخواص وعلى زين الدين الأستادار خلعتي الاستمرار‏.‏
وخلع على شرف الدين موسى التتائي باستقراره في جميع وظائف أبي الخير النحاس وهم عدة وظائف ما بين نظر البيمارستان المنصوري ونظر الجوالي ونظر الكسوة ووكالة بيت المال ونظر خانقاه سعيد السعداء ووكيل السلطان ووظائف آخر دينية ومباشرات ولبس شرف الدين خفًا ومهمازًا وتولى جميع هذه الوظائف عوضًا عن أبي الخير دفعة واحدة‏.‏
قلت‏:‏ وما أحسن قول المتنبي في المعنى‏:‏ ‏"‏ الطويل ‏"‏
بذا قضت الأيام ما بين أهلها ** مصائب قوم عند قوم فوائد


هذا والفقهاء والمتعممون قد ألزموهم المماليك الجلبان بعدم ركوب الخيل بحيث إنه لم يستجر أحد منهم أن يعلو على ظهر فرس إلا أعيان مباشري الدولة وجميع من عداهم قد ابتاعوا البغال وركبوها حتى تزايد لذلك سعر البغال إلى أمثال ما كان أولًا‏.‏
ثم أمر السلطان في اليوم المذكور بنقل أبي الخير النخاس من بيت القاضي الشافعي يحيى المناوي من سويقة الصاحب إلى بيت المالكي ولي الدين السنباطي بالحرب الأصفر ليدعى عليه عند القاضي المذكور بدعاو‏.‏
فأخذه والي القاهرة ومضى به من بيت القاضي الشافعي إلى بيت المالكي وقد أركبه حمارًا وشق به القاهرة والناس صفوف وجلوس بالشوارع والدكاكين وهم ما بين شامت وضاحك ثم باك فأما الشامت فهو من آذاه وظلمه والضاحك من كان يعرفه قديمًا ثم ترافع عليه والباكي معتبر بما وقع له من ارتفاعه ثم هبوطه قلت‏:‏ وقد قيل في الأمثال‏:‏ ‏"‏ على قدر الصعود يكون الهبوط ‏"‏‏.‏
وسار به الوالي على تلك الهيئة إلى أن أدخله إلى بيت القاضي المالكي‏.‏
وادعى عليه السيد الشريف شهاب الدين أحمد بن المصبح دلال العقارات بدعوى شنعة أوجبت وضع الجنزير في رقبة أبي الخير النحاس بعد أن كتب محضرًا بكفره‏.‏
وأقام الشريف البينة عند القاضي المالكي بذلك فلم يقبل القاضي بعض البينة‏.‏


واستمر أبو الخير في بيت القاضي في الترسيم على صفة نسأل الله السلامة من زوال النعم إلى عصر يومه فنقل إلى حبس الديلم على حمار وفي رقبته الجنزير ومر بتلك الحالة من الشارع الأعظم وعليه من الذل والصغار ما أحوج أعداءه الرحمة عليه وحاله كقول القائل‏:‏ ‏"‏ السريع ‏"‏ لم يبق إلا نفس خافت ومقلة إنسانها باهت يرثي له الشامت مما به يا ويح من يرثي له الشامت قلت‏:‏ وأحسن من هذا قول من قال‏:‏ مجزوء الكامل يا من علا وعلوه أعجوبة بين البشر غلط الزمان برفع قد - - رك ثم حطك واعتذر ويعجبني أيضًا في هذا المعنى قول القائل‏:‏ البسيط لو أنصفوا أنصفوا لكن بغوا فبغي عليهم فكأن العز لم يكن جاد الزمان بصفو ثم كدره هذا بذاك ولا عتب على الزمن وقد سقنا أحوال أبي الخير هذا في ترجمته في تاريخنا ‏"‏ المنهل الصافي المستوفى بعد الوافي ‏"‏ بأوسع من هذا إذ سياق الكلام منتظم مع سياقه في محل واحد وأيضًا قد حررنا أموره بأضبط من هذا في تاريخنا ‏"‏ حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور ‏"‏ إذ هو موضوع لتحرير الوقائع وما ذكرناه هنا على سبيل الاستطراد من شيء إلى شيء‏.‏

واستمر أبو الخير بسجن الديلم إلى ما يأتي ذكره من خروجه من السجن ونفيه ثم حبسه وجميع ما وقع له إلى يومنا هذا إن شاء الله تعالى‏.‏
وفي يوم حبس النحاس بحبس الديلم ظهر القاضي ولي الدين السفطي من اختفائه نحو ثمانية أشهر وسبعة أيام وطلع من الغد في يوم الخميس سادس جمادى الآخرة إلى السلطان فأكرمه السلطان ونزل إلى داره‏.‏

ثم في يوم السبت ثامنه ندب السلطان إينال الأشرفي المتفقه ليتوجه إلى دمشق لكشف أخبار أبي الفتح الطيبي والفحص عن أمره‏.‏
وفي هذه الأيام ترادفت الأخبار من حلب وغيرها بمسير جهان شاه بن يوسف صاحب تبريز على معز الدين جهان كير بن علي بك بن قرايلك صاحب آمد وأن جهان كير ليس له ملجأ إلا القدوم إلى البلاد الحلبية مستجيرًا سلطان وأن جهان شاه يتبعه حيثما توجه فتخوف أهل حلب من هذا الخبر ونزح منها جماعة كثيرة وغلا بها ثمن ذوات الأربع لأجل السفر منها‏.‏
ومدلول هذه الحكايات طلب عسكر يخرج من الديار المصرية إلى البلاد الشاميه فأوهم السلطان بخروج تجريدة ثم فتر عزمه عن ذلك‏


وفي هذه الأيام
أشيع بالقاهرة أن أبا الخير النحاس قد تجنن في سجنه
وأنه صار يخلط في كلامه‏.‏
قلت‏:‏ وحق له أن يتجنن فإنه كان في شيء ثم صار في شيء ثم عاد إلى أسفل ما كان وهو أنه كان أولًا فقيرًا مملقًا متحيلًا على الرزق دائرًا على قدميه في النزه والأوقات ثم وافته السعادة على حين غفلة حتى نال منها حظًا كبيرًا ثم حطه الدهر يدًا واحدة فصار في الحبس وفي رقبته الجنزير يترقب ضرب الرقبة بعدما وقع له من الإخراق والبهدلة وشماتة الأعداء وأخذ أمواله ما وقع فهو معذور‏:‏ دعوه يتجنن ويتفنن في جنونه‏.‏

ثم في يوم الأحد سادس عشر جمادى الآخرة استغاث الشريف غريم النخاس على رؤوس الأشهاد وقال‏:‏ ‏"‏ قد ثبت الكفر على غريمي النخاس وأقيمت البينة والقاضي لا يحكم بموجب كفره وضرب رقبته ‏"‏ وكان الشريف هذا قد وقف إلى السلطان قبل تاريخه وذكر نوعًا من هذا الكلام فرسم السلطان للقاضي المالكي أنه إن ثبت على أبي الخير المذكور كفر فليضرب رقبته بالشرع ولا يلتفت لما بقي عنه من مال السلطان فإن حق النبي صلى الله عليه وسلم أبدأ من حق السلطان‏.‏
فلما سمع الشريف ذلك اجتهد غاية الاجتهاد والقاضي يتثبت في أمره ثم بلغ القاضي المالكي مقالة الشريف هذه فركب وطلع إلى السلطان واجتمع به وكلمه في أمر النحاس فأعاد السلطان عليه الكلام كمقالته أولًا وقال له كلامًا معناه أن هذا ‏"‏ أمره راجع إليك ومهما كان الشرع افعله معه ولا تتعوق لمعنى من المعاني ‏"‏ فقال القاضي المالكي‏:‏ ‏"‏ يا مولانا السلطان قد فوضت هذه الدعوى لنائبي القاضي كمال الدين بن عبد الغفار فهو ينظر فيها بحكم الله تعالى ‏"‏ وانفض المجلس‏.‏


وكان السلطان قد أرسل في أول هذا النهار جوهرًا التركماني الطواشي إلى أبي الخير النحاس يسأله عن الأموال ويهدده بالضرب وبالنكال فلم يلتفت أبو الخير إلى ما جاء فيه جوهر وقال‏:‏ ‏"‏ قد أخذ السلطان جميع مالي وما بقي فهو يباع في كل يوم ‏"‏‏.‏
ثم أخذ أمر الشريف المدعي على أبي الخير النخاس في انحلال من كون القاضي الشافعي أثبت فسق القاضي عز الدين البساطي أحد نواب الحكم المالكي وهو أحد من شهد على أبي الخير المذكور لأمر من الأمور ولا نعرف على الرجل إلا خيرًا‏.‏

ووقع بسبب ذلك أمور وعقد مجالس بالقضاة بحضرة السلطان وآل الأمر على أن السلطان حبس الشريف والشهود في الحبس بالمقشرة وتراجع أمر أبي الخير النخاس بعدما أرجف بضرب رقبته غير مرة‏.‏
ثم رسم السلطان في اليوم الذي حبس فيه الجماعة المذكورة بإخراج أبي الخير النحاس من حبس الديلم وتوجهه إلى بيت قاضي القضاة الشافعي فأخرجه الوالي من سجن الديلم مجنزرًا بين يديه وشق به الشارع وهو راكب خلفه ماش على قدر مشية النحاس إلى أن أوصله إلى بيت القاضي الشافعي بخط سويقة الصاحب وقد ازدحمت الناس لرؤيته وكان الوقت قبيل العصر بنحو العشر درج ومر أبو الخير على مواضع كان يمر بها في موكبه أيام عزه والناس بين يديه وبالجملة فخروجه الآن من حبس الديلم خير من توجهه إليه من بيت القاضي المالكي والمراد به الآن خير مما كان يراد به يوم ذاك‏.‏
ولما وصل أبو الخير إلى بيت القاضي الشافعي أسلمه والي القاهرة إليه فأمر القاضي في الوقت برفع الجنزير من عنقه‏.‏


ثم قام بعد ساعة شخص وادعى على أبي الخير بدعاو كثيرة شنعة اعترف أبو الخير ببعضها وسكت عن البعض فحكم القاضي عند ذلك بإسلامه وحقن دمه وفعل ما وجب عليه من التعزير بمقتضى مذهبه‏.‏
وسلمت مهجته بعد أن أيقن كل أحد بسفك دمه وذهاب روحه وذلك لعدم أهلية أخصامه وضعف شوكتهم وعدم مساعدة المقر الجمالي لهم على قتله فإنه لم يتكلم في أمره من يوم أمسك إلا فيما يتعلق به من شأنه ولم يداخلهم فيما هم فيه البتة مع أنه كان لا يكره ذلك لو وقع غير أنه لم يتصد لهذا الأمر في الظاهر بالكلية احتفاظًا لرئاسته ودينه‏.‏
وأنا أقول‏:‏ لو كان أمر النحاس هذا مع ذلك الجزار جمال الدين الأستادار أو غيره من أمثاله لألحقوه بمن تقدمه من الأمم السالفة ولكن ‏"‏ لكل أجل كتاب ‏"‏‏.‏
وبعد أن عزره القاضي أمر بالترسيم عليه حتى يتخلص من تعلقات السلطنة‏.‏

ثم في يوم الجمعة ثامن عشرين جمادى الآخرة رسم السلطان بالإفراج الشريف غريم النحاس وعن الشهود من حبس المقشرة ورسم بنفي النحاس إلى مدينة طرسوس محتفظًا به وأنه يقيد ويجنزر من خانقاه سرياقوس فمض جانبك الوالي إليه وأخرجه من بيت القاضي الشافعي راكبًا على فرس في الثلث الأول من ليلة السبت تاسع عشرينه وذلك بعد أن حلف أبو الخير المذكور أمسه يمينًا مغلظًا بمجلس قاضي القضاة شرف الدين يحيى المناوي أنه لم يبق معه شيء من المال غير مبلغ يسير جدًا برسم النفقة وأنه صار فقيرًا لا يملك قل ولا جل فسبحان المطلع على السرائر‏.‏


وفرغ هذا الشهر والناس في جهد وبلاء من غلو الأسعار في جميع المأكولات وتزايد أثمان البغال لكثرة طلابها من الفقهاء والمتعممين لشدة المماليك الجلبان في منعهم من ركوب الخيل‏.‏

ثم في يوم الخميس رابع شهر رجب برز الأمير سونجبغا اليونسي الناصر من القاهرة إلى بركة الحاج أمير الرجبية وسافر في الركب المذكور الأمير جرباش المحمدي الناصري المعروف بكرد أحد مقدمي الألوف وصحبته زوجته خوند شقراء بنت الملك الناصر فرج و عيالهما وسافر معه أيضًا الأمير تغري برمش السيفي يشبك بن أزدمر الزردكاش أحد أمراء الطبلخانات وعدة كبيرة من أعيان الناس وغيرهم وسافر الجميع في يوم الاثنين ثامنه‏.‏

ثم في يوم الأحد رابع شهر رجب الموافق لسلخ مسرى أحد شهور القبط أمر السلطان الشيخ عليًا المحتسب أن يطوف في شوارع القاهرة وبين يديه المدراء يعلمون الناس بأن في غد يكون الاستسقاء بالصحراء لتوقف النيل عن الزيادة‏.‏

وأصبح من الغد في يوم الاثنين خامس عشره وهو أول يوم من أيام النسيء خرج قاضي القضاة شرف الدين يحيى المناوي إلى الصحراء ماشيًا من داره بين الخلائق من الفقهاء والفقراء والصوفية إلى أن وقف بين تربة الملك الظاهر برقوق وبين قبة النصر قريبًا من الجبل ونصب له هناك منبر‏.‏
وحضر الخليفة وبقية القضاة وصاروا في جمع موفور من العالم من سائر الطوائف وخرجت اليهود والنصارى بكتبهم‏.‏

وصلى قاضي القضاة المذكور بجماعة من الناس ركعتين خفيفتين ودعا الله سبحانه وتعالى بإجراء النيل وأمن الناس على دعائه وعظم ضجيج الخلائق من البكاء والنحيب والتضرع إلى الله تعالى ودام ذلك من بعد طلوع الشمس إلى آخر الساعة الثانية من النهار المذكور ثم انصرفوا على ما هم عليه من الدعاء والابتهال إلى الله تعالى فكان هذا اليوم من الأيام التي لم نعهد بمثلها‏.‏


وفي هذا اليوم ورد كتاب خير بك النوروزي نائب غزة يتضمن أن أبا الخير النحاس توعك وأنه يسأل أن يقيم بغزة إلى أن ينصل من مرضه ثم يسافر إلى طرسوس فكتب الجواب إليه ثم في يوم الخميس ثامن عشره خرج الخليفة والقضاة الأربعة إلى الاستسقاء ثانيًا بالمكان المذكور وخرجت الخلائق وصلى القاضي الشافعي وخطب خطبة طويلة وقد امتلأ الفضاء بالعالم وطال وقوف الناس في الدعاء في هذا اليوم بخلاف يوم الاثنين‏.‏

وبينما الناس بدعائهم ورد منادي البحر ونادى بزيادة أصبع واحد من النقص فسر الناس بذلك سرورًا عظيمًا ثم انفض الجمع‏.‏
وعادوا إلى الاستسقاء أيضًا من الغد في يوم الجمعة ثالث مرة وخطب القاضي على عادته فتشاءم الناس بوقوع خطبتين في يوم واحد فلم يقع إلا الخيم والسلامة من جهة الملك‏.‏

واستمر البحر في زيادة ونقص إلى يوم الخميس عاش شعبان الموافق لعشرين توت فأجمع رأي السلطان على فتح خليج السد من غير تخليق المقياس وقد بقي على الوفاء ثمانية أصابع لتكملة ستة عشر ذراعًا‏.‏
فنزل والي القاهرة ومعه بعض أعوانه وفتح سد الخليج ومشى الماء في الخلجان مشيًا هينًا فكان هذا اليوم من الأيام العجيبة من كثرة بكاء الناس ونحيبهم ومما هالهم من أمر هذا النيل‏.‏

وقد استوعبنا أمر زيادته من أوله إلى آخره في تاريخنا ‏"‏ حوادث الدهور ‏"‏ وما وقع بسببه من التوجه إلى المقياس بالقراء والفقهاء مرارًا وكذلك إلى الآثار النبوي وتكالب الناس على الغلال ونهب الأرغفة من على الحوانيت وأشياء كثيرة من هذا النموذج يطول الشرح في وفي هذه الأيام ورد الخبر على السلطان بفرار تمراز البكتمري المؤيدي المصارع شاد بندر جدة من جدة إلى جهة الهند وكان من خبره أن تمراز لما سار واستولى على ما تحصل من البندر من العشر من الذي خص السلطان بد له أن يأخذ جميع ما تحصل عنه ويتوجه إله الهند عاصيًا على السلطان فاشترى مركبًا مروسًا بألف دينار من شخص يسمى يوسف البرصاوي وأشحنها بالسلاح والرجال يوهم أنه ينزل فيها ويعود بما تحصل معه إلى مصر‏.‏


