البدايه التسجيل

إهداءات الأعضاء

آخر المواضيع

 



منتدى السياحة والسفــر والتراث ღ.. زاوية تعنى بكل مآيتعلق بالمناطق السيآحية عبر العآلم ومعلومآت السَفر مِن فنآدق وأمآكن ترفيهيّة وَسيآحية ..ღ

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع

قديم 13-01-2012, 10:02 PM   رقم المشاركة:481
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 55
المشاركات: 8,866
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الملك المنصور سيف الدين قلاوون على مصر (1)

سلطنة الملك المنصور سيف الدين قلاوون على مصر (1)







سلطنة الملك المنصور سيف الدين قلاوون على مصر

السلطان الملك المنصور سيف الدين أبو المعالي وأبو الفتح قلاوون بن عبد الله الألفي التركي الصالحي النجمي السابع من ملوك الترك بالديار المصرية والرابع ممن مسه الرق‏.‏
ملك الديار المصرية بعد خلع الملك السعيد وصار مدبر مملكة الملك العادل بدر الدين سلامش إلى أن خلع سلامش وتسلطن الملك المنصور قلاوون هذا من بعده في حادي عشرين وقيل عشر شهر رجب سنة ثمان وسبعين وستمائة وجلس على سرير الملك بأبهة السلطنة وشعار الملك وتم أمره‏.‏
ولما استقل بالمملكة أمسك جماعة كثيرة من المماليك والأمراء الظاهرية وغيرهم واستعمل مماليكه على البلاد والقلاع فلم يبلع ريقه حتى خرج عليه الأمير شمس الدين سنقر الأشقر نائب دمشق فإنه لما وصل إليه البريد إلى دمشق بسلطنة المنصور قلاوون في يوم الأحد سادس عشري رجب وعلى يده نسخة يمين التحليف للأمراء والجند وأرباب الدولة وأعيان الناس فأحضروا إلى دار السعادة بدمشق وحلفوا إلا الأمير سنقر الأشقر نائب الشام فإنه لم يحلف ولا رضي بما جرى من خلع سلامش وسلطنة قلاوون فلم يلتفت أهل دمشق إلى كلامه‏.‏
وخطب بجامع دمشق للملك المنصور قلاوون وجوامع الشام بأسرها خلا مواضع يسيرة توقفوا ثم خطبوا بعد ذلك‏.‏



وأما الملك المنصور قلاوون فإنه في شهر رمضان عزل الصاحب برهان الدين السنجاري عن الوزارة بالديار المصرية وأمره بلزوم مدرسة أخيه قاضي القضاة بدر اللين السنجاري بالقرافة الصغرى واستقر مكانه في الوزارة الصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالديار المصرية وتولى عوضه صحابة الديوان القاضي فتح الدين محمد ابن القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر وهو أول كاتب سر كان في الدولة التركية وغيرها وإنما كانت هذه الوظيفة في ضمن الوزارة والوزير هو المتصرف في الديوان وتحت يده جماعة من الكتاب الموقعين وفيهم رجل كبير كتائب كاتب السر الآن سمي في الآخر صاحب ديوان الإنشاء‏.‏



ومن الناس من قال‏:‏ إن هذه الوظيفة قديمة واستدل بقول صاحب صبح الأعشى وغيره ممن كتب للنبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده ورد على من قال ذلك جماعة أخر وقالوا‏:‏ ليس في ذكر من كتب للنبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الخلفاء دلالة على وظيفة كتابة السر وإنما هو دليل لكل كاتب كتب لملك أو سلطان أو غيرهما كائنًا من كان فكل كاتب كتب عند رجل يقول‏:‏ هو أنا ذاك الكاتب وإذا الأمر احتمل واحتمل سقط الاحتجاج به‏.‏
ومن قال‏:‏ إن هذه الوظيفة ما أحدثها إلا الملك المنصور قلاوون فهو الأصح ونبين ذلك إن شاء الله تعالى‏.‏
في أواخر هذه الترجمة وذكر من ذكره صاحب صبح الأعشى وغيره من الكتاب من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا على سبيل الاختصار‏.‏
وقد خرجنا عن المقصود‏.‏



وأما سنقر الأشقر فإنه في يوم الجمعة رابع عشري ذي القعدة من السنة ركب من دار السعادة بدمشق بعد صلاة العصر ومعه جماعة من الأمراء والجند وهم رجالة وهو راكب وحده وقصد القلعة من الباب الذي يلي المدينة فهجمها بمن كان معه وطلعها وجلس بها من ساعته وحلف الأمراء والجند ومن حضر وتسلطن وتلقب بالملك الكامل ونادت المنادية في المدينة بسلطنته واستقلاله بالمماليك الشامية وفي بكرة يوم السبت خامس عشرين ذي القعدة طلب القضاة والعلماء ورؤساء البلد وأكابره وأعيانه إلى مسجد أبي الدرداء رضي الله عنه بقلعة دمشق وحلفهم وحلف بقية الناس على طاعته ثم وجه العساكر في يوم الأربعاء تاسع عشرينه إلى بلاد غزة الحفظ البلاد ومغلها ودفع من يأتي إليها من الديار المصرية‏.‏



وخرجت سنة ثمان واستهلت سنة تسع وسبعين والملك المنصور سلطان مصر والملك الكامل شمس الدين سنقر الأشقر سلطان دمشق وما والاها وصاحب الكرك الملك المسعود خضر ابن الملك الظاهر بيبرس وصاحب حماة والمعرة الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك تقي الدين محمود الأيوبي والعراق والجزيرة والموصل وإربل وأذربيجان وديار بكر وخلاط وخراسان والعجم وما وراء ذلك بيد التتار والروم وصاحب اليمن الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر بن علي بن رسول وصاحب مكة شرفها الله تعالى الشريف نجم الدين أبو نمي الحسني وصاحب المدينة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام الأمير عز الدين جماز بن شيحة الحسيني ذكرنا هؤلاء تنبيهًا للناظر في الحوادث الآتية ليكون فيما يأتي على بصيرة‏.‏



ثم إن السلطان الملك المنصور قلاوون في أول سنة تسع وسبعين وستمائة المذكورة جهز عسكرًا لغزة فلما قاربوها لقيهم عسكر الملك الكامل سنقر الأشقر وقاتلوهم حتى نزحوهم عنها وأنكسر العسكر المصري وقصد الرمل واطمأن الشاميون بغزة ونزلوا بها ساعة من النهار وكانوا في قلة فكر عليهم عساكر الديار المصرية ثانيا وكبسوهم ونالوا منهم منالًا كبيرًا ورجع عسكر الشام منهزمًا إلى مدينة الرملة‏.‏
وأما الملك الكامل سنقر الأشقر فإنه قدم عليه بدمشق الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا ملك العرب بالبلاد الشرقية والشمالية ودخل على الكامل وهو على السماط فقام له الكامل فقبل عيسى الأرض وجلس عن يمينه فوق من حضر‏.‏
ثم وصل إلى الملك الكامل أيضًا الأمير شهاب الدين أحمد بن حجي بن يزيد ملك العرب بالبلاد الحجازية فأكرمه الملك الكامل غاية الإكرام‏.‏



وأما الملك المنصور لما بلغه ما وقع لعسكره بغزة جهز عسكرًا آخر كثيفًا إلى دمشق لقتال الملك الكامل سنقر الأشقر ومقدمهم الأمير علم الدين سنجر الحلبي وخرجوا من مصر وساروا إلى جهة الشام فصار عسكر دمشق الذي بالرملة كلما تقدم العسكر المصري منزلة إلى أن وصل أوائلهم إلى دمشق في أوائل صفر‏.‏
وفي يوم الأربعاء ثاني عشر صفر المذكور خرج الملك الكامل من دمشق بنفسه بجميع من عنده من العساكر وضرب دهليزه بالجسورة وخيم هناك بجميع الجيش واستخدم المماليك وأنفق الأموال وجمع خلقًا عظيمًا وحضر عنده عرب الأميرين‏:‏ ابن مهنا و ابن جحي ونجدة حلب ونجدة حماة مقدمهما الملك الأفضل نور الدين علي أخو صاحب حماة ورجالة كثيرة من جبال بعلبك ورتب العساكر والأطلاب بنفسه وصف العساكر ميمنة وميسرة ووقف هو تحت عصائبه وسار العسكر المصري أيضًا بترتيب هائل وعساكر كثيرة والأطلاب أيضا مرتبة والتقى الجيشان في يوم الأحد سادس عشر صفر وقت طلوع الشمس في المكان المذكور وتقاتلا أشد قتال وثبت كل من الطائفتين ثباتًا لم يسمع بمثله إلا نادرًا لا سيما الملك الكامل سنقر الأشقر فإنه ثبت وقاتل بنفسه قتالًا شديدًا واستمر المصاف بين الطائفتين إلى الرابعة من النهار ولم يقتل من الفريقين إلا نفر يسير جدًا وأما الجراح فكثيرة‏.‏



فلما كانت الساعة الرابعة من النهار خامر أكثر عسكر دمشق على الملك الكامل سنقر الأشقر وغمروا به وانضافوا إلى العسكر المصري وكان لما وقع العين على العين قبل أن يلتحم القتال انهزم عساكر حماة وتخاذل عسكر الشام على الكامل فمنهم‏:‏ من دخل بساتين دمشق واختفى بها ومنهم من دخل دمشق راجعًا ومنهم من ذهب إلى طريق بعلبك فلم يلتفت الملك الكامل لمن ذهب منه من العساكر وقاتل فلما انهزم عنه من ذكرنا في حال القتال ضعف أمره ومع هذا استمر يقاتل بنفسه ومماليكه إلى أن رأى الأمير عيسى بن مهنا الهزيمة على الملك الكامل أخذه ومضى به إلى الرحبة وأنزله عنده ونصب له بيوت الشعر‏.‏
وأما الأمير شهاب الدين أحمد بن حجي فإنه دخل إلى دمشق بالأمان ودخل في طاعة الملك المنصور قلاوون‏.‏
وأما عساكر الشام فإنهم اجتمعوا على القصب من عمل حمص ثم عاد أكثر الأمراء إلى جهة دمشق وطلبوا الأمان من مقدم العساكر المصرية الأمير علم الدين سنجر الحلبي‏.‏



وأما العساكر المصرية فإنهم ساقوا من وقتهم إلى مدينة دمشق وأحاطوا بها ونزلوا بخيامهم ولم يتعرضوا للزحف وراسلوا من بالقلعة إلى العصر من ذلك النهار وفتح من المدينة باب الفرج ودخل منه إلى دمشق بعض مقدمي الجيش ثم طلب من بالقلعة الأمان فأمنهم سنجر الحلبي ففتحت القلعة فدخلوا إليها من الباب الذي داخل المدينة وتسلموها بالأمان وأفرجوا عن جماعة كثيرة من الأمراء وغيرهم كان اعتقلهم سنقر الأشقر منهم‏:‏ الأمير ركن الدين بيبرس العجمي المعروف بالجالق والجالق‏:‏ اسم للفرس الحاد المزاج باللغة التركية والأمير حسام الدين لاجين المنصوري والقاضي تقي الدين توبة التكريتي وغيرهم‏.‏
وكتب الأمير علم الدين سنجر الحلبي بالنصر إلى الملك المنصور قلاوون فسر المنصور بذلك ودقت البشائر لذلك أياما بالديار المصرية وزينت القاهرة ومصر‏.‏
وأما سنجر المصري فإنه لما ملك دمشق وقلعتها جهز في الحال قطعة جيدة من الجيش المصري تقارب ثلاثة آلاف فارس في طلب سنقر الأشقر ومن معه من الأمراء والجند‏.‏



ثم حضر جواب الملك المنصور قلاوون بسرعة يتضمن‏:‏ بأننا قد عفونا عن جميع الناس الخاص والعام أرباب السيوف والأقلام وأمناهم على أنفسهم وأهليهم وأموالهم وحضر التشريف للأمير حسام الدين لاجين المنصوري السلحدار بنيابة دمشق فلبس الخلعة وقبل الأرض ثم أردف الأمير سنجر الحلبي العسكر الذي كان توجه لقتال سنقر الأشقر بعسكر آخر مقدمه الأمير عز الدين الأفرم فلحق بمن كان توجه قبله وسار الجميع في طلب سنقر الأشقر‏.‏
فلما بلغ سنقر ذلك رحل عن عيسى بن مهنا وتوجه في البرية إلى الحصون التي كانت بقيت في يد نوابه فتحصن هو ومن معه بها في أواخر الشهر المذكور وهي‏:‏ صهيون كان بها أولاده وخزائنه ودخلها هو أيضًا وبلاطنس وحصن برزيه وحصن عكار وجبلة واللاذقية وغيرها ثم عادت العساكر إلى دمشق وترددت الرسل بينهم وبين سنقر الأشقر‏.‏
وبينما هم في ذلك وردت الأخبار في أوائل جمادى الآخرة أن التتار قصدوا البلاد الشامية فخرج من كان بدمشق من العساكر الشامية والمصرية ومقدمهم الأمير ركن الدين إياجي ولحقهم العساكر الذين كانوا في طلب سنقر الأشقر ونزل الجميع بظاهر حماة وكانوا كاتبوا الملك المنصور قلاوون بمجيء التتار‏.‏



فجهز إليهم في الحال عسكرًا عليه الأمير بدر الدين بكتاش النجمي فلحق بهم الأمير بكتاش المذكور بمن معه من العسكر المصري واجتمع الجميع على حماة وأرسلوا وأرسلوا كشافة في العشر الأوسط من جمادى الآخرة إلى بلاد التتار‏.‏
هذا وقد جفل غالب من بالبلاد الشامية وخرجوا عن دورهم ومنازلهم ولم يبق هناك إلا من عجز عن الحركة‏.‏
وكان سبب حركة التتار أنهم لما سمعوا اختلاف الكلمة وظنوا أن سنقر الأشقر بمن معه يتفق معهم على قتال الملك المنصور قلاوون‏.‏



فأرسل أمراء العساكر المصرية إلى سنقر الأشقر يقولون له‏:‏ هذا العدو قد دهمنا وما سببه إلا الخلف بيننا وما ينبغي هلاك الإسلام والمصلحة أننا نجتمع على دفعه فامتثل سنقر ذلك وأنزل عسكره من صهيون وأمر رفيقه الحاج أزدمر أن يفعل كذلك من شيزر وخيمت كل طائفة تحت قلعتها ولم يجتمعوا بالمصريين غير أنهم اتفقوا على اجتماع الكلمة ودفع العدو المخذول عن الشام‏.‏
واستمروا على ذلك إلى يوم الجمعة حادي عشرين جمادى الآخرة حيث وصل طائفة كبيرة من عساكر التتار إلى حلب بعد أن ملكوا عين تاب وبغراس والمربساك ودخلوها من غير مانع يمنعهم عنها وأحرقوا الجوامع والمساجد والمدارس المعتبرة ودار السلطنة ودور الأمراء وأفسدوا إفسادًا كبيرًا على عادة أفعالهم القبيحة وأقاموا بها يومين على هذه الصورة ثم رحلوا عنها في يوم الأحد ثالث عشرينه راجعين إلى بلادهم بعد أن تقدمتهم الغنائم التي كسبوها وكان شيئًا كثيرًا‏.‏
وكان سبب رجوعهم ما بلغهم أمن اتفاق الطائفتين على قتالهم ولما بلغهم من اهتمام الملك المنصور صاحب حلب وخروجه بالعساكر من الديار المصرية‏.‏



وقيل في رجوعهم وجه آخر وهو أن بعض من كان استتر بحلب يئس عن نفسه من الحياة فطلع منارة الجامع وكبر بأعلى صوته على التتار وقال‏:‏ جاء النصر من عند الله وأشار بمنديل كان معه إلى ظاهر البلد وأوهم أنه أشار به إلى عسكر المسلمين وجعل يقول في خلال ذلك‏:‏ اقبضوهم من البيوت وأما سنقر الأشقر فإن جماعة من الأمراء والأعيان الذين كانوا معه فروا إلى العسكر المصري ودخلوا تحت طاعة الملك المنصور قلاوون‏.‏
وأما الملك المنصور قلاوون فإنه لما طال عليه أمر سنقر الأشقر وأمر التتار جمع أعيان مملكته في هذا الشهر بقلعة الجبل وجعل ولده الأمير علاء الدين عليًا ولي عهده ولقبه الملك الصالح وخطب له على المنابر‏.‏
ثم تجهز السلطان وخرج من الديار المصرية بعساكره وسار حتى وصل إلى غزة بلغه رجوع العدو المخذول فأقام بالرملة وتوقف عن التوجه إلى دمشق لعدم الحاجة إلى ذلك وقصد تخفيف الوطأة عن البلاد وأهلها‏.‏



ثم رحل يوم الخميس عاشر شعبان راجعًا من الرملة إلى الديار المصرية فدخلها وأقام بها أقل من أربعة أشهر‏.‏
ثم بدا له التوجه إلى الشام ثانيا فتجهز وتجهزت عساكره وخرج بهم من مصر في يوم الأحد مستهل ذي الحجة قاصدًا الشام وترك ولده الملك الصالح عليًا يباشر الأمور عنه بالديار المصرية‏.‏
وسار الملك المنصور قلاوون حتى وصل إلى الروحاء من عمل الساحل ونزل عليها في يوم الثلاثاء سابع عشر ذي الحجة وأقام قبالة عكا فراسلته الفرنج من عكا في تجديد الهدنة فإنها كانت انقضت مدتها وأقام بهذه المنزلة حتى استهلت سنة ثمانين وستمائة رحل عنها يوم الخميس عاشر المحرم‏.‏
ونزل اللجون وحضر رسل الفرنج بها بحضرة الأمراء وسمعوا رسالة الفرنج فاستشارهم السلطان فحصل الاتفاق على الهدنة وحلف لهم الملك المنصور على الصورة التي وقع الاتفاق عليها وانبرم الصلح وانعقدت الهُدْنة في يوم الأحد ثالث عشر المحرم‏.‏



ثم قَبَض الملك المنصور على الأمير كَوُندَك الظاهري وعلى جماعة من الأمراء الظاهريّة لمصلحة اقتضاها الحال‏.‏
وعند قَبْضهم هرب الأمير سيف الدين بَلَبَان الهارُونيّ ومعه جماعةُ وقصدوا صِهْيَوْن إلى عند سنقر الأشقر ورُكِبت الخيل في طلبهم فلم يدركوهم ثم هرب الأمير أَيْتَمُش السعديٌ أيضًا ومعه جماعةٌ إلى صِهْيَوْن من منزلة خَرِبة اللّصوص‏.‏
ثم سار الملك المنصور إلى دِمَشق فدخلها في يوم السبت تاسع عشره وأقام بدِمَشق إلى أن قَدِم عليه في صفر الملك المنصور محمد صاحب حَمَاة فخرج الملك المنصور قلاوون لتَلقّيه وأكرمه‏.‏
ثم تردًدت الرسل بين السلطان الملك المنصور قلاوون وبين سُنْقُر الأشقر في تقرير قواعد الصلح‏.‏



فلما كان يوم الأحد رابع شهر ربيع الأول من ‏سنة ثمانين وستمائة وصل من جهة سنقر الأشقر الأمير علم الدين سَنْجَر الدواداري ومعه خازِنْدار سُنْقر الأشقر في معنى الصلح والوقوف على اليمين فحلف الملك المنصور قلاوون يوم الاثنين خامسه ونادت المنادِيةُ في دِمَشق بآنتظام الصلح وآجتماع الكلمة فَرَجع رسل سُنْفر الأشقر ومعهم الأمير فخر الدين إيازالمُقْرىء ليحضُريمين سُنْقر الأشقر فحلفه وعاد إلى دمشق يوم الاثنين ثاني عشره فضُرِبت البشائر بالقلعة وسُر الناس بذلك غايةَ السرور‏.‏
وصورة ما انتظم الصلح عليه أن سُنْقر الأشقر يَرْفع يده عن شَيْزَر ويسلَمها إلى نواب الملك المنصور قلاوون وعَوّضه قلاوون عنها فامِيَةَ وكَفَرْطَاب وأنطاكِيةَ والسُّويدِية وبَكَاس ودَرْكُوش بأعمالها كلهّا وعدّة و ضِياع معروفة وأن يُقيم على ذلك وعلى ماكان آستقر بيده عند الصلح وهو صِهْيونَ وبَلاطنُس وحِصْن بَرْزَةَ وجَبَلَة واللأَذِقية بستمائة فارس ألنصرة الإِسلام وأنه يُسَلم الأمر إلى الملِك المنصور قلاوون وخوطِب سُنْقُر الأشقر في مكاتباته بالمَقَرّ العالي المولوي السَّيدي العالمي العالمي العادلي الشمسي ولم يُصرح في مخاطباته بالملك ولا بالأمير وكان يُخاطَب قبل ذلك في مكاتباته من الملك المصور قلاوون‏:‏ ا إلى الجناب العالي الأميرِي الشمسيّ اِنتهى‏.‏



وبينما السلطان في ذلك ورَدَ عليه مجيء التَتار إلى البلاد الشامية وهو بدَمشق فتهيأ لقتالهم وأرسل يطلب العساكر المصرية وبعد قليل حضرت عساكر مصر إلى دِمَشق وآجتمعت العساكر عند السلطان ولم يتأخر أحدٌ من الترْكمان والعُرْبان وسائر الطوائف‏.‏
ووصل الخبُر بوصول التّتار إلى أطراف بلاد حلب فخلت حلب من أهلها وجُنْدها ونزحوا إلى جهة حَمَاة وحِمْص وتركوا الغلال والحواصل والأمتعة وخرجوا جرائدَ على وجوههم ثم ورد الخبر بوصول مَنْكُوتَمُر بن هولاكو مَلِك التتار إلى عين تاب وما جاورها في يوم الأحد سادس عشرين جُمادى الآخرة فخرج الملك المنصور قلاوون بعساكره في يوم الأحد المذكور وخيم بالمرج ووصل التتار إلى بغراس فقدم الملك المنصور عسكره أمامه ثم سافر هو بنفسه في سلخ جمادى الآخرة المذكور وسار حتى نزل السلطان بعساكره على حمص في يوم الأحد ثالث عشرين شهر رجب وراسل سنقر الأشقر بالحضور إليه بمن معه من الأمراء والعساكر وكذلك الأمير أيتمش السعدي الذي كان هرب من عند السلطان لما قبض على الأمراء الظاهرية فامتثل سنقر الأشقر أمر السلطان بالسمع والطاعة وركب من وقته بجماعته وحضر إلى عند الملك المنصور قلاوون واستحلفه لأيتمش السعدي يمينًا ثانية ليزداد طمأنينة ثم أحضره وتكامل حضورهم عند السلطان‏.‏



وعامل السلطان سنقر الأشقر بالاحترام التام والخدمة البالغة والإقامات العظيمة والرواتب الجليلة‏.‏
وشرعت التتار تتقدم قليلًا قليلًا بخلاف عادتهم فلما وصلوا حماة أفسدوا بنواحيها وشغثوا وأحرقوا بستان الملك المنصور صاحب حماة وجوسقه وما به من الأبنية‏.‏
واستمر عسكر السلطان بظاهر حمص على حاله إلى أن وصلت التتار إليه في يوم الخميس رابع عشر شعبان فركب الملك المنصور بعساكره وصافف العدو والتقى الجمعان عيد طلوع الشمس وكان عدد التتار على ما قيل مائة ألف فارس أو يزيدون وعسكر المسلمين على مقدار النصف من ذلك أو أقل وتواقعوا من ضحوة النهار إلى آخره وعظم القتال بين الفريقين وثبت كل منهم‏.‏



قال الشيخ قطب الدين اليونيني‏:‏ وكانت وقعة عظيمة لم يشهد مثلها في هذه الأزمان ولا من سنين كثيرة وكان الملتقى فيما بين مشهد خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى الرستن والعاصي واضطربت ميمنة المسلمين وحملت التتار على ميسرة المسلمين فكسروها وانهزم من كان بها وكذلك انكسر جناح القلب الأيسر وثبت الملك المنصور سيف الدين قلاوون رحمه الله تعالى في جمع قليل بالقلب ثباتًا عظيمًا ووصل جماعة كثيرة من التتار خلف المنكسرين من المسلمين إلى بحيرة حمص وأحدق جماعة من التتار بحمص وهي مغلقة الأبواب وبذلوا نفوسهم وسيوفهم فيمن وجدوه من العوام والسوقة والغلمان والرجالة المجاهدين بظاهرها فقتلوا منهم جماعة كثيرة وأشرف الإسلام على خطة صعبة‏!‏ ثم إن أعيان الأمراء ومشاهيرهم وشجعانهم‏:‏ مثل سنقر الأشقر المقدم ذكره وبدر الدين بيسري وعلم الدين سنجر الدواداري وعلاء الدين طيبرس الوزيري وبدر الدين بيليك أمير سلاح وسيف الدين أيتمش السعدي وحسام الدين لاجين المنصوري والأمير حسام الدين طرنطاي وأمثالهم لما رأوا ثبات السلطان ردوا على التتار وحملوا عليهم حملات حتى كسروهم كسرة عظيمة وجرح منكوتمر مقدم التتار وجاءهم الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا في عربه عرضًا فتمت هزيمتهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة تجاوز الوصف واتفق أن ميسرة المسلمين كانت انكسرت كما ذكرنا والميمنة ساقت على العدو ولم يبق مع السلطان إلا النفر اليسير والأمير حسام الذين طرنطاي قدامه بالسناجق فعادت الميمنة الذين كسروا ميسرة المسلمين في خلق عظيم ومروا به وهو في ذلك النفر تحت السناجق - يعني الملك المنصور قلاوون - والكوسات تضرب‏.‏



قال‏:‏ ولقد مررت به في ذلك الوقت وما حوله من المقاتلة ألف فارس إلا دون ذلك فلما مروا به - يعني ميمنة التتار التي كانت كسرت ميسرة المسلمين - ثبت لهم ثباتًا عظيمًا ثم ساق عليهم بنفسه فانهزموا أمامه لا يلوون على شيء وكان ذلك تمام النصر وكان انهزامهم عن آخرهم قبل الغروب وافترقوا فرقتين‏:‏ فرقة أخذت جهة سلمية والبرية وفرقة أخذت جهة حلب والفرات‏.‏
ولما انقضى الحرب في ذلك النهار عاد السلطان إلى منزلته وأصبح بكرة يوم الجمعة سادس عشر رجب جهز السلطان وراءهم جماعة كثيرة من العسكر والعربان ومقدمهم الأمير بدر الدين بيليك الأيدمري وكان لما لاحت الكسرة على المسلمين نهب لهم من الأقمشة والأمتعة والخزائن والسلاح ما لا يحصى كثرة وذهب ذلك كله أخذته الحرافشة من المسلمين مثل الغلمان وغيرهم‏.‏
وكتبت البشائر بهذا النصر العظيم إلى سائر البلاد وحصل للناس السرور الذي لا مزيد عليه وعملت القلاع وزينت المدن‏.‏
وأما أهل دمشق فإنه كان ورد عليهم الخبر أولا بكسرة المسلمين ووصل إليهم جماعة ممن كان انهزم فلما بلغهم النصر كان سرورهم أضعاف سرور غيرهم‏.‏



وكان أهل البلاد الشامية من يوم خرج السلطان من عندهم إلى ملتقى التتار وهم يدعون الله تعالى في كل يوم ويبتهلون إليه وخرج أهل البلاد بالنساء والأطفال إلى الصحارى والجوامع والمساجد وأكثروا من الابتهال إلى الله عز وجل في تلك الأيام لا يفترون عن ذلك حتى ورد عليهم هذا النصر العظيم ولله الحمد وطابت قلوب الناس ورد من كان نزح عن بلاده وأوطانه واطمأن كل أحد وتضاعف شكر الناس لذلك‏.‏
وقتل في هذه الوقعة من التتار ما لا يحصى كثرة وكان من استشهد من عسكر المسلمين دون المائتين على ما قيل وممن قتل الأمير الحاج أزدمر وسيف الدين بلبان الرومي وشهاب الدين توتل الشهرزوري وعز الدين بن النصرة من بيت الأتابك صاحب الموصل وكان أحد الشجعان المفرطين في الشجاعة رحمهم الله تعالى أجمعين‏.‏



ثم إن السلطان انتقل من منزلته بظاهر حمص إلى البحيرة التي بحمص ليبعد عن الجيف ثم توجه عائدًا إلى دمشق فدخلها يوم الجمعة الثاني والعشرين من شعبان قبل الصلاة وخرج الناس إلى ظاهر البلد للقائه فدخل دمشق وبين يديه جماعة من أسرى التتار وبأيديهم رماح عليها رؤوس القتلى من التتار فكان يومًا مشهودًا‏.‏
ودخل السلطان الشام وفي خدمته جماعة من الأعيان منهم‏:‏ سنقر الأشقر الذي كان تسلطن وتلقب بالملك الكامل وأيتمش السعدي والأمير علم الدين سنجر الدواداري وبلبان الهاروني ثم قدم بعد ذلك الأمير بدر الدين الأيدمري بمن معه من العسكر عائدًا من تتبع التتار بعد ما أنكى فيهم نكاية عظيمة ووصل إلى حلب وأقام بها وسير أكثر من معه يتبعونهم فهلك من التتار خلق كثير غرقوا بالفرات عند عبورهم وعندما عدوه نزل إليهم أهل البيرة فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأسروا منهم جمعًا كثيرًا وتفرق جمع التتار وأخذت أموالهم‏.‏



وأقام السلطان بدمشق إلى ثاني شهر رمضان خرج منه عائدًا إلى الديار المصرية وخرج الناس لوداعه مبتهلين بالدعاء له وسار حتى دخل الديار المصرية يوم ثاني عشرين الشهر بعد أن احتفل أهل مصر لملاقاته وزينت الديار المصرية زينة لم ير مثلها من مدة سنين وعملت بها القلاع وشق القاهرة في مروره إلى قلعة الجبل حتى طلع إليها فكان هذا اليوم من الأيام المشهودة وتضاعف سرور الناس بسلامته وبنصر المسلمين على العدو المخذول‏.‏
ثم إن السلطان عقيب دخوله إلى مصر قبض على الأمير ركن الدين إياجي الحاجب وبهاء الدين يعقوب مقدم الشهرزورية بقلعة الجبل‏.‏
واستمر السلطان بمصر إلى خامس ذي القعدة من السنة قبض على الأمير أيتمش السعدي بقلعة الجبل وحبسه بها ثم أرسل إلى نائب دمشق بالقبض على الأمير بلبان الهاروني بدمشق فقبض عليه‏