فلما تهيأ أمره أخذ جميع ما تحصل من المال وهو نحو الثلاثين ألف دينار وسافر إلى جهة اليمن‏.‏
وبلغ السلطان ذلك من كتاب الشريف بركات صاحب مكة فعظم ذلك على الناس وعد ولاية تمراز هذا من جملة ذنوب النحاس ثم طلب السلطان مملوكه الأمير جانبك الظاهري وخلع عليه باستقراره على التكلم على بندر جدة على عادته ليقوم بهذا الأمر المهم الذي ليس في المملكة من ينهض به غيره وأعني من تمراز والفحص عليه والاجتهاد في تحصيله وتجهز الأمير جانبك وخرج إلى البندر على عادته بأجمل زي وأعظم حرمة وأما تمراز فإنه لما سافر من بندر جدة إلى جهة بلاد الهند صار كلما أتى إلى بلد ليقيم به تستغيث تجار تلك البلد بحاكمها ويقولون‏:‏ ‏"‏ أموالنا بجدة ومتى ما علم صاحب جدة أنه عندنا أخذ جميع مالنا بسبب دخول تمراز هذا عندنا فإنه قد أخذ مال السلطان وفر من جدة ‏"‏ فيطرده حاكم تلك البلد‏.‏

ووقع له ذلك بعدة بلاد وتحير في أمره وبلغ مسيره على ظهر البحر ستة أشهر‏.‏
فعندما عاين الهلاك أرمى بنفسه بجميع ما معه ‏"‏ في مركبه إلى مدينة كالكوت - وحاكم كالكوت سامري وجميع أهل البلد سمرة وبها تجار غير سمرة وأكثرهم من المسلمين - فثار التجار واستغاثوا بالسامري وقالوا له مثل مقالة غيرهم كل ذلك مراعاة لجهة جانبك نائب جدة‏.‏
وكنت أستبعد أنا ذلك إلى أن أوقفني مرة الأمير جانبك المذكور على عدة مطالعات وردت عليه من السامري المذكور وكل كتاب منهم يشتمل على نظم ونثر وكلام فحل فائق لا أدري ذلك لفضيلة السامري أو من كتابه وفي ضمن بعض الكتب الواردة صفة قائمة مكتوب فيها عدة الهدية التي أرسلها صحبة الكتاب المذكور والقائمة خوصة لعلها من ورق شجر جوز الهند طول شبر ونصف في عرض إبهام مكتوب عليها بالقلم الهندي خط باصطلاحهم لا يعرف يقر أبناء جنسهم في غاية الحسن والظرف


ولما تكلم التجار المسلمون وغيرهم مع السامري في أمر تمراز السامري مسك تمراز فأحس تمراز بذلك فأرسل إلى السامري هدية هائلة فأعاد عليه السامري الجواب‏:‏ ‏"‏ إن التجار يقولون إن معك مال السلطان ‏"‏ فقال تمراز‏:‏ ‏"‏ نعم أخذت المال لأشتري به للسلطان فلفلًا ‏"‏ فقال له السامري‏:‏ اشتر به في هذا الوقت واشحنه في مراكب التجار ‏"‏ فاشترى به تمراز الفلفل وأشحنه في مركبين للتجار والباقي أشحنه في المركب المرؤس الذي تحته‏.‏

وسار وقصد بندر جدة إلى أن وصل باب المندب من عمل اليمن عند مدينة عدن فأخذ المركبين المشحونين بالفلفل وتوجه بهما إلى جزيرة مقابلة الحديدة تسمى كمران فحضر أكابر الحديدة إلى عند تمراز المذكور وحسنوا له أخذ كل اليمن جميعها فمال تمراز إلى ذلك وخرج إلى بلدهم وأخذ معه جميع ما له بالمركب‏.‏

ثم قال له أهل الحديدة‏:‏ ‏"‏ لنا عدو وما نقدر نملك اليمن حتى ننتصر عليه وبلد العدو تسمى سحية ‏"‏ فأجمع تمراز على قتال المذكورين وركب معهم وقصد عدوهم والتقى الجمعان فكان بينهم وقعة قتل فيها تمراز المذكور معه جماعة من أصحابه وسلم ممن كان معه شخص من المماليك السلطانية يسمى أيضًا تمراز وهو حي إلى يومنا هذا‏.‏
فلما بلغ الأمير جانبك موت تمراز أرسل شخصًا من الخاصكية الظاهرية ممن كان معه بجدة يسمى تنم رصاص ومعه كتب جانبك المذكور إلى الحديدة يطلب ما كان مع تمراز جميعه‏.‏

فتوجه تنم إلى الحديدة فتلقاه أهلها بالرحب والقبول وسلموه جميع ما كان مع تمراز والمركب المرؤس وغير ذلك‏.‏
فعاد تنم بالجميع إلى جدة بعد أن استبعد كل أحد رجوع المال‏.‏
فأرسل الأمير جانبك يخبر السلطان بذلك كله فلما ورد عليه هذا الخبر سر به وشكر جانبك المذكور على ذلك ‏.‏


ثم في يوم الأربعاء سابع شهر رمضان وصل الأمير تنبك البردبكي المعزول عن حجوبية لحجاب قبل تاريخه من ثغر دمياط بطلب من السلطان وطلع إلى القلعة وقبل الأرض بين يل‏!‏ السلطان ووعد بخير‏.‏
ورسم له بالمشي في الخدمة السلطانية على عادته أولًا لكنه لم ينعم عليه بإقطاع ولا إمرة‏.‏

وفي هذه الأيام رسم السلطان لنائب طرسوس بالقبض على أبي الخير النحاس وضربه على سائر جسمه خمسمائة عصاة وأن يأخذ جميع ما كان معه من المماليك والجواري وخرج المرسوم بذلك على يد نحاس ووقع ما رسم له السلطان‏.‏

ثم في يوم الاثنين سادس عشرين شهر رمضان ورد الخبر من الشأم بضرب رقبة أبي الفتح الطيبي أحد أصحاب أبي الخير النحاس بحكم القاضي المالكي بدمشق في ليلة الأربعاء رابع عشر شهر رمضان المذكور بعد أن ألغى حكم القاضي برهان الدين إبراهيم السوبيني الشافعي بعد عزله بعد أمور وقعت حكيناها في الحوادث‏.‏

ثم في يوم الاثنين سابع عشر شوال برز الأمير تمربغا الظاهري الدوادار الثاني أمير حاج المحمل بالمحمل إلى بركة الحاج وأمير الركب الأول خيربك الأشقر المؤيدي أحد أمراء العشرات‏.‏
وكان الحج قليلًا جدًا في هذه السنة لعظم الغلاء بالديار المصرية وغيرها‏.‏

ثم في يوم الخميس خامس ذي القعدة برز المرسوم الشريف باستقرار الأمير جانبك التاجي المؤيدي نائب بيروت في نيابة غزة بعد عزل خيربك النوروزي عنها وتوجهه إلى دمشق بطالًا‏.‏


ثم في يوم الاثنين سادس عشر ذي القعدة ورد الخبر على السلطان بموت الأمير تغري برمش الزردكاش بمكة المشرفة - وكان المخبر بموته جانبك الظاهري الخاصكي البواب - فأنعم السلطان في يوم الخميس تاسع عشره على السيفي دقماق اليشبكي الخاصكي بإمرة عشرة من إقطاع تغري برمش الزردكاش وأنعم بباقيه على الأمير قراجا الظاهري الخازندار زيادة على ما بيده ليكمل ما بيده إمرة طبلخاناة وأنعم بإقطاع دقماق ربع تفهنة على جانبك الأشرفي الخازندار الخاصكي وهو يوم ذاك من جملة الدوادارية‏.‏

ثم خلع السلطان في يوم الاثنين ثالث عشرينه على دقماق المذكور باستقراره زردكاشًا كبيرًا عوضًا عن تغري برمش المذكور فأقام دقماق في الزردكاشية خمسة أيام وعزل عن الوظيفة واسترجع السلطان منه الإمرة المنعم عليه بها من إقطاع تغري برمش وأعيد إليه إقطاعه القديم‏.‏
وقد ذكرنا سبب عزله في حوادث الدهر مفصلًا‏.‏
واستقر الأمير لاجين الظاهري زردكاشًا‏.‏
ولما أعيد إلى دقماق إقطاعه القديم صار جانبك الأشرفي الخازندار بلا إقطاع لأن السلطان كان أنعم بإقطاعه على جانبك الظاهري البواب القادم من مكة‏.‏
وساعد جانبك الأشرفي جماعة الأعيان في رد إقطاعه الأول عليه أو ينعم عليه السلطان بالإمرة المسترجعة من دقماق فلم يحسن ببال السلطان أخذ الإقطاع من جانبك الظاهري فحينئذ لزمه أن يعطي جانبك الخازندار هذه الإمرة المذكورة فأنعم عليه بها فجاءت جانب السعادة بغتة من غير أن يترشح لذلك قبل تاريخه‏.
وخلع السلطان على السيفي قايتباي الظاهري الخاصكي باستقراره دوادارًا عوضًا عن جانبك الخازندار المذكور فإنه كان بقي من جملة الدوادارية غير أنه كان لا يعرف إلا بالخازندار والظريف إلى يومنا هذا‏.‏

ثم في يوم الخميس ثالث ذي الحجة خلع السلطان على القاضي ولي الدين الأسيوطي باستقراره مشيخة المدرسة الجمالية بعد موت ولي الدين السفطي‏.‏


ثم في يوم الأحد ثالث عشر ذي الحجة رسم السلطان بالإفراج عن الأمير يشبك الصوفي المؤيدي المعزول عن نيابة طرابلس من سجن الإسكندرية وتوجهه إلى ثغر دمياط بطالًا‏.‏

وفي يوم الاثنين رابع عشره وصل كتاب الناصري محمد بن مبارك نائب البيرة يخبر أنه ورد عليه كتاب الأمير رستم مقدم عساكر جهان شاه بن قرا يوسف يتضمن أنه قبض على الأمير بيغوت من صفر خجا المؤيدي الأعرج المتسحب من نيابة حماة إلى جهان كير بن قرايلك وأنه أخذ جميع ما كان معه وجعله في الترسيم‏.‏
فكتب له الجواب بالشكر والثناء عليه وطلب بيغوت المذكور منه وقد أوضحت أمر بيغوت هذا في كتابنا ‏"‏ حوادث الدهور ‏"‏ من أول أمره إلى آخره‏.‏

ثم في يوم الخميس أول خرم سنة خمس وخمسين وثمانمائة خلع السلطان على الأمير مرجان العادلي المحمودي الحبشي نائب مقدم المماليك السلطانية باستقراره مقدم المماليك عوضًا عن جوهر النوروزي بحكم إخراجه إلى القدس الشريف بطالًا واستقر الطواشي عنبر خادم التاجر نور الدين علي الطنبذي في نيابة المقدم عوضًا عن مرجان المذكور‏.‏

ثم في يوم الاثنين خامس المحرم كانت مبايعة الخليفة القائم بالله حمزة بالخلافة عوضًا عن أخيه أمير المؤمنين المستكفي بالله سليمان بعد وفاته حسبما يأتي ذكر وفاته في الوفيات من هذا الكتاب‏.‏

ثم في يوم السبت تاسع صفر وصل إلى القاهرة قصاد جهان شاه بن قرا يوسف صاحب تبريز وغيرها وطلعوا إلى القلعة في يوم الاثنين حادي عشره بعد أن عمل السلطان لهم موكبا جليلًا بالحوش من قلعة الجبل وقدموا ما على أيديهم من الهدية وغيرها‏.‏

ثم في يوم الأحد سابع عشر صفر ورد الخبر بقدوم الأمير بيغوت نائب حماة الخارج عن الطاعة إلى حلب وصحبة القاصد الوارد بهذا الخبر عما مطالعات من نواب البلاد الشامية في الشفاعة في بيغوت المذكور كونه كان تخلص من أسر رستم وقدم هو بنفسه إلى طاعة السلطان فكتب السلطان بإحضار بيغوت المذكور على أحسن وجه وقبل السلطان شفاعة الأمراء فيه‏.‏

ثم في يوم الاثنين ثامن عشره عمل السلطان مدة هائلة لقصاد جهان شاه بالقلعة ثم أنعم عليهم بمبلغ ألفي دينار في يوم الأربعاء العشرين منه وأنعم أيضًا على الأمير قانم التاجر المؤيدي أحد أمراء العشرات بألفي دينار وكان ندبه للتوجه في الرسلية إلى جهان شاه صحبة قصاده فخرج قانم في يوم الجمعة ثاني عشرين صفر‏.‏


ثم في يوم الأحد ثاني شهر ربيع الأول من سنة خمس وخمسين المذكورة نزل السلطان إلى عيادة زين الدين يحيى الأستادار لانقطاعه عن الخدمة‏.‏
وكان سبب انقطاعه عن الخدمة السلطانية أن المماليك السلطانية أوقعوا به بباب القلة من قلعة الجبل وضربوه وجرح في رأسه من شجة ونزل محمولًا إلى داره على أقبح حال‏.‏
ولم يطل السلطان الجلوس عنده وركب من عنده وتوجه إلى بيت عظيم الدولة المقر الجمالي ناظر الخواص ونزل عنده وأقام قليلًا ثم ركب وعاد إلى القلعة‏.‏
وأصبح من الغد كل واحد من الجمالي ناظر الخواص وزين الدين الأستادار جهز للسلطان تقدمة هائلة ذكرنا تفصيلها في الحوادث‏.‏

ثم في يوم السبت ثالث عشر شهر ربيع الآخر وصل الأمير بيغوت الأعرج المؤيدي نائب حماة كان إلى القاهرة وطلع إلى السلطان وقبل الأرض بين يديه وخلع السلطان عليه سلاريًا أحمر بفرو سمور ووعده بخير‏.‏

ثم في يوم الاثنين خامس عشر شهر ربيع الآخر المذكور سافر الأمير أسنباي الجمالي الظاهري أحد أمراء العشرات إلى بلاد الروم لتولية خوندكار محمد السلطنة بعد وفاة أبيه مراد بك‏.‏
وفي هذا الشهر أشيع بالقاهرة أن السلطان ذكر أبا الخير النخاس بخير وأنه في عزمه الإفراج عنه والرضا عليه‏.‏
فبلغ السلطان ذلك فبرز مرسومه إلى نائب طرسوس بضرب النحاس مائة عصاة افتقده بها‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء ثامن جمادى الأولى سافر الأمير بيغوت إلى دمشق ليقيم بها بطالًا بعد أن رتب له في كل شهر مائة دينار برسم النفقة إلى أن ينحل له إقطاع‏.‏

ثم في يوم الخميس رابع عشر شهر رجب وصل الأمير قائم المؤيدي المتوجه إلى جهان شاه في الرسلية إلى القاهرة مريضًا في محفة‏.‏

ثم في يوم الاثنين تاسع شعبان وصل الأمير جانبك نائب جدة إلى القاهرة وخلع السلطان عليه ونزل إلى داره في موكب جليل إلى الغاية‏.‏


ثم في يوم الخميس تاسع عشر شعبان ورد الخبر على السلطان بموت الأمير بردبك العجمي الجكمي أحد مقدمي الألوف بدمشق فأنعم السلطان بإقطاعه على الأمير بمغوت الأعرج المؤيدي‏.‏

ثم في يوم الأحد ثاني عشرينه نزل السلطان من القلعة وشق القاهرة وسار حتى نظر المدرسة التي جدد بناءها الجمالي ناظر الخواص بسويقة الصاحب عاد من المدرسة ونزل إلى بيت ابنته زوجة الأمير أزبك من ططخ الساقي الظاهري أحد أمراء العشرات ورأس نوبة بدرب الطنبذي بسويقة الصاحب وأقام عندها ساعة جيدة ثم ركب وطلع إلى القلعة‏.‏
وبعد طلوعه أرسل إلى الأمير أزبك بعثة خيول خاص ومماليك وأصحن حلوى كثيرة فقبل الحلوى ورد سواها‏.‏

ثم في يوم الاثنين ثالث عشرين شعبان من سنة خمس وخمسين المذكور رسم السلطان بتفرقة دراهم الكسوة على المماليك السلطانية على العادة في كل سنة لكل مملوك ألف درهم فامتنعوا من الأخذ وطلبوا الزيادة وبلغ السلطان الخبر فغضب من ذلك وخرج من وقته ماشيًا حتى وصل إلى الإيوان وجلس على السلمة السفلى بالقرب من الأرض واستدعى كاتب المماليك أسماء جماعة فلم يخرج واحد وصمموا على طلب الزيادة وصاروا عصبة واحدة فلم يسع السلطان إلا أن دعا عليهم وقام غضبانًا وسار حتى وصل إلى الدهيشة واستمروا المماليك على ما هم عليه وحصل أمور إلى أن وقع الاتفاق على أن يكون لكل مملوك من المماليك السلطانية ألفا درهم ورضوا بذلك وأخذوا النفقة المذكورة وقد تضاعف أمرها على ناظر الخاص‏.‏