جزيرة كبيرة ببحر النيل

تجاه قرية بولاق واللوق وانقطع بسببها مجرى البحر ما بين قلعة المكس وساحل باب البحر والرملة وبين جزيرة الفيل وهو المار تحت منية السيرج وانسد هذا البحر ونشف بالكلية واتصل ما بين المقس وجزيرة الفيل بالمشي ولم يعهد فيما تقدم وحصل لأهل القاهرة مشقة من نقل الماء الحلو لبعد البحر فأراد السلطان حفره فنهوه عن ذلك وقالوا له‏:‏ هذا ينشف إلى الأبد فتأسف السلطان وغيره على ذلك‏.‏
قلت‏:‏ وكذا وقع ونحن الآن لا نعرف أين كان جريان البحر المذكور إلا بالحدس لإنشاء الأملاك والبساتين والعمائر والحارات في محل مجرى البحر المذكور فسبحان القادر على كل شيء‏.‏
ثم في أول سنة إحدى وثمانين وستمائة ورد الخبر على السلطان أنه تسلطن في مملكة التتار مكان أبغا بن هولاكو أخوه لأبيه أحمد بن هولاكو وهو مسلم حسن الإسلام وعمره يومئذ مقدار ثلاثين سنة وأنه وصلت أوامره إلى بغداد تتضمن إظهار شعائر الإسلام وإقامة مناره وأنه أعلى كلمة الدين وبنى الجوامع والمساجد والأوقاف ورتب القضاة وأنه انقاد إلى الأحكام الشرعية وأنه ألزم أهل الفقة بلبس الغيار وضرب الجزية عليهم ويقال إن إسلامه كان في حياة والده هولاكو فسر السلطان بذلك سرورًا عظيمًا‏.‏



وبعد مدة قبض السلطان على الأمير بدر الدين بيسري وعلى علاء الدين كشتغدي الشمسي واعتقلهما بقلعة الجبل وذلك في يوم الأحد مستهل صفر من السنة‏.‏
واستمر السلطان على ذلك إلى يوم الأربعاء ثاني عشرين شعبان طافوا بكسوة البيت العتيق التي عملت برسم الكعبة عظمها الله تعالى بمصر والقاهرة على العادة ولعبت مماليك السلطان الملك المنصور قلاوون أمام الكسوة بالرماح والسلاح‏.‏
قلت‏:‏ وأظن هذا هو أول ابتداء سوق المحمل المعهود الآن فإننا لم نقف فيما مضى على شيء من ذلك مع كثرة التفاتنا إلى هذا المعنى ولهذا غلب على ظني من يوم ذاك بدأ السوق المعهود الآن ولم يكن إذ ذاك على هيئة يومنا هذا وإنما ازداد بحسب اجتهاد المعلمين كما وقع ذلك في غيره من الفنون والملاعيب والعلوم فإن مبدأ كل أمر ليس كنهايته وإنما شرع كل معلم في اقتراح نوع من أنواع السوق إلى أن انتهى إلى ما نحن عليه الآن ولا سبيل إلى غير ذلك‏.‏
يعرف ما قلته من له إلمام بالفنون والعلوم إذا كان له فوق وعقل‏.‏



وعلى هذه الصيغة أيضًا اللعب بالرمح فإن مماليك قلاوون هم أيضًا أحدثوه وإن كانت الأوائل كانت تلعبه فليس كان لعبهم على هذه الطريقة وأنا أضرب لك مثلًا لمصداق قولي في هذا الفن وهو أن مماليك الملك الظاهر برقوق كان أكثرهم قد حاز من هذا الفن طرفًا جيدًا وصار فيهم من يضرب بلعبه المثل وهم جماعة كثيرة يطول الشرح في ذكرهم ومع هذا أحدث معلمو زماننا أشياء لم يعهدوها أولئك من تغيير القبض على الرمح في مواطن كثيرة في اللعب حتى إن لعب زماننا هذا يكاد أنه يخالف لعب أولئك في غالب قبوضاتهم وحركاتهم‏.‏
وهذا أكبر شاهد لي على ما نقلته من أمر المحمل وتعداد فنونه وكثرة ميادينه واختلاف أسمائها لتغيير لعب الرمح في هذه المدة اليسيرة من صفة إلى أخرى فكيف وهذا الذي ذكرناه من ابتداء السوق من سنة إحدى وثمانين وستمائة‏!‏ فمن باب أولى تكون زيادات أنواع سوق المحمل أحق بهذا لطول السنين ولكثرة من باشره من المعلمين الأستاذين ولتغير الدول ولمحبة الملوك وتعظيمهم لهذا الفن ولإنفاق سوق من كان حاذقًا في هذا الفن‏.‏



وقد صنفت أنا ثمانية ميادين كل واحد يخالف الآخر في نوعه لم أسبق إلى مثلها قديمًا ولا حديثًا لكنني لم أظهرها لكساد هذا الفن وغيره في زماننا هذا ولعدم الإنصاف فيه وكثرة حساده ممن يدعي فيه المعرفة وهو أجنبي عنها لا يعرف اسم نوع من أندابه على جليته بل أيها المدعي سليمى كفاحًا لست منها ولا قلامة ظفر إنما أنت من سليمى كواو ألحقت في الهجاء ظلمًا بعمرو وشاهدي أيضًا قول العلامة جار الله محمود الزمخشري وأجاد رحمه الله تعالى‏:‏ الطويل وأخرني دهري وقدم معشرًا على أنهم لا يعلمون وأعلم ومذ أفلح الجهال أيقنت أنني أنا الميم والأيام أفلح اعلم قلت‏:‏ وتفسير الأفلح هو مشقوق الشفة العليا والأعلم مشقوق الشفة السفلى وفائدة ذلك أن مشقوق الشفتين العليا والسفلى لا يقدر أن يتلفظ بالميم ولا ينطق بها‏.‏
فانظر إلى حسن هذا التخيل والغوص على المعاني‏.‏



وما أحسن قول الإمام العلامة القاضي الفاضل عبد الرحيم وزير السلطان صلاح الدين وهو‏:‏ مجزوء الكامل ما ضر جهل الجاهلين ولا انتفعت أنا بحذقي وزيادة في الحذق فهي زيادة في نقص رزقي وقول الشريف الرضي في المعنى‏:‏ البسيط ما قدر فضلك ما أصبحت ترزقه ليس الحظوظ على الأقدار والمهن وفي المعنى‏:‏ البسيط كم فاضل فاضل أعيت مذاهبه وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا هذا الذي ترك الألباب حائرة وصير العالم النحرير زنديقا قلت‏:‏ ويعجبني المقالة السادسة عشرة من كتاب أطباق الذهب للعلامة شرف الدين عبد المؤمن الأصفهاني المعروف بشوروة وهي‏:‏ طبع الكريم لا يحتمل حمة الضيم وهواء الصيف لا يقبل غمة الغيم والنبيل يرضى النبال والحسام ويأبى أن يسام ولأن يقتل صبرًا ويودع قبرًا أحب إليه من أن يصيبه نشاب الجفاء من جفير الأكفاء يهوى المنية ولا يرضى الدنية يستقبل السيف ولا يقبل الحيف إن سيم أخذته الهزة وإن ضيم أخذته العزة إن عاشرته سال عذبًا وإن عاسرته سل عضبًا إن شاربته تخمر وإن حاربته تنفر يرى العز مغنمًا والذل مغرمًا وكان كأنف الليث لا يشتم مرغمًا‏.‏
فيا هذا كن في الدنيا حمي الأنف منيع الجناب أبي النفس طرير الناب ولا تصحب الدنيا صحبة بعال ولا تنظر إلى أبنائها إلا من عال ولا تخفض جناحك لبنيها ولاتضعضع ركنك لبانيها ولا تمدن عينيك إلى زخارفها ولا تبسط يدك إلى مخارفها وكن من الأكياس واتل على قلت‏:‏ وقد خرجنا عن المقصود غير أننا وجدنا المقال فقلنا‏.‏
ولنعد إلى ما نحن فيه من ترجمة الملك المنصور قلاوون‏.‏

















صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 13-01-2012, 10:03 PM   رقم المشاركة:482
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 55
المشاركات: 8,866
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الملك المنصور سيف الدين قلاوون على مصر (2)


سلطنة الملك المنصور سيف الدين قلاوون على مصر (2)








ودام السلطان الملك المنصور بديار مصر إلى سنة ثلاث وثمانين وستمائة وتوفي صاحب حماة الملك المنصور محمد الأيوبي فأنعم السلطان الملك المنصور على ولده بسلطنة حماة وولاه مكان والده المنصور‏.‏
ثم تجهز السلطان في السنة المذكورة وخرج من الديار المصرية بعسكره متوجهًا إلى الشام في أواخر جمادى الأولى وسار حتى دخل دمشق في ثاني عشر جمادى الآخرة وأقام بدمشق إلى أن عاد إلى جهة الديار المصرية في الثلث الأخير من ليلة السبت ثالث عشرين شعبان وسار حتى دخل مصر في النصف من شهر رمضان وأقام بديار مصر إلى أول سنة أربع وثمانين وستمائة فتجهز وخرج منها بعساكره إلى جهة الشام وسافر حتى دخل دمشق يوم السبت ثاني عشرين المحرم من السنة المذكورة وعرض العسكر الشامي عدة أيام وخرجوا جميعًا قاصدين المرقب في يوم الاثنين ثاني صفر‏.‏



وكان قد بقي في يد سنقر الأشقر قطعة من البلاد منها‏:‏ بلاطنس وصهيون وبرزيه وغير ذلك وكان عمل السلطان في الباطن انتزاع ما يمكن انتزاعه من يد سنقر الأشقر المذكور وإفساد نوابه‏.‏
فاتفق الحال بين نواب السلطان وبين نواب سنقر الأشقر على تسليم بلاطنس فسلمت في أول صفر‏.‏
ووافى السلطان البشرى بتسليمها وهو على عيون القصب في توجهه إلى حصار المرقب فسر بذلك واستبشر بنيل مقصوده من المرقب‏.‏
وكان في نفس السلطان من أهل المرقب لما فعلوا مع عسكره ما فعلوا في السنين الماضية فنازل السلطان حصن المرقب في يوم الأربعاء عاشر صفر وشرع العسكر في عمل الستائر والمجانيق‏.‏
فلما انتهت الستائر التي للمجانيق حملتها المقاتلة لباب الحصن فسقطت الستارة إلى بركة كبيرة كان عليها جماعة من أصحاب الأمير علم الدين سنجر الدويداري منهم شمس الدين سنقر أستاداره وعدة من مماليكه فاستشهدوا جميعهم رحمهم الله تعالى‏.‏
ثم في يوم الأحد رابع عشره حضر رسل الفرنج من عند ملكهم الإسبتار وسألوا السلطان الصلح والأمان لأهل المرقب على نفوسهم وأموالهم ويسلمون الحصن المذكور فلم يجبهم السلطان إلى ذلك وكمل نصب المجانيق ورمى بها وشعث الحصن وهدم معظم أبراجه واستمر الحال إلى سادس عشر شهر ربيع الأول زحف السلطان على الحصن فأذعن من فيه بالتسليم وحصلت المراسلة في معنى ذلك‏.‏



فلما كان يوم الجمعة ثامن عشر شهر ربيع الأول المذكور سلم ورفعت عليه الأعلام الإسلامية ونزل من به بالأمان على أرواحهم فركبوا وجهز معهم من أوصلهم إلى وبالقرب من هذا الحصن مرقية وهي بلدة صغيرة على البحر وكان صاحبها قد بنى في البحر برجًا عظيمًا لا يرام ولا تصله النشاب ولا حجر المنجنيق وحصنه واتفق حضور رسل صاحب طرابلس إلى السلطان بطلب مراضيه فاقترح عليه خراب هذا البرج وإحضار من كان فيه أسيرًا من الجبيليين الذين كانوا مع صاحب جبيل فأحضر من بقي منهم في قيد الحياة واعتذر عن هدم البرج بأنه ليس له ولا هو تحت حكمه فلم يقبل السلطان اعتذاره وصمم على طلبه منه فقيل‏:‏ إنه اشتراه من صاحبه بعدة قرى وذهب كثير ودفعه إلى السلطان فأمر بهدمه فهدم واستراح الناس منه‏.‏
وحصل الاستيلاء في هذه الغزوة على المرقب وأعماله ومرقية‏.‏
والمرقب هو من الحصون المشهورة بالمنعة والحصانة وهو كبير جدًا ولم يفتحه السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب فيما فتح فأبقاه السلطان الملك المنصور بعد أن أشير عليه بهدمه ورمم شعثه واستناب فيه بعض أمرائه ورتب أحواله‏.‏
وكتبت البشائر بهذا الفتح إلى الأقطار‏.‏



ولما كان السلطان الملك المنصور على حصار المرقب جاءته البشرى بولادة ولده الملك الناصر محمد بن قلاوون فمولد الملك الناصر محمد هذه السنة فيحفظ إلى ما يأتي ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى فإنه أعظم ملوك الترك بلا مدافعة‏.‏
ولما فتح السلطان الملك المنصور المرقب عملت الشعراء في ذلك عدة قصائد فمن ذلك ما قاله العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود وهي قصيدة طنانة أولها‏:‏ البسيط
الله أكبر هذا النصر والظفر ** هذا هو الفتح لا ما تزعم السير
هذا الذي كانت الآمال إن طمحت ** إلى الكواكب ترجوه وتنتظر
فانهض وسر واملك الدنيا فقد نحلت ** شوقًا منابرها وارتاحت السرر
كم رام قبلك هذا الحصن من ملك ** فطال عنه وما في باعه قصر
وكيف تمنحه الأيام مملكة ** كانت لدولتك الغراء تدخر
وكيف يسمو إليها من تأخر ** عن إسعاده منجداك القمر والقدر
غر العدا منك حلم تحته همم ** لأشقر البرق من تحجيلها غرر
لها وإن أشبهت لطف النسيم سرى ** معنى العواصف لا تبقي ولا تذر
أوردتها المرقب العالي وليس سوى ** ماء المجرة في أرجائها نهر
كأنه وكأن الجو يكنفه ** وهم تمثله في طيها الفكر
يختال كالغادة العذراء قد نظمت ** منه مكان اللآلي الأنجم الزهر
ويومض البرق يهفو نحوه ** ليرى أدنى رباه ويأتي وهو معتذر
وليس يروى بماء السحب مصعدة ** إليه من فيه إلا وهو منحدر
ومنها‏:‏
وأضرمت حوله نار لها لهب ** من السيوف ومن نبل الوغى شرر
ومنها‏:‏
كأنها ومجانيق الفرنج لها ** فرائس الأسد في أظفارها الظفـــر
وكم شكا الحصن ما يلقى فما ** اكترثت يا قلبها أحديد أنت أم حجر
وللنقوب دبيب في مفاصله ** تثير سقمًا ولا يبدو له أثر
أضحى به مثل صب لا تبين به ** نار الهوى وهي في الأحشاء تستعر
ومنها‏:‏
ركبت في جندك الأولى إليه ضحًا ** والنصر يتلوك منه جندك الأخر
قد زال تجلى قواه عن قواعده وخر ** أعلاه نحـــو الأرض يبتدر
وساخ وانكشفت أقباؤه وبدا لديك ** من مضمرات النصر ما ستروا
إن لم يوف الورى بالشكر ما فتحت ** يداك فالله والأملاك قد شكروا



ثم سار الملك المنصور قلاوون من المرقب إلى دمشق وأقام بها أيامًا ثم خرج منها عائدًا إلى نحو الديار المصرية في بكرة الاثنين ثاني عشر جمادى الأولى فدخل الديار المصرية في أوائل شهر رجب‏.‏
ولما دخل القاهرة وأقام بها أخذ في عمل أخذ الكرك من الملك المسعود نجم الدين خضر ابن السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري حتى أخذت وورد عليه الخبر بأخذها في ليلة الجمعة سابع صفر سنة خمس وثمانين وستمائة ودقت البشائر بالديار المصرية ثلاثة أيام‏.‏
ثم في سنة ست وثمانين وستمائة جهز السلطان طائفة من العسكر بالديار المصرية صحبة الأمير حسام الدين طرنطاي إلى الشام لحصار صهيون وبرزيه وانتزاعهما من يد سنقر الأشقر فسار حسام الدين المذكور بمن معه حتى وصل دمشق في أثناء المحرم واستصحب معه الأمير حسام الدين لاجين نائب الشام وتوجه الجميع إلى صهيون بالمجانيق فوصلوها وشرعوا في حصارها وكان سنقر الأشقر قد استعد لهم وجمع إلى القلعة خلقًا كثيرًا فحاصروه أيامًا ثم بعد ذلك توجه الأمير حسام الدين إلى برزيه وحصرها واستولى عليها وهي مما يضرب المثل بحصانتها‏.‏
ولما فتحها وجد فيها خيولا لسنقر الأشقر‏.‏



ولما فتحت برزيه لانت عريكة سنقر الأشقر وأجاب إلى تسليم صهيون على شروط اشترطها فأجابه طرنطاي إليها وحلف له بما وثق به من الأيمان ونزل من قلعة صهيون بعد حصرها شهرًا واحدًا وأعين على نقل أثقاله بجمال كثيرة وحضر بنفسه وأولاده وأثقاله وأتباعه إلى دمشق‏.‏
ثم توجه إلى الديار المصرية صحبة طرنطاي المذكور ووفى له بجميع ما حلف عليه ولم يزل يذب عنه أيام حياته أشد ذب‏.‏
وأعطى السلطان لسنقر الأشقر بالديار المصرية خبز مائة فارس وبقي وافر الحرمة إلى آخر أيام الملك المنصور قلاوون‏.‏
وانتظمت صهيون وبرزيه في سلك الممالك المنصورية‏.‏
ثم خرج الملك المنصور من الديار المصرية قاصدًا الشام في يوم سابع عشرين شهر رجب سنة ست وثمانين وسار حتى وصل غزة أقام بتل العجول أيامًا إلى شوال ثم رجع إلى الديار المصرية فدخلها يوم الاثنين ثالث عشرين شوال ولم يعلم أحد ما كان غرضه في هذه السفرة‏.‏



وفي شوال هذا سلطن الملك المنصور ولده الملك الأشرف صلاح الدين خليلًا وجعله مكان أخيه الملك الصالح علاء الدين علي بعد موته ودقت البشائر لذلك سبعة أيام بالديار المصرية وغيرها وحلف الناس له والعساكر وخطب له بولاية العهد‏.‏
ثم في سنة ثمان وثمانين وستمائة فتحت طرابلس وهو أن صاحب طرابلس كان وقع بينه وبين سير تلميه الفرنجي وكان من أصحاب صاحب الحصن الذي أخربه صاحب طرابلس رضاء للملك المنصور قلاوون حسب ما تقدم ذكره‏.‏
فحصلت بينه وبين صاحب طرابلس وحشة بسبب ذلك واتفق موت صاحب الحصن وسأل سير تلميه من السلطان الملك المنصور المساعدة وأن يتقدم للأمير بلبان الطباخي السلحدار أن يساعده على تملك طرابلس على أن تكون مناصفة وبذل في ذلك بذولًا كثيرة فسوعد إلى أن تم له مراده ورأى أن الذي بذله للسلطان لا يوافقه الفرنج عليه فشرع في باب التسويف والمغالطة ومدافعه الأوقات فلما علم السلطان باطن أمره عزم على قتاله قبل استحكام أمره فتجهز وخرج من الديار المصرية بعساكره لحصار طرابلس وسار حتى وصل دمشق وأقام بها ثم تهيأ وخرج منها ونازل طرابلس في مستهل شهر ربيع الأول ونصب عليها المجانيق وضايقها مضايقة شديدة إلى أن ملكها بالسيف في الرابعة من نهار الثلاثاء رابع شهر ربيع الآخر وشمل القتل والأسر لسائر من كان بها وغرق منهم في الماء جماعة كثيرة ونهب من الأموال والذخائر والمتاجر وغير ذلك ما لا يوصف ثم أحرقت وخرب سورها وكان من أعظم الأسوار وأمنعها‏.‏



ثم تسلم حصن أنفة وكان أيضًا لصاحب طرابلس فأمر السلطان بتخريبه ثم تسلم السلطان البترون وجميع ما هناك من الحصون‏.‏
وكان لطرابلس مدة طويلة بأيدي الفرنج من سنة ثلاث وخمسمائة إلى الآن‏.‏
قلت‏:‏ وكان فتح طرابلس الأول في زمن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وتنقلت في أيدي الملوك وعظمت في زمن بني عمار قضاة طرابلس وحكامها‏.‏
فلما كان في آخر المائة الخامسة ظهرت طوائف الفرنج في الشام واستولوا على البلاد فامتنعت عليهم طرابلس مدة حتى ملكوها بعد أمور في سنة ثلاث وخمسمائة واستمرت في أيديهم إلى أن فتحها الملك المنصور قلاوون في هذه السنة‏.‏
وقال شرف الدين محمد بن موسى المقدسي الكاتب في السيرة المنصورية‏:‏ إن طرابلس كانت عبارة عن ثلاثة حصون مجتمعة باللسان الرومي وكان فتحها على يد سفيان بن مجيب الأزدي بعثه لحصارها معاوية بن أبي سفيان في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه انتهى كلام شرف الدين باختصار‏.‏
قلت‏:‏ وأما طرابلس القديمة كانت من أحسن المدن وأطيبها ثم بعد ذلك اتخذوا مكانًا على ميل من البلدة وبنوه مدينة صغيرة بلا سور فجاء مكانًا رديء الهوى والمزاج من الوخم‏.‏



ولما فتحت طرابلس كتبت البشائر إلى الآفاق بهذا النصر العظيم ودقت البشائر والتهاني وزينت المدن وعملت القلاع في الشوارع وسر الناس بهذا النصر غاية السرور‏.‏
وأنشأ في هذا المعنى القاضي تاج الدين ابن الأثير كتابًا إلى صاحب اليمن بأمر الملك المنصور يعرفه بهذا الفتح العظيم وبالبشارة به‏.‏
وأوله‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم أعز الله نصر المقام العالي السلطاني الملكي المظفري الشمسي‏.‏
ثم استطرد وحكى أمر الفتح وغيره إلى أن قال فأحسن فيما قال‏:‏ وكانت الخلفاء والملوك في ذلك الوقت ما فيهم إلا من هو مشغول بنفسه مكب على مجلس أنسه يرى السلامة غنيمة وإذا عن له وصف الحرب لم يسأل منها إلا عن طرق الهزيمة قد بلغ أمله من الرتبة وقنع أمن ملكه كما يقال بالسكة والخطبة أموال تنهب وممالك تذهب لا يبالون بما سلبوا وهم كما قيل‏:‏ البسيط إن قاتلوا قتلوا أو طاردوا طردوا أو حاربوا حربوا أو غالبوا غلبوا إلى أن أوجد الله من نصر دينه وأذل الكفر وشياطينه‏.‏



قلت‏:‏ والكتاب هذا خلاصته والذي أعجبني منه‏.‏
وعمل الشعراء في هذا الفتح عدة قصائد فمن ذلك ما قاله العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود كاتب الدرج المقدم ذكره يمدح الملك المنصور قلاوون ويذكر فتحه طرابلس والقصيدة أولها‏:‏ الطويل علينا لمن أولاك نعمته الشكر لأنك للإسلام يا سيفه ذخر ولله في إعلاء ملكك في الورى مراد وفي التأييد يوم الوغى سر ألا هكذا يا وارث الملك فليكن جهاد العدا لا ما توالى به الدهر ومنها‏:‏ نهضت إلى عليا طرابلس التي أقل عناها أن خندقها البحر والقصيدة طويلة كلها على هذا المنوال أضربت عنها خوف الإطالة‏.‏
ثم عاد الملك المنصور إلى الديار المصرية في جمادى الآخرة من السنة واستمر بالقاهرة إلى أول سنة تسع وثمانين وستمائة جهز الأمير حسام الدين طرنطاي كافل الممالك الشامية إلى بلاد الصعيد ومعه عسكر جيد من الأمراء والجند فسكن تلك النواحي وأباد المفسدين وأخذ خلقًا عظيمًا من أعيانهم رهائن وأخذ جميع أسلحتهم وخيولهم وكان معظم سلاحهم السيوف والحجف والرماح وأحضروا إلى السلطان من ذلك عدة أحمال ففرق السلطان من الخيول والسلاح فيمن أراد من الأمراء والجند وأودع الرهائن الحبوس‏.‏



وفي هذه السنة أيضًا عاد الأمير عز الدين أيبك الأفرم من غزو بلاد السودان بمغانم كثيرة ورقيق كثير من النساء والرجال وفيل صغير‏.‏
ثم في هذه السنة أيضًا رسم السلطان ألا يستخدم أحد من الأمراء وغيرهم في دواوينهم أحدًا وفي هذه السنة عزم السلطان الملك المنصور على الحج لبلعه خبر فرنج عكا ففتر عزمه وتهيأ للخروج إلى البلاد الشامية ورأى أن يقدم غزوهم والانتقام على الحج وأخذ في تجهيز العساكر والبعوث وضرب دهليزه خارج القاهرة وباب الدهليز إلى جهة عكا‏.‏
وخرج من القاهرة إلى مخيمه وهو متوعك لأيام خلت من شوال ولا زال متمرضًا بمخيمه عند مسجد التبن خارج القاهرة إلى أن توفي به في يوم السبت سادس ذي القعدة من سنة تسع وثمانين وستمائة وحمل إلى القلعة ليلة الأحد‏.‏
وتسلطن من بعده ولده الملك الأشرف صلاح الدين خليل الذي كان عهد له بالسلطنة قبل تاريخه حسب ما ذكرناه‏.‏
وكثر أسف الناس عليه‏.‏



قال الحافظ أبو عبد الله شمس الدين محمد الذهبي في تاريخ الإسلام بعدما سماه ولقبه قال‏:‏ اشتري بألف دينار ولهذا كان في حال إمرته يسمى بالألفي وكان من أحسن الناس صورة في صباه وأبهاهم وأهيبهم في رجوليته كان تام الشكل مستدير اللحية قد وخطه الشيب على وجهه هيبة الملك وعلى أكتافه حشمة السلطنة وعليه سكينة ووقار رأيته مرات آخرها منصرفه من فتح طرابلس‏.‏
وكان من أبناء الستين‏.‏
ثم قال‏:‏ وحدثني أبي أنه كان معجم اللسان لا يكاد يفصح بالعربية وذلك لأنه أتي به من بلاد الترك وهو كبير‏.‏
ثم قال بعد كلام آخر‏:‏ وعمل بالقاهرة ببين القصرين تربة عظيمة ومدرسة كبيرة قال‏:‏ وبيمارستانًا للمرضى‏.‏
قلت‏:‏ ومن عمارته البيمارستان المذكور وعظم أوقافه تعرف همته ونذكر عمارة البيمارستان إن شاء الله تعالى بعد ذلك‏.‏



وقال غيره‏:‏ وكان يعرف أيضًا قلاوون الآقسنقري الكاملي الصالحي النجمي لأن الأمير آق سنقر الكاملي كان اشتراه من تاجره بألف دينار ثم مات الأمير آق سنقر المذكور بعد مدة يسيرة فارتجع هو وخشداشيته إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب في سنة سبع وأربعين وستمائة وهي السنة التي مات فيها الملك الصالح أيوب وهذا القول هو الصحيح في أصل مشتراه‏.‏
قلت‏:‏ ولما طلع الملك المنصور قلاوون إلى قلعة الجبل ميتًا أخذوا في تجهيزه وغسله وتكفينه إلى أن تم أمره وحملوه وأنزلوه إلى تربته ببين القصرين فدفن بها‏.‏
وكانت مدة ملكه إحدى عشرة سنة وثلاثة أشهر رحمه الله تعالى وكان سلطانًا كريمًا حليمًا شجاعًا مقدامًا عادلًا عفيفًا عن سفك الدماء مائلًا إلى فعل الخير والأمر بالمعرف وله مآثر كثيرة‏:‏ منها البيمارستان الذي أنشأه ببين القصرين وتمم عمارته في مدة يسيرة وكان مشد عمارته الأمير علم الدين سنجر الشجاعي المنصوري وزير الديار المصرية ومشد دواوينها ثم ولي نيابة دمشق ونهض بهذا العمل العظيم وفرغ منه في أيام قلائل ولما كمل عمارة الجميع امتدحه معين الدين ابن تولوا بقصيدة أولها‏:‏ الكامل قلت‏:‏ وهذا البيمارستان وأوقافه وما شرطه فيه لم يسبقه إلى ذلك أحد قديمًا ولا حديثًا شرقًا ولا غربًا‏.‏
وجدد عمارة قلعة حلب وقلعة كركر وغير موضع‏.‏
وأما غزواته فقد ذكرناها في وقتها‏.‏



وجمع من المماليك خلقًا عظيمًا لم يجمعهم أحد قبله فبلغت عدتهم اثني عشر ألفًا وصار منهم الأمراء الكبار والنواب ومنهم من تسلطن من بعده على ما يأتي ذكره‏.‏
وتسلطن أيضًا من ذريته سلاطين كثيرة آخرهم الملك المنصور حاجي الذي خلعه الملك الظاهر برقوق‏.‏
وأعظم من هذا أنه من تسلطن من بعده من يوم مات إلى يومنا هذا إما من ذريته وإما من مماليكه أو مماليك مماليك أولاده وذريته لأن يلبغا مملوك السلطان حسن وحسن بن محمد بن قلاوون وبرقوق مملوك يلبغا والسلاطين بأجمعهم مماليك برقوق وأولاده‏.‏
وكان من محاسن الملك المنصور قلاوون أنه لا يميل إلى جنس بعينه بل كان ميله يتخيل فيه النجابة كائنًا من كان‏.‏
قلت‏:‏ ولهذا طالت مدة مماليكه وذريته باختلاف أجناس مماليكه وكانت حرمته عظيمة على مماليكه لا يستطيع الواحد منهم أن ينهر غلامه ولا خادمه خوفًا منه ولا يتجاهر أحد منهم بفاحشة ولا يتزوج إلا إن زوجه هو بعض جواريه هذا مع كثرة عددهم‏.‏
قلت رحمه الله تعالى‏:‏ لو لم يكن من محاسنه إلا تربية مماليكه وكف شرهم عن الناس لكفاه ذلك عند الله تعالى فإنه كان بهم منفعة للمسلمين ومضرة للمشركين وقيامهم في الغزوات معروف وشرهم عن الرعية مكفوف بخلاف زماننا هذا فإنه مع قلتهم وضعف بنيتهم وعدم شجاعتهم شرهم في الرعية معروف ونفعهم عن الناس مكفوف هذا مع عدم التجاريد والتقاء الخوارج وقلة الغزوات فإنه لم يقع في هذا القرن وهو القرن التاسع لقاء مع خارجي غير وقعة تيمور وافتضحوا منه غاية الفضيحة وسلموا البلاد والعباد وتسحب أكثرهم من غير قتال‏.‏



وأما الغزوات فأعظم ما وقع في هذا القرن فتح قبرس وكان النصر فيها من الله سبحانه وتعالى انكسر صاحبها وأخذ من جماعة يسيرة تلقاهم بعض عساكره‏.‏
خذلان من الله تعالى وقع ذلك كله قبل وصول غالب عسكر المسلمين‏.‏
وأما غير ذلك من الغزوات فسفر في البحر ذهابًا فكيف لو كان هؤلاء أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب عندما غزا الساحل وغاب عن الديار المصرية نحو العشر سنين لا يفارق فيها الخيم والتشتت عن الأوطان واتصال الغزوة بالغزوة أو لو كانوا أيام الملك الكامل محمد لما قاتل الفرنج على دمياط نحو الثلاث سنين لم يدخل فيها مصر إلى أن فتح الله عليه أو لو كانوا أيام الملك الظاهر بيبرس وهو يتجرد ويغزو في السنة الواحدة المرة والمرتين والثلاث وهلم جرا إلى أيام الملك الأشرف شعبان بن حسين لما أخذت الإسكندرية‏.‏
وهذا شيء معروف لا يشاح فيه أحد‏.‏