ثم استهل شهر رمضان أوله الاثنين والناس في أمر مريج من الغلاء المفرط في سائر المأكولات لا سيما اللحوم هذا مع اتساع الأراضي بالري واحتاج الفلاحون إلى التقاوي والأبقار وقد عز وجود البقر حتى أبيع الزوج البقر الهائل بمائة وعشرين دينارًا وما دونها وأغرب من ذلك ما حدثني السيفي إياس خازندار الأتابك آقبغا التمرازي بحضرة الأمير أزبك الساقي أنه رأى ثورًا هائلًا ينادى عليه بأربعين ألف درهم فاستبعدت أنا ذلك حتى قال الأمير أزبك‏:‏ ‏"‏ نعم وأنا سمعته أيضًا يقول هذا الخبر للمقر الجمالي ناظر الخواص ‏"‏‏.‏
ثم استشهد إياس المذكور جماعة كثيرة على صدق مقالته وهذا شيء لم نعهد بمثله‏.‏
هذا مع كثرة الفقراء والمساكين ممن افتقر في هذه السنين المتداولة بالغلاء والقحط مع أنه تمفقر خلائق كثيرة ممن ليس له مروءة‏.‏


وأمسك في هذه الأيام جماعة كثيرة من البيعة ومعهم لحوم الدواب الميتة ولحم الكلاب يبيعونها على الناس وشهروا بالقاهرة وقد استوعبنا أمر هذا الغلاء وما وقع فيه من الغرائب من ابتداء أمره إلى آخره وقد مكث نحو الأربع سنين في تاريخنا ‏"‏ حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور ‏"‏ محررًا باليوم والساعة‏.‏

ثم في يوم الخميس حادي عشر شهر رمضان استقر الناصري ناصر الدين محمد ابن مبارك نائب البيرة في حجوبية دمشق بعد عزل الأمير جانبك الناصري وتوجهه إلى القدس بطالًا‏.‏

ووقع في هذا الشهر أعني عن شهر رمضان غريبة وهي أن جماعة أرباب التقويم والحساب أجمعوا على أنه يكون في أوائل العشر الأخير من هذا الشهر قران نحس يكون فيه قطع عظيم‏.‏

على السلطان الملك الظاهر جقمق ثم في أواخر العشر المذكور يكون قران آخر ويستمر القطع على السلطان من أول العشر إلى آخره وأجمعوا على زوال السلطان بسبب هذه القطوع‏.‏

فمضى هذا الشهر والسلطان في خير وسلامة في بدنه وحواسه ولازمته أنا في العشر المذكورة ملازمة غير العادة لأرى ما يقع له من التوعك أو الإنكاد أو شيء يقارب مقالة هؤلاء ليكون لهم مندوحة في قولهم فلم يقع له في هذه المدة ما كدر عليه ولا تشوش في بدنه ولا ورد عليه من الأخبار ما يسوء ولا تنكد بسبب من الأسباب وقد كان شاع هذا القول حتى لعله بلغ السلطان أيضًا‏.‏
وفرغ الشهر ولم يقع شيء مما قالوه بالكلية‏.‏
ويأبى الله إلا ما أراد‏.‏
ويعجبني في هذا المعنى القائل ولم أدر لمن هو‏:‏ البسيط تفرد الله بالعلم القديم فلا الإنسان يشركه فيه ولا الملك ومثل هذا أيضًا وأظنه قد تقدم ذكره‏:‏ البسيط دع النجوم لطرقي يعيش بها وبالعزيمة فانهض أيها الملك إن النبي وأصحاب النبي نهوا عن النجوم وقد أبصرت ما ملكوا ثم في يوم الجمعة ثالث شوال ورد الخبر بموت يشبك الحمزاوي نائب صفد بها في ليلة السبت سابع عشرين شهر رمضان فرسم السلطان بنيابة للأمير بيغوت الأعرج ثانيًا وحمل إليه التقليد والتشريف على يد الأمير يشب الفقيه المؤيدي بنيابة صفد وبشبك المذكور من محاسن الدنيا نادرة في أبناء جنسه‏.‏














صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 25-01-2012, 02:33 AM   رقم المشاركة:598
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 54
المشاركات: 8,675
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الظاهر أبي سعيد جقمق (7)


سلطنة الظاهر أبي سعيد جقمق






وأنعم السلطان بتقدمة بيغوت بدمشق على الناصري محمد بن مبارك حاجب حجاب دمشق وأنعم بإقطاع ابن المبارك على آقباي السيفي جارقطلو المعزول عن نيابة سيس‏.‏
وفيه أيضًا استقر خير بك النوروزي المعزول عن نيابة غزة قبل تاريخه أتابك صفد كلاهما‏:‏ أعني خير بك واقباي بالبذل لأنهما من أطراف الناس لم تسبق لهما رئاسة بالديار المصرية‏.‏

ثم في يوم السبت رابعه استقر السوبيني في قضاء طرابلس واستقر الشمس ابن عامر في قضاء المالكية بصفد‏.‏

ثم في يوم الاثنين سادسه استقر الزيني الطواشي سرور الطربائي الحبشي في مشيخة الخدام بالحرم النبوي بعد عزل الطواشي فارس الرومي الأشرفي‏.‏

ثم في يوم الخميس سادس عشر شوال أعيد القاضي حميد الدين النعماني إلى قضاء الحنفية بدمشق بعد عزل القاضي قوام الدين‏.‏

وفيه خلع السلطان على المقر الجمالي ناظر الخواص خلعة هائلة لفراغ الكسوة المجهزة لداخل البيت العتيق‏.‏

ثم في يوم السبت ثامن عشره برز أمير حاج المحمل الأمير سونجبغا اليونسي بالمحمل إلى بركة الحاج‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء سابع عشرين ذي القعدة أنعم السلطان على الأمير تنبك البردبكي المعزول عن حجوبية الحجاب قبل تاريخه بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية بعد موت الشهابي أحمد بن علي بن إينال اليوسفي‏.‏

ثم في يوم الخميس سادس ذي الحجة من سنة خمس وخمسين المذكورة قدم الأمير أسنباي الجمالي الظاهري أحد أمراء العشرات من بلاد الروم‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء حادي عشر ذي الحجة استقر عمر الكردي أحد أجناد الحلقة في أستادارية السلطان بدمشق واستقر شخص يسمى يونس الدمشقي يعرف بابن دكدوك في أستادارية السلطان الكبرى بدمشق وعمر المذكور ويونس هذا هما من الأوباش الأطراف وكلاهما ولي بالبذل‏.‏


ثم في يوم الخميس سابع عشرين ذي الحجة وصل الأمير يشبك الفقيه من صفد بعد ما قلد نائبها الأمير بيغوت‏.‏

ثم في يوم الاثنين أول محرم سنة ست وخمسين وثمانمائة أعيد القاضي جمال الدين يوسف الباعوني إلى قضاء دمشق بعد عزل السراج الحمصي بسفارة عظيم الدولة ناظر الخواص‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء ثالث عشرينه وصل أمير حاج المحمل بالمحمل‏.‏
وفيه مسافر الأمير جانبك الظاهري نائب جدة إلى البندر المذكور‏.‏

ثم في يوم الاثنين سادس صفر استعفى الأمير ألطنبغا الظاهري برقوق اللفاف أحد مقدمي الألوف من الإمرة فأعفي لطول مرضه وعجزه عن الحركة وأنعم السلطان بإقطاعه على ولده المقام الفخري عثمان زيادة على ما بيده من تقدمة أخيه الناصري محمد قبل تاريخه فصار بيده تقدمة أخيه وهذه التقدمة‏.‏

ثم في يوم الجمعة ثاني شهر ربيع الأول حضر المقام الفخري عثمان صلاة الجمعة عند أبيه بجامع القلعة ورسم له والده السلطان أن يمشي الخدمة على عادة أولاد الملوك‏.‏

ثم في يوم الخميس ثامن شهر ربيع الأول المذكور خلع السلطان على القاضي محب الدين محمد بن الأشقر ناظر الجيش باستقراره كاتب السر الشريف عوضًا عن القاضي كمال الدين بن البارزي بعد موته‏.‏
وخلع السلطان أيضًا على المقر الجمالي ناظر الخواص باستقراره ناظر الجيوش المنصورة زيادة على ما بيده من نظر الخاص وغيره‏.‏

ثم في يوم السبت سابع عشره نودي بالقاهرة على الذهب الظاهري الأشرفي كل دينار بمائتي درهم وخمسة وثمانين درهمًا وهدد من زاد في صرفه على ذلك‏.‏


ثم في يوم الاثنين ثالث شهر ربيع الآخر استقر الشريف معز في إمرة الينبوع عوضًا عن عمه سنقر بن وبير‏.‏
وفيه نقل يشبك الصوفي المؤيدي المعزول عن نيابة طرابلس من ثغر دمياط إلى القدس بطالًا‏.‏

ثم في يوم السبت ثامن عشرين جمادى الأولى أنعم السلطان على مملوكه جانم الساقي الظاهري بإمرة عشرة بعد موت الأمير برسباي الساقي المؤيدي‏.‏

ثم في يوم السبت حادي عشر شهر رجب وصل إلى القاهرة الأمير حاج إينال اليشبكي نائب الكرك وخلع السلطان عليه باستمراره‏.‏

ثم في يوم السبت ثامن عشر رجب المذكور أنعم السلطان على حاج إينال المذكور بإمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق عوضًا عن الأمير مازي الظاهري برقوق بحكم لزومه بيته واستقر في نيابة الكرك عوضًا عن حاج إينال طوغان مملوك آقبردي المنقار نقل إليها من دوادارية السلطان بدمشق واستقر في دوادارية السلطان بدمشق خشكلمي الزيني عبد الرحمن بن الكويز الدوادار واستقر عوضًا عن خشكلدي في الدوادارية الثالثة شخص من أولاد الناس ممن كان في خدمة الملك الظاهر قديمًا يعرف بابن جانبك لا يعرف له نسب ولا حسب‏.‏

وفي هذه الأيام أشيع بالقاهرة بمجيء النحاس إلى الديار المصرية وأنه وصل على النجب وأنه نزل بتربة الأمير طيبغا الطويل بالصحراء خارج القاهرة ثم انتقل منها إلى القاهرة‏.‏
وتحدث الناس برؤيته وتعجب الناس من ذلك واستغربت أنا وغيري مجيئه من أن السلطان من يوم نكبه وصادره وحبسه ثم نفاه إلى طرسوس ثم حبسه بقلعة طرسوس على أقبح وجه وصار في الحبس المذكور في غاية الضيق ونال أعداؤه منه فوق الغرض وصار السلطان يتفقده في كل قليل بعصيات حتى إنه ضرب في مدة حبسه بطرسوس على نفذات متفرقة نحو الألف عصاة تخمينًا ولم يزل في محبسه في أسوأ حال حتى أشيع مجيئه ولم يدر بذلك أحد من أعيان الدولة ولا يعرف أحد كيفية الإفراج عنه وأخذ أعيان الدولة من الأكابر في تكذيب هذا الخبر وصار الناس في أمره على قسمين‏:‏ ما بين مصدق ومكذب‏.‏


ثم قدم الأمير جانبك الظاهري نائب جدة وصحبته قصاد الحبشة من المسلمين من صاحب جبرت في يوم الخميس ثامن شعبان وعمل السلطان الموكب بالحوش السلطاني وكان السلطان قد انقطع عن حضور الخدمة بالقصر نحو الشهر لضعف حركته‏.‏

فلما كان يوم الجمعة تاسعه طلع أبو الخير النحاس في بكرته إلى القلعة ودخل إلى الدهيشة صحبة المعزي عبد العزيز ابن أخي الخليفة القائم بأمر الله حمزة وقد أمره عمه القائم بأمر الله حمزة ليشفع في أبي الخير المذكور على لسان الخليفة ولم يكن عند السلطان في ذلك الوقت من أعيان الدولة سوى الأمير تمربغا الظاهري الدوادار الثاني والأمير أسنباي الجمالي الظاهري فقام السلطان لابن أخي الخليفة المذكور وأجلسه ثم دخل أبو الخير النحاس وقبل رجل السلطان فسبه السلطان ولعنه وأخذ في توبيخه وذكر أفعاله القبيحة ثم أمر بحبسه بالبرج من قلعة الجبل ثم اعتذر لابن أخي الخليفة وقال‏:‏ ‏"‏ أنا كنت أريد توسيطه ولأجل الخليفة قد عفوت عنه ‏"‏‏.‏
ثم أنعم على عبد العزيز المذكور بمائة دينار وانفض المجلس‏.‏

وأصبح السلطان من الغد في يوم السبت جلس على الدكة بالحوش السلطاني وأحضر أبا الخير المذكور في الملأ من الناس ثم أمر به فضرب بين يديه نحو الألف عصاة أو ما دونها تخمينًا على رجليه وسائر بدنه ثم أمر بحبسه ثانيًا بالبرج من القلعة فتحير الناس من هذه الأفعال المتناقضة وهو كونه أفرج عنه سرًا وأحضره إلى القاهرة فظن كل أحد بعود المذكور إلى أعظم ما كان عليه ثم وقع له ما ذكرناه من الإخراق والضرب والحبس‏.‏

وقد كثر كلام الناس في ذلك فمنهم من يقول‏:‏ أمر السلطان بإطلاقه لا مجيئه إلى القاهرة فلما قدم بغير دستور غضب السلطان عليه فرد على قائل هذا الكلام بأنه‏:‏ من أين لأبي الخير النجب التي قدم عليها مع ما كان عليه لولا توصية السلطان لمن يعينه على ذلك‏.‏


وأيضًا‏:‏ كيف تمكن من المجيء لولا ما معه من المراسيم ما يدفع به نواب البلاد الشامية من منعه من الحضور‏.‏
ومنهم من يقول‏:‏ كان أمره قد انبرم مع السلطان ورسم بحضوره وإنما أعداؤه اجتهدوا في إبعاده ثانيًا ووعدوا بأوعاد كثيرة أضعاف ما وعده أبو الخير المذكور وأقوال كثيرة أخر‏.‏

ثم في هذا اليوم أخذ أبو عبد الله التريكي المغربي المالكي المعزول عن قضاء دمشق قبل تاريخه من بيته إلى بيت الوالي ورسم عليه ثم ادعي عليه بمجلس القاضي المالكي أنه التزم للسلطان عن أبي الخير النحاس بمائة ألف دينار أو أكثر فقال‏:‏ ‏"‏ أنا قلت‏:‏ إن ولاه ما عينته من الوظائف ولم يقع ذلك ‏"‏ وعرف كيف أجاب فإنه كان من الفضلاء العلماء فاستمر في الترسيم إلى يوم الثلاثاء ثالث عشر شعبان فطلب إلى القلعة فطلع وفي رقبته جنزير ثم أعيد إلى الترسيم من غير جنزير وقد أشيع أنه وقع في حق قاضي القضاة شرف الدين يحيى المناوي بأمور شنعة ودام في الترسيم إلى ما يأتي ذكره‏.‏

ثم في يوم الأربعاء رابع عشر شعبان المذكور أخرج أبو الخير النحاس المذكور من البرج منفيًا إلى البلاد الشامية ورسم بحبسه بقلعة الصبيبة فنزل على حالة غير مرضية وهو أنه أركب على حمار وفي رقبته باشة وجنزير وموكل به جماعة من الجبلية شقوا به شارع القاهرة إلى أن أخرج من باب النصر والمشاعلي ينادي عليه‏:‏ ‏"‏ هذا جزاء من يكذب على الملوك ويأكل مال الأوقاف ‏"‏ ونحو ذلك ورسم السلطان أن يفعل به ذلك في كل بلد يمر بها إلى أن يصل إلى محبسه‏.‏

ثم في يوم الخميس خامس عشره استقر الأمير حاج إينال اليشبكي أحد مقدمي الألوف بدمشق في نيابة حماة عوضًا عن سودون الأبوبكري المؤيدي بحكم عزله وتوجهه على إقطاع حاج إينال المذكور بدمشق‏.‏


ثم في يوم الثلاثاء العشرين من شعبان المذكور جلس السلطان بالحوش وأحضر القضاة ثم أحضر والي القاهرة أبا عبد الله التريكي المغربي - وكان التريكي قد أقام قبل ذلك ببيت القاضي الشافعي أيامًا - فلما مثل التريكي بين يدي السلطان سأل السلطان قاضي القضاة شرف الدين يحيى المناوي الشافعي عن أمر التريكي وما وجب عليه فقال‏:‏ ‏"‏ ثبت عليه عند نائبي نجم الدين بن نبيه لمولانا السلطان عشرة آلاف دينار ‏"‏ وقام ابن النبيه في الحال وأخبر السلطان بذلك فنهر السلطان القاضي الشافعي عند مقالته عشرة آلاف دينار وقال‏:‏ ‏"‏ ما أسأل إلا عن ما وجب عليه من التعزير‏.‏
إيش العشرة آلاف دينار ‏"‏‏.‏
ولم تحسن مقالة القاضي الشافعي بهذا القول ببال أحد ثم أجاب ابن النبيه بأن قال‏:‏ ‏"‏ أما المال فقد ثبت عندي وأما التعزير فهو إلى القاضي شمس الدين بن خيرة أحد نواب الحكم ‏"‏‏.‏