وأعجب من هذا كله أن أولئك كانوا على حظ وافر من الأدب والحشمة والتواضع مع الأكابر وإظهار الناموس وعدم الازدراء بمن هو دونهم وهؤلاء آست في الماء وأنف في السماء لا يهتدي أحدهم لمسك لجام الفرس وإن تكلم تكلم بنفس ليس لهم صناعة إلا نهب البضاعة يتقوون على الضعيف ويشرهون حتى في الرغيف جهادهم الإخراق بالرئيس وغزوهم في التبن والدريس وحظهم منقام ولا مروءة لهم والسلام‏.‏



قال ابن كثير في حق الملك المنصور قلاوون المذكور
‏:‏ اشتراه الملك الصالح نجم الدين أيوب من الملك الكامل محمد ابن العادل أبي بكر بن أيوب بألف دينار فلذلك سمي بالألفي‏.‏
قلت‏:‏ وهذا بخلاف ما نقله الشيخ صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي في أن الذي اشتراه بألف دينار إنما هو الأمير آق سنقر الكاملي والأرجح عنده ما قاله الصفدي في أن الذي اشتراه بألف دينار إنما هو الأمير آق سنقر من وجوه عديدة‏.‏
قال ابن كثير أيضا‏:‏ وكان الملك المنصور قد أفرد من مماليكه ثلاثة آلاف وسبعمائة مملوك من الأمراء والجراكسة وجعلهم بالقلعة وسماهم البرجية وأقام نوابه في البلدان من مماليكه وهم الذين غيروا ملابس الدولة الماضية‏.‏
قال الصلاح الصفدي‏:‏ ولبسوا أحسن الملابس لأن في الدولة الماضية الصلاحية كان الجميع يلبسون كلوتات صفر مضربة بكلبندات بغير شاشات وشعورهم مضفورة دبابيق في أكياس حرير ملونة وكان في خواصرهم موضع الحوائص بنود ملونة أو بعلبكية وأكمام أقبيتهم ضيقة على زي ملابس الفرنج وأخفافهم برغالي أو سقامين ومن فوق قماشهم كمرات بحلق وإبزيم وصوالقهم كبار يسع كل صولق نصف ويبة أو أكثر ومنديلهم كبير طوله ثلاث أذرع فأبطل المنصور ذلك كله بأحسن منه‏.‏



وكانت الخلع للأمراء المقدمين المروزي فخصص الملك المنصور من الأمراء بلبس الطرد وحش أربعة من خشداشيته وهم‏:‏ سنقر الأشقر الذي كان تسلطن ولقب بالملك الكامل والبيسري والأيدمري والأفرم‏.‏
وباقي الأمراء والخاصكية والبرانية تلبس المروزي والطبلخاتات بالملون والعشرات بالعتابي‏.‏
قلت‏:‏ وهذا أيضًا بخلاف زماننا فإنه لبس فيه أوباش الناس الخلع السنية وأعجب من هذا أنه لما لبس هؤلاء الخلع السنية تلك الأبهة والحشمة عن الخلع المذكورة وصارت كمن دونها من الخلع في أعين الناس لمعرفتهم بمقام اللابس‏.‏
قلت‏:‏ والآن نذكر ما وعدنا بذكره في أوائل ترجمة الملك المنصور قلاوون من أمر كتاب السر لأنه هو الذي أحدث هذه الوظيفة وسمى صاحبها بكاتب السر على ما نبينه من أقوال كثيرة‏:‏ منها أنه لما كان أيام الملك الظاهر بيبرس كان الدوادار يوم ذاك بلبان بن عبد الله الرومي‏.‏



قال الشيخ صلاح الدين خليل الصفدي‏:‏ كان من أعيان الأمراء - يعني عن بلبان المذكور - ومن نجبائهم وكان الملك الظاهر بيبرس يعتمد عليه ويحمله أسراره إلى القصاد‏.‏
ولم يؤمره إلا الملك السعيد ابن الملك الظاهر بيبرس‏.‏
واستشهد بمصاف حمص سنة ثمانين وستمائة وكان يباشر وظيفة الدوادارية ولم يكن معه كاتب سر فاتفق أنه قال يومًا لمحيي الدين بن عبد الظاهر‏:‏ اكتب إلى فلان مرسومًا أن يطلق له من الخزانة العالية بدمشق عشرة آلاف درهم نصفها عشرون ألفًا فكتب المرسوم كما قال له وجهزه إلى دمشق فأنكروه وأعادوه إلى السلطان وقالوا‏:‏ ما نعلم هل هذا المرسوم بعشرين نصفها عشرة أو بعشرة نصفها خمسة فطلب السلطان محيي الدين وأنكر عليه ذلك فقال‏:‏ يا خوند هكذا قال لي الأمير سيف الدين بلبان الدوادار فقال السلطان‏:‏ ينبغي أن يكون للملك كاتب سر يتلقى المرسوم منه شفاها‏.‏
وكان الملك المنصور قلاوون حاضرًا من جملة الأمراء فسمع هذا الكلام‏.‏
وخرج الملك الظاهر عقيب ذلك إلى نوبة أبلستين فلما توفي الملك الظاهر وملك المنصور قلاوون اتخذ كاتب سر‏.‏



وفي هذه الحكاية دلالة على أن وظيفة كتابة السر لم تكن قبل ذلك أبدًا لقوله‏:‏ ينبغي للملك أن يكون له كاتب سر يتلقى المرسوم منه شفاها‏.‏
وأيضًا تحقيق ما قلناه‏:‏ إن وظيفة كتابة السر لم تكن قديمًا وإنما كانت الملوك لا يتلقى الأمور عنهم إلا الوزراء‏.‏
قضية فخر الدين بن لقمان مع القاضي فتح الدين محمد بن عبد الظاهر في الدولة الأشرفية خليل بن قلاوون وهو أنه لما توزر فخر الدين بن لقمان قال له الملك المنصور‏:‏ من يكون عوضك في الإنشاء قال‏:‏ فتح الدين ابن عبد الظاهر فولى فتح الدين وتمكن عند السلطان وحظي عنده وفتح الدين هذا هو الذي قلنا عنه في أول الكتاب إنه أول كاتب سر كان وظهر اسم هذه الوظيفة من ثم‏.‏



وحظي فتح الدين عند السلطان إلى الغاية‏.‏
فلما كان بعض الأيام دخل فخر الدين بن لقمان على السلطان فأعطاه السلطان كتابًا يقرؤه فلما دخل فتح الدين أخذ السلطان الكتاب منه وأعطاه لفتح الدين وقال لفخر الدين‏:‏ تأخر فعظم ذلك على فخر الدين بن لقمان‏.‏
قلت‏:‏ ولولا أن هذه الواقعة خرق للعادة ما غضب ابن لقمان من ذلك لأن العادة كانت يوم ذاك لا يقرأ أحد على السلطان كتابًا بحضرة الوزير‏.‏
ومنها واقعة القاضي فتح الدين المذكور مع شمس الدين ابن السلعوس لما ولي الوزارة للملك الأشرف خليل بن قلاوون فإنه قال لفتح الدين‏:‏ اعرض علي كل ما تكتبه عن السلطان كما هي العادة فقال فتح الدين‏:‏ لا سبيل إلى ذلك فلما بلغ الملك الأشرف هذا الخبر من الوزير المذكور قال‏:‏ صدق فتح الدين فغضب من ذلك الوزير ابن السلعوس‏.‏
قلت‏:‏ وعندي دليل آخر أقوى من جميع ما ذكرته أنه لم أقف على ترجمة رجل في الإسلام شرقًا ولا غربًا نعت بكاتب السر قبل فتح الدين هذا وفي هذا كفايته‏.‏
وما ذكره صاحب صبح الأعشى وغيره ممن كتبوا للنبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده ليس في ذلك دليل على أنهم كتاب السر بل ذلك دليل لكل كاتب كتب عن مخدومه كائنا من كان‏.‏



ونحن أيضًا نذكر الذين ذكرهم صاحب صبح الأعشى وغيره من الكتاب ونذكر أيضًا من ألحقناه بهم من كتاب السر إلى يومنا هذا ليعلم بذلك صدق مقالتي بذكرهم وألقابهم وزمانهم‏.‏
قال‏:‏ اعلم أن كتاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا نيفًا على ستة وثلاثين كاتبًا لكن المشهور منهم‏:‏ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية بن أبي سفيان ومروان بن الحكم‏.‏
قلت‏:‏ وفي مروان خلاف لأن الحافظ أبا عبد الله الذهبي قال في ترجمة مروان بن الحكم‏:‏ له رؤية إن شاء الله ولم يعده من الصحابة فكيف يكون من الكتاب وأيضًا حذف جماعة من كبار الصحابة كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وأثبت مروان هذا وفي صحبته خلاف‏.‏
ولولا خشية الإطالة لذكرنا من ذكره الحافظ العلامة مغلطاي ممن كتب للنبي صلى الله عليه وسلم ليعلم بذلك غلط من عد مروان من الكتاب‏.‏
قال‏:‏ ولما توفى النبي صلى الله عليه وسلم وصارت الخلافة إلى أبي بكر كتب عنه عمر بن الخطاب وعثمان وعلي رضي الله عنهم‏.‏
فلما استحلف عمر كتب عنه عثمان وعلي ومعاوية وعبد الله بن خلف الخزاعي وكان زيد بن ثابت وزيد بن أرقم يكتبان على بيت المال‏.‏



فلما استخلف عثمان كتب عنه مروان بن الحكم‏.‏
فلما استخلف علي كتب عنه عبد الله بن رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم وسعيد بن نمران‏.‏
فلفا استخلف الحسن كتب عنه كتاب أبيه‏.‏
فلما بايعوا معاوية كتب عنه عبد الله بن أوس وكتب عبد الله المذكور عن ابنه يزيد أيضًا وابن ابنه معاوية بن يزيد‏.‏
فلما خلع معاوية بن يزيد نفسه وتولى مروان بن الحكم كتب عنه سفيان الأحول وقيل عبيد الله بن أوس‏.‏
فلما استخلف عبد الملك بن مروان كتب عنه روح بن زنباع الجذامي‏.‏
فلما استخلف الوليد كتب عنه قرة بن شريك ثم قبيصة بن ذؤيب ثم الضحاك بن زمل‏.‏
فلما استخلف سليمان كتب عنه يزيد بن المهلب ثم عبد العزيز بن الحارث‏.‏
فلما استخلف الإمام عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كتب عنه رجاء بن حيوة الكندي ثم الليث بن أبي رقية فلما استخلف يزيد بن عبد الملك كتب عنه سعيد بن الوليد الأبرش ثم محمد بن عبد الله بن حارثة الأنصاري‏.‏
فلما استخلف هشام بن عبد الملك أبقاهما على عادتهما واستكتب معهما سالمًا مولاه‏.‏
فلما استخلف الوليد بن يزيد كتب عنه العباس بن مسلم‏.‏
فلما استخلف يزيد بن الوليد كتب عنه ثابت بن سليمان‏.‏
فلما استخلف إبراهيم بن الوليد كتب عنه أيضًا ثابت على عادته‏.‏



فلما صارت الخلافة إلى مروان بن محمد بن مروان كتب عنه عبد الحميد بن يحيى مولى بني عامر إلى ثم صارت الخلافة لبني العباس فاتخذوا كتابهم وزراء وكان أول خلفاء بني العباس أبو العباس عبد الله بن محمد السفاح فاتخذ أبا سلمة حفص بن سليمان الخلال وهو أول وزير وزر في الإسلام ثم استوزر معه خالد بن برمك وسليمان بن مخلد والبربيع بن يونس فتراكمت عليهم الأشغال واتسعت عليهم الأمور فأفردوا للمكاتبات ديوانًا وكانوا يعبرون عنه تارة بصاحب ديوان الرسائل وتارة بصاحب ديوان المكاتبات وتفرقت دواوين الإنشاء في الأقطار فكان بكل مملكة ديوان إنشاء‏.‏
وكانت الديار المصرية من حين الفتح الإسلامي وإلى الدولة الطولونية إمارة ولم يكن لديوان الإنشاء فيها كبير أمر‏.‏
فلما استولى أحمد بن طولون عظمت مملكتها وقوي أمرها فكتب عنه أبو جعفر محمد بن أحمد بن مودود‏.‏
وكتب لولده خمارويه إسحاق بن نصر العبادي النصراني وتوالت دواوين الإنشاء بذلك إلى حين انقراض الدولة الإخشيدية‏.‏



ثم كانت الدولة الفاطمية فعظم ديوان الإنشاء بها ووقع الاعتناء به واختيار بلغاء الكتاب ما بين مسلم وذمي فكتب للعزيز بن المعز في الدولة الفاطمية أبو المنصور بن سورين النصراني ثم كتب لابنه الحاكم ومات في أيامه وكتب للحاكم بعده القاضي أبو الطاهر النهركي‏.‏
ثم تولى الظاهر بن الحاكم فكتب عنه أبو الطاهر المذكور‏.‏
ثم تولى المستنصر فكتب عنه القاضي ولي الدين بن خيران وولي الدولة موسى بن الحسن بعد انتقاله إلى الوزارة وأبو سعيد العميدي‏.‏
ثم تولى الآمر والحافظ فكتب عنهما الشيخ أبو الحسن علي ابن أحمد بن الحسن بن أبي أسامة الحلبي إلى أن توفي في أيام الحافظ فكتب بعده ولده أبو المكارم هبة الله إلى أن توفي ومعه الشيخ أمين الدين تاج الرياسة أبو القاسم علي بن سليمان بن منجب المعروف بابن الصيرفي والقاضي كافي الكفاة محمود ابن القاضي الموفق أسعد بن قادوس وابن أبي الدم اليهودي ثم كتب بعد أبي المكارم القاضي الموفق بن الخلال بقية أيام الحافظ إلى آخر أيام العاضد آخر خلفائهم وبه تخرج القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني‏.‏
ثم أشرك العاضد مع الموفق بن الخلال في ديوان الإنشاء القاضي جلال الدين محمودًا الأنصاري‏.‏
ثم كتب القاضي الفاضل بين يدي الموفق بن الخلال في وزارة صلاح الدين يوسف بن أيوب‏.‏



ثم كانت الدولة الأيوبية فكتب للسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب القاضي الفاضل المذكور ثم أضيفت إليه الوزارة‏.‏
ثم كتب بعد الناصر لابنه العزيز ولأخيه العادل أبي بكر ثم مات العادل والفاضل‏.‏
قلت‏:‏ هنا مجازفة لم يكتب القاضي الفاضل للعادل وكان بينهما مشاحنة ومات الفاضل قبل وصول العادل إلى مصر وقيل وقت دخول العادل من باب النصر إلى القاهرة كانت جنازة القاضي الفاضل خارجة‏.‏
وقد ذكرنا ذلك كله في هذا الكتاب وإنما كتب الفاضل للعزيز عثمان ولولده الملك المنصور محمد فالتبس المنصور على الناقل بالعادل‏.‏
قال‏:‏ ثم تولى الكامل بن العادل فكتب له أمين الدين سليمان المعروف بكاتب الدرج إلى أن توفي فكتب له بعده الشيخ أمين الدين عبد المحسن بن حمود الحلبي مدة قليلة ثم كتب للصالح نجم الدين أيوب ثم ولي ديوان الإنشاء الصاحب بهاء الدين زهير ثم صرف وولي بعده الصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان الإسعردي فبقي إلى انقراض الدولة الأيوبية‏.‏



فلما كانت الدولة التركية كتب للمعز أيبك الصاحب فخر الدين المذكور ثم بعده للمظفر قطز ثم للظاهر بيبرس ثم للمنصور قلاوون ثم نقله قلاوون من ديوان الإنشاء للوزارة وولي ديوان الإنشاء مكانه القاضي فتح الدين بن عبد الظاهر فكتب عنه بقية أيامه ثم كتب لابنه الأشرف خليل إلى أن توفي فولى مكانه القاضي تاج الدين أحمد بن الأثير فكتب إلى أن توفي فكتب بعده الماضي شرف الدين عبد الوهاب بن فضل الله العمري فكتب بقية أيام الأشرف‏.‏
فلما تولى أخوه الناصر محمد كتب عنه القاضي شرف الدين المذكور في سلطنته الأولى ثم في أيام العادل كتبغا ثم أيام المنصور لاجين ثم في أيام سلطنة الناصر محمد الثانية ثم نقله إلى كتابة السر بدمشق عوضًا عن أخيه القاضي محيي الدين بن فضل الله العمري وتولى مكانه بمصر القاضي علاء الدين بن تاج الدين بن الأثير فبقي حتى مرض بالفالج فاستدعى الملك الناصر محي الدين بن فضل الله من دمشق وولده شهاب الدين أحمد وولاهما ديوان الإنشاء بمصر‏.‏



ثم ولى بعدهما القاضي شمس الدين ابن الشهاب محمود فبقي إلى عود السلطان من الحج فأعاد القاضي محيي الدين وولده القاضي شهاب الدين إلى ديوان الإنشاء بمصر فبقيا مدة‏.‏
ثم تغير السلطان على القاضي شهاب الدين وصرفه عن المباشرة وأقام أخاه القاضي علاء الدين علي وكلاهما معين لوالده لكبر سنه ثم سأل القاضي محيي الدين السلطان في العود إلى دمشق فأعاده وصحبته ولده شهاب الدين واستمر ولده القاضي علاء الدين بالديار المصرية فباشر بقية أيام الناصر ثم أيام ولده الملك المنصور ثم أيام الأشرف كجك ثم أيام الناصر أحمد إلى أن خلع نفسه وتوجه إلى الكرك وتوجه معه القاضي علاء الدين فلما تولى الملك الصالح إسماعيل السلطنة بمصر بعد أخيه الناصر أحمد قرر القاضي بدر الدين محمد ابن القاضي محيي الدين بن فضل الله عوضًا عن أخيه علاء الدين‏.‏
قلت‏:‏ لم يل بدر الدين محمد بعد أخيه علاء الدين الوظيفة استقلالًا وإنما ناب عنه إلى حين حضوره‏.‏



قال‏:‏ ثم أعيد علاء الدين أيام الصالح إسماعيل وأيام الكامل شعبان ثم أيام المظفر حاجي ثم أيام الناصر حسن في سلطنته الأولى ثم في أيام الصالح صالح ثم في أيام الناصر حسن في سلطنته الثانية ثم أيام المنصور محمد ابن المظفر حاجي ثم في أيام الأشرف شعبان وتوفي في أيامه‏.‏
قلت‏:‏ وكانت وفاته في شهر رمضان سنة تسع وستين وسبعمائة بعد أن باشر كتابة السر نيفًا وثلاثين سنة لأحد عشر سلطانًا‏.‏
قال‏:‏ ثم ولي الوظيفة بعده ولده بدر الدين محمد ابن القاضي علاء الدين فباشر بقية أيام الأشرف شعبان ثم ولده المنصور علي ثم أخيه الملك الصالح حاجي بن شعبان إلى أن خلع بالظاهر برقوق فاستقر برقوق بالقاضي أوحد الدين عبد الواحد بن إسماعيل التركماني إلى أن توفي‏.‏
قلت‏:‏ وكانت وفاته في ذي الحجة سنة ست وثمانين وسبعمائة‏.‏
قال‏:‏ ثم أعيد بدر الدين فباشر حتى خلع الظاهر برقوق بالمنصور حاجي فاستمر بدر الدين إلى أن عاد برقوق إلى سلطنته الثانية صرفه بالقاضي علاء الدين علي بن عيسى الكركي ثم صرف الكركي‏.‏
قلت‏:‏ ومات معزولًا في شهر ربيع الأول في سنة أربع وتسعين وسبعمائة‏.‏
قال‏:‏ ثم أعيد القاضي بدر الدين من بعد عزل القاضي علاء الدين فاستمر بدر الدين إلى أن عاد برقوق فتوفي بدمشق‏.‏
قلت‏:‏ ووفاته في شوال سنة ست وتسعين وسبعمائة‏.‏
قال‏:‏ وولي بعده القاضي بدر الدين محمود الكلستاني فباشر إلى أن توفي‏.‏
قلت‏:‏ وكانت وفاته في عاشر جمادى الأولى سنة إحدى وثمانمائة‏.‏
قال‏:‏ فتولى بعده القاضي فتح الدين فتح الله التبريزي فباشر بقية أيام الظاهر ومدة من أيام الناصر إلى أن صرفه الناصر فرج بالقاضي سعد الدين إبراهيم بن غراب مدة يسيرة ثم صرف ابن غراب وأعيد القاضي فتح الله ثانيًا فباشر إلى أن صرف بالقاضي فخر الدين بن المزوق فباشر مدة يسيرة ثم صرف وأعيد فتح الله فباشر إلى أن صرفه الملك المؤيد شيخ وقبض عليه وصادره‏.‏
قلت‏:‏ ومات تحت العقوبة خنقًا في ليلة الأحد خامس عشر شهر ربيع الأول سنة ست عشرة وثمانمائة وهو فتح الله بن مستعصم بن نفيس التبريزي الحنفي الداودي يأتي ذكره هو وغيره من كتاب السر في محلهم من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى‏.‏



قال‏:‏ وتولى بعده القاضي ناصر الدين محمد بن البارزي فباشر إلى أن توفي‏.‏
قلت‏:‏ وكانت وفاته يوم الأربعاء ثامن شوال سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة ومولده بحماة في يوم الاثنين رابع شوال سنة تسع وستين وسبعمائة‏.‏
وتولى بعده ولده القاضي كمال الدين محمد بن البارزي فباشر إلى أن صرفه الملك الظاهر ططر وولى علم الدين داود بن عبد الرحمن بن الكويز فباشر إلى أن توفي سنة ست وعشرين وثمانمائة في دولة الملك الأشرف برسباي‏.‏
وولى بعده جمال الدين يوسف بن الصفي الكركي فباشر قليلًا إلى أن صرف بقاضي القضاة شمس الدين محمد الهروي ودام الكركي بعد ذلك وباشر عدة وظائف بالبلاد الشامية إلى أن توفي في حدود سنة خمس وخمسين وثمانمائة وباشر الهروي إلى أن عزل بقاضي القضاة نجم الدين عمر بن حجي فباشر ابن حجي إلى أن عزل وتوجه إلى دمشق على قضائها ودام إلى أن قتل بها في ذي القعدة سنة ثلاثين وثمانمائة وولى بعده القاضي بدر الدين محمد بن محمد بن أحمد بن مزهر واستمر إلى أن مات في ليلة الأحد سابع عشرين جمادى الآخرة من سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة‏.‏



وولى بعده ابنه جلال الدين وقيل بدر الدين محمد مدة يسيرة‏.‏
وصرف بالشريف شهاب الدين أحمد بن علي بن إبراهيم بن عدنان الحسيني الدمشقي فباشر مدة يسيرة وتوفي بالطاعون في سنة ثلاث وثلاثين وولي بعده أخوه نحو الجمعة بغير خلعة وتوفي بالطاعون أيضًا‏.‏
وولي بعدهما شهاب الدين أحمد بن صالح بن أحمد بن عمر المعروف بابن السفاح الحلبي فباشر إلى أن مات في سنة خمس وثلاثين‏.‏
وولي بعده الوزير كريم الدين عبد الكريم بن عبد الرزاق بن عبد الله المعروف بابن كاتب المناخ مضافًا للوزارة فباشر أشهرًا وصرف وأعيد القاضي كمال الدين محمد بن البارزي في يوم السبت العشرين من شهر ربيع الأخر سنة ست وثلاثين فباشر إلى أن صرف يوم الخميس سابع شهر رجب سنة تسع وثلاثين وولي مكانه الشيخ محب الدين محمد بن الأشقر فباشر إلى أن صرف وولي صلاح الدين محمد ابن الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله فباشر إلى أن توفي بالطاعون في سنة إحدى وأربعين وولي مكانه والده الصاحب بدر الدين حسن فباشر إلى أن صرف وأعيد القاضي كمال الدين بن البارزي في يوم الثلاثاء سابع عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة وهي ولايته الثالثة فباشر إلى أن توفي بكرة يوم الأحد سادس عشرين صفر سنة ست وخمسين وثمانمائة ولم يخلف بعده مثله وولي بعده القاضي محب الدين محمد بن الأشقر المقدم ذكره وباشر إلى أن صرفه الملك الأشرف إينال بالقاضي محب الدين محمد بن الشحنة الحلبي فباشر ابن الشحنة أشهرًا ثم صرف وأعيد القاضي محب الدين محمد بن الأشقر وهي ولايته الثالثة‏.‏



وغالب من ذكرناه من هؤلاء الكتاب قد تقدم ذكر أكثرهم ويأتي ذكر باقيهم في محلهم من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى‏.‏
وقد استطردنا من ترجمة الملك المنصور إلى غيرها ولكن لا بأس بالتطويل في تحصيل الفوائد‏.‏
وقد تقدم ذكرها في ترجمة الملك السعيد والملك العادل سلامش ولدي الملك الظاهر بيبرس وهي سنة ثمان وسبعين وستمائة فإنه حكم فيها من شهر رجب‏.‏
إلى آخرها‏.‏
















صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 13-01-2012, 10:03 PM   رقم المشاركة:483
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 55
المشاركات: 8,866
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الملك المنصور سيف الدين قلاوون على مصر (3)


سلطنة الملك المنصور سيف الدين قلاوون على مصر (3)







السنة الثانية

من سلطنة المنصور قلاوون وهي سنة تسع وسبعين وستمائة‏.‏

فيها توفي الشيخ محيي الدين أبو العباس أحمد بن علي بن عبد الواحد بن السابق الحلبي العدل الكبير كان من أكابر بيوت حلب وكان عنده فضيلة ورياسة ومات بدمشق في ذي الحجة‏.‏
وفيها توفي الأمير سيف الدين وقيل صارم الدين أزبك بن عبد الله الحلبي العدل الكبير كان من أعيان أمراء دمشق وهو منسوب إلى أستاذه الأمير عز الدين أيبك الحلبي وكان قد تجرد إلى بعلبك فتمرض بها فحمل في محفة إلى دمشق فمات بها في شوال‏.‏
وفيها توفي الأمير جمال الدين آقوش بن عبد الله الشمسي كان من أعيان الأمراء وأماثلهم وشجعانهم وهو الذي أمسك الأمير عز الدين أيدمر الظاهري وهو الذي باشر قتل كتبغا نوين مقدم التتار يوم عين جالوت وكان ولي نيابة حلب في السنة الخالية ومات بها في يوم الاثنين خامس المحرم ودفن بحلب وهو في عشر الخمسين‏.‏



وفيها توفي الشيخ الإمام كمال الدين أبو محمد عبد الرحمن بن محمد الحنفي الفقيه العدل كان من أعيان الفقهاء العدول وكان كثير الديانة والتعبد وهو أخو قاضي القضاة شمس الدين الحنفي‏.‏
وفيها توفي الشيخ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أيوب بن أبي رحلة الحمصي المولد والدار البعلبكي الوفاة كان فاضلًا ظريفًا أديبًا شاعرًا ومما ينسب إليه من الشعر قوله‏:‏ البسيط والدهر كالطيف بؤساه وأنعمه عن غير قصد فلا تحمد ولا تلم لا تسأل الدهر في البأساء يكشفها فلو سألت دوام البؤس لم يدم وفيها توفي الأديب الفاضل الشاعر المفتن جمال الدين أبو الحسين يحيى بن عبد العظيم بن يحيى بن محمد بن علي المصري المولد والوفاة المعروف بالجزار الشاعر المشهور أحد فحول الشعراء في زمانه‏.‏



مولده سنة إحدى وستمائة‏.‏
ومات يوم الثلاثاء ثاني عشر شوال ودفن بالقرافة وكان من محاسن الدنيا وله نوادر مستظرفة ومداعبات ومفاوضات مع شعراء عصره وله ديوان شعر كبير‏.‏
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي‏:‏ لم يكن في عصره من يقاربه في جودة النظم غير السراج الوراق وهو كان فارس تلك الحلبة ومنه أخذوا وعلى نمطه نسجوا ومن مادته استمدوا‏.‏
انتهى كلام الصفدي‏.‏
أكلف نفسي كل يوم وليلة شرورًا على من لا أفوز بخيره كما سود القصار بالشمس وجهه ليجهد في تبييض أثواب غيره وقيل‏:‏ إنه بات ليلة في رمضان عند الصاحب بهاء الدين بن حنا فصلى عنده التراويح وقرأ الإمام في تلك الليلة سورة الأنعام في ركعة واحدة فقال أبو الحسين‏:‏ السريع مالي على الأنعام من قدرة لا سيما في ركعة واحمه فلا تسوموني حضورا سوى في ليلة الأنفال والمائده ومن شعره‏:‏ الكامل طرف المحب فم يذاع به الجوى والدمع إن صمت اللسان لسان تبكي الجفون على الكرى فاعجب لمن تبكي عليه إذا نأى الأوطان وفيها توفي الشيخ الإمام عماد الدين أبو بكر بن هلال بن عباد الجيلي الحنفي معيد المدرسة الشبلية‏.‏



كان إمامًا عالمًا صالحًا منقطعًا عن الناس مشتغلًا بنفسه وكان معدودًا من العلماء أفتى وأعاد ودرس وانتفع به الناس ومات في تاسع عشر شهر رجب وقد كمل له مائة سنة وأربع سنين‏.‏
وروى عنه ابن الزبيدي وروى بالإجازة العامة عن السلفي‏.‏
الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال‏:‏ وفيها توفي الفقيه شمس الدين محمد بن عبد الله بن محمد بن النن‏.‏
والأديب البارع أبو الحسين يحيى بن عبد العظيم الجزار بمصر‏.‏
وشيخ الرافضة النجيب أبو القاسم بن الحسين ابن العود الحلي بجزين في شعبان‏.‏
والشيخ الزاهد يوسف بن نجاح بن موهوب الفقاعي بزاويته بقاسيون‏.‏



السنة الثالثة


من سلطنة المنصور قلاوون
وهي سنة ثمانين وستمائة‏.‏
فيها تربت جزيرة كبيرة ببحر النيل تجاه قرية بولاق واللوق وانقطع بسببها مجرى البحر ما بين قلعة المقس وساحل باب البحر والرملة وبين جزيرة الفيل ولم يعهد هذا فيما تقدم وحصل لأهل القاهرة مشقة يسيرة من نقل الماء لبعد البحر عنهم وأراد السلطان حفره فمنعوه وقالوا له‏:‏ هذا نشف إلى الأبد‏.‏
قلت‏:‏ وكذا وقع وغالب أملاك باب البحر والبساتين خارج باب البحر وداخله هي مكان البحر الذي نشف والتصقت المباني والبساتين بجزيرة الفيل وصارت غير جزيرة فسبحان وفيها توفي الشيخ الصالح الموله المعتقد إبراهيم بن سعيد الشاغوري المعروف بجيعانة في يوم الأحد سابع جمادى الأولى بدمشق ودفن بمقبرة المولهين بسفح قاسيون وله من العمر نحو سبعين سنة وكانت له جنازة عظيمة وكان له أحوال ومكاشفات رحمه الله‏.‏



وفيها توفي ملك التتار أبغا بن هولاكو بن تولي خان بن جنكزخان ملك التتار وطاغيتهم كان ملكا جليل الوفيها توفي الأمير سيف الدين بلبان الرومي الدوادار المقدم ذكره في قضية كتاب السر كان الملك الظاهر بيبرس يعتمد عليه وولاه دوادارًا وكان المطلع على أسراره وتدبير أمور القصاد والجواسيس والمكاتبات لا يشاركه في ذلك وزير ولا نائب سلطنة بل كان هو والأمير حسام الدين لاجين الأيدمري المعروف بالدرفيل فلما توفي لاجين المذكور انفرد بلبان بذلك وحده وكان مع هذه الخصوصية عند الملك الظاهر أمير عشرة وقيل جنديًا‏.‏
قال الصفدي‏:‏ لم يؤمره طبلخاناه إلى أن مات الملك الظاهر أنعم عليه ولده الملك السعيد بأمرة ستين فارسًا بالشام وبقي بعد ذلك إلى أن استشهد بظاهر حمص رحمه الله وقد نيف على ستين سنة‏.‏



وفيها توفي الأمير شمس الدين سنقر بن عبد الله الألفي كان من أعيان الأمراء الظاهرية وولي نيابة السلطنة بمصر للملك السعيد بعد موت الأمير بدر الدين بيليك الخازندار وباشر النيابة أحسن مباشرة إلى أن استعفى فاعفي وولي النيابة عوضه الأمير كوندك فكان ذهاب الدولة على يده‏.‏
ثم قبض الملك المنصور على سنقر هذا واعتقله بالإسكندرية وقيل بقلعة الجبل إلى أن مات وله من العمر نحو أربعين سنة‏.‏
وفيها توفي الشيخ علاء الدين أبو الحسن علي بن محمود بن الحسن بن نبهان اليشكري ثم الربعي وفيها توفي الأمير سيف الدين بلبان الرومي الدوادار المقدم ذكره في قضية كتاب السر كان الملك الظاهر بيبرس يعتمد عليه وولاه دوادارًا وكان المطلع على أسراره وتدبير أمور القصاد والجواسيس والمكاتبات لا يشاركه في ذلك وزير ولا نائب سلطنة بل كان هو والأمير حسام الدين لاجين الأيدمري المعروف بالدرفيل فلما توفي لاجين المذكور انفرد بلبان بذلك وحده وكان مع هذه الخصوصية عند الملك الظاهر أمير عشرة وقيل جنديًا‏.‏



قال الصفدي‏:‏ لم يؤمره طبلخاناه إلى أن مات الملك الظاهر أنعم عليه ولده الملك السعيد بأمرة ستين فارسًا بالشام وبقي بعد ذلك إلى أن استشهد بظاهر حمص رحمه الله وقد نيف على ستين سنة‏.‏
وفيها توفي الأمير شمس الدين سنقر بن عبد الله الألفي كان من أعيان الأمراء الظاهرية وولي نيابة السلطنة بمصر للملك السعيد بعد موت الأمير بدر الدين بيليك الخازندار وباشر النيابة أحسن مباشرة إلى أن استعفى فاعفي وولي النيابة عوضه الأمير كوندك فكان ذهاب الدولة على يده‏.‏
ثم قبض الملك المنصور على سنقر هذا واعتقله بالإسكندرية وقيل بقلعة الجبل إلى أن مات وله من العمر نحو أربعين سنة‏.‏
وفيها توفي الشيخ علاء الدين أبو الحسن علي بن محمود بن الحسن بن نبهان اليشكري ثم الربعي وفيها توفي الأمير سيف الدين بلبان الرومي الدوادار المقدم ذكره في قضية كتاب السر كان الملك الظاهر بيبرس يعتمد عليه وولاه دوادارًا وكان المطلع على أسراره وتدبير أمور القصاد والجواسيس والمكاتبات لا يشاركه في ذلك وزير ولا نائب سلطنة بل كان هو والأمير حسام الدين لاجين الأيدمري المعروف بالدرفيل فلما توفي لاجين المذكور انفرد بلبان بذلك وحده وكان مع هذه الخصوصية عند الملك الظاهر أمير عشرة وقيل جنديًا‏.‏



قال الصفدي‏:‏ لم يؤمره طبلخاناه إلى أن مات الملك الظاهر أنعم عليه ولده الملك السعيد بأمرة ستين فارسًا بالشام وبقي بعد ذلك إلى أن استشهد بظاهر حمص رحمه الله وقد نيف على ستين سنة‏.‏
وفيها توفي الأمير شمس الدين سنقر بن عبد الله الألفي كان من أعيان الأمراء الظاهرية وولي نيابة السلطنة بمصر للملك السعيد بعد موت الأمير بدر الدين بيليك الخازندار وباشر النيابة أحسن مباشرة إلى أن استعفى فاعفي وولي النيابة عوضه الأمير كوندك فكان ذهاب الدولة على يده‏.‏
ثم قبض الملك المنصور على سنقر هذا واعتقله بالإسكندرية وقيل بقلعة الجبل إلى أن مات وله من العمر نحو أربعين سنة‏.‏
وفيها توفي الشيخ علاء الدين أبو الحسن علي بن محمود بن الحسن بن نبهان اليشكري ثم الربعي وفيها توفي الأمير سيف الدين بلبان الرومي الدوادار المقدم ذكره في قضية كتاب السر كان الملك الظاهر بيبرس يعتمد عليه وولاه دوادارًا وكان المطلع على أسراره وتدبير أمور القصاد والجواسيس والمكاتبات لا يشاركه في ذلك وزير ولا نائب سلطنة بل كان هو والأمير حسام الدين لاجين الأيدمري المعروف بالدرفيل فلما توفي لاجين المذكور انفرد بلبان بذلك وحده وكان مع هذه الخصوصية عند الملك الظاهر أمير عشرة وقيل جنديًا‏.‏



قال الصفدي‏:‏ لم يؤمره طبلخاناه إلى أن مات الملك الظاهر أنعم عليه ولده الملك السعيد بأمرة ستين فارسًا بالشام وبقي بعد ذلك إلى أن استشهد بظاهر حمص رحمه الله وقد نيف على ستين سنة‏.‏
وفيها توفي الأمير شمس الدين سنقر بن عبد الله الألفي كان من أعيان الأمراء الظاهرية وولي نيابة السلطنة بمصر للملك السعيد بعد موت الأمير بدر الدين بيليك الخازندار وباشر النيابة أحسن مباشرة إلى أن استعفى فاعفي وولي النيابة عوضه الأمير كوندك فكان ذهاب الدولة على يده‏.‏
ثم قبض الملك المنصور على سنقر هذا واعتقله بالإسكندرية وقيل بقلعة الجبل إلى أن مات وله من العمر نحو أربعين سنة‏.‏
وفيها توفي الشيخ علاء الدين أبو الحسن علي بن محمود بن الحسن بن نبهان اليشكري ثم الربعي وفيها توفي الأمير سيف الدين بلبان الرومي الدوادار المقدم ذكره في قضية كتاب السر كان الملك الظاهر بيبرس يعتمد عليه وولاه دوادارًا وكان المطلع على أسراره وتدبير أمور القصاد والجواسيس والمكاتبات لا يشاركه في ذلك وزير ولا نائب سلطنة بل كان هو والأمير حسام الدين لاجين الأيدمري المعروف بالدرفيل فلما توفي لاجين المذكور انفرد بلبان بذلك وحده وكان مع هذه الخصوصية عند الملك الظاهر أمير عشرة وقيل جنديًا‏.‏



قال الصفدي‏:‏ لم يؤمره طبلخاناه إلى أن مات الملك الظاهر أنعم عليه ولده الملك السعيد بأمرة ستين فارسًا بالشام وبقي بعد ذلك إلى أن استشهد بظاهر حمص رحمه الله وقد نيف على ستين سنة‏.‏
وفيها توفي الأمير شمس الدين سنقر بن عبد الله الألفي كان من أعيان الأمراء الظاهرية وولي نيابة السلطنة بمصر للملك السعيد بعد موت الأمير بدر الدين بيليك الخازندار وباشر النيابة أحسن مباشرة إلى أن استعفى فاعفي وولي النيابة عوضه الأمير كوندك فكان ذهاب الدولة على يده‏.‏
ثم قبض الملك المنصور على سنقر هذا واعتقله بالإسكندرية وقيل بقلعة الجبل إلى أن مات وله من العمر نحو أربعين سنة‏.‏
وفيها توفي الشيخ علاء الدين أبو الحسن علي بن محمود بن الحسن بن نبهان اليشكري ثم الربعي وفيها توفي الأمير سيف الدين بلبان الرومي الدوادار المقدم ذكره في قضية كتاب السر كان الملك الظاهر بيبرس يعتمد عليه وولاه دوادارًا وكان المطلع على أسراره وتدبير أمور القصاد والجواسيس والمكاتبات لا يشاركه في ذلك وزير ولا نائب سلطنة بل كان هو والأمير حسام الدين لاجين الأيدمري المعروف بالدرفيل فلما توفي لاجين المذكور انفرد بلبان بذلك وحده وكان مع هذه الخصوصية عند الملك الظاهر أمير عشرة وقيل جنديًا‏.‏



قال الصفدي‏:‏ لم يؤمره طبلخاناه إلى أن مات الملك الظاهر أنعم عليه ولده الملك السعيد بأمرة ستين فارسًا بالشام وبقي بعد ذلك إلى أن استشهد بظاهر حمص رحمه الله وقد نيف على ستين سنة‏.‏
وفيها توفي الأمير شمس الدين سنقر بن عبد الله الألفي كان من أعيان الأمراء الظاهرية وولي نيابة السلطنة بمصر للملك السعيد بعد موت الأمير بدر الدين بيليك الخازندار وباشر النيابة أحسن مباشرة إلى أن استعفى فاعفي وولي النيابة عوضه الأمير كوندك فكان ذهاب الدولة على يده‏.‏
ثم قبض الملك المنصور على سنقر هذا واعتقله بالإسكندرية وقيل بقلعة الجبل إلى أن مات وله من العمر نحو أربعين سنة‏.‏
وفيها توفي الشيخ علاء الدين أبو الحسن علي بن محمود بن الحسن بن نبهان اليشكري ثم الربعي قدر عالي الهمة شجاعًا مقدامًا خبيرًا بالحروب لم يكن بعد والده مثله وكان على مذهب التتار واعتقادهم ومملكته متسعة جدًا وعساكره كثيرة وكان مع ذلك كلمته مسموعة في جنده مع كثرتهم‏.‏
ولما توجه أخوه منكوتمر بالعساكر إلى جهة الشام لم يكن ذلك عن رأيه بل أشير عليه فوافق ونزل في ذلك الوقت الرحبة أو بالقرب منها فلما بلغ أبغا كسرة منكوتمر رجع إلى همذان فمات غمًا وكمدًا‏.‏



ومات منكوتمر بعد أخيه أبغا بمدة يسيرة بين العيدين وله من العمر نحو خمسين سنة وقيل‏:‏ ثلاثين سنة والثاني أرجح‏.‏
ومات بعده بيومين أخوه آجاي على ما يأتي ذكر منكوتمر في القابلة‏.‏
وفيها توفي التاجر نجم الدين أبو العباس أحمد بن علي بن المظفر بن الحلي كان ذا نعمة ضخمة وثروة ظاهرة وأموال جمة وله التقدم في الدولة‏.‏
وفيها توفي الشيخ موفق الدين أبو العباس أحمد بن يوسف المعروف بالكواشي الإمام العالم المفسر صاحب التفسير الكبير والتفسير الصغير وهما من أحسن التفاسير وكانت له اليد الطولى في القراءات ومشاركة في غير ذلك من العلوم وكان مقيمًا بالجامع العتيق بالموصل منقطعًا عن الناس مجتهدًا في العبادة لا يقبل لأحد شيئًا وكان يزوره الملك ومن دونه فلا يقوم لهم ولا يعبأ بهم وكان له مجاهدات وكشوف وكرامات ولأهل تلك البلاد فيه عقيدة‏.‏
ومات وله تسعون سنة تقريبًا وكانت وفاته في سابع عشر جمادى الآخرة بالموصل ودفن بها‏.‏
وفيها توفي الأمير عز الدين المعروف بالحاج أزدمر بن عبد الله الجمدار كان من أعيان الأمراء وكان ممن انضاف إلى سنقر الأشقر لما تسلطن وكان سنقر جعله نائبا بدمشق ووقع له أمور ذكرنا بعضها في أول ترجمة الملك المنصور قلاوون إلى أن استشهد في واقعة التتار مع المنصور قلاوون بظاهر حمص مقبلًا غير مدبر رحمه الله وتقبل منه‏.‏
وفيها توفي الأمير عز الدين أيبك بن عبد الله الشجاعي الصالحي العمادي والي الولاة بالجهات القبلية كان دينًا خيرًا لين الجانب شديدًا على أهل الريب وجيهًا عند الملوك وكان الملك الظاهر بيبرس يعتمد عليه في أموره ثم إنه ترك الأمر باختياره ولزم داره إلى أن مات بدمشق في جمادى الآخرة وقد بلغ خمسًا وثمانين سنة‏.‏



وفيها توفي الأمير بدر الدين بكتوت بن عبد الله الخازندار استشهد أيضًا في وقعة التتار وفيها توفي الأمير سيف الدين بلبان الرومي الدوادار المقدم ذكره في قضية كتاب السر كان الملك الظاهر بيبرس يعتمد عليه وولاه دوادارًا وكان المطلع على أسراره وتدبير أمور القصاد والجواسيس والمكاتبات لا يشاركه في ذلك وزير ولا نائب سلطنة بل كان هو والأمير حسام الدين لاجين الأيدمري المعروف بالدرفيل فلما توفي لاجين المذكور انفرد بلبان بذلك وحده وكان مع هذه الخصوصية عند الملك الظاهر أمير عشرة وقيل جنديًا‏.‏
قال الصفدي‏:‏ لم يؤمره طبلخاناه إلى أن مات الملك الظاهر أنعم عليه ولده الملك السعيد بأمرة ستين فارسًا بالشام وبقي بعد ذلك إلى أن استشهد بظاهر حمص رحمه الله وقد نيف على ستين سنة‏.‏
وفيها توفي الأمير شمس الدين سنقر بن عبد الله الألفي كان من أعيان الأمراء الظاهرية وولي نيابة السلطنة بمصر للملك السعيد بعد موت الأمير بدر الدين بيليك الخازندار وباشر النيابة أحسن مباشرة إلى أن استعفى فاعفي وولي النيابة عوضه الأمير كوندك فكان ذهاب الدولة على يده‏.‏



ثم قبض الملك المنصور على سنقر هذا واعتقله بالإسكندرية وقيل بقلعة الجبل إلى أن مات وله من العمر نحو أربعين سنة‏.‏
وفيها توفي الشيخ علاء الدين أبو الحسن علي بن محمود بن الحسن بن نبهان اليشكري ثم الربعي كان له اليد الطولى في علم الفلك وتفرد بحل الأزياج وعمل التقاويم وغلب ذلك عليه مع فضلية تامة في علم الأدب وجودة النظم‏.‏
ومن شعره‏:‏ الطويل ولما أتاني العاذلون عدمتهم وما منهم إلا للحمي قارض وقد بهتوا لما رأوني شاحبًا وقالوا‏:‏ به عين فقلت‏:‏ وعارض وله‏:‏ الكامل إني أغار من النسيم إذا سرى بأريج عرفك خيفة من ناشق وأود لو سفرت لا من علة حذرًا عليك من الخيال الطارق قلت‏:‏ وأجاد الصاحب جماد الدين يحيى بن مطروح في هذا المعنى حيث قال‏:‏ الوافر فلو أمسى على تلفي مصرًا لقلت‏:‏ معذبي بالله زدني ولا تسمح بوصلك لي فإني أغار عليك منك فكيف مني ومثل هذا أيضًا قول حفصة المغربية رحمها الله‏:‏ الوافر أغار عليك من غيري ومني ومنك ومن مكانك والزمان ولو أني خبأتك في جفوني إلى يوم القيامة ما كفاني وفيها توفي الشيخ الإمام الأديب البارع بدر الدين يوسف بن لؤلؤ بن عبد الله الذهبي الشاعر المشهور كان أبوه لؤلؤ عتيق الأمير بدر الدين صاحب تل باشر‏.‏



وكان بدر الدين هذا فاضلًا شاعرًا ماهرًا‏.‏
ومن شعره مما كتبه للشيخ نجم الدين محمد بن إسرائيل وله صاحب يميل إليه يسمى بالجارح‏:‏ مجزوء الخفيف قلبك اليوم طائر عنك في الجوائح كيف يرجى خلاصه وهو في كف جارح ومن شعره في دولاب‏:‏ مجزوء الرجز وروضة دولابها إلى الغصون قد شكا من حين ضاع زهرها دار عليه وبكى وله‏:‏ المجتث يا عاذلي فيه قل لي إذا بدا كيف أسلو يمر بي كل حين وكلما مر يحلو وله‏:‏ السريع حلا نبات الشعر يا عاذلي لما بدا في خده الأحمر فشاقني ذاك العذار الذي نباته أحلى من السكر تعشقته لمن القوام مهفهفًا شهي اللمى أحوى المراشف أشنبا وقالوا بدا حب الشباب بوجهه فيا حسنه وجهًا إلي محببا وله‏:‏ مجزوء الكامل رفقا بصب مغرم أبليته صدا وهجرا وافاك سائل دمعه فرددته في الحال نهرا الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال‏:‏ وفيها توفي العلامة الزاهد موفق الدين أحمد بن يوسف الكواشي المفسر بالموصل في جمادى الآخرة وقد جاوز التسعين‏.‏



والقاضي نجم الدين محمد ابن القاضي صدر الدين ابن سني الدولة بدمشق في المحرم‏.‏
والعلامة قاضي القضاة تقي الدين محمد بن الحسين بن رزين العامري بالقاهرة في رجب وله سبع وسبعون سنة‏.‏
والحافظ المسند جمال الدين أبو حامد محمد بن علي بن محمود بن الصابوني في ذي القعدة‏.‏
والمسند شمس الدين أبو الغمائم المسلم بن محمد بن المسلم بن علان في ذي الحجة وله سبع وثمانون سنة‏.‏
والعدل أمين القاسم بن أبي بكر بن القاسم الإربلي في جمادى الأولى‏.‏
والعارف الزاهد ولي الدين علي بن أحمد بن بدر الجزري المقيم بجامع بيت لهيا في شوال‏.‏
وأبغا بن هولاكو ملك التتار ببلاد همذان‏.‏
والحاج أزدمر الأمير بمصاف حمص شهيدًا‏.‏



السنة الرابعة


من سلطنة المنصور قلاوون وهي سنة إحدى وثمانين وستمائة‏.‏

فيها توفي قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان بن باول بن عبد الله بن شاكل بن الحسين بن مالك بن جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك البرمكي الإربلي الشافعي قاضي قضاة دمشق وعالمها ومؤرخها‏.‏
مولده في ليلة الأحد حادي عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وستمائة بإربل وبها نشأ‏.‏
ذكره ابن العديم في تاريخه فقال‏:‏ من بيت معروف بالفقه والمناصب الدينية‏.‏



وقال غيره‏:‏ كان إمامًا عالمًا فقيهًا أديبًا شاعرًا مفتنًا مجموع الفضائل معدوم النظير في علوم شتى حجة فيما ينقله محققا لما يورده منفردًا في علم الأدب والتاريخ وكانت وفاته في شهر رجب وله ثلاث وسبعون سنة‏.‏
قلت‏:‏ وهو صاحب التاريخ المشهور وقد استوعبنا من حاله نبذة جيدة في تاريخنا المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي‏.‏
وكان ولي قضاء دمشق مرتين‏:‏ الأولى في حدود الستين وستمائة وعزل وقدم القاهرة وناب في الحكم بها عن قاضي القضاة بدر الدين السنجاري وأفتى بها ودرس ودام بها نحو سبع سنين ثم أعيد إلى قضاء دمشق بعد عز الدين بن الصائغ وسر الناس بعوده‏.‏



ومدحته الشعراء بعدة قصائد من ذلك مما أنشده الشيخ رشيد الدين عمر بن إسماعيل الفارقي فقال‏:‏ الخفيف أنت قي الشام مثل يوسف في مصر وعندي أن الكرام جناس ولكل سبع شداد وبعد السبع عام فيه يغاث الناس وقال فيه أيضا نور الدين علي بن مصعب‏:‏ مخلع البسيط رأيت أهل الشام طرًا ما فيهم قط غير راض أتاهم الخير بعد شر فالوقت بسط بلا انقباض وعوضوا فرحة بحزن قد أنصف الدهر في التقاضي وسرهم بعد طول غم قدوم قاض وعزل قاض فكفهم شاكر وشاك لحال مستقبل وماض ومن شعر ابن خلكان المذكور قوله‏:‏ الطويل تمثلتم لي والبلاد بعيدة فخيل لي أن الفؤاد لكم مغنى وله دوبيت‏:‏ قاسوك ببدر التم قوم ظلموا لا ذنب لهم لأنهم ما علموا من أين لبدر التم يا ويحهم جيد وعيون وقوائم وفم وله‏:‏ الكامل يا رب إن العبد يخفي عيبه فاستر بحلمك ما بدا من عيبه ولقد أتاك وما له من شافع لذنوبه فاقبل شفاعة شيبه قلت ويعجبني في هذا المعنى قول القائل‏:‏ الكامل إن كانت الأعضاء خالفت الذي أمرت به في سالف الأزمان فسلوا الفؤاد عن الذي أودعتم فيه من التوحيد والإيمان تجدوه قد أدى الأمانة فيهما فهبوا له ما حل في الأركان وفيها توفي ملك التتار منكوتمر بن هولاكو خان بن تولي خان بن جنكز خان هو أخو أبغا ملك التتار ومنكوتمر هذا هو الذي ضرب المصاف مع السلطان الملك المنصور قلاوون على حمص حسب ما تقدم ذكره وانكسرت عساكره فلما وقع ذلك عظم عليه وحصل عنده غم شديد وكمد زائد وحدثته نفسه بجمع العساكر من سائر ممالك بيت هولاكو واستنجد بأخيه أبغا على غزو الشام فقدر الله سبحانه وتعالى موت أبغا ثم مات هو بعده في محرم هذه السنة وأراح الله المسلمين من شرهما‏.‏



وكان منكوتمر شجاعًا مقدامًا وعنده بطش وجبروت وسفك للدماء وكان نصرانيًا وكان جرح يوم مصاف حمص والذي جرحه الأمير علم الدين سنجر الدويداري‏.‏
الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال‏:‏ وفيها توفي الإمام زين الدين عبد السلام بن علي الزواوي المالكي شيخ القراء في رجب عن اثنتين وتسعين سنة‏.‏
وقاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان الإربلي في رجب وله ثلاث وسبعون سنة‏.‏
ونجيب الدين المقداد بن هبة الله القيسي العدل في شعبان‏.‏
وأبو الطاهر إسماعيل بن هبة الله المليجي آخر من قرأ القرآن على أبي الجود في رمضان بالقرافة‏.‏
والبرهان إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن يحيى بن علوي المعروف بابن الدرجي إمام المدرسة المعزية في صفر وله اثنتان وثمانون سنة‏.‏
والعماد إسماعيل بن إسماعيل بن جوسلين البعلبكي‏.‏
والعلامة برهان الدين محمود بن عبد الله المراغي في شهر ربيع الآخر وله ست وسبعون سنة‏.‏
والإمام أمين الدين أحمد بن عبد الله بن عبد الجبار بن طلحة بن عمر بن الأشتر المعروف بالأشتري الشافعي في شهر ربيع الأول‏.‏
والشيخ الزاهد عبد الله بن أبي بكر ويعرف بكتيلة ببغداد‏.‏



السنة الخامسة

من سلطنة المنصور قلاوون وهي سنة اثنتين وثمانين وستمائة‏.‏

فيها توفي الأمير شهاب الدين أحمد بن حجي بن يزيد البرمكي أمير آل مرى كان من فرسان العرب المشهورين كانت سراياه تغير إلى أقصى نجد وبلاد الحجاز ويؤدون له الخفر وكذلك صاحب المدينة الشريفة وكانت له المنزلة العالية عند الظاهر والمنصور قلاوون وغيرهما من الملوك كانوا يدارونه ويتقون شره وكان يزعم أنه من نسل الوزير جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك البرمكي من أخت الخليفة هارون الرشيد الذي امتحن جعفر بسببها وقتل‏.‏
وكان بين شهاب الدين هذا وبين عيسى بن مهنا أمير آل فضل منافسة فكتب إليه شهاب الدين هذا مرة كتابًا وأغلظ فيه وكان عند عيسى الشيخ شهاب الدين أحمد بن غانم فسأله عيسى بن مهنا المجاوبة فكتب عنه يقول‏:‏ مجزوء الرمل زعموا أنا هجونا جمعهم بالافتراء إنما قلنا مقالًا لا كقول السفهاء آل فضل آل فضل وانتم آل مراء وفيها توفي شرف بن مري بن حسن بن حسين بن محمد النواوي والد الشيخ محيي الدين النواوي كان مقتنعًا بالحلال يزرع أرضًا يقتات منها هو وأهله وكان يمون ولده الشيخ محيي الدين منها ومات في صفر‏.‏



وفيها توفي الشيخ الإمام شمس الدين أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة الحنبلي المقدسي كان إمامًا فقيهًا ورعًا زاهدًا كبير القدر جم الفضائل انتهت إليه رياسة مذهب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه في زمانه وشرح كتاب المقنع في الفقه تأليف عمه شيخ الإسلام موفق الدين رحمه الله‏.‏
وفيها توفي الأمير علاء الدين كشتغدي بن عبد الله الشرفي الظاهر في المعروف بأمير مجلس كان من أعيان الأمراء وأكابرهم بالديار المصرية وكان بطلًا شجاعًا وله مواقف مشهورة ونكايات في العدو المخذول‏.‏
ومات بقلعة الجبل وقد نيف على خمسين سنة وحضر الملك المنصور قلاوون جنازته‏.‏
وفيها توفي الكاتب المجود عماد الدين أبو عبد الله وقيل أبو الفضل محمد ابن محمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله الشيرازي الدمشقي صاحب الخط المنسوب‏.‏



انتهت إليه الرياسة في براعة الخط لاسيما في المحقق والنسخ‏.‏
سمع الكثير وروى عنه الحافظ جمال الدين المزي وغيره وتصدى للكتابة وانتفع به الناس‏.‏
وقدم القاهرة واتفق أنه ركب النيل مرة مع الصاحب بهاء الدين بن حنا وكان معه جماعة من أصحابه وفيهم شخص معروف بابن الفقاعي ممن له عناية بالكتابة فسأل الصاحب بهاء الدين وقال‏:‏ عندي لمولانا الصاحب وهؤلاء الجماعة يوم كامل الدعوة ومولانا يدعو المولى عماد الدين يفيدني قطة القلم فقال الصاحب‏:‏ والله ما في هذا شيء مولانا يتفضل عليه بذلك فأطرق عماد الدين مغضبًا ثم رفع رأسه وقال‏:‏ أو خير لك من ذلك قال‏:‏ وما هو قال‏:‏ أحمل إليك ربعة بخطي ويعفيني من هذا فقال الصاحب‏:‏ لا والله الربعة بخط مولانا تساوي ألفي درهم وأنا ما آكل من هذه الضيافة شيئًا يساوي عشرة دراهم‏.‏
وفيها توفي الشيخ أبو محمد وقيل أبو المحاسن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني أحد علماء الحنابلة ووالد الشيخ تقي الدين بن تيمية‏.‏



مولده بحران في ثاني عشر شوال سنة سبع وعشرين وستمائة وسمع الكثير وتفقه وبرع في الفقه وتميز في عدة فنون ودرس ببلده وأفتى وخطب ووعظ وفسر ولى هذه الوظائف عقيب موت والده مجد الدين وعمره خمس وعشرون سنة وكان أبوه أيضًا من العلماء‏.‏
ومات في سلخ ذي الحجة ودفن بمقابر الصوفية بدمشق‏.‏
الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال‏:‏ وفيها توفي الإمام عماد الدين علي بن يعقوب بن أبي زهران الموصلي الشافعي شيخ القراء بدمشق في صفر وقد قارب الستين‏.‏
وشيخ الإسلام الشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر المقدسي في شهر ربيع الآخر وله خمس وثمانون سنة‏.‏
والإمام شهاب الدين عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني والد شيخنا في سلخ السنة وله ست وخمسون سنة‏.‏
والشيخ محيي الدين عمر بن محمد بن أبي سعد بن أبي عصرون التميمي في ذي القعدة عن ثلاث وثمانين سنة‏.‏
والإمام شمس الدين محمد ابن أحمد بن نعمة المقدسي مدرس الشامية في ذي القعدة‏.‏
وخطيب دمشق محيي الدين محمد بن الخطيب عماد الدين عبد الكريم بن الحرستاني في جمادى الآخرة وله ثمان وستون سنة‏.‏
والحافظ شمس الدين محمد بن محمد بن عباس بن جعوان الأديب في جمادى الأولى‏.‏
والرئيس محيي الدين يحيى بن علي بن القلانسي في شوال‏.‏
والرئيس عماد الدين أبو الفضل محمد بن محمد ابن القاضي شمس الدين هبة الله بن الشيرازي في صفر‏.‏
وشرف الدين محمد بن عبد المنعم بن القواس في شهر ربيع الآخر‏.‏
والمحدث جمال الدين عبد الله بن يحيى الجزائري في شوال‏.‏



السنة السادسة

من سلطنة المنصور قلاوون

وهي سنة ثلاث وثمانين وستمائة‏.‏
فيها توفي قاضي القضاة ناصر الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن منصور الجذامي المالكي المعروف بابن المنير قاضي الإسكندرية مولده في ذي القعدة سنة عشرين وستمائة ومات بالإسكندرية ليلة الخميس مستهل شهر ربيع الأول ودفن عند تربة والده عند الجامع المغربي وكان إمامًا فاضلًا متبحرًا في العلوم وله اليد الطولى في علم الأدب والنظم والنثر‏.‏
ومن شعره ما كتبه لقاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان في صدر كتاب‏:‏ الخفيف ليس شمس الضحا كأوصاف شمس الد - - ين قاضي القضاة حاشا وكلا تلك مهما علت محلا ثنت ظلًا وهذا مهما علا مد ظلا وله يهجو القاضي زين الدين بن أبي الفرج لما نازعه في الحكم‏:‏ الخفيف قل لمن يدعي المناصب بالجه - - ل تنح عنها لمن هو أعلم وله في صدر كتاب كتبه إلى الفائزي يسأله رفع التصقيع عن ثغر الإسكندرية‏:‏ الوافر إذا اعتل الزمان فمنك يرجو بنو الأيام عاقبة الشفاء وإن ينزل بساحتهم قضاء فأنت اللطف في ذاك القضاء وفيها توفي ملك التتار أحمد بن هولاكو قان بن تولي قان بن جنكزخان كان ملكًا شهمًا خبيرًا بأمور الرعية سالكًا أحسن المسالك أسلم وحسن إسلامه وبنى بممالكه الجوامع والمساجد وكان متبعًا دين الإسلام لا يصدر عنه إلا ما يوافق الشريعة وكان لما حسن إسلامه صالح السلطان الملك المنصور قلاوون وفرح السلطان بذلك فمات أحمد بعد مدة يسيرة وملك بعده أرغون بن أبغا‏.‏