فقال ابن خيرة‏:‏ ‏"‏ حكمت عليه بتغريبه سنتين وأما التعزير فلمولانا السلطان على ما وقع منه من الأيمان الحانثة ‏"‏‏.‏
فلما سمع السلطان كلام ابن خيرة أمر بالتريكي فطرح على الأرض وضرب ضربًا مبرحًا يزيد على مائتي عصاة وأقيم فتكلم فيه ابن النبيه أيضًا وأحضر محضرًا مكتتبًا عليه بدمشق بواقعة وقعت له في أيام حكمه بدمشق فأمر به السلطان ثانيًا فضرب نحوًا مما ضرب أولًا‏.‏
واختلفت الأقوال في عدة ما ضرب فأكثر ما قيل ستمائة عصاة وأقل ما قيل أربعمائة‏.‏
ثم أنزلوه إلى بيت والي القاهرة فأقام في حبس الرحبة إلى يوم الأربعاء خامس شهر رمضان فأخرج من الحبس وفي رقبته الجنزير ماشيًا إلى بيت الوالي بين القصرين ثم ركب من هناك وأخرج منفيًا في الترسيم إلى المغرب إلى يومنا هذا‏.‏


ثم في يوم السبت ثامن شهر رمضان سافر محب الدين بن الشحنة قاضي قضاة حلب من القاهرة بعدما أقام بها شهرًا وقاسى من الذل والبهدلة أنواعًا ورسم عليه غير مرة وأخرجت عنه وظيفتا كتابة سر حلب ونظر جيشها‏.‏

وقد استوعبنا أحوال ابن الشحنة هذا في تاريخنا ‏"‏ حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور ‏"‏ مستوفاة من مبدأ أمره إلى يوم تاريخه مما وقع له بحلب ومصر وغيرهما من الأمور الشنعة وسوء السيرة وما وقع له من التراسيم عليه وغير ذلك‏.‏

ثم في أواخر هذا الشهر رسم السلطان بإخراج نصف إقطاع جانبك النوروزي المعروف بنائب بعلبك للسيفي بردبك التاجي وكلاهما مقيم بمكة وكان هذا الإقطاع أصله بين جانبك المذكور وبين تغري برمش نائب القلعة فلما نفي تغري برمش أنعم السلطان عليه بنصيبه إلى يوم تاريخه فأخرجه عنه‏.‏

ثم في يوم الخميس رابع شوال استقر الأمير تغري بردي الظاهري المعروف بالقلاوي وزيرًا بالديار المصرية مضافًا لما بيده من كشف الأشمونين والبلاد الجيزية عوضًا عن الصاحب أمين الدين إبراهيم بن الهيصم بحكم استعفائه عن الوزارة‏.‏
وأنعم السلطان على تغري بردي المذكور بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية وهو الإقطاع الذي كان أنعم به السلطان على ولده المقام الفخري عثمان بعد ألطنبغا اللفاف ليستعين تغري بردي المذكور بالإقطاع على كلف الدولة وكانت خلعة تغري بردي المذكور بالوزارة أطلسين متمرًا ثم فوقانيًا بطرز زركش عريض مثال خلعة الأتابكية بالديار المصرية‏.‏
وخلع السلطان على زين الدين فرج أبن ماجد ابن النحال كاتب المماليك السلطانية بوظيفة نظر الدولة مضافًا لكتابة المماليك‏.‏


وفي يوم الاثنين تاسعه عملت الخدمة السلطانية بالدهيشة من الحوش ورسم السلطان بأن تكون الخدمة دائمًا في يومي الاثنين والخميس بها كل ذلك لضعف حركة السلطان وهو يكتم ما به من الألم‏.‏

وفي يوم الثلاثاء عاشره استقر قاني باي طاز السيفي بكتمر جلق في نيابة قلعة صفد بعد شغورها أشهرًا من يوم مات الجمالي يوسف بن يغمور‏.‏
وفي هذا اليوم أيضًا وصل المقام الغرسي خليل ابن الملك الناصر فرج ابن الملك الظاهر برقوق من ثغر الإسكندرية وقد رسم له بالتوجه إلى الحجاز لقضاء الفرض وطلع إلى السلطان فأكرمه السلطان إلى الغاية وهذا شيء لم يسمع بمثله من أن ابن السلطان وله شوكة يمكن من سفر الحجاز فلله دره من ملك‏.‏
وقد حكينا طلوعه إلى القلعة واجتماعه بالسلطان في ذهابه وإيابه في ‏"‏ الحوادث ‏"‏ بأطول من هذا‏.‏

وفي يوم الأربعاء ثامن عشره ورد الخبر بقتل طوغان السيفي آقبردي المنقار نائب الكرك على ثم في يوم تاسع عشره برز الأمير دولات باي المحمودي الدوادار الكبير أمير حاج المحمل بالمحمل وكان الحاج في هذه السنة ركبًا واحدًا وهذه حجة دولات باي المذكور الثانية أمير الحاج‏.‏
فلما خرج دولات باي إلى بركة الحاج رسم له بأن يجعل دواداره فارس أمير الركب الأول ووقع ذلك‏.‏
وسافر ابن الملك الناصر صحبة المحمل‏.‏

ثم في يوم الثلاثاء رابع عشرين شوال رسم السلطان لطقتمر البارزي رأس نوبة الجمدارية أن يتوجه إلى القدس الشريف لإحضار الأمير يشبك الصوفي المؤيدي منه إلى القاهرة ليتجهز ثم يعود إلى دمشق أتابكًا بها عوضًا عن خير بك المؤيدي الأجرود‏.‏
ورسم السلطان أيضًا لطقتمر المذكور أن يتوجه إلى دمشق ويقبض على أتابكها خيربك المذكور ويحمله إلى سجن الصبيبة‏.‏
وفيه أيضًا رسم بنقل الأمير يشبك طاز المؤيدي من حجوبية طرابلس إلى نيابة الكرك عوضًا عن طوغان المقتول قبل تاريخه‏.‏


واستقر عوضه في حجوبية طرابلس مغلباي البجاسي أحد أمراء طرابلس كان ثم نائب قلعة الروم‏.‏
واستقر في نيابة قلعة الروم ناصر الدين محمد والي الحجر بقلعة حلب‏.‏

ثم في يوم الأحد سادس ذي القعدة من سنة ست وخمسين المقدم ذكرها حبس السلطان تقي الدين عبد الرحمن بن حجي بن عز الدين قاضي قضاة الشافعية بطرابلس بحبس المقشرة فحبس بها بعد أن نودي عليه وهو على حمار بشوارع القاهرة‏:‏ ‏"‏ هذا جزاء من يزور المحاضر‏!‏ ‏"‏‏.‏
ثم أمر السلطان من وقته بحبس ماماي السيفي بيبغا المظفري أحد الدوادارية بالبرج من قلعة الجبل لاتهامه بالغرض مع التقي المذكور وكان ماماي المذكور هو المتوجه إلى طرابلس للكشف عن أحوال ابن عز الدين المقدم ذكره‏.‏

واستمر ماماي بالبرج إلى يوم الاثنين سابع ذي القعدة فأطلق ورسم بنفيه إلى مدينة حماه واستقر في وظيفة ماماي الدوادارية قانصوه الظاهري جقمق‏.‏

ثم في يوم الخميس عاشره وصل الأمير يشبك الصوفي من القدس إلى القاهرة وطلع إلى القلعة وقبل الأرض‏.‏
وفيه رسم بالإفراج عن جانبك المحمودي من حبس المرقب وأن يتوجه إلى طرابلس بطالًا‏.‏

ثم في يوم الاثنين ثامن عشرينه خلع السلطان على الأمير يشبك الصوفي باستقراره أتابك عساكر دمشق وسافر في يوم الخميس ثاني ذي الحجة‏.‏

ثم في يوم الخميس سادس عشر ذي الحجة استقر القاضي حسام الدين محمد بن تقي الدين عبد الرحمن بن بريطع قاضي قضاة الحنفية بحلب عوضًا عن محب الدين ابن الشحنة بعد أن وقع لابن الشحنة المذكور أمور مذكورة في ‏"‏ الحوادث ‏"‏ بتمامها وكمالها‏.‏


وفي يوم الاثنين عشرينه استقر أسنبغا مملوك ابن كلبك نائب القدس وناظره بعد موت أمين وفي يوم الثلاثاء حادي عشرينه تكلم الأمير الوزير تغري بردي القلاوي مع السلطان في عزل فرج ابن النحال عن نظر الدولة فعزله وأبقى معه كتابة المماليك على عادته‏.‏

ابتداء مرض موت السلطان ولما كان يوم الجمعة رابع عشرينه حضر السلطان الملك الظاهر جقمق الصلاة بجامع القلعة على العادة وهو متوعك‏.‏
فلما انقضت الصلاة وخرج من الجامع غشي عليه فأرجف في القاهرة بموته وتكلم الناس بذلك‏.‏

فأصبح من الغد في يوم السبت خامس عشرينه وحضر الخدمة في الدهيشة من القلعة وحضر جميع أكابر الأمراء والخاصكية بغير كلفتاة وعلم السلطان على قصص كثيرة‏.‏
ومن غريب الاتفاق ما وقع له أنه لما خرج إلى الدهيشة ورأى الناس وقوفًا قال‏:‏ ‏"‏ سبحان الحي الذي لا يموت‏!‏ ‏"‏ فحسن ذلك ببال الناس كثيرًا عفا الله عنه‏.‏

ثم أصبح في يوم الأحد سادس عشرين ذي الحجة فركب من القلعة ونزل إلى بيت بنته زوجة الأمير أزبك من ططخ الساقي أحد أمراء العشرات ورأس نوبة غير أنه لم يطل الجلوس عندها وعاد إلى القلعة من وقته وكان سكن أزبك المذكور يومئذ في الدار الذي خلف حمام بشتك وهي الآن ملك شخص من أصاغر المماليك الأشرفية لا أعرفه إلا في هذه الدولة‏.‏

ثم في يوم الاثنين سابع عشرين ذي الحجة عمل السلطان الموكب بالحوش لقصاد جهان شاه بن قرا يوسف متملك تبريز وغيرها‏.‏
وكان قدوم القصاد المذكورين لإعلام السلطان بأن جهان شاه المذكور كسر عساكر بابور بن باي سنقر بن شاه رخ بن تيمورلنك وأنه استولى على عدة بلاد من ممالكه وأن عساكر جغتاي ضعف أمرهم لوقوع الوباء في خيولهم ومواشيهم‏.‏


ثم في يوم الأربعاء تاسع عشرينه ضرب السلطان بعض نواب الحكم الشافعية بيده عشرة عصي لأمر لا يستحق ذلك‏.‏

وفرغت سنة ست وخمسين بعد أن وقع بها فتن كثيرة ببلاد الشرق قتل فيها خلائق لا تدخل تحت حصر استوعبنا غالبها في ‏"‏ حوادث الدهور ‏"‏ كونه موضوعًا لتحرير الوقائع كما أن هذا الكتاب وظيفته الإطناب في تراجم ملوك مصر‏.‏
ومهما ذكرناه بعد ذلك من الوقائع يكون على سبيل الاستطراد وتكثير الفوائد لا غير‏.‏

واستهلت سنة سبع وخمسين وثمانمائة بيوم الجمعة والسلطان الملك الظاهر جقمق صاحب الترجمة متوعك غير أنه يتجلد ولا ينام على الفراش وأيضًا لم يكن على وجهه علامات مرض الموت إلا أنه غير صحيح البدن وكان له على ذلك أشهر كثيرة من أواخر سنة خمس وخمسين وثمانمائة.‏
قلت‏:‏ ويحسن ببالي أن أذكر في أول‏.‏
هذه السنة جميع أسماء أرباب الوظائف بالديار المصرية وغيرها ليعلم بذلك فيما يأتي كيف تقلبات الدهر وتغيير الدول‏.‏

فأقول‏:‏ استهلت سنة سبع وخمسين وخليفة الوقت القائم بأمر الله حمزة والقاضي الشافعي شرف الدين يحيى المناوي والقاضي الحنفي سعد الدين سعد الديري والقاضي المالكي ولي الدين محمد السنباطي والقاضي الحنبلي بدر الدين محمد بن عبد المنعم البغدادي وأتابك العساكر إينال العلائي الناصري وأمير سلاح جرباش الكريمي الظاهري برقوق المعروف بقاشق وأمير مجلس تنم من عبد الرزاق المؤيدي والأمير آخور الكبير قاني باي الجاركسي ورأس نوبة النوب أسنبغا الناصري الطياري والدوادار الكبير دولات باي المحمودي المؤيدي وحاجب الحجاب خشقدم من ناصر الدين المؤيدي وباقي مقدمي الألوف أربعة‏:‏ أعظمهم المقام الفخري عثمان ابن السلطان ثم الأمير تنبك البردبكي الظاهري برقوق المعزل عن الحجوبية والأمير طوخ من تمراز الناصري والأمير جرباش المحمدي الناصري المعروف بكرد والجميع أحد عشر مقدمًا بأقل من النصف عما كان قديمًا‏.‏


وأرباب الوظائف من الطبلخانات والعشرات‏:‏ شاد الشراب خاناه يونس الأقبائي البواب أمير طبلخاناه والخازندار قراجا الظاهري جقمق أمير طبلخاناه والزردكاش لاجين الظاهري جقمق أمير عشرة ونائب القلعة يونس العلائي الناصري أمير عشرة والحاجب الثاني نوكار الناصري أمير عشرة ووظيفة أمير جاندار بطالة يليها بعض الأجناد السكات عن ذكره أجمل وأستادار الصحبة سنقر الظاهري أمير عشرة‏.‏
وهذه الوظائف كان قديمًا يليها مقدمو الألوف ويستدل على ذلك من خلعهم في الأعياد وغيرها‏.‏

والأمير آخور الثاني يرشباي الإينالي المؤيدي أمير طبلخاناه ورأس نوبة ثاني جانبك القرماني الظاهري برقوق أمير طبلخاناه والدوادار الثاني تمربغا الظاهري جقمق أمير عشرة غير أن معه زيادات كثيرة والمهمندار بعض الأجناد ووالي القاهرة جانبك اليشبكني أمير عشرة والزمام والخازندار فيروز الطواشي الرومي النوروزي أمير طبلخاناه ومقدم المماليك مرجان العادلي المحمودي الحبشي أمير عشرة ونائبه عنبر خادم نور الدين الطنبذي‏.‏
ومباشرو الدولة‏:‏ كاتب السر القاضي محب الدين محمد بن الأشقر وناظر الجيش والخاص عظيم الدولة ومدبرها الجمالي يوسف ابن كاتب جكم والوزير الصاحب أمين الذين إبراهيم بن الهيصم والأستادار زين الدين يحيى الأشقر المعروف بابن كاتب حلوان وبقريب ابن أبي الفرج وهو على زي الكتاب ولهذا لم نذكره في الأمراء ومحتسب القاهرة يرعلي الخراساني العجمي الطويل‏.‏

ونواب البلاد الشامية‏:‏ نائب الشام جلبان الأمير آخور ونائب حلب قاني باي الحمزاوي ونائب طرابلس يشبك النوروزي ونائب حماة حاج إينال اليشبكي ونائب صفد بيغوت الأعرج المؤيدي ونائب غزة جانبك التاجي المؤيدي ونائب الكرك يشبك طاز المؤيدي ونائب الإسكندرية برسباي السيفي تنبك البجاسي أمير عشرة وهؤلاء هم أعيان النواب ومن يطلق في حق كل منهم ملك الأمراء‏.‏
ولا عبرة بولاية الوجه القبلي الآن وباقي نواب القلاع والبلاد الشامية فكثير‏.‏


ثم في يوم الخميس سابع محرم سنة سبع وخمسين المذكورة أرجف في القاهرة بموت السلطان‏.‏

فلما كان يوم السبت تاسع المحرم خرج السلطان من قاعة الدهيشة ماشيًا على قدميه حتى جلس على مرتبة من غير أن يستعين بأحد في مشيه ولا استند في مجلسه بل جلس على مرتبته وعلم على عدة مناشير‏.‏
وأطلت أنا النظر في وجهه فلم أر عليه علامات تدل على موته بسرعة‏.‏
ثم قام وعاد إلى القاعة ولم يخرج بعدها إلى الدهيشة‏.‏
واستمر متمرضًا بالقاعة المذكورة والناس تخلط في الكلام بسبب مرضه والأقوال تختلف في أحوال المملكة‏.‏
على أن السلطان في جميع مرضه غير منحجب عن الناس وأرباب الدولة تتردد إليه بالقاعة المذكورة وهو يعلم في كل يوم في الغالب على المناشير والقصص وينفذ بعض الأمور إلا أن فرضه في تزايد وهو يتجلد‏.‏

إلى أن كان يوم الأربعاء العشرون من المحرم فوصل الأمير جانبك النوروزي من مكة المشرفة ودخل إلى السلطان وقبل له الأرض ثم قبل يده وخرج وخرجنا جميعًا من عنده وقد اشتد به المرض وظهر عليه أمارات رديئة تدل على موته بعد أيام غير أنه صحيح العقل والفهم والحركة‏.‏
ثم بعد خروجنا من عنده تكلم السلطان في هذا اليوم مع بعض خواصه في خلع نفسه من السلطنة وسلطنة ولده المقام الفخري عثمان في حياته فروجع في ذلك فلم يقبل ورسم بإحضار الخليفة والقضاة والأمراء من الغد بالدهيشة‏.‏


فلما كان الغد وهو يوم
الخميس حادي عشرون محرم سنة سبع وخمسين وثمانمائة
حضر الخليفة والقضاة وجميع الأمراء وفي ظن الناس أنه يعهد لولده عثمان بالملك من بعده كما هي عادة الملوك‏.‏
فلما حضر الخليفة والقضاة عنده بعد صلاة الصبح خلع نفسه من السلطنة وقال للخليفة والقضاة‏:‏ الأمر لكم انظروا فيمن تسلطنوه أو معنى ذلك لعلمه أنهم لا يعدلون عن ولده عثمان فإنه كان أهلا للسلطنة بلا مدافعة‏.‏
وأراد أيضًا بهذا القول أنه قد خلع نفسه وأنه يموت غير سلطان وأنه أيضًا لا يتحمل بوزر ولاية ولده المذكور فكان مقصده جميلًا في القولين رحمه الله تعالى‏.‏

فلما سمع الخليفة كلام السلطان لم يعدل عن المقام الفخري عثمان لما كان اشتمل عليه عثمان المذكور من العلم والفضل وإدراكه سن الشبيبة وبايعه بالسلطنة وتسلطن في يوم الخميس المذكور حسبما نذكره إن شاء الله تعالى في أول ترجمته من هذا الكتاب‏.‏

واستمر الملك الظاهر مريضًا ملازمًا للفراش وابنه الملك المنصور يأخذ ويعطي في مملكته ويعزل ويولي والملك الظاهر في شغل بمرضه وما به من الألم في زيادة إلى أن مات في قاعة الدهيشة الجوانية بين المغرب والعشاء من ليلة الثلاثاء ثالث صفر من سنة سبع وخمسين وثمانمائة المقدم ذكرها‏.‏
وقرىء حوله القرآن العزيز إلى أن أصبح وجهز وغسل وكفن من غير عجلة ولا اضطراب حتى انتهى أمره وحمل على نعشه وأخرج به وأمام نعشه ولده السلطان الملك المنصور عثمان ماشيًا وجميع أعيان المملكة‏.‏


وساروا أمام نعشه بسكون ووقار إلى أن صلي عليه بمصلاة باب القلة من قلعة الجبل وصلى عليه الخليفة القائم بأمر الله أبو البقاء حمزة وخلفه السلطان والقضاة وجميع الأمراء والعساكر‏.‏
ثم حمل بعد انقضاء الصلاة عليه وانزل من القلعة حتى دفن بتربة أخيه الأمير جاركس القاسمي المصارع التي جددها مملوكه قاني باي الجاركسي بالقرب من دار الضيافة تجاه سور القلعة‏.‏

ولم يشهد ولده الملك المنصور دفنه وعاد إلى القلعة من المصلاة‏.‏
وشهد دفنه خلائق وقعد الناس في الطرقات لمشاهدة مشهده وكان مشهده عظيمًا إلى الغاية بخلاف جنائز الملوك السالفة ولعل هذا لم يقع لملك قبله كل ذلك لكونه سلطن ولده في حياته ثم مات بعد ذلك بأيام فلهذا كانت جنازته على هذه الصورة‏.‏

ومات الملك الظاهر وسنه نيف على ثمانين سنة تخمينًا ولم يخلف بالحواصل ولا الخزائن إلا نزرًا يسيرًا يستحى من ذكره بالنسبة لما تخلفه الملوك وكذلك في جميع تعلقات السلطنة من الخيول والجمال والسلاح والقماش كل ذلك من كثرة بذله وعطائه‏.‏

وكانت مدة ملكه من يوم تسلطن بعد خلع الملك العزيز يوسف في يوم الأربعاء تاسع عشر شهر ربيع الآخر من سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة إلى أن خلع نفسه بولده الملك المنصور عثمان في الثانية من نهار الخميس الحادي والعشرين من محرم سنه سبع وخمسين وثمانمائة أربع عشرة سنة وعشرة شهور ويومين وتوفي بعد خلعه من السلطنة باثني عشر يومًا‏.‏


ووقع له في سلطنته غرائب لم تقع لأحد قبله إلا نادرًا جدًا منها ركوبه وهو أتابك على الملك العزيز يوسف وقتاله له وانتصاره عليه ولا نعرف أحدًا قبله من الأمراء ركب على السلطان ووقف بالرملة والسلطان بقلعة الجبل وانتصر عليه غيره فإن قيل‏:‏ واقعة الناصري ومنطاش مع الملك الظاهر برقوق فليس ذاك مما نحن فيه من وجوه عديدة لا يحتاج إلى ذكرها‏.‏
وإن قيل‏:‏ نصرة منطاش وملكه لباب السلسلة فنقول‏:‏ كان ركوب منطاش على رفيقه يلبغا الناصري ومنها أنه سلم عليه بالسلطنة ثلاثة خلفاء من بني العباس ولم يقع ذلك لملك قبله من ملوك مصر‏.‏

ومنها أنه اجتمع له قضاة أربعة في عصر واحد لم يجتمع مثلهم لغيره من ملوك مصر وهم قاضي القضاة شهاب الدين بن حجر الشافعي حافظ المشرق والمغرب‏:‏ كان فردًا في معناه لا يقاربه في علم الحديث أحد في عصره وقاضي القضاة شيخ الإسلام سعد الدين سعد الديري الحنفي‏:‏ كان فقيه عصره شرقًا وغربًا لا يقاربه أحد في حفظ مذهبه واستحضاره مع مشاركته في علوم كثيرة والعلامة قاضي القضاة شمس الدين البساطي المالكي‏:‏ كلان إمام عصره في علمي المعقول والمنقول قد انتهت إليه الرئاسة في علوم كثيرة ومات ولم يخلف بعده مثله وقاضي القضاة شيخ الإسلام محب الدين أحمد الحنبلي البغدادي‏:‏ كان أيضًا إمام عصره وعالم زمانه انتهت إليه رئاسة مذهبه بلا مدافعة‏.‏

ومنها أنه أقام في ملك مصر هذه المدة الطويلة لم يتجرد فيها تجريدة واحدة إلى البلاد الشامية غير مرة واحدة في نوبة الجكمي في أوائل سلطنته وهذا أيضًا لم يقع لملك قبله‏.‏
ومنها أنه أذن للغرسي خليل ابن السلطان الملك الناصر فرج بالحج فقدم القاهره وحج وعاد مع عظم شوكته من مماليك أبيه وجده الملك الظاهر برقوق وهذا شيء لم يقع مثله في دولة من الدول‏.‏
ومنها ابنه المقام الناصري محمد رحمه الله تعالى‏:‏ من غزير علمه وكثرة فضائله فإننا لا نعلم أحدًا من ملوك الترك رزق ولدًا مثله بل ولا يقاربه ولا يشابهه مما كان اشتمل عليه من العلم والفضل والمعرفة التامة وحسن السمت وجودة التدبير ولا نعرف أحدًا من أولاد السلاطين من هو في هذا المقام قديمًا وحديثًا حتى ولو قلت‏:‏ ولا من بني أيوب ممن ملكوا مصر لكان يصدق قولي ومن كان من بني أيوب له فضيلة تامة غير الملك المعظم عيس ابن الملك الكامل والملك المؤيد إسماعيل صاحب حماه وهما كانا بالبلاد الشامية.‏


وقد استوعبنا أحوال الملك الظاهر هذا من مبدأ أمره إلى آخره محررًا بالشهر واليوم في جميع ما وقع له من ولاية وعزل وغريبة وعجيبة في تاريخنا ‏"‏ حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور ‏"‏ فلينظر هناك‏.‏
وما ذكرناه هنا جميعه نوع من تكثير الفائدة لا القصة على جليتها بل نشير بذكرها إعلامًا لوقت واقعتها لا غير‏.‏

وكان الملك الظاهر سلطانًا دينًا خيرًا عفيفًا صالحًا فقيهًا شجاعًا مقدامًا عارفًا بأنواع الفروسية عفيفًا عن المنكرات والفروج لا نعلم أحدًا من ملوك مصر في الدولة الأيوبية ولا التركية على طريقته في ذلك‏.‏
لم يشهر عنه في صغره ولا في كبره أنه تعاطى مسكرًا ولا منكرًا حتى قيل إنه لم يكتشف حرامًا قط‏.‏
وأما حب الشباب فلعله كان لا يصدق أن أحدًا يقع في ذلك لبعده عن معرفة هذا الشأن‏.‏
وكان جلوسه في غالب أوقاته على طهارة كاملة‏.‏
وكان متقشفًا في ملبسه ومركبه إلى الغاية لم يلبس الأحمر من الألوان في عمره منذ علم بكراهيته‏.‏

ولم أره منذ تسلطن لبس كاملية بفرو وسمور وبمقلب سمور غير مرة واحدة وأما الركوب بالسرج الذهب والكنبوش الزركش فلم يفعله إلا يوم ركوبه بأبهة السلطنة لا غير‏.‏
وكان ما يلبسه أيام الصيف وما على فرسه من آلة السرج وغيره لا يساوي عشرة دنانير مصرية‏.‏


وكان معظمًا للشريعة محبًا للفقهاء وطلبة العلم وما وقع منه من الإخراق ببعضهم وحبسهم بحبس المقشرة فلا نقول‏:‏ كان ذلك بحق بل نقول‏:‏ الحاكم يجتهد ثم يقع منه الصواب والخطأ فإن كان ما فعله بحق فقد أصاب وإن كانت الأخرى فقد أخطأ وأعيب عليه ذلك‏
الطويل ومن ذا الذي ترضي سجاياه كلها كفى المرء فخرًا أن تعد معايبه وكان معظمًا للسادة الأشراف وكان يقوم لمن دخل عليه من الفقهاء والفقراء كائنًا من كان‏.‏
وإذا قرأ عنده أحد فاتحة الكتاب نزل عن مدورته وجلس على الأرض إجلالًا لكلام الله تعالى‏.‏
وكان كريمًا جدًا يجود بالمال حتى نسب إلى السرف‏.‏
وكان ينعم بالعشرة آلاف دينار إلى ما دونها‏.‏

وكان ممن أنعم عليه بعشره آلاف دينار الأتابك قرقماس الشعباني وأما دون ذلك من الألف إلى المائة فدوامًا طول دهره لا يمل من ذلك حتى إنه أتلف في أيام سلطنته من الأموال ما لا يدخل تحت حصر كثرة ويكفيك أنه بلغت نفقاته على المماليك وصلات الأمراء والتراكمين وغيرهم وفي أثمان مماليك اشتراهم وتجاريد جردها في مدة أولها موت الملك الأشرف برسباي وآخرها سلخ سنة أربع وأربعين وثمانمائة وذلك مدة ثلاث سنين مبلغ ثلاثة آلاف ألف دينار ذهبًا مصريًا وذلك خلاف الخلع والخيول والقماش والسلاح والغلال وخلاف جوامك المماليك ورواتبهم المعتادة‏.‏

وكان لا يلبس إلا القصير من الثياب ونهى الأمراء وأكابر الدولة وأصاغرها عن لبس الثوب الطويل وأمعن في ذلك حتى إنه بهدل بسبب ذلك جماعة من أعيان الدولة وعاقب جماعة من الأصاغر وقص أثواب آخرين في الملأ من الناس‏.‏
وكان أيضًا يوبخ من لا يحف شاربه من الأتراك وغيرهم‏.‏


وفي الجملة أنه كان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر مع سرعة استحالة وحدة مزاج وبطش‏.‏
وكان غالب ما يقع منه من الإخراق بالناس يكون بحسب الواسطة من حواشيه فإنه كان مهما ذكروه له قبله منهم وأخذه على طريق الصدق والنصيحة لسلامة باطنه وأيضًا على قاعدة الأتراك من كون الحق عندهم لمن سبق‏.‏

وبالجملة فكانت محاسنه أكثر من مساوئه وهو أصلح من ولي ملك مصر من طائفته في أمر الدين والتقوى فإنه كان قمع المفسدين والجبارين من كل طائفة وكسدت في أيامه أحوال أرباب الملاهي والمغاني وتصولح غالب أمرائه وجنده وبقي أكثرهم يصوم الأيام في الشهر ويعف عن المنكرات كل ذلك مراعاة لخاطره وخوفًا من بطشه‏.‏

وهذا كله بخلاف ما كان عليه كثير من الملوك السالفة فإنه كان غالبهم يقع فيما ينهى عنه فكيف يصير للنهي عنه بعد ذلك محل ومن عظم ذلك قال بعض الفضلاء الظرفاء‏:‏ نابت هذه الدولة عن الموت في هدم اللذات والأيام الطيبة ‏"‏‏.‏
ولم يبق في دولته ممن يتعاطى المسكرات إلا القليل وصار الذي يفعل ذلك يتعاطاه في خفية ويرجفه في تلك الحالة صفير الصافر‏.‏

وكانت صفته قصيرًا للسمن أقرب أبيض اللون مشربًا بحمرة صبيح الوجه منور الشيبة فصيحًا باللغة التركية وباللغة العربية لا بأس به بالنسبة لأبناء جنسه وكان له اشتغال في العلم ويستحضر مسائل جيدة ويبحث مع العلماء والفقهاء ويلازم مشايخ القراءات ويقرأ عليهم دوامًا‏.‏
وكان يقتني الكتب النفيسة ويعطي فيها الأثمان الزائدة عن ثمن المثل‏.‏
وكان يحب مجالسة الفقهاء ويكره اللهو والطرب ينفر منهما بطبعه‏.‏
وكان يتجنب المزاح وأهله ولا يميل للتجمل في الملبس ويكره من يفعله في الباطن‏.‏
وكانت أيامه آمنة من عدم الفتن والتجاريد ولشدة حرمته‏.‏


وخلف من الأولاد الذكور واحدًا وهو ولده الملك المنصور عثمان وأمه أم ولد رومية وابنتين‏:‏ الكبرى أمها خوند مغل بنت القاضي ناصر الدين بن البارزي وزوجها السلطان لمملوكه أزبك من ططخ الساقي والصغرى بكر وأمها أم ولد جاركسية ماتت قديمًا‏.‏

ذكر من عاصره من الخلفاء‏:‏ أولهم أمير المؤمنين المعتضد بالله أبو الفتح داؤد إلى أن توفي يوم الأحد رابع شهر ربيع الأول سنة خمس وأربعين حسبما يأتي ذكره في الوفيات هو وغيره والمستكفي بالله سليمان إلى أن مات في يوم الجمعة ثاني محرم سنة خمس وخمسين والقائم بأمر الله حمزة والثلاثة إخوة‏.‏

قضاته بالديار المصرية
الشافعية‏:‏ الحافظ شهاب الدين ابن حجر غير مرة إلى أن توفي وهو معزول في سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة وقاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني غير مرة ثم قاضي القضاة شمس الدين محمد القاياتي إلى أن مات في أوائل سنة خمسين ثم قاضي القضاة ولي الدين محمد السفطي وعزل وامتحن ثم قاضي القضاة شرف الدين يحيى المناوي‏.‏

والحنفية‏:‏ شيخ الإسلام سعد الدين سعد الديري ولي في الدولة العزيزية ومات الملك الظاهر وهو قاض‏.‏

والمالكية‏:‏ العلامة قاضي القضاة شمس الدين محمد البساطي إلى أن مات في ليلة ثالث عشر شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين ثم قاضي القضاة بدر الدين محمد بن التنسي إلى أن مات بالطاعون في أواخر يوم الأحد ثاني عشر صفر ثلاث وخمسين ثم قاضي القضاة ولي الدين محمد السنباطي ومات وهو قاضي الحنابلة‏:‏ شيخ الإسلام محدث الدين أحمد البغدادي إلى أن مات في الأربعاء خامس عشر جمادى الأولى سنة أربع وأربعين ثم قاضي القضاة بدر الدين محمد بن عبد المنعم البغدادي ومات وهو قاض رحمه الله‏.‏


ذكر من ولي في أيامه الوظائف السنية من الأمراء‏:‏ وظيفة الأتابكية بالديار المصرية‏:‏ وليها من بعده الأتابك قرقماس الشعب الناصري أياما يسيرة دون نصف شهر ثم من بعده الأتابك آقبغا التمرازي أشهرًا ونقل إلى نيابة دمشق ومات في سنة ثلاث وأربعين بدمشق ثم الأتابك يشبك السودوني المعروف بالمشد إلى أن مات في سنة تسع وأربعين ثم الأتابك إينال العلائي الناصري‏.‏