وفيها توفي القاضي نجم الدين أبو محمد عبد الرحيم بن إبراهيم بن هبة الله بن المسلم بن هبة الله بن حسان بن محمد بن منصور بن أحمد الجهني الشافعي المعروف بابن البارزي ولد بحماة سنة ثمان وستمائة وروى الحديث وبرع في الفقه والحديث والنحو والأدب والكلام والحكمة وصنف في كثير من العلوم وتولى القضاء بحماة نيابة عن والده ثم استقل بعده ولم يأخذ على القضاء رزقًا وصرف قبل موته بسنين‏.‏
ومن شعره تضمينًا لأول قصيدة البهاء زهير البائية‏:‏ الطويل وناديت أهلًا بالحبيب ولم أقل رسول الرضا أهلًا وسهلًا ومرحبًا وفيها توفي الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا أمير آل فضل وملك العرب في وقته وكان له منزلة عظيمة عند الملوك لاسيما عند الملك الظاهر بيبرس البندقداري ثم تضاعفت عند الملك المنصور قلاوون وكان كريم الأخلاق حسن الجوار مكفوف الشر مبذول الخير لم يكن في العرب وملوكها من يضاهيه وكان عنده ديانة وصدق‏.‏



ولما مات ولى الملك المنصور قلاوون ولده مهنا عوضه وكان بين وفاته ووفاة عدوه الأمير أحمد بن حجي أمير آل مرى دون السنة‏.‏
وفيها توفي الشيخ الإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن موسى بن النعمان التلمساني سمع الكثير بعدة بلاد وحدث ومولده بتلمسان في سنة ست أو سبع وستمائة ومات بمصر ودفن بالقرافة الكبرى وهو غير شمس الدين محمد بن العفيف التلمساني‏.‏
وفيها توفي الملك المنصور ناصر الدين أبو المعالي محمد ابن الملك المظفر محمود ابن الملك المنصور محمد بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب صاحب حماة والمعرة وابن صاحبهما ملكهما بعد وفاة أبيه سنة اثنتين وأربعين وستمائة ووالدته الصاحبة غازية خاتون بنت الملك الكامل محمد صاحب مصر ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب‏.‏



وكان مولده سنة اثنتين وثلاثين وستمائة وولي الملك المنصور قلاوون ابنه بعد وفاته‏.‏
الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال‏:‏ وفيها توفي القاضي ناصر الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن منصور الجذامي بن المنير بالإسكندرية في شهر ربيع الآخر وله ثلاث وستون سنة‏.‏
والملك أحمد بن هولاكو ملك التتار‏.‏
وقاضي حماة نجم الدين عبد الرحيم بن إبراهيم بن البارزي الشافعي في ذي القعدة وحمل ودفن بالبقيع وله خمس وسبعون سنة‏.‏
وقاضي دمشق عز الدين أبو المفاخر محمد بن عبد القادر بن عبد الخالق الأنصاري بن الصائع في شهر ربيع الآخر في آخر الكهولية‏.‏
وصاحب حماة الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن المظفر محمود عن إحدى وخمسين سنة‏.‏
والشيخ العارف أبو عبد الله محمد بن موسى بن النعمان التلمساني بمصر في رمضان وله سبع وسبعون سنة‏.‏
وملك العرب عيسى بن مهنا في شهر ربيع الأول‏.‏



السنة السابعة

من سلطنة المنصور قلاوون وهي سنة أربع وثمانين وستمائة‏.‏

فيها كان فتوح المرقب وغيره من القلاع بالساحل حسب ما ذكرناه في أول الترجمة‏.‏
وفيها ولد الملك الناصر محمد بن قلاوون ووالده على حصار المرقب وقد تقدم ذكر ذلك أيضًا‏.‏
وفيها توفي الشيخ زين الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد الأندلسي الإشبيلي الأصل المعروف بكتاكت المصري الواعظ المقرئ الأديب الشاعر مولده سنة خمس وستمائة وقيل غير ذلك ومات بالقاهرة في شهر ربيع الأول‏.‏
وكان إمامًا في الوعظ ولديه فضيلة ومشاركة‏.‏
وله شعر جيد‏.‏
من ذلك قوله‏:‏ البسيط من أنت محبوبه ماذا يغيره ومن صفوت له ماذا يكدره هيهات عنك ملاح الكون تشغلني والكل أعراض حسن أنت جوهره وله القصيدة المشهورة عند الفقراء التي أولها‏:‏ الكامل حضروا فمذ نظروا جمالك غابوا والكل مذ سمعوا خطابك طابوا وفيها توفي الأمير علاء الدين أيدكين بن عبد الله البندقداري الصالحي النجمي أستاذ الملك الظاهر بيبرس البندقداري كان أصل أيدكين هذا من مماليك الأمير جمال الدين موسى بن يغفور ثم انتقل عنه للملك الصالح نجم الدين أيوب وجعله بندقداره وأمره ثم نكبه وأخذ منه الملك الظاهر بيبرس ثم أعاده‏.‏



ثم ترقى بعد موت أستاذه وولي نيابة الشام من قبل مملوكه الملك الظاهر بيبرس وكان الملك الظاهر بيبرس يعظمه ويقول له‏:‏ أنت أستاذي ويعرف له حق التربية وكان هو أيضًا يبالغ في خدمة الملك الظاهر والنصح له وهو الذي انتزع له دمشق من يد الأمير سنجر الحلبي كما تقدم ذكره‏.‏
وعاش أيدكين إلى دولة الملك المنصور قلاوون وهو من أكابر الأمراء وأعيانهم إلى أن مات في القاهرة في شهر ربيع الآخر ودفن بتربته قريب بركة الفيل وقد ناهز السبعين‏.‏
قلت‏:‏ وما العجب أن أيدكين هذا كان من جملة أمراء مملوكه الملك الظاهر بيبرس والعجب أن أستاذ إيدكين هذا الأمير جمال الدين بن يغمور كان أيضًا من جملة أمراء الظاهر بيبرس فكان الظاهر أستاذ أستاذه في خدمته ومن جملة أمرائه فانظر إلى تقلبات الدهر بالملوك وغيرها‏.‏
وفيها توفي الشيخ الإمام رشيد الدين أبو محمد سعيد بن علي بن سعيد البصراوي الحنفي مدرس الشبلية كان إمامًا عالمًا فاضلًا مدرسًا في الديانة والورع عرض عليه القضاء غير مرة فامتنع وكانت له اليد الطولى في العربية والنظم وكانت وفاته في شعبان ودفن بقاسيون‏.‏
ومن شعره‏:‏ البسيط أرى عناصر طيب العيش أربعة ما زال منها فطيب العيش قد زالا أمنًا وصحة جسم لا يخالطها مغاير والشباب الغض والمالا كيف اعتمدت على الدنيا وتجريبك أراك فلك تراها كيف تجري بك ما زالت الخادعة تدنو فتغري بك حتى رمتك بإبعادك وتغريبك وفيها توفي الأديب البارع مجير الدين أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن علي المعروف بابن تميم الشاعر المشهور وهو سبط ابن تميم كان أصله دمشقيًا وانتقل إلى حماة وخدم صاحبها الملك المنصور جنديًا وكان له به اختصاص وكان فاضلًا شجاعًا عاقلًا وكان من الشعراء المعدودين‏.‏



ومن شعره في الشجاعة والإقدام قوله‏:‏ الكامل دعني أخاطر في الحروب بمهجتي إما أموت بها وإما أرزق فسواد عيشي لا أراه أبيضًا إلا إذا احمر السنان الأزرق وله‏:‏ الرجز لم لا أهيم إلى الرياض وزهرها وأقيم منها تحت ظل ضافي والغصن يلقاني بثغر باسم والماء يلقاني بقلب صافي وله‏:‏ الكامل عاينت ورد الروض يلطم خده ويقول وهو على البنفسج محنق لا تقربوه وإن تضوع نشره ما بينكم فهو العدو الأزرق بنفسج الروض تاه عجبًا وقال‏:‏ طيبي للجو ضمخ فأقبل الزهر في احتفال والبان من غيظه تنفخ الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال‏:‏ وفيها توفيت أم الخير ست العرب بنت يحيى بن قيماز الكندية في المحرم‏.‏
والمحدث أبو القاسم علي بن بلبان الناصري في رمضان‏.‏
وأبو بكر محمد بن إسماعيل بن عبد الله الانماطي في ذي الحجة‏.‏
والقدوة الشيخ محمد بن الحسن الإخميمي بقاسيون في جمادى الأولى‏.‏
والشيخ الزاهد شرف الدين محمد ابن الشيخ عثمان الرومي‏.‏
والإمام الرشيد سعيد بن علي الحنفي في رمضان‏.‏
والعلامة رضي الدين محمد بن علي بن يوسف الشاطبي اللغوي بمصر وله نيف وثمانون سنة‏.‏



السنة الثامنة


من سلطنة المنصور قلاوون وهي سنة خمس وثمانين وستمائة‏.‏

فيها استولى الملك المنصور قلاوون على الكرك وانتزعها من يد الملك المسعود خضر ابن الملك وفيها توفي الشيخ معين الدين أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عبد الرحمن بن أحمد بن تولوا الفهري مولده بتنيس سنة خمس وستمائة ومات بمصر في شهر ربيع الأول ودفن بالقرافة الصغرى وسمع الحديث وتفقه وكان له معرفة بالأدب وله يد طولى في النظم وشعره في غاية الجودة‏.‏
ومن شعره وقد أمر قاضي مصر بقطع أرزاق الشعراء من الصدقات سوى أبي الحسين الجزار فقال‏:‏ السريع تقدم القاضي لنوابه بقطع رزق البر والفاجر ووفر الجزار من بينهم فاعجب للطف التيس بالجازر وفيها توفي الشيخ شهاب الدين أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم بن محمد الأنصاري الصوفي الفقيه الشافعي الشاعر المشهور المعروف بابن الخيمي كان إمام عصره في الأدب ونظم الشعر مع مشاركة في كثير من العلوم‏.‏
ومولده سنة اثنتين وستمائة وتوفي بمشهد الحسين بالقاهرة في شهر رجب وقد أوضحنا أمره مع نجم الدين بن إسرائيل لما تداعيا القصيدة التي أولها‏:‏ البسيط يا مطلبًا ليس لي في غيره أرب إليك آل التقصي وانتهى الطلب في تاريخنا المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي وذكرنا أمرهما لما أمرهما ابن الفارض بنظم قصيدتين في الروي والقافية وذكرنا القصيدتين أيضا بكمالهما ثم حكم ابن الفارض بالقصيدة لشهاب الدين هذا‏.‏



والقصيدة التي نظمها شهاب الدين ابن الخيمي هذا لما أمره ابن الفارض بالنظم أولها‏:‏ البسيط لله قوم بجرعاء الحمى غيب جنوا علي ولما أن جنوا عتبوا والتي نظمها ابن إسرائيل‏:‏ البسيط لم يقض من حبكم بعض الذي يجب قلب متى ما جرى تذكاركم يجب الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال‏:‏ وفيها توفي المسند أبو العباس أحمد بن شيبان الصالحي في صفر وقد قارب التسعين‏.‏
والعلامة جمال الدين محمد بن أحمد بن محمد البكري‏.‏
والشهاب محمد بن عبد المنعم بن محمد الأنصاري ابن الخيمي الشاعر في رجب وله ثلاث وثمانون سنة‏.‏
والشيخ عبد الرحيم بن محمد بن أحمد بن فارس العلثي بن الزجاج في المحرم‏.‏
وأمة الحق شامية ابنة صدر الدين الحسن بن محمد بن محمد البكري في رمضان‏.‏
والإمام صفي الدين خليل بن أبي بكر بن محمد المراغي في ذي القعدة‏.‏
وقاضي القضاة بهاء الدين يوسف ابن القاضي محيي الدين بن الزكي في ذي الحجة وله ست وأربعون سنة‏.‏
والمقرئ برهان الدين إبراهيم بن إسحاق بن المظفر الوزيري في ذي الحجة قافلًا من الحج‏.‏
وخطيب كفربطنا جمال الدين محمد بن عمر الدينوري في رجب وله اثنتان وسبعون سنة‏.‏
والمقرئ الشيخ حسن بن عبد الله بن ويحيان الراشدي في صفر‏.‏



السنة التاسعة

من سلطنة المنصور قلاوون وهي سنة ست وثمانين وستمائة‏.‏

فيها توفي الشيخ الإمام العارف بالله تعالى قطب زمانه شهاب الدين أبو العباس أحمد بن عمر بن محمد المرسي الأنصاري الإسكندري المالكي الصالح المشهورة كان علامة زمانه في العلوم الإسلامية وله القدم الراسخة في علم التحقيق وله الكرامات الباهرة وكان يقول‏:‏ شاركنا الفقهاء فيما هم فيه ولم يشاركونا فيما نحن فيه‏.‏
وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي‏:‏ أبو العباس بطرق السماء أعلم منه بطرق الأرض‏.‏
قلت‏:‏ وكان لديه فضيلة ومشاركة وله كرامات وأحوال مشهورة عنه وللناس فيه اعتماد كبير لاسيما أهل الإسكندرية وقد شاع ذكره وبعد صيته بالصلاح والزهد وكان من جملة الشهود وفيها توفي الشيخ شرف الدين أبو الربيع سليمان بن بليمان بن أبي الجيش ابن عبد الجبار بن بليمان الهمذاني الأصل الرعباني المولد الإربلي المنشأ الشاعر المشهور صاحب النوادر كان من شعراء الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد صاحب الشام وكان أبوه صائغًا وتعانى هو أيضًا الصياغة قيل إنه جاء إليه مملوك مليح من مماليك الملك الأشرف موسى وقال له‏:‏ عندك خاتم لإصبعي فقال له‏:‏ لا إنما عندي إصبع مليح لخاتمك‏.‏
ومات بدمشق في ليلة عاشر صفر‏.‏



ومن شعره‏:‏ الطويل وما زالت الركبان تخبر عنكم أحاديث كالمسك الذكي بلا مين إلى أن تلاقينا فكان الذي وعت من القول أذني دون ما أبصرت عيني ولما قامر التلعفري بثيابه وأخفافه قال فيه شرف الدين هذا قصيدة وأنشدها للملك الناصر بحضرة التلعفري‏.‏
فلما فرغ من إنشادها قال له التلعفري‏:‏ ما أنا جندي حتى أقامر بأخفافي‏.‏
فقال له شرف الدين‏:‏ بخفاف امرأتك‏.‏
فقال‏:‏ ما لي امرأة فقال له‏:‏ لك مقامرة من بين الحجرين إما بالخفاف أو بالنعال‏.‏
قلت‏:‏ وأنا مسامح التلعفري على القمار لحسن ما قاله من رائق الأشعار‏:‏ الطويل فمن كان ذا عذر قبلت اعتذاره ومن لا له عذر فعندي له غذر وفيها توفي الشيخ الإمام المحدث قطب الدين أبو بكر محمد بن أحمد بن علي بن محمد بن الحسن بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القيسي الشاطبي المحدث الإمام العلامة كان شيخ الكاملية بالقاهرة وهو المعروف بابن القسطلاني التوزري الأصل المصري المولد المكي المنشأ الشافعي المذهب مولده سنة أربع عشرة وستمائة ومات يوم السبت ثامن عشر المحرم ودفن بالقرافة الصغرى وكان مجموع الفضائل رحمه الله‏.‏



الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال‏:‏ وفيها توفي الإمام النحوي بدر الدين محمد ابن الشيخ جمال الدين بن مالك في المحرم‏.‏
والإمام قطب الدين أبو بكر محمد بن أحمد بن علي القسطلاني بالقاهرة في المحرم‏.‏
وقاضي القضاة برهان الدين الخضر بن الحسن بن علي السنجاري بمصر في صفر‏.‏
والحكيم عماد الدين محمد بن عباس الربعي الدنيسري وله إحدى وثمانون سنة‏.‏
وشرف الدين سليمان بن بليمان الإربلي الشاعر‏.‏
والمحدث وجيه الدين عبد الرحمن بن حسن السبتي في جمادى الأولى‏.‏
والمسند عز الدين أبو العز عبد العزيز بن عبد المنعم بن الصيقل الحراني في شهر رجب‏.‏




السنة التاسعة

من سلطنة المنصور قلاوون
وهي سنة سبع وثمانين وستمائة‏.‏
فيها توفي الشيخ المعتقد الصالح برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن معضاد بن شداد الجعبري الأصل والمولد المصري الدار والوفاة الصالح المشهور نشأ بجعبر ثم انتقل إلى الديار المصرية واستوطنها ولزم مسجده وكان يعظ به ويجتمع عنده خلق كثير ولأصحابه فيه عقيمة حسنة وله مقالات كثيرة وكان زاهدًا عابدًا سمع الحديث وروى عن السخاوي وغيره وكان غزير الفضيلة حلو العبارة‏.‏
قال الصلاح الصفدي‏:‏ أخبرني الشيخ الإمام العلامة أثير الدين أبو حيان من لفظه قال‏:‏ رأيت المذكور بالقاهرة وحضرت مجلسه أنا والشيخ نجم الدين بن مكي وجرت لنا معه حكاية وكان يجلس للعوام يذكرهم ولهم فيه اعتقاد وكان يدري شيئًا من الحديث وله مشاركة في أشياء من العلوم وفي الطب وله شعر جيد‏.‏



وأنشد له قصيدة أذكر منها القليل‏:‏ الكامل عشقوا الجمال مجردًا بمجرد الر - - وح الزكية عشق من زكاها متجردين عن الطباع ولؤمها متلبسين عفافها وتقاها انتهى كلام الصفدي‏.‏
وقال القطب اليونيني‏:‏ وأظنه نيف على الثمانين من العمر ولما مرض مرض الموت أمر أن يخرج به إلى مكان مدفنه فلما رآه قال له‏:‏ قبير جاك دبير‏.‏
ومات بعد ذلك بيوم في يوم السبت رابع عشرين المحرم بالقاهرة ودفن من يومه بالحسينية خارج باب النصر وقبره معروف هناك يقصد للزيارة‏.‏
قلت‏:‏ ويعجبني في هذا المعنى المقالة السابعة الزهدية من مقالات الشيخ العارف الرباني شرف الدين عبد المؤمن بن هبة الله الأصفهاني المعروف بشوروة من كتابه أطباق الذهب وهي‏:‏ طوبى للتقي الخامل الذي سلم عن إشارة الأنامل وتعسًا لمن قعد في الصوامع ليعرف بالأصابع خزائن الأمناء مكتومة وكنوز الأولياء مختومة والكامل كامن يتضاءل والناقص قصير يتطاول والعاقل قبعة والجاهل طلعة فاقبع قبوع الحيات واكمن في الظلمات كمون ماء الحياة وصن كنزك في التراب وسيفك في القراب وعف آثارك بالذيل المسحوب واستر رواءك بسفعة الشحوب فالنباهة فتنة والوجاهة محنة فكن كنزا مستورًا ولا تكن سيفًا مشهورًا إن الظالم جدير أن يقبر ولا يحشر والبالي خليق أن يطوى ولا ينشر ولو عرف الجذل صولة النجار وعضة المنشار لما تطاول شبرًا ولا تخايل كبرًا وسيقول البلبل المعتقل‏:‏ يا ليتني كنت غرابا ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابًا‏.‏



وفيها توفي الشيخ ناصر الدين أبو محمد حسن بن شاور بن طرخان الكناني ويعرف بابن الفقيسي وبابن النقيب الشاعر المشهور كان من الفضلاء الأدباء ومات ليلة الأحد منتصف شهر ربيع الأول ودفن بسفح المقطم وله تسع وسبعون سنة وكان بينه وبين العلامة شهاب الدين محمود الحلبي صحبة ومجالسة ومذاكرة في القريض‏.‏
ومن شعره‏:‏ الطويل نهيناه عن فعل القبيح فما انتهى ولا رده ردع وعاد وعادى وقلنا له رز بالصلاح فقلما رأينا فتى عانى الفساد فسادا وله‏:‏ الطويل وجردت مع فقري وشيخوختي التي تراها فنومي عن جفوني مشرد فلا يدعي غيري مقامي فإنني أنا ذلك الشيخ الفقير المجرد وله‏:‏ مخلع البسيط حدثت عن ثغره المحلى فمل إلى خده المورد خد وثغر فجل رب بمبدع الحسن قد تفرد وله‏:‏ الكامل يا من أدار سلافة من ريقه وحبابها الثغر الشنيب الأشنب تفاح خدك بالعذار ممسك لكنه بدم القلوب مخضب أنا العذري فاعذرني وسامح وجر علي بالإحسان ذيلا ولما صرت كالمجنون عشقا كتمت زيارتي وأتيت ليلا وفيها توفي الملك الصالح علي ابن السلطان الملك المنصور قلاوون كان والده المنصور قلاوون قد جعله ولي عهده وسلطنه في حياته حسب ما تقدم ذكره في سنة تسع وسبعين وستمائة فدام في ولاية العهد إلى هذه السنة‏:‏ مرض ومات بعد أيام في رابع شعبان بقلعة الجبل ووجد عليه أبوه الملك المنصور قلاوون كثيرًا فإنه كان نجيبًا عاقلًا خليقًا للملك‏.‏



وفيها توفي الشيخ الطبيب علاء الدين علي بن أبي الحرم القرشي الدمشقي المعروف بابن النفيس الحكيم الفاضل العلامة في فنه لم يكن في عصره من يضاهيه في الطب والعلاج والعلم اشتغل على المهذب الدخوار حتى برع وانتهت إليه رياسة فنه في زمانه وهو صاحب التصانيف المفيدة منها‏:‏ الشامل في الطب والمهذب في الكحل والموجز وشرح القانون لابن سينا‏.‏
ومات في ذي القعدة بعد أن أوقف داره وأملاكه وجميع ما يتعلق به على البيمارستان المنصوري بالقاهرة‏.‏
الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال‏:‏ وفيها توفي الشيخ إبراهيم بن معضاد الجعبري بالقاهرة في المحرم عن نيف وثمانين سنة‏.‏
والإمام أبو العباس أحمد بن أحمد بن عبد الله المقدسي الفرضي‏.‏
وخطيب القدس قطب الدين أبو الزكاء عبد المنعم بن يحيى الزهري في رمضان‏.‏
والجمال أحمد بن أبي بكر بن سليمان الحموي‏.‏
والشيخ الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن عبد العزيز اللوري شيخ المالكية في صفر‏.‏



السنة الحادية عشرة

من سلطنة المنصور قلاوون وهي سنة ثمان وثمانين وستمائة‏.‏

فيها فتحت طرابلس وما أضيف إليها بعد أمور ووقائع حسب ما ذكرناه في أصل هذه الترجمة مفصلًا‏.‏
وفيها توفي الشيخ علم الدين أحمد ابن الصاحب صفي الدين يوسف بن عبد الله بن شكر المعروف بابن الصاحب كان نادرة زمانه في المجون والهزل وإنشاد الأشعار والبليقات وكان بقي في آخر عمره فقيرًا مجردًا وكان اشتغل في صباه وحصل ودرس وكان لديه فضيلة وذكاء وحسن تصور إلا أنه تمفقر في آخر عمره وأطلق طباعه على التكدي وصار يجارد الرؤساء ويركب في قفص حمال ويتضارب الحمالون على حمله لأنه كان مهما فتح له من الرؤساء كان للذي يحمله فكان يستمر راكبًا في القفص والحمال يمهر به في أماكن الفرج والنزه وكان يتعمم بشرطوط طويل جدًا رقيق العرض ويعاشر الحرافيش وكان له أولاد رؤساء ويقال‏:‏ إن الصاحب بهاء الدين بن حنا هو الذي أحوجه إلى أن ظهر بذلك المظهر وأخمله وجننه لكونه كان من بيت وزارة فكان ابن الصاحب هذا إذا رأى الصاحب بهاء الدين بن حنا ينشد‏:‏ المجتث اشرب كل وتهنا لا بد أن تتعنى محمد وعلي من أين لك يا ابن حنا قال الشيخ صلاح الدين الصفدي‏:‏ أخبرني من لفظه الحافظ نجم الدين أبو محمد الحسن خطيب صفد قال‏:‏ رأيته يعني ابن الصاحب أشقر أزرق العينين عليه قميص أزرق وبيده عكاز حديد‏.‏



قال‏:‏ وأخبرني من لفظه الحافظ فتح الدين ابن سيد الناس قال‏:‏ كان ابن الصاحب يعاشر الفارس أقطاي فاتفق أنهم كانوا يومًا على ظهر النيل في شختور وكان الملك الظاهر بيبرس مع الفارس أقطاي وجرى بينهم أمر ثم ضرب الدهر ضربانه حتى تسلطن الملك الظاهر بيبرس وركب يومًا إلى الميدان ولم يكن عمر قنطرة السباع وكان التوجه إلى الميدان من على باب زويلة على باب الخرق وكان ابن الصاحب هذا نائمًا على قفص صيرفي من تلك الصيارف برا باب زويلة ولم يكن أحد يتعرض لابن الصاحب فمر به الملك الظاهر فلم يشعر إلا و ابن الصاحب يضرب بمفتاح في يده على خشب الصيرفي قوتًا فالتفت الظاهر فرآه فقال‏:‏ هاه علم الدين فقال‏:‏ إيش علم الدين أنا جيعان فقال‏:‏ أعطوه ثلاثة آلاف درهم‏.‏
وكان ابن الصاحب أشار بتلك الدقة إلى دقة مثلها يوم المركب‏.‏



قلت‏:‏ ومن نوادره اللطيفة أنه كان بالقاهرة إنسان يجرد الناس فسموه زحل فلما كان في بعض الأيام وقف ابن الصاحب على دكان حلوى يزن دراهم يشتري بها حلوى وإذا بزحل قد أقبل من بعيد فقال ابن الصاحب للحلاوي‏:‏ أعطني الدراهم ما بقي لي حاجة بالحلوى فقال‏:‏ لم قال‏:‏ أما ترى زحل قارن المشتري في الميزان وله من هذا أشياء كثيرة ذكرنا منها نبذة في ترجمته في تاريخنا المنهل الصافي‏.‏
ومن شعره‏:‏ مخلع البسيط يا نفس ميلي إلى التصابي فاللهو منه الفتى يعيش ولا تملي من سكر يوم إن أعوز الخمر فالحشيش وله في المعنى‏:‏ الخفيف في خمار الحشيش معنى مرامي يا أهيل العقول والأفهام حرموها من غير عقل ونقل وحرام تحريم غير الحرام وخضراء ما الحمراء تفعل فعلها لها وثبات في الحشى وثبات تؤجج نارًا في الحشى وهي جنة وتروي مرير الطعم وهي نبات وفيها توفي الشيخ الأديب البارع المفتن شمس الدين محمد ابن عفيف الدين سليمان بن علي التلمساني الشاعر المشهور كان شابًا فاضلًا ظريفًا وشعره في غاية الحسن والجودة‏.‏



وديوان شعره مشهور بأيدي الناس ومن شعره‏:‏ مخلع البسيط يا ساكنًا قلبي المعنى وليس فيه سواك ثاني لأي معنى كسرت قلبي وما التقى فيه ساكنان وله في ذم الحشيش‏:‏ البسيط ما للحشيشة فضل عند آكلها لكنه غير مصروف إلى رشده صفراء في وجهه خضراء في فمه حمراء في عينه سوداء في كبده وله أيضًا‏:‏ الكامل لي من هواك بعيده وقريبه ولك الجمال بديعه وغريبه يا من أعيذ جماله بجلاله حذرًا عليه من العيون تصيبه إن لم تكن عيني فإنك نورها أو لم تكن قلبي فأنت حبيبه ألف القصائد في هواك تغزلًا حتى كأن بك النسيب نسيبه لم تبق لي سرًا أقول تذيعه عني ولا قلب أقول تذيبه كم ليلة قضيتها متسهدًا والدمع يجرح مقلتي مسكوبه والنجم أقرب من لقاك مناله عندي وأبعد من رضاك مغيبه والجو قد رقت علي شماله وجفونه وشماله وجنوبه هي مقلة سهم الفراق يصيبها ويسح وابل دمعها فيصوبه وجوى تضرم جمره لولا ندى قاضي القضاة قضى علي لهيبه وله‏:‏ السريع أخجلت بالثغر ثنايا الأقاح يا طرة الليل ووجه الصباح وأعجمت أعينك السحر مذ أعربت منهن صفاحًا فصاح فيا لها سودًا مراضًا غدت تسل للعاشق بيضًا صحاح يا للهوى من مسعد مغرمًا رأى حمام الأيك غنى فناح الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال‏:‏ وفيها توفي كمال الدين أحمد ابن يوسف بن نصر الفاضلي‏.‏



والمفتي فخر الدين عبد الرحمن بن يوسف البعلبكي الحنبلي في رجب‏.‏
ورئيس الشهود زين الدين المهذب ابن أبي الغنائم التنوخي‏.‏
والعلامة شمس الدين الأصبهاني الأصولي محمد بن محمود بالقاهرة في رجب‏.‏
والمقرئ تقي الدين‏.‏
يعقوب بن بدران الجرائدي بالقاهرة في شعبان‏.‏
والمسندة العابدة زينب بنت مكي في شوال ولها أربع وتسعون سنة‏.‏
والعماد أحمد ابن الشيخ العماد إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي‏.‏
والإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد ابن الكمال عبد الرحيم بن عبد الواحد المقدسي في جمادى الأولى‏.‏



السنة الثانية عشرة

من سلطنة المنصور قلاوون

وهي سنة تسع وثمانين وستمائة‏.‏
فيها كانت وفاة صاحب الترجمة الملك المنصور قلاوون في ذي القعدة حسب ما تقدم ذكره وتسلطن بعده ابنه الملك الأشرف خليل‏.‏
وفيها توفي الشيخ الإمام أبو المعالي برهان الدين أحمد بن ناصر بن طاهر الحسيني الحنفي إمام المقصورة الحنفية الشمالية بجامع دمشق كان إمامًا عالمًا فاضلًا زاهدًا صالحًا متعبدًا مفتنًا مشتغلًا بما هو فيه من الاشغال بالعلم والأوراد والقراءة إلى أن مات في يوم السبت ثاني عشرين شوال وتولى بعده الإمامة الشيخ نجم الدين يعقوب البروكاري الحنفي وسلك مسلكه‏.‏
وفيها توفي الأمير حسام الدين أبو سعيد طرنطاي بن عبد الله المنصور في الأمير الكبير كان أوحد أهل عصره كان عظيم دولة أستاذه الملك المنصور قلاوون وكان المنصور قد جعله نائبه بسائر الممالك وكان هو المتصرف في مملكته‏.‏