وظيفة إمرة سلاح‏:‏ وليها آقبغا التمرازي أيامًا يسيرة ثم من بعده يشبك السودوني المقدم ذكره أشهرًا ثم تمراز القرمشي أمير سلاح إلى أن توفي بالطاعون في صفر سنة ثلاث وخمسين ثم جرباش الكريمي المعروف بقاشق‏.‏

وظيفة إمرة مجلس‏:‏ وليها يشبك السودوني أيامًا ثم جرباش الكريمي قاشق سنين ثم تنم من عبد الرزاق المؤيدي‏.‏

وظيفة الأمير آخورية الكبرى‏:‏ وليها تمراز القرمشي أشهرًا ثم الأمير قراخجا الحسني سنين إلى أن مات بطاعون سنة ثلاث وخمسين ثم قاني باي الجاركسي‏.‏

وظيفة رأس نوبة النوب‏:‏ وليها تمراز القرمشي ثم من بعده قراخجا الحسني ثم تمرباي التمربغاوي إلى أن مات بطاعون سنة ثلاث وخمسين ثم أسنبغا الناصري الطياري‏.‏

وظيفة حجوبية الحجاب‏:‏ باشرها يشبك السودوني أيامًا ثم من بعده تغري بردي البلكمشي المؤيدي أشهرًا ثم تنبك البردبكي الظاهري برقوق سنين إلى أن نفي في سنة أربع وخمسين إلى دمياط ثم خشقدم من ناصر الدين المؤيدي‏.‏


وظيفة الدوادارية الكبرى‏:‏ باشرها في أوائل دولته أركماس الظاهري أشهرًا إلى أن نفي إلى ثغر دمياط ثم من بعده تغري بردي المؤيدي البكلمشي إلى أن مات في سنة ست وأربعين ثم إينال العلائي الناصري إلى أن نقل منها إلى الأتابكية ثم قاني باي الجاركسي إلى أن نقل إلى أمير آخورية ثم دولات باي المحمودي المؤيدي إلى أن قبض عليه في دولة المنصور عثمان‏.‏

كتابة السر‏:‏ باشرها الصاحب بدر الدين بن نصر الله أشهرًا ثم المقر الكمالي ابن البارزي إلى أن مات في يوم الأحد سادس عشرين صفر سنة ست وخمسين ثم القاضي محب الدين بن الأشقر‏.‏
وظيفة نظر الجيش‏:‏ الزيني عبد الباسط بن خليل الدمشقي إلى أن مسك وصودر ثم القاضي محب الدين بن الأشقر ثم القاضي بهاء الذين محمد بن حجي ثم ابن الأشقر ثانيًا إلى أن نقل إلى كتابة السر ثم عظيم الدولة الجمالي يوسف مضافًا إلى نظر الخاص وتدبير المملكة‏.‏

الوزارة‏:‏ باشرها الصاحب كريم الدين عبد الكريم ابن كاتب المناخات سنين ثم الصاحب أمين الدين إبراهيم بن الهيصم أيضًا سنين ثم الأمير تغري بردي القلاوي الظاهري جقمق‏.‏
وظيفة نظر الخاص‏:‏ باشرها المقر الجمالي من الدولة الأشرفية برسباي إلى يوم تاريخه‏.‏
وظيفة الأستادارية‏:‏ باشرها جانبك الزيني عبد الباسط أشهرًا ثم الناصري محمد بن أبي الفرج نقيب الجيش ثم الأمير قيز طوغان العلائي ثم الزيني عبد الرحمن بن الكويز ثم زين الدين يحيى بن الأشقر المعروف بقريب ابن أبي الفرج‏.‏

أمرائه بمكة والمدينة أمراء مكة المشرفة‏:‏ الشريف بركات بن حسن بن عجلان إلى أن عزل ثم وليها أخوه الشريف علي بن حسن بن عجلان إلى أن قبض عليه وحمل القاهرة ثم وليها أخوه الشريف أبو القاسم بن حسن بن عجلان إلى أن عزل وأعيد الشريف بركات بن حسن بن عجلان‏.‏


أمراء المدينة
‏:‏ الشريف أميان إلى أن عزل ثم الشريف سليمان بن غرير إلى قتل ثم الشريف ضيغم إلى أن قتل أيضًا ثم أعيد الشريف أميان ثانيًا إلى أن توفي سنة خمسين وثمانمائة وولي بعده الشريف زبيري بن قيس‏.‏
ذكر نوابه بالبلاد الشامية‏:‏ فبدمشق‏:‏ الأمير إينال الجكمي إلى أن عصى وقتل ثم الأتابك آقبغا التمرازي إلى أن توفي سنة ثلاث وأربعين ثم الأمير جلبان الأمير آخور‏.‏
وبحلب‏:‏ الأمير حسين بن أحمد المدعو تغري برمش البهسني التركماني أن عصى وقتل ثم جلبان الأمير آخور المقدم ذكره ثم قاني باي الحمزاوي أن عزل ثم برسباي الناصري الحاجب ثم قاني باي البهلوان إلى أن مات ثم من عبد الرزاق المؤيدي إلى أن عزل وأعيد قاني باي الحمزاوي ثانيًا‏.‏
وبطرابلس‏:‏ الأمير جلبان الأمير آخور أشهرًا ونقل إلى نيابة حلب قاني باي الحمزاوي ثم برسباي الناصري الحاجب ثم يشبك الصوفي المؤيدي إلى أن عزل ونفى إلى دمياط ثم يشبك النوروزي‏.‏
وبحماة‏:‏ قاني باي الحمزاوي أشهرًا ثم بردبك العجمي الجكمي إلى أن عزل وحبس بالإسكندرية ثم الأمير قاني باي الناصري البهلوان ثم شاد بك الجكمي‏.‏
إلى أن عزل وتوجه إلى القدس بطالًا ثم الأمير يشبك الصوفي المؤيدي ثم الأمير تنم من عبد الرزاق المؤيدي ثم بيغوت الأعرج المؤيدي سودون الأبو بكري المؤيدي حلب إلى أن عزل ثم حاج إينال الجكمي‏.‏

وبصفد‏:‏ الأمير إينال العلائي الناصري الذي تسلطن إلى أن عزل وقدم القاهرة أمير مائة ومقدم ألف بها ثم قاني باي الناصري البهلوان أتابك دمشق ثم بيغوت من صفر خجا الأعرج المؤيدي ثم يشبك الحمزاوي نائب غزة إلى أن توفي ثم أعيد بيغوت ثانيًا بعد أمور وقعت له‏.‏


وبغزة‏:‏ طوخ مازي الناصري إلى أن مات ثم طوخ الأبوبكري المؤيدي إلى أن قتل ثم يلخجا الساقي الناصري إلى أن مات ثم حطط الناصري فرج إلى أن عزل ثم يشبك الحمزاوي دوادار السلطان بحلب ثم طوغان العثماني إلى أن توفي ثم خيربك النوروزي إلى أن عزل ثم جانبك التاجي المؤيدي‏.‏
وبالكرك‏:‏ الصاحب غرس الدين خليل بن شاهين الشيخي إلى أن عزل ثم آقبغا من مامش الناصري التركماني إلى أن عزل وحبس ثم مازي الظاهري برقوق إلى أن عزل ثم حاج إينال الجكمي ثم طوغان السيفي آقبردي المنقار‏.‏

ذكر زوجاته أيام سلطنته‏:‏ أما قبل سلطنته فكثير جدًا وأولهم في أيام سلطنته خوند مغل بنت البارزي تزوجها قبل سنة ثلاثين وطلقها في سنة اثنتين وخمسين ثم زينب بنت جرباش الكريمي قاشق ومات عنها ثم شاه زادة بنت ابن عثمان ملك الروم وطلقها في سنة أربع وخمسين ثم نفيسة بنت ناصر الدين بك ابن دلغادر ماتت في سنة ثلاث وخمسين بالطاعون ثم بنت حمزة بك بن ناصر الدين ابن دلغادر ثم بنت كرتباي الجاركسية قدم بها أبوها من بلاد الجاركس وأسلم على ما قيل ثم عاد إلى بلاده ثم بنت زين الدين عبد الباسط ولم يزل بكارتها تزوجها بعد موت أبيها في سنة خمس وخمسين وثمانمائة‏.‏













صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 25-01-2012, 02:34 AM   رقم المشاركة:599
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 54
المشاركات: 8,675
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الظاهر أبي سعيد جقمق (8)


سلطنة الظاهر أبي سعيد جقمق








السنة الأولى


من سلطنة الظاهر جقمق وهي سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة‏.‏

على أن الملك العزيز يوسف بن الملك الأشرف برسباي حكم منها تاسع عشر أشهر ربيع الآخر ثم حكم الملك الظاهر في باقيها وهي سلطنته على مصر على كل حال‏.‏

وفيها أعني سنة اثنتين وأربعين توفي حافظ الشام ومحدثه شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مجاهد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن علي القيسي الدمشقي الشافعي المعروف بابن ناصر الدين بدمشق في ثامن عشر شهر الآخر ومولده في محرم سنة سبع وسبعين وسبعمائة‏.‏
وسمع الكثير وطلب الحديث ودأب وحصل وكتب وصنف وصار حافظ دمشق ومحدثه إلى أن مات‏.‏

وتوفي الأمير صفي الدين جوهر بن عبد الله الجلباني الحبشي الزمام المعروف باللالا في يوم الأربعاء ثالث عشرين جمادى الأولى عن نحو ستين سنة تخمينًا‏.‏
وكان أصله من خدام الأمير عمر بن بهادر المشرف وأنعم على أخته زوجة الأمير جلبان الحاجب فأعتقه جلبان ودام بخدمته حتى مات‏.‏

وماتت سته زوجة الأمير جلبان الحاجب فاتصل بعدهما بخدمة الملك الأشرف برسباي قبل سلطنته ودام عنده إلى أن تسلطن فرقاه وجعله لالاة ابنه المقام الناصري محمد ثم من بعده لالا ابنه الملك العزيز يوسف ثم ولاه زمامًا موت الطواشي خشقدم الرومي الظاهري في جمادى الأولى سنة تسع ثلاثين وثمانمائة فاستمر في وظيفته زمامًا إلى أن توفي الملك الأشرف وملك الملك العزيز يوسف‏.‏



ثم خلع العزيز وتسلطن الملك الظاهر جقمق فأمسكه وهو مريض وصادره وعزله وولى عوضه زمامًا الطواشي الرومي فيروز الساقي الجاركسي‏.‏
فلم تطل أيام جوهر المذكور بعد ذلك ومات‏.‏
وكان من رؤساء الخدام حشمة وعقلًا ودينًا وكرمًا وهو صاحب المدرسة والدار بالمصنع بالقرب من قلعة الجبل وتوفي قاضي القضاة علامة عصره شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان البساطي المالكي قاضي قضاة الديار المصرية وعالمها في ليلة الجمعة ثالث عشر شهر رمضان‏.‏
ومولده في محرم سنه ستين وسبعمائة ومات وقد انتهت إليه الرئاسة في المعقول والمنقول‏.‏

وكان منشأه بالقاهرة وبها تفقه وطلب العلم واشتغل على علماء عصره حتى برع في علوم كثيرة وأفتى ودرس وتصدى للاشتغال سنين كثيرة وبه تخرج غالب علماء عصره من سائر المذاهب‏.‏

وأول ما وليه من الوظائف‏:‏ تدريس المالكية بمدرسة جمال الدين الأستادار وناب في الحكم عن ابن عمه قاضي القضاة جمال الدين البساطي سنين ثم استقل بالقضاء في الدولة المؤيدية شيخ بعد جمال الدين البساطي المذكور فباشر القضاء نحو عشرين سنة إلى أن مات قاضيًا‏.‏



وفيه قتل الأمير سيف الدين قرقماس بن عبد الله الشعباني الناصري المعروف بأهرام ضاغ بثغر الإسكندرية حسبما يأتي ذكره‏.‏
كان أصله من كتابية الملك الظاهر برقوق فيما أظن ثم أخذه الملك الناصر فرج وأعتقه وجعله خاصكيًا‏.‏
ثم صار دوادارًا في الدولة المؤيدية شيخ من جملة الأجناد إلى أن أمره الأمير ططر عشرة ثم صار أمير طبلخاناه ودوادارًا ثانيًا في أوائل الدولة الأشرفية وأجلس النقباء على بابه وحكم بين الناس - ولم يكن ذلك بعادة‏:‏ أن يحكم الدوادار الثاني بين الناس - ثم أنعم عليه الملك الأشرف برسباي بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية في سنة ست وعشرين وتولى الدوادارية الثانية بعده جانبك الخازندار الأشرفي‏.‏
ثم وجهه الأشرف برسباي إلى مكة المشرفة شريكًا لأميرها الشريف عنان بن مغامس بن رميثة الحسني فأقام بمكة مدة ثم عاد إلى القاهرة بعد أن أعيد الشريف حسن بن عجلان إلى إمرة مكة ومات حسن وتولى ابنه الشريف بركات‏.‏
وقدم قرقماس المذكور إلى مصر على إمرته أمير مائة ومقدم ألف‏.‏



ودام على ذلك سنين إلى أن استقر حاجب الحجاب بالديار المصرية بعد الأمير جرباش الكريمي قاشق بحكم انتقال جرباش إلى إمرة مجلس فباشر الحجوبية بحرمة زائدة وعظمة وبطش في الناس بحيث هابه كل أحد وصار يخلط في حكوماته ما بين ظلم وعدل ولين وجبروت إلى أن استقر في نيابة حلب بعد الأمير قصروه من تمراز الظاهري برقوق بحكم انتقاله إلى نيابة دمشق بعد موت الأمير جارقطلو في حدود سنة سبع وثلاثين وثمانمائة فباشر نيابة حلب مدة تزيد على السنة وعزل عنها بعد أن أبدع في المفسدين بها وأشيع الخبر عنه بالخروج عن الطاعة‏.‏

وقدم إلى القاهرة على النجب بطلب من السلطان وخلع عليه باستقراره أمير سلاح بعد الأمير جقمق العلائي صاحب الترجمة بحكم انتقال جقمق للأتابكية عوضًا عن إينال الجكمي بحكم استقرار الجكمي في نيابة حلب عوضًا عن قرقماس المذكور فاستمر أمير سلاح مدة‏.‏
وتجرد إلى البلاد الشامية مقدم العساكر ومعه سبعة أمراء من مقدمي الألوف في سنة إحدى وأربعين وقد تقدم ذكر ذلك كله في ترجمة الملك الأشرف وغيره من هذا الكتاب وإنما نذكره هنا ثانيًا لينتظم سياق الكلام مع سياقه‏.‏



ومات الملك الأشرف في غيبته ثم قدم القاهرة مع رفقته وقد ترشح الأتابك جقمق للسلطنة وسكن باب السلسلة من الإسطبل السلطاني وكان حريصًا على حب الرئاسة‏.‏

فلما رأى أمر جقمق قد استفحل كاد يهلك في الباطن وما أمكنه إلا الموافقة وقام معه حتى تسلطن ثم وثب عليه حسبما تقدم ذكره بعد أربعة عشر يومًا من سلطنة الملك الظاهر جقمق وقاتله وانكسر بعد أمور حكيناها في أصل هذه الترجمة وهرب ثم ظهر وأمسك وحبس بسجن الإسكندرية إلى أن ضربت رقبته بالشرع في ثغر الإسكندرية في يوم الاثنين ثاني عشر جمادى الآخرة‏.‏

وكان قرقماس أميرًا ضخمًا شجاعًا مقدامًا عارفًا بفنون الفروسية وعنده مشاركة بحسب الحال إلا أنه كان فيه ظلم وعسف وجبروت‏.‏
وكان مع شجاعته وإقدامه لا ينتج أمره في الحروب لعدم موافقة رجليه ليديه فإنه كان إذا دخل الحرب يبطل عمل رجليه في تمشية الفرس لشغله بيديه وهو عيب كبير في الفارس وشهر ذلك عن جماعة من الأقدمين من فرسان الملوك مثل الأتابك إينال اليوسفي ويونس بلطا نائب طرابلس وغيرهما‏.‏



ومعنى ‏"‏ أهرام ضاغ ‏"‏ أي جبل الأهرام سمي بذلك قديمًا لتكبره وتعاظمه‏.‏
وتوفي القاضي علم الدين أحمد بن تاج الدين محمد بن علم الدين محمد بن كمال الدين محمد بن قاضي القضاة علم الدين محمد بن أبي بكر بن عيسى بن بدر الإخنائي المالكي أحد فقهاء المالكية ونواب الحكم بالقاهرة في يوم الأربعاء خامس عشرين شهر رمضان وكان مشكور السيرة عفيفًا عما يرمي به قضاة السوء‏.‏

وتوفي قاضي قضاة دمشق المالكية محيي الدين يحيى بن حسن بن محمد الحيحاني المغربي في يوم الأربعاء حادي عشر ذي القعدة وكان دينًا عفيفًا حسن السيرة في أحكامه‏.‏

وتوفي السيد الشريف أحمد بن حسن بن عجلان المكي الحسني بعدما فارق أخاه الشريف بركات بن حسن وسار إلى اليمن فمات بزبيد‏.‏