فلما مات الملك المنصور قلاوون وتسلطن ولده الملك الأشرف خليل استنابه أيامًا إلى أن رتب أموره ودبره ودبر أحواله وكان عظيم التنفيذ سديد الرأي مفرط الذكاء غزير العقل فلما رسخت قدم الأشرف في السلطنة أمسكه وكان في نفسه منه أيام والده وبسط عليه العذاب إلى أن مات شهيدًا وصبر على العذاب صبرًا لم يعهد مثله عصره إلى أن هلك ولما غسلوه وجدوه قد تهرأ لحمه وتزايلت أعضاؤه وأن جوفه كان مشقوقًا كل ذلك ولم يسمع منه كلمة‏.‏
وكان بينه وبين الأمير علم الدين سنجر الشجاعي عداوة على الرتبة فسلمه الأشرف إلى الشجاعي وأمره بتعذيبه فبسط الشجاعي عليه العذاب أنواعًا إلى أن مات فحمل إلى زاوية الشيخ عمر السعودي فغسلوه وكفنوه ودفنوه بظاهر الزاوية ‏.‏
وكان له مواقف مع العدو وغزوات مشهورة وفتوحات‏.‏
وبنى مدرسة حسنة بقرب داره بخط البندقانيين بالقاهرة وقبة برسم الدفن وله أوقاف على الأسرى وغيرها‏.‏
وكان فيه محاسن لولا شحه وبذاءة لسانه لكان أوحد أهل زمانه وخلف أموالًا جمة‏.‏



قال الشيخ قطب الدين اليونيني‏:‏ قال الشيخ تاج الدين الفزاري‏:‏ حدثني تاج الدين ابن الشيرازي المحتسب‏:‏ أنهم وجدوا في خزانة طرنطاي من الذهب العين ألفي ألف دينار وأربعمائة ألف دينار وألفي حياصة ذهب وألف وسبعمائة كلوته مزركشة ومن الدراهم ما لا يحصى فاستولى الأشرف خليل على ذلك كله وفرقه على الأمراء والمماليك في أيسر مدة واحتاج أولاد طرنطاي هذا وعياله من بعده إلى الطلب من الناس من الفقر‏.‏
وقال غيره‏:‏ وجد لطرنطاي ألف ألف دينار وستمائة ألف دينار‏.‏
ثم ذكر أنواع الأقمشة والخيول والجمال والبغال والمتاجر ما يستحى من ذكره كثرة‏.‏
ومات طرنطاي المذكور ولم يبلغ خمسين سنة من العمر‏.‏
وفيها توفي الأمير علاء الدين طيبرس بن عبد الله الصالحي المعروف بالوزيري كان أحد الأمراء المشهورين بالشجاعة والإقدام وكان من المبرزين وله التقدم في الدول والوجاهة ولم يزل على ذلك إلى أن مات رحمه الله تعالى‏.‏
الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال‏:‏ وفيها توفي العلامة رشيد الدين عمر بن إسماعيل الفارقي‏:‏ خنق في المحرم وقد كمل التسعين‏.‏
والإمام نور الدين علي بن ظهير بن شهاب بن الكفتي المقرئ الزاهد في شهر ربيع الآخر‏.‏
وقاضي الحنابلة نجم الدين أحمد ابن الشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر في جمادى الأولى وله ثمان وثلاثون سنة‏.‏
وخطيب دمشق جمال الدين عبد الكافي بن عبد الملك بن عبد الكافي الربعي في سلخ جمادى الأولى‏.‏
والزاهد فخر الدين أبو طاهر إسماعيل عز القضاة بن علي بن محمود الصوفي في رمضان‏.‏
والشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن الزين أحمد بن عبد الملك المقدسي في ذي القعدة‏.‏
والسلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي في ذي القعدة‏.‏
















صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 13-01-2012, 10:04 PM   رقم المشاركة:484
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 55
المشاركات: 8,866
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الملك الأشرف خليل (1)

سلطنة الملك الأشرف خليل (1)





سلطنة الملك الأشرف خليل

هو السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي النجمي جلس على تخت الملك يوم وفاة أبيه في يوم الأحد سابع ذي القعدة سنة تسع وثمانين وستمائة‏.‏
وكان والده قلاوون قد سلطنه في حياته بعد موت أخيه الملك الصالح علي بن قلاوون في سنة سبع وثمانين وستمائة والمعتد به جلوسه الآن على تخت الملك بعد موت أبيه‏.‏
وجدد له الأمراء والجند الحلف في يوم الاثنين ثامن في القعدة المذكور‏.‏
وطلب من القاضي فتح الدين بن عبد الظاهر تقليده فأخرجه إليه مكتوبًا بغير علامة الملك المنصور وكان ابن عبد الظاهر قد قدمه إليه ليعلم عليه فلم يرض وتقدم طلب الأشرف وتكرر وابن عبد الظاهر يقدمه إلى الملك المنصور والمنصور يمتنع إلى أن قال له‏:‏ ‏"‏ يا فتح الدين أنا ما أولي خليلًا على المسلمين‏!‏ ‏"‏ ومعنى ذلك أن الملك المنصور قلاوون كان قد ندم على توليته السلطنة من بعده‏.‏


فلما رأى الأشرف التقليد بلا علامة قال‏:‏ ‏"‏ لا فتح الدين السلطان امتنع أن يعطيني وقد أعطاني الله‏!‏ ‏"‏ ورمى التقليد من يده وتم أمره ورتب أمور الديار المصرية وكتب بسلطنته إلى الأقطار وأرسل الخلع إلى النواب بالبلاد الشامية‏.‏

وهو السلطان الثامن من ملوك الترك وأولاهم‏.‏
ثم خلع على أرباب وظائفه بمصر والذين خلع عليهم من الأعيان‏:‏ الأمير بدر الدين بيدرا المنصوري نائب السلطنة بالديار المصرية ووزيره ومدبر مملكته شمس الدين محمد بن السلعوس الدمشقي وهو في الحجاز الشريف وعلى بقية أرباب وظائفه على العادة والنواب بالبلاد الشامية يوم ذاك فكان نائبه بدمشق وما أضيف إليها من الشام الأمير حسام الدين لاجين المنصوري ونائب السلطنة بالممالك الحلبية وما أضيف إليها الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصوري ونائب الفتوحات الساحلية والأعمال الطرابلسية والقلاع الإسماعيلية الأمير سيف الدين بلبان السلحدار المعروف بالطباخي ونائبه بالكرك والشوبك وما أضيف إلى ذلك الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار المنصوري صاحب التاريخ المعروف ‏"‏ بتاريخ بيبرس الدوادار ‏"‏ وصاحب حماة والمعرة الملك المظفر تقي الدين محمود ابن الملك المنصور محمد الأيوبي‏.‏


والذين هم تحت طاعته من الملوك صاحب مكة المشرفة الشريف نجم الدين أبو نمي محمد بن إدريس بن علي بن قتادة الحسني وصاحب اليمن الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر فهؤلاء الذين أرسل إليهم بالخلع والتقليد‏.‏
ولما رسخت قدم الملك الأشرف هذا في الملك أخذ وأعطى وأمر ونهى وفرق الأموال وقبض على جماعة من حواشي والده وصادرهم على ما يأتي ذكره‏.‏
ولما استهلت سنة تسعين وستمائة أخذ الملك الأشرف في التجهز للسفر للبلاد الشامية وإتمام ما كان قصده والده من حصار عكا وأرسل إلى البلاد الشامية وجمع العساكر وعمل آلات الحصار وجمع الصناع إلى أن تم أمره خرج بعساكره من الديار المصرية في ثالث شهر ربيع الأول من سنة تسعين المذكورة وسار حتى نازل عكا في يوم الخميس رابع شهر ربيع الآخر ويوافقه خامس نيسان فاجتمع عنده على عكا من الأمم ما لا يحصى كثرة‏.‏


وكان المطوعة أكثر من الجند ومن في الخدمة‏.‏
ونصب عليها المجانيق الكبار الفرنجية خمسة عشر منجنيقًا منها ما يرمي بقنطار دمشقي وأكبر ومنها دونه‏.‏
وأما المجانيق الشيطانية وغيرها فكثيرة ونقب عدة نقوب وأنجد أهل عكا صاحب قبرس بنفسه وفي ليلة قدومه عليهم أشعلوا نيرانًا عظيمة لم ير مثلها فرحًا به وأقام عندهم قريب ثلاثة أيام ثم عاد عندما شاهد انحلال أمرهم وعظم ما دهمهم ولم يزل الحصار عليها والجد في أمر قتالها إلى أن انحلت عزائم من بها وضعف أمرهم واختلفت كلمتهم‏.‏
هذا والحصار عمال في كل يوم واستشهد عليها جماعة من المسلمين‏.‏
فلما كان سحر يوم الجمعة سابع جمادى الأولى ركب السلطان والعساكر وزحفوا عليها قبل طلوع الشمس وضربوا الكوسات فكان لها أصوات مهولة وحس عظيم مزعج فحال ملاصقة العسكر لها وللأسوار هرب الفرنج وملكت المدينة بالسيف ولم تمض ثلاث ساعات من النهار المذكور إلا وقد استولى المسلمون عليها ودخلوها وطلب الفرنج البحر فتبعتهم العساكر الإسلامية تقتل وتأسر فلم ينج منهم إلا القليل ونهب ما وجد من الأموال والذخائر والسلاح وعمل الأسر والقتل في جميع أهلها وعصى الديوية والإسبتار واستتر الأرمن في أربعة أبراج شواهق في وسط البلد فحصروا فيها‏.‏


فلما كان يوم السبت ثامن عشر الشهر وهو ثاني يوم فتح المدينة قصد جماعة من الجند وغيرهم الدار والبرج الذي فيه الديوية فطلبوا الأمان فأمنهم السلطان وسير لهم صنجقًا فأخذوه ورفعوه على برجهم وفتحوا الباب فطلع إليهم جماعة كثيرة من الجند وغيرهم‏.‏
فلما صاروا عندهم تعرض بعض الجند والعوام للنهب ومدوا أيديهم إلى من عندهم من النساء والأصاغر فغلق الفرنج الأبواب ووضعوا فيهم السيف فقتلوا جماعة من المسلمين ورموا الصنجق وتمسكوا بالعصيان وعاد الحصار عليهم‏.‏


وفي اليوم المذكور نزل من كان ببرج الإسبتار الأرمن بالأمان فأمنهم السلطان على أنفسهم وحريمهم على يد الأمير زين الدين كتبغا المنصوري وتم القتال على برج الديوية ومن عنده إلى يوم الأحد التاسع عشر من جمادى الأولى طلب الديوية ومن بقي في الأبراج الأمان فأمنهم السلطان على أنفسهم وحريمهم على أن يتوجهوا حيث شاؤوا‏.‏
فلما خرجوا قتلوا منهم فوق الألفين وأسروا مثلهم وساقوا إلى باب الدهليز النساء والصبيان وكان من جملة حنق السلطان عليهم مع ما صدر منهم أن الأمير آقبغا المنصوري أحد أمراء الشام كان طلع إليهم في جملة من طلع فأمسكوه وقتلوه وعرقبوا ما عندهم من الخيول وأذهبوا ما أمكنهم أذهابه فتزايد الحنق عليهم وأخذ الجند وغيرهم من السبي والمكاسب ما لا يحصى‏.‏


ولما علم من بقي منهم ما جرى على إخوانهم تمسكوا بالعصيان وامتنعوا من قبول الأمان وقاتلوا أشد قتال واختطفوا خمسة نفر من المسلمين ورموهم من أعلى البرج فسلم منهم نفر واحد ومات الأربعة‏.‏
ثم في يوم الثلاثاء ثامن عشرين جمادى المذكورة أخذ البرج الذي تأخر بعكا وأنزل من فيه بالأمان وكان قد غلق من سائر جهاته‏.‏
فلما نزلوا منه وحولوا معظم ما فيه سقط على جماعة من المسلمين المتفرجين ومضن قصد النهب فهلكوا عن آخرهم‏.‏
ثم بعد ذلك عزل السلطان النساء والصبيان ناحية وضرب رقاب الرجال أجمعين وكانوا خلائق كثيرة‏.‏


والعجب أن الله سبحانه وتعالى قدر فتح عكا في مثل اليوم الذي أخذها الفرنج فيه ومثل الساعة التي أخذوها فيها فإن الفرنج كانوا استولوا على عكا في يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين وخمسمائة في الساعة الثالثة من النهار وأمنوا من كان بها من المسلمين ثم قتلوهم غدرًا وقدر الله تعالى أن المسلمين استرجعوها منهم في هذه المرة يوم الجمعة في الساعة الثالثة من النهار ووافق السابع عشر من جمادى الأولى وأمنهم السلطان ثم قتلهم كما فعل الفرنج بالمسلمين فانتقم الله تعالى من عاقبتهم‏.‏
وكان السلطان عند منازلته عكا قد جهز جماعة من الجند مقدمهم الأمير علم الدين سنجر الصوابي الجاشنكير إلى صور لحفظ الطرق وتعرف الأخبار وأمره بمضايقة صور‏.‏
فبينما هو في ذلك لم يشعر إلا بمراكب المنهزمين من عكا قد وافت الميناء التي لصور فحال بينها وبين الميناء فطلب أهل صور الأمان فأمنهم على أنفسهم وأموالهم ويسلموا صور فأجيبوا إلى ذلك فتسلمها‏.‏


وصور من أجل الأماكن ومن الحصون المنيعة ولم يفتحها السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب فيما فتح من الساحل بل كان صلاح الدين كلما فتح مكانًا وأمنهم أوصلهم إلى صور هذه لحصانتها ومنعتها فألقى الله تعالى في قلوب أهلها الرعب حتى سلموها من غير قتال ولا منازلة ولا كان الملك الأشرف في نفسه شيء من أمرها البتة‏.‏
وعندما تسلمها جهز إليها من أخربها وهدم أسوارها وأبنيتها ونقل من رخامها وأنقاضها شيء كثير‏.‏
ولما تيسر أخذ صور على هذه الصورة قوي عزم الملك الأشرف على أخذ غيرها‏.‏
ولما كان الملك الأشرف محاصرًا لعكا استدعى الأمير حسام الدين لاجين المنصوري نائب الشام وهو الذي تسلطن بعد ذلك حسب ما يأتي ذكره والأمير ركن الدين بيبرس المعروف بطقصو في ليلة الاثنين ثالث عشر جمادى الأولى إلى المخيم وأمسكهما وقيدهما وجهزهما في بكره نهار الاثنين إلى قلعة صفد ومنها إلى قلعة الجبل‏.‏
وكان تقدم قبل ذلك بستة أيام مسك الأمير سنجر المعروف بأبي خرص وجهزه إلى الديار المصرية محتاطًا عليه‏.‏


ثم استقر الملك الأشرف بالأمير علم الدين سنجر الشجاعي المنصوري في نيابة الشام عوضًا عن الأمير لاجين المذكور‏.‏
وعندما أمسك الأشرف هذين الأميرين الكبيرين حصل للناس قلق شديد وخشوا من حدوث أمر يكون سببًا لتنفيس الخناق عن أهل عكا فكفى الله تعالى ذلك‏.‏
ثم أمسك الأشرف الأمير علم الدين أيدغدي الإلدكزي نائب صفد وما معها لأمر نقمه عليه وصادره وجعل مكانه الأمير علاء الدين أيدكين الصالحي العمادي وأضاف إليه مع ولاية صفد عكا وما استجد من الفتوحات الأشرفية‏.‏
ثم لما فرغ الأشرف من مصادرة أيدكين المذكور ولاه بر صفد عوضًا عن علم الدين سنجر الصوابي ثم استدعى الملك الأشرف الأمير بيبرس الدوادار المنصوري الخطائي المؤرخ نائب الكرك وعزله وولى عوضه الأمير آقوش الأشرفي‏.‏


ثم رحل الملك الأشرف عن عكا في بكرة نهار الاثنين خامس جمادى الآخرة ودخل دمشق يوم الاثنين ثاني عشره بعد أن زينت له دمشق غاية الزينة وعملت القباب بالشوارع من قريب المصلى إلى الباب الجديد وحصل من الاحتفال لقدومه ما لا يوصف ودخل وبين يديه الأسرى من الفرنج تحتهم الخيول وفي أرجلهم القيود ومنهم الحامل من سناجق الفرنج المنكسة وفيهم من حمل رمحًا علمه من رؤوس قتلى الفرنج فكان لقدومه يوم عظيم‏.‏
وأقام الأشرف بدمشق إلى فجر نهار الأربعاء تاسع عشر شهر رجب‏.‏
وعاد إلى الديار المصرية فدخلها يوم الاثنين تاسع شعبان فاحتفل أيضًا أهل مصر لملاقاته احتفالًا عظيمًا أضعاف احتفال أهل دمشق وعند دخوله إلى مصر أطلق رسل صاحب عكا الذين كانوا معوقين بالقاهرة‏.‏


ثم إن الأمير علم الدين سنجر الشجاعي نائب الشام فتح صيدا بعد حصار كبير بالأمان في يوم السبت خامس عشر شهر رجب‏.‏
ولما أخذت هذه البلاد في هذه السنة أمر السلطان أن تخرب قلعة جبيل وأسوارها بحيث يلحقها بالأرض فخربت أصلًا ثم أخذت عثليث بعد شهر‏.‏
وأما أهل أنطرطوس لما بلغهم أخذ هذه القلاع عزموا على الهرب فجرد الأمير سيف الدين بلبان الطباخي عسكرًا فلما أحاطوا بها ليلة الخميس خامس شعبان ركبوا البحر وهربوا إلى جزيرة أرواد وهي بالقرب منها فندب إليها السعدي بما كان أحضره من المراكب والشواني فأخلوها‏.‏
وكان فتح هذه المدن الست في ستة شهور‏.‏


ثم رسم الملك الأشرف بالقبض على الأمير علم الدين سنجر الدوادار فقبض عليه في شهر رمضان وجهز إلى الديار المصرية بعد أن أحيط على جميع موجوده ثم أفرج الملك الأشرف على جماعة من الأمراء ممن كان قبض عليهم وحبسهم وهم‏:‏ الأمير لاجين المنصوري الذي تسلطن بعد ذلك وبيبرس طقصو الناصري وسنقر الأشقر الصالحي وبدر الدين بيسري الشمسي وسنقر الطويل المنصوري وبدر الدين خضر بن جودي القيمري وفي شهر رمضان سنة تسعين وستمائة المذكورة أنعم السلطان الملك الأشرف على علم الدين سنجر المنصوري المعروف بأرجواش خبزًا وخلع عليه وأعيد إلى ولاية قلعة دمشق ثم طلب الملك الأشرف قاضي القدس بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة إلى الديار المصرية وولاه قضاءها بعد عزل قاضي القضاة تقي الدين ابن بنت الأعز‏.‏
واستمر الملك الأشرف بالديار المصرية إلى أن تجهز وخرج منها قاصدًا البلاد الشامية في يوم السبت ثامن شهر ربيع الآخر من مدة إحدى وتسعين وستمائة وسار حتى دخل دمشق في يوم السبت سادس جمادى الأولى‏.‏


وفي ثامن جمادى الأولى أحضر السلطان الأموال وأنفق في جميع العساكر المصرية والشامية‏.‏
ووصل الملك المظفر تقي الدين صاحب حماة لتلقي الملك الأشرف فالتقاه فزاد السلطان في إكرامه واستعرض الجيوش عليه وأمر بتسفيرهم قدام الملك المظفر المذكور‏.‏
ثم توجه الملك الأشرف من دمشق بجميع العساكر قاصدًا حلب فوصلها في ثامن عشرين جمادى الأولى ثم خرج منها ونزل على قلعة الروم بعساكره وحاصرها إلى أن افتتحها بالسيف عنوة في يوم السبت حادي عشر شهر رجب وكتب البشائر إلى الأقطار بأخذها ثم عاد السلطان إلى دمشق وترك بقلعة الروم الشجاعي وعساكر الشام ليعمروا ما انهدم منها في الحصار‏.‏
وكان دخول السلطان إلى دمشق في يوم الثلاثاء تاسع عشر شعبان بعد أن عزل الأمير قرا سنقر المنصوري عن نيابة حلب بالأمير بلبان الطاخي وولى عوضًا عن الطباخي في الفتوحات طغريل الإيغاني‏.‏


ولما كان السلطان بدمشق عمل عسكره النوروز كعادتهم بالديار المصرية وعظم ذلك على أهل دمشق لعدم عادتهم بذلك‏.‏
وفي يوم الجمعة ثامن عشرين رمضان قبض السلطان على الأمير شمس الدين سنقر الأشقر وعلى الأمير ركن الدين طقصو وهرب الأمير حسام الدين لاجين المنصوري ونادوا عليه بدمشق من أحضره فله ألف دينار ومن أخفاه شنق‏.‏
ثم ركب الملك الأشرف ومماليكه في طلب لاجين المذكور وأصبح يوم العيد والسلطان في البرية مهجج وكانوا عملوا السماط كجاري العادة في الأعياد وأطلعوا المنبر إلى الميدان الأخضر وطلع الخطيب موفق الدين فصلى في الميدان بالعوام وعاد السلطان بعد صلاة العصر إلى دمشق ولم يقع للاجين على خبر‏.‏
ثم سير الملك الأشرف طقصو وسنقر الأشقر تحت الحوطة إلى الديار المصرية‏.‏
وأما لاجين فإن العرب أمسكوه وأحضروه إلى الملك الأشرف فأرسله الملك الأشرف مقيدًا إلى مصر‏.‏


وفي سادس شوال ولى السلطان الأمير عز الدين أيبك الحموي نيابة دمشق عوضًا عن الشجاعي‏.‏
ثم خرج الأشرف من دمشق قاصدًا الديار المصرية في ليلة الثلاثاء عاشر شوال وكان قد رسم الأشرف لأهل الأسواق بدمشق وظاهرها أن كل صاحب حانوت يأخذ بيده شمعة ويخرج إلى ظاهر البلد وعند ركوب السلطان يشعلها فبات أكثر أهل البلد بظاهر دمشق لأجل الفرجة‏!‏ فلما كان الثلث الأخير من الليل ركب السلطان وأشعلت الناس الشموع فكان أول الشمع من باب النصر وآخر الوقيد عند مسجد القدم لأن والي دمشق كان قد رتبهم من أول الليل فكانت ليلة عظيمة لم ير مثلها‏.‏
وسافر السلطان حتى دخل الديار المصرية يوم الأربعاء ثاني ذي القعدة من باب النصر وخرج من باب زويلة واحتفل أهل مصر لدخوله احتفالًا عظيمًا وكان يوم دخوله يومًا مشهودًا‏.‏
ولما أن طلع السلطان إلى قلعة الجبل أنعم على الأمير قرا سنقر المنصوري المعزول عن نيابة حلب بإمرة مائة فارس بديار مصر‏.‏


ثم أفرج عن الأمير حسام الدين لاجين المنصوري وأعطاه أيضًا خبز مائة فارس بديار مصر وسببه أن السلطان عاقب سنقر الأشقر وركن الدين طقصو فاعترفوا أنهم كانوا يريدون قتله وأن لاجين لم يكن معهم ولا كان له اطلاع على الباطن فخنقهم وأفرج عن لاجين بعد ما كان وضع الوتر في حلقه لخنقه فضمنه خشداشه الأمير بدر الدين بيدرا المنصوري نائب السلطان وعلم الدين سنجر الشجاعي وغيرهما‏.‏
قلت وسنقر الأشقر هو الذي كان تسلطن بدمشق في أوائل سلطنة الملك المنصور قلاوون ووقع له معه تلك الأمور المذكورة في عدة أماكن‏.‏
وأما لاجين هذا فهو الذي تسلطن بعد ذلك وتلقب بالملك المنصور حسب ما يأتي ذكره‏.‏
وكلما ذكرنا من حينئذ لاجين فهو المنصور ولا حاجة للتعريف به بعد ذلك‏.‏
ثم إنهم أخرجوا الأمراء المخنقين وسلموهم إلى أهاليهم وكان السلطان خنق معهما ثلاثة أمراء أخر فأخرجوا الجميع ودفنوا ثم غرق السلطان جماعة أخرى وقيل إن ذلك كان في مستهل سنة اثنتين وتسعين وستمائة‏.‏


واستمر السلطان بمصر إلى أن تجهز وخرج منها إلى الشام في جمادى الأولى من سنة اثنتين وتسعين وستمائة المذكورة وسار حتى دخل دمشق في يوم الأحد تاسع جمادى الآخرة ونزل بالقصر الأبلق من الميدان الأخضر‏.‏
ولما استقر ركابه بدمشق شرع في تجهيز العساكر إلى بلاد سيس والغارة عليها فوصل رسل صاحب سيس بطلب الصلح ورضا السلطان عليه ومهما طلب منه من القلاع والمال أعطاه وشفع الأمراء في صاحب سيس واتفق الحال على أن يتسلم نواب السلطان من صاحب سيس ثلاث قلاع وهي‏:‏ بهسنا ومرعش وتل حمدون ففرح الناس بذلك لأنه كان على المسلمين من بهسنا أذى عظيم‏.‏
وأقام السلطان بدمشق إلى مستهل شهر رجب توجه منها وصحبته عسكر الشام والأمراء وبعض عساكر مصر‏.‏
وأما الضعفاء من عسكر مصر فأعطاهم السلطان دستورًا بعودتهم إلى الديار المصرية‏.‏


وسار السلطان حتى وصل إلى حمص ثم توجه منها إلى سلمية مظهرًا أنه متوجه إلى ضيافة الأمير حسام الدين مهنا بن عيسى بن مهنا أمير آل فضل وكان خروج السلطان من دمشق في ثاني شهر رجب فلما كان بكرة يوم الأحد سابع شهر رجب وصل الأمير لاجين وصحبته مهنا إلى دمشق وهو مقبوض عليه أمسكه السلطان لما انقضت الضيافة وولى عوضه شخصًا من أولاد عمه وهو الأمير محمد بن علي بن حذيفة‏.‏
وفي بقية النهار وصل السلطان إلى دمشق ورسم للأمير بيدرا أن يأخذ بقية العساكر ويتوجه إلى مصر وأن يركب تحت الصناجق عوض السلطان وبقي السلطان مع خواصه بدمشق بعدهم ثلاثة أيام ثم خرج من دمشق في يوم السبت ثالث عشر رجب وعاد إلى جهة الديار المصرية في العشر الأخير من شهر رجب من سنة اثنتين وتسعين وستمائة‏.‏


ثم إن السلطان أمر الأمير عز الدين أيبك الحموي الأفرم أمير جاندار نائب الشام أن يسافر إلى الشوبك ويخرب قلعتها فكلمه الأفرم في بقائها فانتهره وسافر من يومه وتوجه الأفرم إلى الشوبك وأخربها غير القلعة‏.‏
وكان ذلك غاية ما يكون من الخطأ وسوء التدبير وكان أخرب قبل ذلك أيضًا عدة أماكن بقلعة الجبل وبقلعة دمشق أيضًا أخرب عدة قاعات ومباني هائلة‏.‏
وأما قلاع السواحل فأخرب غالبها وكان يقصد ذلك لمعنى يخطر بباله‏.‏
ثم في العشرين من ذي الحجة نصب السلطان ظاهر القاهرة خارج باب النصر القبق وصفة ذلك أن ينصب صار طويل ويعمل على رأسه قرعة من ذهب أو فضة ويجعل في القرعة طير حمام ثم يأتي الرامي بالنشاب وهو سائق فرسه ويرمي عليه فمن أصاب القرعة وطير الحمام خلع عليه خلعة تليق به ثم يأخذ القرعة وكان ذلك بسبب طهور أخي الملك الأشرف وهو الملك الناصر محمد بن قلاوون وطهور ابن أخيه الأمير مظفر الدين موسى ابن الملك الصالح علاء الدين علي بن قلاوون فاحتفل السلطان لطهورهما وعمل مهمًا عظيمًا‏.‏
وكان الطهور في يوم الاثنين ثاني عشرين ذي الحجة‏.‏


وعندما طهروهم رموا الأمراء الذهب لأجل النقوط فإن كان الأمير أمير مائة فارس رمى مائة دينار وإن كان أمير خمسين فارسًا رمى خمسين دينارًا وقس على ذلك سائر الأمراء ورمى حتى مقدمو الحلقة والأجناد فجمع من ذلك شيء كثيرة ثم بعد فراغ المهم بمدة يسيرة نزل السلطان الملك الأشرف المذكور من قلعة الجبل متوجهًا إلى الصيد في ثاني المحرم سنة ثلاث وتسعين وستمائة وصحبته وزيره الصاحب شمس الدين بن السلعوس ونائب سلطنته الأمير بدر الدين بيدرا وجميع الأمراء فلما وصل إلى الطرانة فارقه وزيره ابن السلعوس المذكور وتوجه إلى الإسكندرية‏.‏
وأما السلطان فإنه نزل بالحمامات لأجل الصيد وأقام إلى يوم السبت ثاني عشر المحرم فلما كان قرب العصر وهو بأرض تروجة حضر إليه الأمير بدر الدين بيدرا نائب السلطنة ومعه جماعة كثيرة من الأمراء وكان السلطان بكرة النهار قد أمره أن يأخذ العسكر والدهليز ويمشي عوضه تحت الصاجق وأن يتقدمه ويبقى السلطان يتصيد وحده بقية يومه ويعود العشية إلى الدهليز فتوجه بيدرا على ذلك وأخذ السلطان الملك الأشرف يتصيد ومعه شخص واحد يقال له شهاب الدين الأشل أمير شكار وبينما السلطان في ذلك أتاه هؤلاء‏:‏ بيدرا ورفقته فأنكر السلطان مجيئهم وكان في وسط السلطان بند حرير وليس معه نمجة لأجل الصيد وكان أول من ابتدره الأمير بيدرا فضربه بالسيف ضربة قطع بها يده مع كتفه فجاء الأمير حسام الدين لاجين وهو الذي تسلطن بعد ذلك بمدة وقال لبيدرا‏:‏ يا نحس من يريد ملك مصر والشام تكون هذه ضربته ثم ضربه على كتفه فحلها ووقع السلطان على الأرض جاء بعدهما الأمير بهادر رأس نوبة وأخذ السيف ودسه في دبره وأطلعه من حلقه وبقي يجيء واحد من الأمراء بعد واحد ويظهرون ما في أنفسهم منه ثم تركوه في مكانه وانضموا على الأمير بيدرا وحلفوا له وأخذوه تحت الصناجق وركبوا سائرين بين يديه طالبين القاهرة‏.‏












صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 13-01-2012, 10:04 PM   رقم المشاركة:485
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 55
المشاركات: 8,866
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الملك الأشرف خليل (2)

سلطنة الملك الأشرف خليل (2)