وتوفي الأتابك إينال بن عبد الله الجكمي نائب الشام قتيلًا بقلعة دمشق في ليلة الاثنين ثاني عشرين ذي القعدة وقد قدمنا من ذكره في أول ترجمة الملك الظاهر هذا وغيره نبذة كبيرة تعرف منها أحواله غير أننا نذكر الآن سبب ترقيه لا غير‏:‏ فأصله من مماليك الأمير جكم من عوض الظاهري المتغلب على حلب وخدم من بعد أستاذه المذكور عند الأمير سودون الظاهري برقوق ويعرف بسودون بقجة وصار خازنداره‏.‏



ثم اتصل بخدمة الملك المؤيد شيخ فلما تسلطن شيخ جعله ساقيًا ثم أمسكه وعاقبه عقوبة شديدة لأمر أوجب ذلك ثم نفاه إلى البلاد الشامية ثم أعاده بعد وقعة قاني باي نائب الشام وأنعم عليه بإمرة عشرة ثم جعله أمير طبلخاناه وشاد الشراب خاناه‏.‏

ثم أنعم عليه الأمير ططر بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية وولاه رأس نوبة النوب ثم نائب حلب ثم عزله بعد شهر وأيام وجعله أمير سلاح‏.‏
ثم قبض عليه مع من قبض عليه من الأمراء المؤيدية وغيرهم كل ذلك في مدة يسيرة وحبس مدة سنين إلى أن أطلقه الملك الأشرف برسباي بشفاعة الناصري محمد بن منجك ووجهه إلى الحجاز‏.‏
ثم عاد وأقام بالقدس بطالًا إلى أن طلبه الملك الأشرف إلى مصر وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف عوضًا عن الأتابك بيبغا المظفري بحكم القبض عليه وذلك في سنة سبع وعشرين ثم جعله أمير مجلس سنين ثم نقله إلى إمرة سلاح بعد موت إينال النوروزي ثم جعله أتابكًا بعد سودون من عبد الرحمن وهو على إقطاعه ولم ينعم السلطان عليه بإقطاع الأتابكية‏.‏

فدام على ذلك مدة طويلة إلى أن خلع السلطان عليه باستقراره في نيابة حلب بعد عزل قرقماس الشعباني واستقر عوضه في الأتابكية الأمير جقمق العلائي فلم تطل مدته في نيابة حلب ونقل منها بعد أشهر إلى نيابة الشام بعد موت قصروه من تمراز فدام في نيابة دمشق إلى أن تسلطن الملك الظاهر جقمق فبايع له أولًا ولبس خلعته وباس الأرض ثم عصى بعد ذلك ووقع ما حكيناه من أمره في ترجمة الملك الظاهر جقمق من قتاله لعسكر السلطان وهزيمته والقبض عليه وقتله‏.‏
وكان إينال أميرًا جليلًا شجاعًا مقدامًا عاقلًا سيوسًا حشمًا وقورًا كريمًا رئيسًا كامل الأدوات كثير الأدب مليح الشكل معتدل القد للسمن أقرب نادرة في أبناء جنسه قل أن ترى العيون مثله عفا الله عنه‏.‏
ومات وسنه نحو الخمسين سنة تخمينًا‏.‏



وتوفي الأمير سيف الدين يخشباي بن عبد الله المؤيدي شيخ ثم الأشرفي برسباي الأمير آخور الثاني قتيلًا بسيف الشرع‏.‏
ضربت رقبته بثغر الإسكندرية‏.‏
وقد تقدم ذكر سبب قتله في أوائل ترجمة الملك الظاهر هذا‏.‏
وقتل يخشباي وسنه نحو الثلاثين سنة تخمينًا‏.‏
وكان شابًا طويلًا جميلًا مليح الشكل عاقلًا عارفًا بأنواع الفروسية وعنده فهم وذوق ومعرفة ومحاضرة حسنة وتذاكر بالفقه وغيره حسب الحال عوض الله شبابه الجنة بمنه وكرمه‏.‏

وتوفي الأمير حسين بن أحمد المدعو تغري برمش نائب حلب مضروب الرقبة بحلب في يوم الأحد سابع عشر ذي الحجة وأصل تغري برمش هذا من مدينة بهسنا‏.‏
وجفل هو وأخوه حسن - وكان حسن الأكبر - من بهسنا في كائنة تيمورلنك وقدما بعد ذلك بسنين إلى الديار المصرية فخدم أخوه حسن تبعًا عند الأمير قرا سنقر الظاهري وجلس حسين هذا عند بعض الخياطين بالمصنع من تحت القلعة‏.‏
ثم انتقل أيضًا إلى خدمة قرا سنقر لجمال صورته ثم انتقل من عند قرا سنقر إلى الأمير إينال حطب العلائي وصار عنده من جملة ممالكه الكتابية إلى أن مات إينال حطب فأخذه دواداره الأمير فارس وأتى له إلى الوالد‏.‏



وكان الوالد من جملة أوصياء إينال حطب فأخذه الوالد وجعله إنيًا لمملوكه شاهين أمير آخور فجعله شاهين في الطبقة وسفاه تغري برمش ثم أخرج له الوالد خيلًا وقماشًا مع جملة مماليك أخر وجعله جمدارًا فدام على ذلك إلى أن تولى الوالد نيابة دمشق التي مات فيها فأفسد تغري برمش هذا من مماليك الوالد مملوكين وأخذهما وهرب إلى طرابلس‏:‏ أحدهما في قيد الحياة إلى يومنا هذا جملة المماليك السلطانية واسمه أيضًا تغري برمش الصغير‏.‏

وبلغ الوالد خبرهما فأمر أن يكتب إلى الأمير جانم نائب طرابلس بالقبض عليهم الثلاثة وإرسالهم إليه في الحديد فخشي أغاتهم شاهين الأمير آخور عليهم من الضرب والإخراق فسأل الوالد أنه يسافر إليهم وتوجه شاهين إليهم فوجدهم بقاعة في طرابلس فنزل عن فرسه ودخل عليهم استخفافًا بهم فحال ما وقع بصرهم عليه هرب تغري برمش الصغير ويوسف ووثب تغري برمش ليهرب فلحقه شاهين فجذب سيفه وضرب شاهين به فقتله ثم هرب‏.‏
فكتب الأمير جانم نائب طرابلس محضرًا بواقعة الحال وأرسله إلى الوالد ومع المحضر يوسف وتغري برمش الصغير وهرب تغري برمش هذا فرس الوالد بتحصيل تغري برمش المذكور وشنقه‏.‏
وكان الوالد مشغولًا بمرض موته وماش بعد مدة يسيرة‏.‏
وخدم تغري برمش هذا عند الأمير طوخ الظاهري برقوق ويقال له طوخ بطيخ نائب حلب وترقى عنده وصار رأس نوبته‏.‏

ثم خدم بعده عند جقمق الأرغون شاوي الدوادار وصار أيضًا رأس نوبته ثم دواداره في آخر أيامه وكار لجقمق دوادار آخر يسمى إينال الحمار فكان جقمق يقول ‏"‏ دواداري‏:‏ الواحد حمار والآخر ثور ‏"‏‏.‏



ثم مشى حال تغري برمش بعد عند أبناء جنسه وسببه أنه لما انكسر أستاذه جقمق في دمشق وتوجه إلى بعض قلاع الشام وتحصن بها إلى أن أنزل منها وقتل بدسيسة من تغري برمش هذا فأنعم عليه ططر بإمرة عشرة بالقاهرة ثم جعله الملك الأشرف أمير طبلخاناه ونائب قلعة الجبل ثم أنعم عليه بتقدمة ألف في سنة سبع وعشرين ثم جعله نائب غيبته بديار مصر لما سافر لآمد ثم جعله أمير آخور كبيرًا بعد الأمير جقمق العلائي بحكم انتقال جقمق إلى إمرة سلاح ثم ولاه نيابة حلب بعد عزل قرقماس الشعباني عنها فدام بحلب إلى أن تسلطن الملك الظاهر جقمق فبايعه ولبس خلعته ثم عصى بعد ذلك - وليت الخمول عصى أولًا قبل مبايعته فكان يصير له عذر في الجملة‏!‏ - ثم وقع له بعد عصيانه ما حكيناه في ترجمة الملك الظاهر جقمق إلى أن انكسر وأمسك ثم ضربت رقبته تحت قلعة حلب وسنه نحو الخمسين‏.‏

وكان تغري برمش رجلًا طوالًا مليح الشكل عاقلًا مدبرًا كثير الدهاء والمكر وكان يجيد رمي النشاب ولعب الكرة وكان عارفًا بأمور دنياه وأمر معيشته متجملًا في مركبه وملبسه ومماليكه إلا أنه كان بخيلًا شحيحًا حريصًا على جمع المال قليل الدين لا يحفظ مسألة تامة في دينه مع قلة فهم وذوق وغلاظة طبع على قاعدة أوباش التراكمين وكان عاريًا من سائر العلوم والفنون غير ما ذكرنا لم أره منذ عمري مسك كتابًا بيده ليقرأه هذا مع الجبن وعم الثبات في الحروب وقلة الرأي في تنفيذ العساكر وما وقع له مع ناصر الدين بك بن دلغادر في نيابته على حلب من الحروب والانتصار عليه كل ذلك كان بكثرة الشوكة وسعد الملك الأشرف برسباي‏.‏

وأما لما صار الأمر له لم يفلح في واقعة من الوقائع بل صار كلما دبر أمرًا انعكس عليه فإنه كان ظنينًا برأي نفسه وليس له إطلاع في أحوال السلف بالكلية ولم يستشر أحدًا في أمره فحينئذ خمل وأخمل وتمزقت جميع عساكره وخانه حتى مماليكه مشترواته ومع هذا كله هو عند القوم في رتبة عليا من العقل والمعرفة والتدبير وعذرهم أنه لو لم يكن كذلك ما صار أميرًا ‏.‏



ومات تغري برمش والمحضر المكتتب عليه بسبب قتله لشاهين عندنا‏.‏
وقد طلبه مني غير مرة وأنا أسوف به من وقت إلى وقت وابدي له أعذارًا غير مقبولة وأوري له في كلامي فيمشي ذلك ويطيب خاطره إلى أن عصى فطلبني الملك الظاهر جقمق وسألني عن المحضر فقلت‏:‏ ‏"‏ عندي ‏"‏ فكاد يطير فرحًا‏.‏
ثم أفحش أمر تغري برمش في الحلبيين حتى أوجب ذلك قتله بغير محضر ولا حكم حاكم‏.‏

وتوفي الملك الظاهر هزبر الدين عبد الله بن الملك الأشرف إسماعيل علي بن داؤد بن يوسف بن عمر بن علي بن رسول التركماني الأصل اليمني صاحب بلاد اليمن في يوم الخميس سلخ شهر رجب وكانت مدة ملكه اثنتي عشرة سنة وفي أيامه ضعفت مملكة اليمن لاستيلاء العربان على بلادها وأموالها وأقيم بعده في ملك اليمن الملك الأشرف إسماعيل وله من العمر نحو العشرين سنة فأساء السيرة وسفك الدماء وقتل الأمير برقوقًا التركي القائم بدولتهم في عدة أخر من الأتراك ووقع له أمور كثيرة ليس لذكرها هنا فائدة‏.‏



السنة الثانية

من سلطنة الظاهر جقمق وهي سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة‏.‏

وفيها توفي الأمير علاء الدين آقبغا بن عبد الله من مامش الناصري فرج التركماني نائب الكرك بعد أن عزل عنها وحبس بقلعتها في أواخر هذه السنة نحو ستين سنة من العمر ولم يشتهر في عمره بدين ولا شجاعة ولا كرم‏.‏

وتوفي الأتابك آقبغا التمراي نائب الشام بها فجاءة وهو على ظهر فرسه صبيحة يوم السبت سادس عشر شهر ربيع الآخر وسنه سبعون سنة تخمينًا‏.‏

خبر موته أنه ركب من دار السعادة بعد أذان الفجر من اليوم المذكور وسار الميدان ولعب به الرمح وغير فيه عدة خيول ثم ساق البرجاس وغير فيه أيضًا أفراسًا كثيرة ثم ضرب الكرة مع الأمراء على عدة خيول يغيرها من تحته إلى أن انتهى وليس عليه ما يرد البرد عنه وسار إلى باب الميدان ليخرج منه ومماليكه مشاة بين يديه فقال لرأس نوبته‏:‏ ‏"‏ فر المماليك ليأكلوا السماط ‏"‏ ثم مال عن فرسه فاعتنقه رأس نوبته المذكور وحمله وأنزله إلى قاعة عند باب الميدان فمات من وقته ولم يتكلم كلمة واحدة غير ما ذكرناه‏.‏

وكان أصله من مماليك الأمير تمراز الناصري نائب السلطنة في دولة الناصر فرج ونسبه تمراز أستاذه بالناصري لأستاذه خواجا ناصر الدين وقد تقدم ذكره في الدولة الناصرية‏.‏
وخدم آقبغا هذا بعد موت أستاذه عند الأتابك دمرداش المحمدي ثم اتصل بخدمة الملك المؤيد شيخ فرقاه المؤيد لسيادة كانت له في لعب الرمح وأنعم علية بإمرة عشرة ثم طبلخاناه وجعله أمير آخور ثانيًا ثم أنعم عليه الأمير ططر بإمرة مائة وتقدمة ألف وجعله من الأمراء المقيمين بالقاهرة لما سافر بالملك المظفر أحمد إلى دمشق ثم صار أمير مجلس في أوائل الدولة الأشرفية برسباي ثم ولي نيابة الإسكندرية بعد أسندمر النوري الظاهري برقوق مضافًا على تقدمته ثم عزل بعد سنين وأعيد إلى إمرة مجلس إلى أن جعله الملك الظاهر جقمق أمير سلاح ثم أتابك العساكر بالديار المصرية كلاهما بعد قرقماس الشعباني فباشر الأتابكية أشهرًا وتولى نيابة دمشق لما عصى الأتابك إينال الجكمي وقد تقدم ذكر ذلك كله في أول ترجمة الملك الظاهر جقمق‏.‏



هذا ولم تطل مدة نيابته على دمشق سوى أشهر ومات‏.‏
وكان عارفًا بأنواع الفروسية كلعب الرمح وضرب الكوة وسوق المحمل والبرجاس رأسًا في ذلك جميعه إمام عصره في ركوب الخيل ومعرفة تقليبها في أنواع الملاعيب المذكورة انتهت إليه الرئاسة في ذلك بلا مدافعة - لا أقول ذلك كونه صهري بل أقوله على الإنصاف - مع دين وعفة عن المنكرات والفروج وقيام ليل وزيارة الصالحين دوامًا غير أنه كان مسيكًا وعنده حدة مزاج ولم تكن شجاعته في الحروب بقدر معرفته لأنواع الملاعيب والفروسية رحمه الله تعالى‏.‏

وتوفي الأمير سيف الدين طوخ بن عبد الله الناصري المعروف بطوخ مازي نائب غزة في ليلة السبت حادي شهر رجب‏.‏

وأصله من مماليك الملك الناصر فرج وتأمر - بعد موت الملك المؤيد شيخ - عشرة وصار في الدولة الأشرفية برسباي من جملة رؤوس النوب ثم ترقى بعد سنين إلى إمرة طبلخاناه وصار رأس نوبة ثانيًا ثم ولي نيابة غزة بعد موت آقبردي القجماسي في الدوله العزيزية يوسف إلى أن مات‏.‏
وكان متوسط السيرة منهمكًا في اللذات عاريًا من كل علم وفن عفا الله عنه



وتوفي الأمير سيف الدين يلبغا بن عبد الله البهائي الظاهري نائب الإسكندرية بها في يوم الخميس ثالث عشر جمادى الأولى وهو في عشر السبعين‏.‏
وكان أصلًا من مماليك الملك الظاهر برقوق وكان يعرف بيلبغا قراجا لأنه كان أسمر اللون تركي الجنس‏.‏

وكان تأمر قديمًا إمرة عشرة ودام على ذلك سنين إلى أن أنعم عليه الملك الظاهر جقمق بإمرة طبلخاناه والحجوبية الثانية عوضا عن أسنبغا الطياري ثم ولاه نيابة الإسكندرية إلى أن مات بها‏.‏

وكان من خيار الناس عقلًا ودينًا وسكونًا وعفة مع مشاركه في الفقه وغيره ويكتب الخط المنسوب وكان فصيحًا باللغة العربية حلو الكلام جيد المحاضرة يذاكر بالأيام السالفة مذاكرة حسنة لذيذة وهو أحد من أدركناه من النوادر في معناه رحمه الله تعالى‏.‏



وتوفي الأمير سيف الدين قطج بن عبد الله من تمراز الظاهري بطالًا بالقاهرة في يوم الاثنين ثامن عشرين شهر رمضان‏.‏