وقيل في قتله وجه آخر‏.‏
قال القطب اليونيني‏:‏ ‏"‏ ومما حكى لي الأمير سيف الدين بن المحفدار كيف كان قتل السلطان الملك الأشرف خليل قال‏:‏ سألت الأمير شهاب الدين أحمد بن الأشل أمير شكار السلطان كيف كان قتل السلطان الأشرف فقال ابن الأشل‏:‏ بعد رحيل الدهليز يعني مدورة السلطان والعساكر جاء إليه الخبر أن بتروجة طيرًا كثيرًا فقال السلطان‏:‏ امش بنا نسبق الخاصكية فركبنا وسرنا فرأينا طيرًا كثيرًا فرماه السلطان بالبندق فأصرع شيئًا كثيرًا ثم إنه التفت إلي وقال‏:‏ أنا جيعان فهل معك شيء تطعمني فقلت‏:‏ والله ما معي سوى فروجة ورغيف خبز قد ادخرته لنفسي في صولقي فقال لي‏:‏ ناولني إياه فأخذه وأكله جميعه ثم قال لي‏:‏ أمسك لي فرسي حتى أنزل وأريق الماء فقلت له‏:‏ ما فيها حيلة‏!‏ أنت راكب حصانًا وأنا راكب حجرة وما يتفقوا فقال لي‏:‏ انزل أنت واركب خلفي وأركب أنا الحجرة التي لك والحجرة مع الحصان تقف قال‏:‏ فنزلت وناولته لجام الحجرة ثم أني ركبت خلفه ثم إن السلطان نزل وقعد يريق الماء وشرع يولغ بذكره ويمازحني ثم قام وركب حصانه ومسك لي الحجرة ثم إني ركبت‏.‏


فبينما أنا وإياه نتحدث وإذا بغبار عظيم قد ثار وهو قاصد نحونا فقال لي السلطان‏:‏ سق واكشف لي خبر هذا الغبار قال‏:‏ فسقت وإذا الأمير بدر الدين بيدرا والأمراء معه فسألتهم عن سبب مجيئهم فلم يردوا علي جوابًا ولا التفتوا إلى كلامي وساقوا على حالهم حتى قربوا من السلطان فكان أول من ابتدره بيدرا بالضربة قطع بها يده وتمم الباقي قتله ‏"‏
وأما أمر بيدرا فإنه لما قتل السلطان بايع الأمراء بيدرا بالسلطنة ولقبوه بالملك الأوحد وبات تلك الليلة فإن قتل الأشرف كان بين الظهر والعصر وأصبح ثاني يومه سار بيدرا بالعساكر إلى نحو الديار المصرية وبينما بيدرا سائر بعساكره وإذا بغبار عظيم قد علا وملأ الجو وقرب منه وإذا بالطلب عظيم فيه نحو ألف وخمسمائة فارس من الخاصكية الأشرفية ومعهم الأمير زين الدين كتبغا - وهو الذي تسلطن بعد ذلك بمدة على ما يأتي ذكره - والأمير حسام الدين الأستادار طالبين بيدرًا بدم أستاذهم السلطان الملك الأشرف خليل المذكور وأخذ الثأر منه ومن أصحابه وكان ذلك بالطرانة في يوم الأحد أول النهار فما كان غير ساعة إلا والتقوا وكان بيدرا لما رآهم صف من معه من أصحابه للقتال فصدموه الأشرفية صدمة صادقة وحملوا عليه حملة واحدة فرقوا شمله وهرب أكثر من كان معه فحينئذ أحاطوا ببيدرا وقبضوا عليه وحزوا رأسه وقيل‏:‏ إنهم قطعوا يده قبل أن يحزوا رأسه كما قطعت يد أستاذهم الملك الأشرف بضربة السيف ولما حزوا رأسه حملوه على رمح وسيروه إلى القاهرة فطافوا به ثم عادوا نحو القاهرة حتى وصلوا بر الجيزة فلم يمكنهم الأمير علم الدين سنجر الشجاعي من التعدية إلى بر مصر لأن السلطان الملك الأشرف كان قد تركه في القلعة عند سفره نائب السلطنة بها فلم يلتفتوا إليه وأرادوا التعدية فأمر الشجاعي المراكب والشواني فعدت إلى بر القاهرة وبقي العسكر والأمراء على جانب البحر مقيمين حتى مشت بينهم الرسل على أن يمكنهم الشجاعي من العبور حتى يقيموا عوض السلطان أخاه الملك الناصر محمد بن قلاوون وهو صغير تسكينًا لما وقع وإخمادًا للفتنة فأجلسوه على تخت الملك بقلعة الجبل في رابع عشر المحرم من سنة ثلاث وتسعين وستمائة المذكورة وأن يكون نائب السلطنة الأمير زين الدين كتبغا والوزير الأمير علم الدين سنجر الشجاعي وحسام الدين أستاذ الدار أتابك العساكر‏.‏


قلت‏:‏ وساق الشيخ قطب الدين اليونيني واقعة الملك الأشرف هذا وقتله وقتل بيدرا بأطول من هذا قال الشيخ قطب الدين‏:‏ ‏"‏ وحكى لي الأمير سيف الدين بن المحفدار أمير جاندار قال‏:‏ كان السلطان الملك الأشرف قد أنفذني في أول النهار إلى الأمير بدر الدين بيدرا يأمره أن يأخذ العساكر ويسير بهم فلما جئت إليه وقلت له‏:‏ السلطان يأمرك أن تسير الساعة تحت الصناجق بالأمراء والعسكر قال‏:‏ فنفر في بيدرا ثم قال‏:‏ السمع والطاعة قال‏:‏ ورأيت في وجهه أثر الغيظ والحنق وقال‏:‏ ولم يستعجلني‏!‏ فظهر في وجهه شيء ما كنت أعهده منه ثم إني تركته ومشيت حملت الزردخاناه والثقل الذي لي وسرت فبينما أنا سائر أنا ورفيقي الأمير صارم الدين الفخري وركن الدين أمير جاندار عند المساء وإذا بنجاب سائر فسألت عن السلطان أين تركته فقال‏:‏ طول الله أعماركم فيه فبينما نحن متحيرون في أمره وإذا بالسناجق التي للسلطان قد لاحت وقربت والأمراء تحتها والأمير بدر الدين بيدرا بينهم وهم محدقون به قال‏:‏ فجئنا وسلمنا عليه فقال له الأمير ركن الدين بيبرس أمير جاندار‏:‏ يا خوند هذا الذي فعلته كان بمشورة الأمراء قال‏:‏ نعم إنما قتلته بمشورتهم وحضورهم وها هم كلهم حاضرون وكان من جملة من هو حاضر الأمير حسام الدين لاجين المنصوري والأمير شمس الدين قرا سنقر المنصوري والأمير بدر الدين بيسري وأكثر الأمراء سائقون معه قال‏:‏ ثم إن بيدرا شرع يعدد سيئات السلطان ومخازيه ومناحسه وإهماله أمور المسلمين واستهزاءه بالأمراء ومماليك أبيه ووزارته لابن السلعوس قال‏:‏ ثم إنه سألنا هل رأيتم الأمير زين الدين كتبغا‏.‏


فقلنا له‏:‏ لا فقال بعض الأمراء‏:‏ يا خوند هل كان عنده علم بالقضية فقال‏:‏ نعم وهو أول من أشار بهذا الأمر‏.‏
فلما كان ثاني يوم وإذا بالأميرين‏:‏ زين الدين كتبغا وحسام الدين أستاذ الدار قد جاؤوا في طلب كبير فيه مماليك السلطان الملك الأشرف نحو من الذي فارس وفيهم جماعة من العسكر والحلقة فالتقوه بالطرانة يوم الأحد أول النهار ثم ساق قطب الدين في أمر الواقعة نحوًا ممًا ذكرناه من أمر بيدرا وغيره إلى أن قال‏:‏ وتفرق جمع الأمير بيدرا‏.‏
قال ابن المحفدار‏:‏ فلما رأينا ما لنا بهم طاقة التجأنا إلى جبل هناك شمالي واختلطنا بذلك الطلب الذي فيه كتبغا ورأينا بعض أصحابنا فقال‏:‏ شدوا بالعجلة مناديلكم في رقابكم إلى تحت آباطكم فهي الإشارة بيننا وإلا قتلوكم أو شلحوكم فعملنا مناديلنا في رقابنا إلى تحت آباطنا وكان ذلك سبب سلامتنا فحصل لنا به نفع كثير من جهة الأمير زين الدين كتبغا ومن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون وسلمت بذلك أنفسنا وأثقالنا وأموالنا ثم ظهر لهم أننا لم يكن لنا في باطن القضية علم‏.‏
قال‏:‏ وسرنا إلى قمة الجبل‏.‏


وذكر سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون حسب ما نذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى فيما يأتي‏.‏
قال‏:‏ ولما كان يوم خامس عشرين المحرم أحضر إلى قلعة الجبل أميران وهما سيف الدين بهادر رأس نوبة وجمال الدين آقوش الموصلي الحاجب فحين حضروا اجتمعوا الأشرفية عليهم فضربوا رقابهم وعلقوا رأس بهادر على باب داره الملاصقة لمشهد الحسين بالقاهرة‏.‏
وبهادر هذا هو الذي حط السيف في دبر الملك الأشرف بعد قتله وأخرجه من حلقه‏.‏
ثم أخذوا جثته وجثة آقوش وأحرقوهما في قمين جير وأما الأمير حسام الدلن لاجين المنصوري والأمير شمس الدين قرا سنقر فإنهما اختفيا ولم يظهر لهما خبر ولا وقع لهما على أثر‏.‏
ثم أحضر المماليك الأشرفية سبعة أمراء وهم‏:‏ سيف الدين نوغيه وسيف الدين ألناق وعلاء الدين ألطنبغا الجمدار وشمس الدين سنقر مملوك لاجين وحسام الدين طرنطاي الساقي ومحمد خواجا وسيف الدين أروس في يوم الاثنين خامس صفر إلى قلعة الجبل فلما رآهم السلطان الملك الناصر محمد أمر بقطع أيديهم أولًا وبعد ذلك يسمرون على الجمال وأن تعلق أيديهم في حلوقهم ففعل ذلك ورأس بيدرا أيضًا على رمح يطاف به معهم بمصر والقاهرة وبقوا على هذه الحالة إلى أن ماتوا وكل من مات منهم سلم إلى أهله والجميع دفنوهم بالقرافة‏.‏


قلت‏:‏ وقريب مما وقع لبيدرا هذا وأصحابه أوائل ألفاظ المقالة الخامسة عشرة من ‏"‏ كتاب أطباق الذهب ‏"‏ للشيخ الإمام الرباني شرف الدين عبد المؤمن الأصفهاني المعروف بشوروة وهي قوله‏:‏ ‏"‏ من الناس من يستطيب ركوب الأخطار وورود التيار ولحوق العار والشنار ويستحب وقد النار وعقد الزنار لأجل الدينار ويستلذ سف الرماد ونقل السماد وطي البلاد لأجل الأولاد ويصبر على نسف الجبال ونتف السبال لشهوة المال ويبدل الإيمان بالكفر ويحفر الجبال بالظفر للدنانير الضفر ويلج ماضغي الأسود للمراهم السود لا يكره صداعًا إذا نال كراعًا ويلقى النوائب بقلب صابر في هوى الشيخ أبي جابر ويأبى العز طبيعة ويرى الذل شريعة وإن رزق لعيعة يراها صنيعة يؤم راسه وترض أضراسه وإن أعطي درهمًا يراه مرهمًا‏.‏
ومن الناس من يختار العفاف ويعلف الإسفاف يدع الطعام طاويًا ويذر الشراب صاديًا ويرى المال رائحًا غاديًا يترك الدنيا لطلابها ويطرح الجيفة لكلابها لا يسترزق لئام الناس ويقنع بالخبز الناس يكره المن والأذى ويعاف الماء على القذى إن أثرى جعل موجوده معدومًا وإن أقوى حسب قفاره مأدومًا جوف خال وثوب بال ومجد عال ووجه مصفر عليه قرة وثوب أسمال وراءه عز وجمال وعقب مشقوق وذيل مفتوق يجره فتى مغبوق شعر‏:‏ لله تحت قباب العز طائفة أخفاهم في رداء الفقر إجلالا هم السلاطين في أطمار مسكنة استعبدوا من ملوك الأرض أقيالا غبر ملابسهم شم معاطسهم جروا على فلك الخضراء أذيالا هذي المناقب لا ثوبان من عدن خيطًا قميصًا فصارا بعد أسمالا هذي المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا هم الذين جبلوا برآء من التكلف يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف انتهى ما ذكرناه من المقالة الخامسة عشرة وإن كنا خرجنا عن المقصود من كون غالبها من غير ما نحن فيه غير أنني لم أذكرها بتمامها هنا إلا لغرابتها‏.‏


ولما مات الملك الأشرف خليل هذا وتم أمر أخيه الملك الناصر محمد في السلطنة استقر الأمير زين الدين كتبغا المنصوري نائب السلطنة وسنجر الشجاعي مدبر المملكة وأتابك العساكر وبقية الأمور تأتي في أول سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون بأوضح من هذا‏.‏
ولما قتل الملك الأشرف خليل المذكور بقي ملقى إلى أن خرج والي تروجة من بعد قتله بيومين ومعه أهل تروجة وأخذوه وغسلوه وكفنوه وجعلوه في تابوت في دار الوالي إلى أن سيروا من القاهرة الأمير سعد الدين كوجبا الناصري إلى مصرعه فأخذه في تابوت ووصل به إلى القاهرة سحر يوم الخميس ثاني عشرين صفر فدفن في تربة والدته بجوار أخيه الملك الصالح علي بن قلاوون - رحمهما الله تعالى - ورثاه ابن حبيب بقصيدة أولها‏:‏ الكامل تبًا لأقوام بمالك رقهم فتكوا وما رقوا لحالة مترف وافوه غدرًا ثم صالوا جملة بالمشرفي على المليك الأشرف وافى شهيدًا نحو روضات الرضا يختال بين مزهر ومزخرف وقال النويري في تاريخه‏:‏ كان ملكًا مهيبًا شجاعًا مقدامًا جسورًا جوادًا كريمًا بالمال أنفق على الجيش في هذه الثلاث سنين ثلاث نفقات‏:‏ الأولى في أول جلوسه في السلطنة في مال طرنطاي والثانية عند توجهه إلى عكا والثالثة عند توجهه إلى قلعة الروم انتهى كلام النويري باختصار‏.‏


وقال الشيخ صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي في تاريخه‏:‏ ‏"‏ وكان قبل ولاية الملك الأشرف يؤخذ عند باب الجابية بدمشق عن كل حمل خمسة دراهم مكسًا فأول ما تسلطن وردت إلى دمشق مسامحة بإسقاط هذا وبين سطور المرسوم بقلم العلامة بخطه‏:‏ لتسقط عن رعايانا هذه الظلامة ويستجلب لنا الدعاء من الخاصة والعامة ‏"‏
وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي في تاريخه بعد أن ساق من أحواله قطعة جيدة فقال‏:‏ ‏"‏ ولو طالت أيامه أو حياته لأخذ العراق وغيرها فإنه كان بطلًا شجاعًا مقدامًا مهيبًا عالي الهمة يملأ العين ويرجف القلب رأيته مرات وكان ضخمًا سمينًا كبير الوجه بديع الجمال مستدير اللحية على وجهه رونق الحسن وهيبة السلطنة وكان إلى جوده وبذله الأموال في أغراضه المنتهى‏.‏
وكان مخوف السطوة شديد الوطأة قوي البطش تخافه الملوك في أمصارها والوحوش العادية في آجامها‏.‏


أباد جماعة من كبار الدولة‏.‏
وكان منهمكًا في اللذات لا يعبأ بالتحرز لنفسه لفرط شجاعته ولم أحسبه بلغ ثلاثين سنة ولعل الله عز وجل قد عفا عنه وأوجب له الجنة لكثرة جهاده وإنكائه في الكفار ‏"‏ انتهى كلام الذهبي باختصار‏.‏
قلت‏:‏ وكان الأشرف مفرط الشجاعة والإقدام وجمهور الناس على أنه أشجع ملوك الترك قديمًا وحديثًا بلا مدافعة ثم من بعده الملك الناصر فرج ابن الملك الظاهر برقوق وشهرتهما في ذلك تغني عن الإطناب في ذكرهما‏.‏
وكانت مدة مملكة الأشرف هذا على مصر ثلاث سنين وشهرين وخمسة أيام لأن وفاة والده كانت في يوم السبت سادس ذي القعدة سنة تسع وثمانين وستمائة‏.‏
وجلس الأشرف المذكور على تخت الملك في صبيحة دفن والده في يوم الاثنين ثامن ذي القعدة‏.‏
وقتل في يوم السبت ثاني عشر المحرم سنة ثلاث وتسعين وستمائة‏.‏
وقال الشيخ قطب الدين اليونيني‏:‏ ومات يعني الملك الأشرف شهيدًا مظلومًا فإن جميع من وافق على قتله كان قد أحسن إليه ومناه وأعطاه وخوله وأعطاهم ضياعًا بالشام ولم تتجدد في زمانه مظلمة ولا استجد ضمان مكس وكان يحب الشأم وأهله وكذلك أهل الشأم كانوا يحبونه - رحمه الله تعالى وعفا عنه -‏


السنة الأولى


من سلطنة الملك الأشرف صلاح الدين خليل على مصر وهي سنة تسعين ستمائة‏.‏
على أنه حكم من الماضية من يوم الاثنين ثامن ذي القعدة إلى آخرها‏.‏
فيها أعني سنة تسعين وستمائة توفي الشيخ عز الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن طرخان الأنصاري السويدي الطبيب المشهور وهو من ولد سعد بن معاذ الأوسي - رضي الله عنه - كان قد تفرد في آخر عمره بمعرفة الطب وكان له مشاركة جيدة في العربية والتاريخ واجتمع بأكابر الأطباء وأفاضل الحكماء مثل المهذب عبد الرحيم بن علي الدخوار وغيره وقرأ علم الأدب على جماعة من العلماء وكان له نظم جيد‏.‏
من ذلك قوله في خضاب اللحية‏:‏ مخلع البسيط
لو أن تغيير لون شيبي ** يعيد ما فات من شبابي
لما وفى لي بما تلاقي ** روحي من كلفة الخضاب
قلت‏:‏ ويعجبني قول الشيخ صفي الدين عبد العزيز الحلي في هذا المعنى‏:‏
قالوا اخضب الشيب فقلت اقصروا ** فإن قصد الصدق من شيمتي
فكيف أرضى بعد ذا أنني ** أول ما أكذب في لحيتي
غيره في المعنى‏:‏ السريع
أقبح شيء قيل بين الورى ** أن يكذب الإنسان في لحيته
ومن شعر عز الدين صاحب الترجمة‏:‏
البدر والسعد ذا شبهك وذا نجمك **والقد واللحظ ذا رمحك وذا سهمك
والبغض والحب ذا قسمي وذا قسمك ** والمسك والحسن ذا خالك وذا عمك
وفيها توفي ملك التتار أرغون بن أبغا بن هولاكو عظيم التتار وملكهم قيل‏:‏ إنه اغتيل بالسم وقيل‏:‏ إنه مات حتف أنفه واتهم الترك اليهود بقتله فمالوا عليهم بالسيوف فقتلوهم ونهبوا أموالهم واختلفت كلمة التتار فيمن يقيمونه بعده في الملك فمالت طائفة إلى بيدو ولم يوافقوا على كيختو فرحل كيختو إلى الروم وكان أرغون هذا قد عظم أمره عند التتار بعد قتل عمه أحمد تكودار ورسخت قدمه في الملك وكان شهمًا شجاعًا مقدامًا حسن الصورة سفاكًا للدماء شديد الوطأة‏.‏


وفيها توفي الشيخ عفيف الدين أبو الربيع سليمان بن علي بن عبد الله بن علي بن يس العابدي ثم الكوفي ثم التلمساني المعروف بالعفيف التلمساني الصوفي الشاعر المشهور كان فاضلًا ويدعي العرفان ويتكلم في ذلك على اصطلاح القوم‏.‏
قال الشيخ قطب الدين‏:‏ ‏"‏ ورأيت جماعة ينسبونه إلى رقة الدين وتوفي وقد جاوز الثمانين سنة قلت‏:‏ وقد تقدم ذكر ولده الأديب الظريف شمس الدين محمد أنه مات في حياة والده العفيف هذا
وكان العفيف المذكور من الشعراء المجيدين وله ديوان شعر كبير ومن شعره‏:‏ السريع يشكو إلى أردافه خصره لو تسمع الأمواج شكوى الغريق يا ردفه رق على خصره فإنه حمل ما لا يطيق وله‏:‏ الكامل إن كان قتلي في الهوى يتعين يا قاتلي فبسيف جفنك أهون حسبي وحسبك أن تكون مدامعي غسلي وفي ثوب السقام أكفن عجبًا لخدك وردة في بأنه والبان فوق الغصن ما لا يمكن أدنته لي سنة الكرى فلثمته حتى تبدل بالشقيق السوسن ووردت كوثر ثغره فحسبتني في جنة من وجنيته أسكن ما راعني إلا بلال الخال فو - - ق الخد في صبح الجبين يؤذن قلت‏:‏ وهذا مأخوذ من قول الحاجري من قصيدة‏:‏ أقام بلال الخال في صحن خده يراقب من لألاء غرته الفجرا وانظر إلى الخال فوق الثغر دون لمى تجد بلالًا يراعي الصبح في السحر قلت‏:‏ وقد سبق إلى هذا المعنى أمير المؤمنين عبد الله بن المعتز بقوله‏:‏ السريع أسفر ضوء الصبح من وجهه فقام خال الخد فيه بلال كأنما الخال على خده ساعة هجر في زمان الوصال قلت وقد استوعبنا من ذكر العفيف هذا في ترجمته في تاريخنا ‏"‏ المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي ‏"‏ نبذة كبيرة فلينظر هناك‏.‏


وفيها توفي الشيخ الإمام العلامة فقيه الشام تاج الدين أبو محمد عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع بن ضياء الفزاري البدري المصري ‏"‏ الأصل الدمشقي الشافعي المعروف بالفركاح‏.‏
ولد في شهر ربيع الأول سنة أربع وعشرين وستمائة‏.‏
قال الصفدي‏:‏ تفقه في صغره على الشيخ عز الدين بن عبد السلام والشيخ تقي الدين بن الصلاح وبرع في المذهب وهو شاب وجلس للاشتغال وله بضع وعشرون سنة ودرس في سنة ثمان وأربعين وكتب في الفتاوى وقد أكمل الثلاثين‏.‏
ولما قدم النووي من بلده أحضروه ليشتغل عليه فحمل همه وبعث به إلى مدرس الرواحية ليصح له بها بيت ويرتفق بمعلومها وكانت الفتاوى تأتيه من الأقطار وإذا سافر لزيارة القدس يترامى أهل البر على ضيافته وكان أكبر من الشيخ محيي الدين النووي بسبع سنين وهو أفقه نفسًا وأذكى وأقوى مناظرة من الشيخ محيي الدين بكثير وقيل إنه كان يقول‏:‏ أيش قال النووي في مزبلته‏!‏ يعني عن الروضة قال‏:‏ وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يسميه ‏"‏ الدويك ‏"‏ لحسن بحثه‏.‏


انتهى كلام الصفدي باختصار‏.‏
ومن شعره ما كتبه لزين الدين عبد الملك بن العجمي ملغزًا في اسم بيدرا‏:‏ البسيط
يا سيدًا ملأ الآفاق قاطبة ** بكل فن من الألغاز مبتكر
ما اسم مسماه بدر وهو مشتمل ** عليه في اللفظ إن حققت في النظر
وإن تكن مسقطًا ثانيه مقتصرًا ** عليه في الحذف أضحى واحد البدر
وله أيضًا دو بيت‏.‏
ما أطيب ما كنت من الوجد لقيت إذ أصبح بالحبيب صبًا وأبيت واليوم صحا قلبي من سكرته ما أعرف في الغرام من أين أتيت الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال‏:‏ وفيها توفي مسند العالم فخر الدين علي بن البخاري المقدسي في ربيع الآخر وله خمس وتسعون سنة‏.‏
والمعمر شهاب الدين غازي بن أبي الفضل الحلاوي في صفر وفخر الدين عمر بن يحيى الكرخى في شهر ربيع الآخر وله إحدى وتسعون سنة‏.‏
والعلامة تاج الدين عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع الفزاري الشافعي في جمادى الآخرة وله ست وستون سنة‏.‏


والشيخ العفيف التلمساني الشاعر سليمان بن علي في رجب وله ثمانون سنة‏.‏
والمقرىء شهاب الدين محمد بن عبد الخالق بن مزهر في رجب‏.‏
والقاضي شمس الدين عبد الواسع بن عبد الكافي الأبهري في شوال‏.‏
والمسند نجم الدين يوسف بن يعقوب بن محمد بن المجاور في ذي القعدة‏.‏
والمسند شمس الدين محمد بن عبد المؤمن بن أبي الفتح الصالحي في ذي الحجة وهو آخر من سمع من الكندي والإمام شمس الدين أحمد بن عبد الله بن الزبير الخابوري خطيب حلب في المحرم‏.‏



السنة الثانية

من سلطنة الملك الأشرف خليل وهي سنة إحدى وتسعين وستمائة‏.‏
فيها في يوم الجمعة رابع عشرين صفر ظهر بقلعة الجبل حريق عظيم في بعض خزائن الخاص وأتلف شيئًا عظيمًا من الذخائر والنفائس والكتب وغيرها‏.‏
وفيها توفي الصاحب تاج الدين أحمد ابن شرف الدين سعيد ابن شمس الدين محمد بن الأثير الحلبي الكاتب المنشىء‏.‏
وأولاد ابن الأثير هؤلاء غير بني الأثير الموصليين‏.‏
وكان تاج الدين هذا بارعًا فاضلًا معظمًا في الدول‏.‏
باشر الإنشاء بدمشق ثم بمصر للملك الظاهر بيبرس ثم للملك المنصور قلاوون وكان له نظم ونثر ولكلامه رونق وطلاوة‏.‏
ومن عجيب ما اتفق أن الأمير عز الدين أيدمر السناني النجيبي الدوادار أنشد تاج الدين المذكور عند قدومه إلى القاهرة في الأيام الظاهرية أول اجتماعه به ولم يكن يعلم اسمه ولا اسم أبيه قول الشاعر‏:‏ البسيط كانت مساءلة الركبان تخبرني عن أحمد بن سعيد أحسن الخبر حتى التقينا فلا والله ما سمعت أذني بأحسن مما قد رأى بصري فقال له تاج الدين‏:‏ يا مولانا أتعرف أحمد بن سعيد فقال‏:‏ لا فقال‏:‏ المملوك أحمد بن سعيد‏.‏


ولم يزل تاج الدين هذا يترقى إلى أن ولي كتابة السر بمصر بعد موت فتح الدين محمد بن عبد الظاهر الآتي ذكره‏.‏
ولما ولي كتابة السر سافر مع السلطان إلى الديار المصرية فأدركه أجله فمات بغزة ودفن هناك وولي بعده كتابة السر ابنه عماد الدين إسماعيل مدة إلى أن عزل بشرف الدين عبد الوهاب بن فضل الله العمري‏.‏
وكان تاج الدين فاضلًا نبيلًا وله يد في النظم والنثر‏.‏
ومن شعره القصيدة التي أولها‏:‏ الطويل أتتني أياديك التي لو تصورت محاسنها كانت من الأنجم الزهر وفيها توفي القاضي فتح الدين محمد ابن القاضي محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر بن نشوان بن عبد الظاهر الجذامي الروحي المصري المعروف بآبن عبد الظاهر صاحب ديوان الإنشاء ومؤتمن المملكة بالديار المصرية‏.‏
مولده بالقاهرة في سنة ثمان وثلاثين وستمائة وسمع الحديث وتفقه ومهر في الإنشاء وساد في الدولة المنصورية قلاوون برأيه وعقله وحسن سياسته وتقدم على والده فكان والده من جملة الجماعة الذين يصرفهم أمره ونهيه وقد تقدم ذكره في ترجمة الملك المنصور قلاوون والتعريف بحاله‏.‏


ومن شعر فتح الدين المذكور لما توجه إلى دمشق في صحبة السلطان وحصل له توعك فكتب إلى والده يقول‏:‏ الكامل إن شئت تبصرني وتبصر حالتي قابل إذا هب النسيم قبولا تلقاه مثلي رقة ونحافة ولأجل قلبك لا أقول عليلا فهو الرسول إليك مني ليتني كنت اتخذت مع الرسول سبيلا وله‏:‏ الخفيف ذو قوام يجور منه اعتدال كم طعين به من العشاق سلب القضب لينها فهي غيظًا واقفات تشكوه بالأوراق قلت‏:‏ وأجاد شمس الدين محمد بن العفيف في هذا المعنى حيث قال‏:‏ سلب الأغصان لينًا فهي بالأوراق تشكو الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال‏:‏ وفيها توفي سيف الدين عبد الرحمن بن محفوظ الرسعني في المحرم‏.‏
وخطيب دمشق زين الدين عمر بن مكي الوكيل في ربيع الأول‏.‏
والمقرىء رضي الدين جعفر بن القاسم المعروف بابن دبوقا الربعي في رجب‏.‏
والعدل علاء الدين علي بن أبي بكر بن أبي الفتح بن محفوظ بن الحسن بن صصرى الضرير في شعبان‏.‏
والموقعان‏:‏ سعد الدين سعد الله بن مروان الفارقي وفتح الدين محمد بن محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر‏.‏



السنة الثالثة

من سلطنة الملك الأشرف خليل وهي سنة اثنتين وتسعين وستمائة‏.‏
فيها حصل ببلاد غزة والرملة وقاقون والكرك زلزلة عظيمة وكان معظم تأثيرها بالكرك بحيث انهدم ثلاثة أبراج من قلعتها وبنيان كثير من دورها وأماكنها وكانت الزلزلة المذكورة في صفر‏.‏
وفيها كانت وفاة الأمير الكبير شمس الدين سنقر بن عبد الله العلائي ثم الصالحي النجمي المعروف بالأشقر كان من كبار الأمراء ممن تملك الشام في أوائل سلطنة الملك المنصور قلاوون ودعا لنفسه وتلقب ‏"‏ بالملك الكامل ‏"‏ وخطب له على منابر الشام وضرب الدرهم والدينار باسمه وقد أوضحنا من أمره نبذة كبيرة في عدة مواضع من ترجمة الملك المنصور قلاوون وغيره‏.‏
ووقع له مع الملك المنصور أمور أسفرت بعد سنين على أنه دخل تحت طاعته وصار من جملة أكابر أمرائه‏.‏
واستمر سنقر على ذلك إلى أن مات الملك المنصور قلاوون وملك بعده ابنه الملك الأشرف خليل صاحب الترجمة قبض عليه في هذه السنة وخنقه وخنق معه جماعة من الأمراء لأمر اقتضاه رأيه‏.‏