وكان أصله من أصاغر مماليك الظاهر برقوق وتأمر أيضًا - بعد موت الملك المؤيد شيخ - عشرة ثم ترقى إلى أن صار في الدولة الأشرفية أمير مائة ومقدم ألف ودام على ذلك سنين إلى أن أمسكه الأشرف وسجنه بثغر الإسكندرية مدة ثم أفرج عنه وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بحلب ثم نقله إلى أتابكية حلب بعد نقل قاني باي البهلوان إلى أتابكية دمشق بحكم وفاة تغري بردي المحمودي بآمد فدام على ذلك سنين إلى أن تسلطن الملك الظاهر جقمق فقم القاهرة واستعفى من أتابكية حلب فأعفي يريد بذلك أن يكون من جملة أمراء مصر فلم يكترث الملك الظاهر بأمره ودام بطالًا إلى أن مات‏.‏
وكان يتمفقر في حياته ويطلب من الأمراء فلما مات ظهر له مال كبير فأخذه من يستحقه‏.‏
ولله در أبي الطيب المتنبي فيما قال في هذا المعنى‏:‏ الطويل وتوفي الأمير سيف الدين سودون الظاهري المغربي أحد أمراء العشرات والحجاب ثم نائب ثغر دمياط بطالًا بالقدس وكان أيضًا من مماليك الملك الظاهر برقوق وتأمر عشرة وصار من جملة الحجاب في الدولة الأشرفية برسباي ثم ولي نظر القدس في بعض الأحيان ثم ولي نيابة دمياط إلى أن أمسكه الملك الظاهر وحبسه مدة ثم أخرجه إلى القدس بطالًا إلى أن مات‏.‏



وكان دينًا خيرًا عفيفًا عن القاذورات عارفًا بأنواع الفروسية باجتهاده فكان خطأه فيه أكثر من صوابه‏.‏
وكان يتفقه ويكثر من الاشتغال دائمًا لا سيما لما اشتغل في النحو فضيع فيه زمانه ولم يحصل على طائل لقصر فهمه وعدم تصوره‏.‏
وكان يلح في المسائل الفقهية ويبحث فيها أشهرًا ولا يرضى إلا بجواب سمعه قديمًا من كائن من كان وكان هذا سبب نفيه فإنه بحث مرة مع الأمير بكتمر السعدي بحثًا فأجابه بكتمر بالصواب فلم يرض بذلك سودون هذا وألح في السؤال على عادته فنهره الملك الظاهر جقمق وهو يوم ذاك أمير آخور‏.‏
وقال له‏:‏ ‏"‏ أنت حمار‏!‏ ‏"‏ واحتد عليه فقال سودون‏:‏ العلم ليس هو بالإمرة وإنما هو بالأعلم ‏"‏‏.‏

فحنق الملك الظاهر منه أكثر وأكثر وانفض المجلس‏.‏
وكان فيه أنواع ظريفة في حكمه بين الناس منها أنه يتحقق في عقله أن الحق لا يزال مع الضعيف من الناس وأن القوي لا يزال يجبر الضعيف فصار كلما دخل إليه خصمان فينظر إليهما فيكون أحد الأخصام جنديًا والآخر فلاحًا والحق مع الجندي فلا يزال سودون يميل مع الفلاح ويقوي كلامه وحجته ويوهي كلام الجندي ودعواه حتى يسأل الجندي في المصالحة أو يأخذ فلاحه ويذهب إن كان له شوكة هذا بعد أن يوبخ الجندي ويعظه ويحذره عقوبة الله عز وجل ويذكر لا أفعال أبناء جنسه من المماليك‏.‏
وكان عنده كثرة كلام مع نشوفة ولهذا سمي بالمغربي‏.‏
فلما تكرر منه ذلك وعرف الناس طبعه ترامى الضعفاء عليه من الأماكن البعيدة فانتفع به أناس وتضرر به آخرون على أنه كان غالب اجتهاده في خلاص الحق على قدر ما تصل قدرته إليه رحمه الله تعالى‏.‏



وتوفي قاضي قضاة حلب علاء الدين علي بن محمد بن سعد بن محمد بن علي بن عثمان الحلبي الشافعي قاضي حلب وعالمها ومؤرخها المعروف بابن خطيب الناصرية في ليلة الثلاثاء تاسع ذي القعدة بحلب‏.‏
ومولده في سنة أربع وسبعين وسبعمائة وكان إمامًا عالمًا بارعًا في الفقه والأصول والعربية والحديث والتفسير وأفتى وعرس بحلب سنين وتولى قضاءها وقدم القاهرة غير مرة‏.‏
وله مصنفات منها‏:‏ كتابه المسمى بالمنتخب في تاريخ حلب ذيله على تاريخ ابن العديم لكنه لم يسلك فيه ما شرطه في الاقتداء بابن العديم وسكت عن خلائق من أعيان العصر ممن ورد إلى حلب حتى قال بعض الفضلاء‏:‏ ‏"‏ هذا ذيل قصير إلى الركبة ‏"‏‏.‏

وكان سامحه الله مع فضله وعلمه يتساهل في تناول معالمه في الأوقاف بشرط الواقف وبغير شرط الواقف وكان له وظائف ومباشرة في جامع الوالد بحلب فكان يأخذ استحقاقه واستحقاق غيره وكان له طولة روح واحتمال زائد لسماع المكروه بسبب ذلك وهو على ما هو عليه ولسان حاله يقول‏:‏ ‏"‏ لا بأس بالذل في تحصيل المال‏.‏
وكان يتولى القضاء بالبذل ويخدم أرباب الدولة بأموال كثيرة‏.‏
وملخص الكلام أنه كان عالمًا غير مشكور السيرة وكان به صمم خفيف‏.‏



وتوفي قاضي المدينة النبوية جمال الدين محمد بن أحمد بن محمد بن محمود بن إبراهيم بن أحمد الكازروني الأصل المدني المولد والمنشأ والوفاة الشافعي في يوم الأربعاء عاشر ذي القعدة ودفن بالبقيع ومولده سنة سبع وخمسين وسبعمائة‏.‏

وكان بارعًا في الفقه وله مشاركة في غيره وتولى قضاء المدينة في بعض الأحيان ثم ترك ذلك ولزم العلم إلى أن مات‏.‏

وتوفي مجد الدين ماجد بن النخال الأسلمي القبطي كاتب المماليك السلطانية في ليلة السبت سادس ذي الحجة‏.‏
وكان أصله من نصارى مصر القديمة وخدم في عدة جهات وهو على دين النصرانية ودام على ذلك إلى أن أكرهه الأمير نوروز الحافظي على الإسلام فأظهر الإسلام وأبقى جميع ما عنده من النسوة والخدم على دين النصرانية‏.‏

وهو والد فرج بن النخال وزير زماننا هذا وأستاداره ثم قدم ماجد عند الأمير جقمق الدوادار ثم ترقى إلى أن ولي كتابة المماليك السلطانية سنين إلى أن مات‏.‏
وكان فيه مروءة وخدمة لأصحابه وأما غير ذلك فالسكات أجمل‏.‏
وما أظرف ما قال الشيخ تقي الدين المقريزي رحمه الله لما ذكر وفاته بعد كلام طويل إلى أن قال‏:‏ ‏"‏ وكان لا دين ولا دنيا ‏"‏‏.‏



السنة الثالثة


من سلطنة الظاهر جقمق وهي سنة أربع وأربعين وثمانمائة‏.‏

فيها توفي الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير صارم الدين إبراهيم ابن الأمير الوزير منجك اليوسفي بدمشق في يوم الأحد خامس عشر شهر ربيع الأول وهو في عشر السبعين‏.‏

وكان مولده بدمشق وأعطي بها إمرة في دولة الملك المؤيد شيخ وحظي عنده إلى الغاية ثم صار على منزلته في الرفعة وأعظم عند الملك الأشرف برسباي حتى إنه كان يجلس فوق أمير سلاح‏.‏

وكان إذا حضر مجلس السلطان لا يتكلم السلطان مع غيره إلا لحاجة إجلالًا له‏.‏
وكان يقدم القاهرة في كل سنة مرة في مبادئ فصل الشتاء ثم يعود إلى دمشق في مبادئ فصل الصيف وفي الجملة أنه كان محظوظًا من الملوك إلى الغاية من غير أمر يوجب ذلك‏.‏

وقد حاضرته كثيرًا في مبادئ عمري فلم أجد له معرفة بعلم من العلوم ولا فن من الفنون غير لعب الكرة وأنواع الصيد بالجوارح فقط والمال الكثير مع بخل وشح زائد يضرب به المثل وكنت أراه يكثر السكوت فأقول‏:‏ ‏"‏ هذا لغزير عقله ‏"‏ وإذا له من قلة رأس ماله‏.‏



وقد حكى لي عنه بعض أكابر أعيان المملكة قال‏:‏ لما خرج قاني باي نائب الشأم عن طاعة المؤيد وعلم بذلك أعيان أهل دمشق اجتمعوا بمكان يشتورون فيما يفعلون لئلا يقبض عليهم قاني باي المذكور وهم مثل‏:‏ القاضي نجم الدين بن حجي والقاضي شهاب الدين بن الكشك والشريف شهاب الدين وخواجه شمس الدين بن المزلق وابن مبارك شاه وابن منجك وجماعة أخر من الأمراء وغيرهم فأخذ ابن منجك يتكلم فقال له القاضي شهاب الدين بن الكشك متهكمًا عليه في الباطن‏:‏ ‏"‏ يا أمير محمد أنت رجل غزير العقل والرأي ونحن ضعفاء العقول‏.‏

لا تكلمنا على قدر عقلك وإنما تحدث معنا بقدر عقولنا ‏"‏ فقال ابن منجك المذكور‏:‏ ‏"‏ إذًا لا أحدثكم إلا على قدر عقولكم ‏"‏‏.‏
فقالوا‏:‏ ‏"‏ الآن تعمل المصلحة ‏"‏‏.‏
وتكلموا فيما هم بصدده‏.‏
قلت‏:‏ هذا هو الغاية في الجهل والتفنن في الجنون فإن كل واحد ممن كان اجتمع في ذلك المجلس يمكن أن يدبر مملكة سلطان وينفذ أموره على أحسن وجه ‏.‏



وتوفي قاضي القضاة شيخ الإسلام محب الدين أبو الفضل أحمد ابن الشيخ الإمام العلامة جلال الدين نصر الله بن أحمد بن محمد بن عمر التستري الأصل البغدادي الحنبلي قاضي قضاة الديار المصرية وعالم السادة الحنابلة في زمانه قي يوم الأربعاء خامس عشر جمادى الأولى بالقاهرة وهو قاض وتولى بعده قاضي القضاة بدر الدين محمد بن عبد المنعم البغدادي‏.‏

وكان مولد القاضي محب الدين ببغداد في شهر رجب سنة خمس وخمسين وسبعمائة‏.‏
واشتغل بها وتفقه‏.‏
وقدم القاهرة في أول القرن واشتغل بها حتى برع في الفقه وأصوله والحديث والعربية والتفسير وتصدى للإفتاء والتدريس سنين وناب في الحكم بالقاهرة عن القاضي علاء الدين بن مغلي وبرع حتى صار المعول على فتواه‏.‏
ثم ولي قضاء الحنابلة بعد موت قاضي القضاة علاء الدين بن مغلي في يوم الاثنين سابع عشرين صفر سنة ثمان وعشرين وثمانمائة ودام في الوظيفة إلى أن عزل بالقاضي عز الدين عبد العزيز بن علي بن العز البغدادي في ثالث عشر جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين فلم تطل ولاية عز الدين وعزل وأعيد القاضي محب الدين هذا في يوم الثلاثاء ثاني عشر صفر سنة ثلاثين واستمر قاضيًا إلى أن مات‏.‏



وقد ذكرنا أحواله ومشايخه في تاريخنا ‏"‏ المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي ‏"‏ بأوسع من هذا فلينظر هناك‏.‏

وتوفي سعد الدين إبراهيم القبطي المصري المعروف بابن المرة في يوم الخميس عاشر شهر ربيع الآخر بالقاهرة وهو في عشر السبعين بعد أن افتقر واحتاج إلى السؤال‏.‏
وكان ولي نظر ديوان المفرد في الأيام الأشرفية برسباي ونظر بندر جدة سنين كثيرة وحصل له ثروة وعز وجاه ثم زال عنه ذلك كله ومات فقيرًا صدق عليه بالكفن‏.‏

وتوفي الأمير ناصر الدين محمد المرداوي المعروف بابن بوالي وهو اسم كردي غير كنية‏.‏
مات بدمشق بعد أن ولي أستادارية السلطان بالديار المصرية ثم عزل وولي أستادارية السلطان بدمشق إلى أن مات‏.‏
وقد تقدم ذكره في ترجمة الملك الأشرف برسباي عندما ولي الأستادارية عوضًا عن أرغون شاه النوروزي وكان من الظلمة يقضي عمره في مظالم العباد‏.‏



وتوفي الأمير علاء الدين ألطنبغا بن عبد الله المرقبي المؤيدي أحد أمراء الألوف بالديار المصرية في يوم الاثنين عاشر شهر رجب‏.‏
وكان من كبار مماليك الملك المؤيد شيخ من أيام جنديته ورقاه بعد سلطنته وعمله نائب قلعة حلب ثم أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية ثم ولاه حجوبية الحجاب إلى أن أمسكه الأمير ططر مع من أمسك من أمراء المؤيدية وحبس مدة ثم أطلق‏.‏

ودام بطالًا دهرًا طويلًا إلى أن أنعم عليه الملك الظاهر جقمق بإمرة مائة وتقدمة ألف بمصر في أوائل دولته فدام على ذلك إلى أن مات رحمه الله تعالى‏.‏

وتوفي زين الدين قاسم البشتكي في يوم السبت ثاني شهر رجب‏.‏
وكان يتفقه ويترأس‏.‏
وتزوج بنت الأشرف شعبان‏.‏
وكان مقربًا من الملوك‏.‏
وهو من مقولة ابن منجك في نوع من الأنواع غير أنه كانت لديه فضيلة بالنسبة إلى ابن منجك‏.‏



وتوفي الأمير سيف الدين ممجق بن عبد الله النوروزي أحد أمراء العشرات ونائب قلعة الجبل في يوم مستهل شهر رجب‏.‏

وكان أصله من مماليك الأمير نوروز الحافظي واتصل بخدمة السلطان فدام على ذلك دهرًا طويلًا لا يلتفت إليه إلى أن أمره الملك الظاهر جقمق عشرة وجعله نائب قلعة الجبل فاستمر على وظيفته إلى أن مات‏.‏
وكان لا ذات ولا أدوات‏.‏
وتولى تغري برمش الجلالي المؤيدي الفقيه نيابة قلعة الجبل بعده وأنعم عليه أيضًا بإمرته‏.‏

وتوفي القاضي شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن رسلان البلقيني الشافعي المعروف بالعجيمي قاضي المحلة في يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الأولى‏.‏
وكان من فضلاء الشافعية وتولى قضاء المحلة سنين‏.‏

وتوفي الأمير الطواشي صفي الدين جوهر بن عبد الله القنقبائي الخازندار والزمام في ليلة الاثنين أول شعبان وله نحو سبعين سنة ودفن بمدرسته التي أنشأها بجوار جامع الأزهر قبل أن تتم‏.‏
وكان أصله من خدام الأمير قنقباي الإلجائي اللالا‏.‏

ثم خدم بعد موت أستاذه عند خوند قنقباي أم الملك المنصور عبد العزيز ثم من بعدها عند جماعة أخر ثم اتصل بخدمة علم الدين داؤد بن الكويز ودام عنده إلى أن مات‏.‏
وبخدمته حسنت حاله ثم صار بعد ذلك بطالًا إلى أن نوه بذكره صاحبه جوهر اللالا ولا زال يعظم أمره عند الملك الأشرف برسباي إلى أن طلبه وولاه خازندارًا دفعة واحدة بعد خشقدم الظاهري الرومي ولم تسبق لجوهر المذكور قبل ولايته الخازندارية رئاسة في بيت السلطان فباشر الخازندارية بعقل وتدبير ورأي في الوظيفة وناله من العز والجاه ونفوذ الكلمة ما لم ينله طواشي قبله فيما رأينا‏.‏



ومات الملك الأشرف وهو على وظيفته لحسن سياسته‏.‏

ثم أضاف إليه الملك الظاهر جقمق وظيفة الزمامية بعد عزل فيروز الجاركسي لما تسحب الملك العزيز يوسف من الدور السلطانية حسبما تقدم ذكره‏.‏
واستمر على وظيفة الزمامية والخازندارية إلى أن مات من غير نكبة‏.‏
ولم يخفف مالًا له جرم بالنسبة لمقامه فعظم ذلك على الملك الظاهر فإنه كان في عزمه أخذ ماله بوجه من الوجوه ونظر جوهر بذلك وأدركته منيته ومات من غير أن يعلم أحدًا بماله‏.‏

وكان جوهر عفيفًا دينًا عاقلًا مدبرًا سيوسًا فاضلًا يقرأ القرآن الكريم بالسبع وله صدقات ومعروف في أنه دخل في الدنيا واقتحم منها جانبًا كبيرًا وص