والأمراء الذين قتلوا معه مثل‏:‏ الأمير ركن الدين طقصو الناصري وجرمك الناصري وبلبان الهاروني وكان معهم الأمير حسام الدين لاجين المنصوري الذي تسلطن بعد ذلك فوضع السلطان الوتر في رقبته لخنقه فانقطع الوتر فقال لاجين‏:‏ يا خوند أيش ذنبي‏!‏ ما لي ذنب إلا أن طقصو حموي وأنا أطلق بنته فرقوا له خشداشيته لأمر سبق في علم الله وقبلوا الأرض وسألوا السلطان فيه وضمنه خشداشه الأمير بدر الدين بيدرا نائب السلطنة فأطلقه السلطان وأعاده إلى رتبته وأخذ سنقر الأشقر هذا ودفن بالقرافة‏.‏
وكان سنقر المذكور أميرًا شجاعًا مقدامًا كريمًا حسن السياسة مهابًا جليلًا معظمًا في الدول وخوطب بالسلطنة سنين عديدة إلى أن ضعف أمره ونزل من قلعة صهيون بالأمان وقدم على الملك المنصور قلاوون فأكرمه قلاوون ودام على ذلك إلى أن مات‏.‏
وكان سنقر شجاعًا أشقر عبل البدن جهوري الصوت مليح الشكل‏.‏
رحمه الله تعالى‏.‏


وفيها توفي الشيخ الصالح القدوة المعتقد شيخ الشام أبو إسحاق إبراهيم ابن الشيخ السيد العارف أبي محمد عبد الله الأرموي بزاويته بجبل قاسيون بعد الظهر وكانت جنازته مشهودة رحمه الله‏.‏
وفيها توفي الصاحب محيي الدين عبد الله بن رشيد الدين عبد الظاهر بن نشوان بن عبد الظاهر السعدي الموقع كاتب الإنشاء بالديار المصرية‏.‏
وقد تقدم ذكر ولده القاضي فتح الدين في السنة الماضية‏.‏
كان محيي الدين هذا من سادات‏.‏
الكتاب ورؤسائهم وفضلائهم‏.‏
ومولده في سنة عشرين وستمائة بالقاهرة ومات يوم الأربعاء ثالث شهر رجب ودفن بالقرافة بتربته التي أنشأها‏.‏
وهو صاحب النظم الرائق والنثر الفائق‏.‏
ومن شعره قوله‏:‏ يا قاتلي بجفون قتيلها ليس يقبر إن صبروا عنك قلبي فهو القتيل المصبر وله وأجاد إلى الغاية‏:‏ الخفيف نسب الناس للحمامة حزنًا وأراها في الشجو ليست هنالك وله مضمنًا‏:‏ الطويل لقد قال كعب في النبي قصيدة وقلنا عسى في مدحه نتشارك فإن شملتنا بالجوائز رحمة كرحمة كعب فهو كعب مبارك وله‏:‏ الخفيف سلفتنا على العقول السلافه فتقاضت ديونها بلطافه ضيفتنا بالنشر والبشر واليس - - ر ألا هكذا تكون الضيافه وقد سقنا من ترجمته في تاريخنا ‏"‏ المنهل الصافي ‏"‏ عدة أخر غير هؤلاء المقطعات‏.‏


وفيها توفي الأمير علم الدين سنجر بن عبد الله الحلبي الأمير الكبير أحد الموصوفين بالشجاعة والإقدام وقد شهد عدة حروب وله مواقف مشهورة مع العدو‏.‏
وكان أبيض الرأس واللحية من أبناء الثمانين وكان ولي نيابة دمشق في آخر سنة ثمان وخمسين وستمائة‏.‏
ولما تسلطن الملك الظاهر ركن الدين بيبرس لم يبايعه سنجر هذا ودعا لنفسه وحلف الأمراء وتسلطن بدمشق ولقب ‏"‏ بالملك المجاهد ‏"‏ فلم يتم له ذلك حسب ما تقدم ذكره في أول ترجمة الملك الظاهر بيبرس وقبض الظاهر عليه وحبسه مدة سنين إلى أن مات‏.‏
وتسلطن بعده ولده الملك السعيد فأفرج عنه وأمره فدام على ذلك إلى أن تسلطن الملك المنصور قلاوون ولما خرج عليه الأمير سنقر الأشقر المقدم ذكره وتسلطن بدمشق ندب المنصور لحربه علم الدين سنجر هذا وأضاف إليه العساكر المصرية فخرج إليه وقاتله وكسره وأخرجه من دمشق ثم عاد إلى الديار المصرية فأنعم عليه المنصور قلاوون بأشياء كثيرة ثم خانه وقبض عليه وحبسه إلى أن مات‏.‏


فلما تسلطن ولده الملك الأشرف خليل أفرج عنه وأكرمه ورفع منزلته‏.‏
وكان سبب مسك قلاوون له أنه لما كسر سنقر الأشقر عظم في أعين الناس ولهج بعض الناس بتسميته ‏"‏ بالملك المجاهد ‏"‏ كما كان تلقب أولًا لما ادعى السلطنة فبادره قلاوون وقبض عليه‏.‏
وكان سنجر هذا من بقايا الأمراء الصالحية النجمية رحمه الله تعالى‏.‏
الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال‏:‏ وفيها توفي الشيخ الزاهد إبراهيم ابن العارف الشيخ عبد الله الأرموي في المحرم وكمال الدين أحمد بن محمد النصيبي الحلبي في المحرم‏.‏
والمقرىء جمال الدين إبراهيم بن داود الفاضلي في أول جمادى الأولى والإمام القدوة تقي الدين إبراهيم بن علي بن الواسطي الحنبلي في جمادى الآخرة وله تسعون سنة‏.‏
والسيف علي ابن الرضي عبد الرحمن المقدسي في شوال‏.‏
والمحدث التقي عبيد بن محمد بن عباس الإسعردي‏.‏
وأبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن ترجم المصري راوي الترمذي‏.‏












صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 13-01-2012, 10:05 PM   رقم المشاركة:486
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 55
المشاركات: 8,866
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون (الأولى) على مص


سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون (الأولى) على مصر






سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون (الأولى) على مصر

هو السلطان الملك الناصر أبو الفتوح ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي النجمي الألفي سلطان الديار المصرية وابن سلطانها مولده بالقاهرة في سنة أربع وثمانين وستمائة بقلعة الجبل ووالده الملك المنصور قلاوون يحاصر حصن المرقب وجلس على تخت الملك بعد قتل أخيه الملك الأشرف صلاح الدين خليل بن قلاوون في يوم الاثنين رابع عشر المحرم وقيل يوم الثلاثاء خامس عشر المحرم من سنة ثلاث وتسعين وستمائة لأن الملك الأشرف قتل بتروجة في يوم السبت ثاني عشر المحرم وقتل قاتله الأمير بدر الدين بيدرا في يوم الأحد ثالث عشر المحرم ثم اتفقوا على سلطنة الملك الناصر محمد هذا عوضًا عن أخيه فتم له ذلك‏.‏
فتكون سلطنته في أحد اليومين المذكورين تخمينًا لما وقع في ذلك من الاختلاف بين المؤرخين‏.‏



والملك الناصر هذا هو السلطان التاسع من ملوك الترك بالديار المصرية ولما استقر في السلطنة رتبوا الأمير زين الدين كتبغا المنصوري نائب السلطنة بالديار المصرية عوضًا عن بيدرا والأمير علم الدين سنجر الشجاعي وزيرًا ومدبرًا للمملكة وأتابك العساكر ثم قبضوا على جماعة من قتلة الملك الأشرف خليل حسب ما تقدم ذكره وتم ذلك ودام إلى العشرين من صفر‏.‏
فبلغ الأمير زين الدين كتبغا أن الأمير علم الدين سنجر الشجاعي يريد الوثوب عليه وقبضه وقتله‏.‏
وكان الذي أخبره بذلك سيف الدين قنق التتاري وأعلمه بما في باطن الشجاعي والسبب في اطلاعه على ما في باطن الشجاعي أن هذا قنق هاجر من بلاد التتار في زمن الملك الظاهر بيبرس وأقام بمصر وأقطع في الحلقة فرزقه الله تعالى اثني عشر ولدًا كلهم ذكور منهم‏:‏ ستة أولاد في خدمة الملك الأشرف وخمسة في خدمة الشجاعي وواحد منهم صغير وجميع أولاده شباب ملاح من أجمل الناس صورة‏.‏



وكان لقنق هذا منزلة عظيمة عند الشجاي وكلمته مسموعة وشفاعته مقبولة وله طلاع على أمور الدولة بسبب أولاده فعلم بما دبره الشجاعي فحملته الجنسية حتى أعلم الأمير كتبغا على ما في باطن الشجاعي فاحترز كتبغا على نفسه وأعلم الأمراء بالخبر وكان الأمراء كارهين الشجاعي‏.‏
فلما كان يوم الخميس ثاني عشرين صفر ركب الأمير كتبغا إلى سوق الخيل فنزل إليه من القلعة أمير يقال له علم الدين سنجر البندقداري وقال له من قبل الشجاعي‏:‏ أين حسام الدين لاجين المنصوري أحضره الساعة فقال له كتبغا‏:‏ ما هو عندي وكان لاجين من يوم قتل الأشرف قد اختفى والمماليك الأشرفية قد أعياهم أمره من كثرة التفتيش عليه فقال له البندقداري‏:‏ بلى لاجين عندك ثم مد يده إلى سيفه ليضربه به فجذب سيف الدين بلبان الأزرق مملوك كتبغا سيفه وعلا به البندقداري من ورائه وضربه ضربة حل بها كتفه ويده ثم إنهم تكاثروا عليه وأنزلوه عن فرسه وذبحوه وهم مماليك كتبغا وذلك في وسط سوق الخيل ومال غالب العسكر من الأمراء والمقدمين وأجناد الحلقة والتتار والأكراد إلى كتبغا وانضموا عليه ومالت البرجية وبعض الخاصكية إلى سنجر الشجاعي لأن الشجاعي كان أنفق فيهم في الباطن في يوم واحد ثمانين ألف دينار واتفق معهم أيضًا أن كل من جاء برأس أمير كان له إقطاعه وكان الاتفاق معهم أنه في يوم الخميس وقت الموكب لما يطلع الأمير كتبغا إلى القلعة ويمدوا السماط يمسك هو ومن اتفق معه من الأمراء يقبضون
فآستعجل البندقداري ونزل إلى سوق الخيل وفعل ما ذكرناه‏.‏



ولما وقع ذلك تحقق الأمراء صحة ما نقل إليهم الأمير زين الدين كتبغا عن الشجاعي فاجتمع في الحال الأمراء عند كتبغا بسوق الخيل وركبت التتار جميعهم وجماعة من الشهر زورية والأكراد وجماعة من الحلقة كراهية منهم في الشجاعي وخرج الشجاعي بمن معه إلى باب القلعة فإن إقامته كانت بالقلعة وأمر بضرب الكوسات فضربت وبقي يطلب أن يطلع إليه أحد من الأمراء والمقدمين فلم يجبه أحد وكان قد أخرج صحبته الذهب في الصرر وبقي كل من جاء إليه يعطيه صرة فلم يجىء إليه إلا أناس قليلون ما لهم مرتبة‏.‏
وشرع كتبغا ومن معه في حصار القلعة وقطعوا عنها الماء وبقوا ذلك اليوم محاصرين‏.‏



فلما كان ثاني يوم نزلت البرجية من القلعة على حمية وتلاقوا مع كتبغا وعساكره وصدموه صدمة كسروه فيها كسرة شنيعة وهزموه إلى بئر البيضاء وتوجه كتبغا إلى جهة بلبيس فلما سمعوا باقي الأمراء بذلك ركب الأمير بدر الدين بيسري المنصوري والأمير بدر الدين بكتاش الفخري أمير سلاح بقية العساكر المصرية وتوجهت الجميع إلى نصرة الأمير كتبغا وأصحابه وقاتلوا المماليك البرجية حتى كسروهم وردوهم إلى أن أدخلوهم إلى قلعة الجبل ثم جدوا في حصار القلعة ومن فيها وعاد الأمير كتبغا وقد قوي عضده بخشداشيته والأمراء ودام الحصار على القلعة إلى أن طلعت الست خوند والدة السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى أعلى السور وكلمتهم بأن قالت لهم‏:‏ أيش هو غرضكم حتى إننا نفعله لكم فقالوا‏:‏ ما لنا غرض إلا مسك الشجاعي وإخماد الفتنة ونحن لو بقيت بنت عمياء من بنات أستاذنا الملك المنصور قلاوون كنا مماليكها لا سيما وولده الناصر محمد حاضر وفيه كفاية فلما علمت ذلك رجعت واتفقت مع الأمير حسام الدين لاجين أستاذ الدار وغلقوا باب القلة من القلعة وهي التي عليها المعتمد وبقي الشجاعي بداره بالقلعة محصورًا‏.‏



فلما رآه أصحابه أنه في أنحس حال شرعوا في النزول إلى عند الأمير كتبغا فبقي جمع الشجاعي يقل وجمع كتبغا يكثر إلى يوم السبت رابع عشرين صفر ضجر الشجاعي وطلب الأمان فلم يوافقوه الأمراء وطلع وقت صلاة الظهر بعض الأمراء وجماعة من الخاصكية وفيهم آقوش المنصوري إلى عند الشجاعي يطلبونه إلى عند السلطان وإلى والدته في صورة أنهم يريدون يستشيرونه فيما يعملون فمشى معهم قليلًا وتكاثروا عليه المماليك وجاء أقوش من ورائه وضربه بالسيف ضربة قطع بها يده ثم بادره بضربة ثانية أبرى بها رأسه عن جسده وأخذوا رأسه في الحال ورفعوه على سور القلعة ثم عادوا ونزلوا به إلى كتبغا ودقوا البشائر وفتحوا باب القلة وأخذوا رأس الشجاعي وجعلوه على رمح وأعطوه للمشاعلية فجبوا عليه مصر والقاهرة فحصل المشاعلية مالًا كثيرًا لبغض الناس قاطبة في الشجاعي فقيل‏:‏ إنهم كانوا يأخذون الرأس من المشاعلية ويدخلونه بيتهم فتضربه النسوة بالمداسات لما في نفوسهم منه وسبب ذلك ما كان اشتمل عليه من الظلم ومصادراته للعالم وتنوعه في الظلم والعسف حسب ما يأتي ذكره في الوفيات بأوسع من هذا وأغلقت القاهرة خمسة أيام إلى أن طلع كتبغا إلى القلعة في يوم الثلاثاء سابع عشرين صفر ودقت البشائر وفتحت الأبواب وجددت الأيمان والعهود للملك الناصر محمد ولما تم ذلك قبض كتبغا على جماعة من الخاصكية والبرجية المتفقين مع الشجاعي ثم أفرج عن جماعة من الأمراء كان قبض عليهم في المخيم وهم‏:‏ الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير الذي تسلطن بعد ذلك على ما يأتي ذكره والأمير سيف الدين برلغي والأمير القمامي وسيف الدين قبجق المنصوري والأمير بدر الدين عبد الله وحامل الجتر والأمير سيف الدين بوري السلاح دار والأمير زين الدين عمر والأمير سيف الدين قرمشي والأمير علاء الدين مغلطاي المسعودي وغيرهم وأخذ أمير زين الدين كتبغا وأعطى في الملك وانفرد بتدبير الأمر ومشى مع الملك الناصر محمد مشي المملوك مع أستاذه‏.‏



ثم بعث بتقليد نائب الشام على عادته وهو الأمير أيبك الحموي‏.‏
ثم بعد ذلك نزل السلطان الملك الناصر محمد من قلعة الجبل في موكب هائل بأبهة السلطنة وتوجه إلى ظاهر القاهرة ثم عاد وشق القاهرة ودخل من باب النصر وخرج من باب زويلة عائدًا إلى القلعة والأمراء مشاة بين يديه حتى الأمير كتبغا وكان ذلك في يوم الأحد رابع عشرين شهر رجب ولما كان سابع عشرين شهر رمضان ظهر الأمير حسام الدين لاجين المنصوري من اختفائه واجتمع بالأمير كتبغا خفية فتكلم كتبغا في أمره مع الأمراء فاتفقوا على إظهار أمره لما رأوا في ذلك من إصلاح الحال فطيب كتبغا خاطر الأمير حسام الدين لاجين ووعده أن يتكلم في أمره مع السلطان والمماليك الأشرفية‏.‏



ولا زال كتبغا بالسلطان والحاشية حتى رضاهم عليه وطيب قلوبهم إلى أن كان يوم عيد الفطر ظهر حسام الدين لاجين من دار كتبغا وحضر السماط وقبل الأرض بين يدي السلطان الملك الناصر محمد فخلع عليه السلطان وطيب قلبه ولم يعاتبه بما فعل مع أخيه الملك الأشرف خليل مراعاة لخاطر كتبغا ثم خلع عليه الأمير كتبغا أيضًا وحملت إليه الهدايا والتحف من الأمراء وغيرهم وكل ذلك لأجل خاطر كتبغا‏.‏
اصطلحت أيضًا معه المماليك الأشرفية على ما في نفوسهم منه من قتل أستاذهم بأمر كتبغا لهم وإلحاحه عليهم في ذلك حتى قبلوا كلامه‏.‏
وكانت مكافأة لاجين لكتبغا بعد هذا الإحسان كله بأن دبر عليه حتى أخذ الملك منة وتسلطن عوضه على ما يأتي ذكره وبيانه إن شاء الله تعالى‏.‏



ثم خلع السلطان على الصاحب تاج الدين محمد ابن الصاحب فخر الدين محمد ابن الصاحب بهاء الدين علي بن حنا باستقراره في الوزارة بالديار المصرية‏.‏
ثم استهلت سنة أربع وتسعين وستمائة والخليفة الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد وسلطان مصر والشام الملك الناصر محمد بن قلاوون ومدبر مملكته الأمير كتبغا المنصوري‏.‏
ولما كان عاشر المحرم ثار جماعة من المماليك الأشرفية خليل في الليل بمصر والقاهرة وعملوا عملًا قبيحًا وفتحوا أسواق السلاح بالقاهرة بعد حريق باب السعادة وأخذوا خيل السلطان وخرقوا ناموس الملك وذلك كله بسبب ظهور الأمير حسام الدين لاجين وعدم قتله فإنه كان ممن باشر قتل أستاذهم الملك الأشرف خليل فحماه الأمير كتبغا ورعاه وأيضًا قد بلغهم خلع أخي أستاذهم الملك الناصر محمد بن قلاوون من السلطنة وسلطنة كتبغا فتزايدت وحشتهم وترادفت عليهم الأمور فاتفقوا ووثبوا فلم ينتج أمرهم‏.‏
فلما أصبح الصباح قبض عليهم الأمير كتبغا وقطع أيدي بعضهم وأرجلهم وكحل البعض وقطع ألسنة آخرين وصلب جماعة منهم على باب زويلة ثم فرق بقية المماليك على الأمراء والمقدمين وكانوا فوق الثلاثمائة نفر وهرب الباقون فطلب الأمير زين الدين كتبغا الخليفة والقضاة والأمراء وتكلم معهم في عدم أهلية الملك الناصر محمد للسلطنة لصغر سنه وأن الأمور لابد لها من رجل كامل تخافه الجند والرعية وتقف عند أوامره ونواهيه‏.‏



كل ذلك كان بتدبير لاجين فإنه لما خرج من إخفائه علم أن المماليك الأشرفية لا بد لهم من أخذ ثار أستاذهم منه وأيضًا أنه علم أن الملك الناصر محمد متى ترعرع وكبر لا يبقيه لكونه كان ممن قتل أخاه الملك الأشرف خليلًا فلما تحقق ذلك أخذ يحسن للأمير كتبغا السلطنة وخلع ابن أستاذه الملك الناصر محمد بن قلاوون وسلطنته وكتبغا يمتنع من ذلك فلا زال به لاجين حتى حذره وأخافه عاقبة ذلك وقال له‏:‏ متى كبر الملك الناصر لا يبقيك البتة ولا يبقي أحدًا ممن تعامل على قتل أخيه الملك الأشرف وأن هؤلاء الأشرفية ما دام الملك الناصر محمد في الملك شوكتهم قائمة والمصلحة خلعه وسلطنتك‏.‏
فمال كتبغا إلى كلامه غير أنه أهمل الأمر وأخذ في تدبير ذلك على مهل‏.‏



فلما وقع من الأشرفية ما وقع وثب وطلب الخليفة والقضاة حسب ما ذكرناه ولما حضر الخليفة والقضاة اتفق رأي الأمراء والجند على خلع السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون من الملك وسلطنة كتبغا هذا عوضه فوقع ذلك وخلع الملك الناصر محمد من السلطنة وتسلطن كتبغا وجلس على تخت الملك في يوم خلع الملك الناصر وهو يوم الخميس ثاني عشر المحرم سنة أربع وتسعين وستمائة بعد واقعة المماليك الأشرفية بيومين وأدخل الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى الدور بالقلعة وأمره كتبغا بألا يركب ولا يظهر وكان عمره يوم خلع نحو العشر سنين‏.‏

وكانت مدة سلطنته في هذه المرة الأولى سنة واحدة إلا ثلاثة أيام أو أقل ويأتي بقية ترجمته في سلطنته الثانية والثالثة إن شاء الله تعالى‏.‏




السنة الأولى

من سلطنة الملك الناصر محمد الأولى على أنه لم يكن له من السلطنة فيها إلا مجرد الاسم فقط وإنما كان الأمر أولًا للأمير علم الدين سنجر الشجاعي ثم للأمير كتبغا المنصوري وهي سنة ثلاث وتسعين وستمائة على أن الأشرف قتل في أوائلها في المحرم حسب ما تقدم ذكره‏.‏
فيها توفي الصاحب فخر الدين أبو العباس إبراهيم بن لقمان بن أحمد بن محمد الشيباني الإسعردي ثم المصري رئيس الموقعين بالديار المصرية ثم الوزير بها‏.‏
ولي الوزارة مرتين وكان مشكور السيرة قليل الظلم كثير العدل والإحسان للرعية وفي أيام وزارته سعى في إبطال مظالم كثيرة وكان يتولى الوزارة بجامكية الإنشاء وعندما يعزلونه من الوزارة يصبح يأخذ غلامه الحرمدان خلفه ويروح يقعد في ديوان الإنشاء وكأنه ما تغير عليه شيء وكان أصله من المعدن من بلاد إسعرد وتدرب في الإنشاء بالصاحب بهاء الدين زهير حتى برع في الإنشاء وغيره‏.‏



قال الذهبي‏:‏ رأيته شيخًا بعمامة صغيرة وقد حدث عن ابن رواح وكتب عنه البرزالي والطلبة انتهى‏.‏
وكان ابن لقمان المذكور فاضلًا ناظمًا ناثرًا مترسلًا ومات بالقاهرة في جمادى الآخرة ودفن بالقرافة ومن شعره‏:‏ الكامل كن كيف شئت فإنني بك مغرم راض بما فعل الهوى المتحكم ولئن كتمت عن الوشاة صبابتي بك فالجوانح بالهوى تتكلم أشتاق من أهوى وأعجب أنني أشتاق من هو في الفؤاد مخيم يا من يصد عن المحب تدللًا وإذا بكى وجدًا غدًا يتبسم أسكنتك القلب الذي أحرقته فحذار من نار به تتضرم وفيها قتل الأمير علم الدين سنجر بن عبد الله الشجاعي المنصوري كان من مماليك الملك المنصور قلاوون وترقى حتى ولي شد الدواوين ثم الوزارة بالديار المصرية في أوائل دولة الناصر وساءت سيرته وكثر ظلمه ثم ولي نيابة دمشق فتلطف بأهلها وقل شره ودام بها سنين إلى أن عزل بالأمير عز الدين أيبك الحموي وقدم إلى القاهرة وكان مركبه يضاهي موكب السلطان من التجمل ومع ظلمه كان له ميل لأهل العلم وتعظيم الإسلام وهو الذي كان مشد عمارة البيمارستان المنصوري ببين القصرين فتممه في مدة يسيرة ونهض بهذا العمل العظيم وفرغ منه في أيام قليلة وكان يستعمل فيه الصناع والفعول بالبندق حتى لا يفوته من هو بعيد عنه في أعلى سقالة كان ويقال إنه يومًا وقع بعض الفعول من أعلى السقالة بجنبه فمات فما اكترث سنجر هذا ولا تغير من مكانه وأمر بدفنه ثم عمل الوزارة أيضًا في أوائل دولة الناصر محمد بن قلاوون أكثر من شهر حسب ما تقدم ذكره وحدثته نفسه بما فوق الوزارة فكان في ذلك حتفه وقتله حسب ما ذكرناه في أول ترجمة الملك الناصر هذا وفرح أهل مصر بقتله فرحًا زائدًا حتى إنه لما طافت المشاعلية برأسه على بيوت الكتاب القبط بلغت اللطمة على وجهه بالمداس نصفًا والبولة عليه درهمًا وحصلوا المشاعلية جملًا من ذلك‏.‏



ولما كان على نيابة دمشق وسع ميدانها أيام الملك الأشرف فقال الأديب علاء الدين الوداعي في ذلك‏:‏ الكامل علم الأمير بأن سلطان الورى يأتي دمشق ويطلق الأموالا فلأجل ذا قد زاد في ميدانها لتكون أوسع للجواد مجالا قال الصلاح الصفدي‏:‏ أخبرني من لفظه شهاب الدين بن فضل الله قال‏:‏ أخبرني والدي عن قاضي القضاة نجم الدين ابن الشيخ شمس الدين شيخ الجبل قال‏:‏ كنت ليلة نائمًا فاستيقظت وكأن من أنبهني وأنا أحفظ كأنما قد أنشدت ذلك‏:‏ البسيط عند الشجاعي أنواع منوعة من العذاب فلا ترحمه بالله لم تغن عنه ذنوب قد تحملها من العباد ولا مال ولا جاه قال‏:‏ ثم جاءنا الخبر بقتله بعد أيام قلائل فكانت قتلته في تلك الليلة التي أنشدت فيها الشعر‏.‏



وقد ذكرنا من أحوال سنجر هذا في تاريخنا المنهل الصافي في نبذة كبيرة كونه كتاب تراجم وليس للإطناب لهؤلاء هنا محل‏.‏
وفيها توفي قتيلًا الملك كيختو ملك التتار قتله ابن أخيه بيدو‏.‏
قلت‏:‏ وهنا نكتة غريبة لم يفطن إليها أحد من مؤرخي تلك الأيام وهي أن سلطان الديار المصرية الملك الأشرف خليل بن قلاوون قتله نائبه الأمير بيدرا وملك التتار كيختو هذا أيضًا قتله ابن أخيه بيدو وكلاهما في سنة واحدة وذاك في الشرق وهذا في الغرب‏.‏



وملك بعد كيختو بيدو المذكور الذي قتله‏.‏
قلت‏:‏ وكذلك وقع للأشرف خليل فإن بيدرًا ملك بعمه يومًا واحدًا وتلقب بالملك الأوحد‏.‏
وعلى كل حال فإنهما تشابها أيضًا وكان بيدو الذي ولي أمر التتار يميل إلى دين النصرانية وقيل إنه تنصر لعنه الله ووقع له مع الملك غازان أمور يطول شرحها‏.‏
وفيها قتل الوزير الصاحب شمس الدين محمد بن عثمان بن أبي الرجاء التنوخي الدمشقي التاجر المعروف بابن السلعوس قال الشيخ صلاح الدين الصفدي‏:‏ كان في شبيبته يسافر بالتجارة وكان أشقر سمينًا أبيض معتدل القامة فصيح العبارة حلو المنطق وافر الهيبة كامل الأدوات خليقًا للوزارة تام الخبرة زائد الإعجاب عظيم التيه وكان جارًا للصاحب تقي الدين البيع فصاحبه ورأى فيه الكفاءة فأخذ له حسبة دمشق ثم توجه إلى مصر وتوكل للملك الأشرف خليل في دولة أبيه فجرى عليه نكبة من السلطان فشفع فيه مخدومه الأشرف خليل وأطلقه من الاعتقاد وحج فتملك الأشرف في غيبته وكان محبًا له فكتب إليه بين الأسطر‏:‏ يا شقير يا وجه الخير قدم السير‏.‏



فلما قدم وزره وكان إذا ركب تمشي الأمراء الكبار في خدمته
قلت‏:‏ وكان في أيام وزارته يقف الشجاعي المقدم ذكره في خدمته فلما قتل مخدومه الملك الأشرف وهو بالإسكندرية قدم القاهرة فطلب إلى القلعة فأنزله الشجاعي من القلعة ماشيًا ثم سلمه من الغد إلى عدوه الأمير بهاء الدين قراقوش مشد الصحبة قيل‏:‏ إنه ضربه ألفًا ومائة مقرعة ثم تداوله المسعودي وغيره وأخذ منه أموالًا كثيرة ولا زال تحت العقوبة حتى مات في صفر‏.‏
ولما تولى الوزارة كتب إليه بعض أحبائه من الشام يحذره من الشجاعي‏:‏ الوافر تنبه يا وزير الأرض واعلم بأنك قد وطئت على الأفاعي وكن بالله معتصمًا فإني أخاف عليك من نهش الشجاعي فبلغ الشجاعي فلما جرى ما جرى طلب أقاربه وأصحابه وصادرهم فقيل له عن الناظم فقال‏:‏ لا أوذيه فإنه نصحه في وما انتصح وقد أوضحنا أمره في المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي بأطول من هذا‏.‏

الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال‏:‏ وفيها توفي المقرىء شمس الدين محمد بن عبد العزيز الدمياطي بدمشق في صفر وقاضي القضاة شهاب الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن خليل الخويي‏.‏
والسلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل بن قلاوون فتكوا به في المحرم‏.‏
ونائبه بيدرا قتل من الغد ووزيره الصاحب شمس الدين محمد بن عثمان بن السلعوس هلك تحت العذاب‏.‏














صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 13-01-2012, 10:05 PM   رقم المشاركة:487
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 55
المشاركات: 8,866
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الملك العادل زين الدين كتبغا (1)

سلطنة الملك العادل زين الدين كتبغا (1)





سلطنة الملك العادل زين الدين كتبغا

هو السلطان الملك العادل زين الدين كتبغا بن عبد الله المنصوري التركي المغلي سلطان الديار المصرية جلس على تخت الملك بعد أن خلع ابن أستاذه الملك الناصر محمد بن قلاوون في يوم الخميس ثاني عشر المحرم سنة أربع وتسعين وستمائة باتفاق الأمراء على سلطنته وهو السلطان العاشر من ملوك الترك بالديار المصرية وأصله من التتار من سبي وقعة حمص الأولى التي كانت في سنة تسع وخمسين وستمائة فأخذ الملك المنصور قلاوون وأدبه ثم أعتقه وجعله من جملة مماليكه ورقاة حتى صار من أكابر أمرائه واستمر على ذلك في الدولة الأشرفية خليل بن قلاوون إلى أن قتل وتسلطن أخوه الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة ثلاث وتسعين وأقام الناصر في الملك إلى سنة أربع وتسعين ووقع الاتفاق على خلعه وسلطنة كتبغا هذا فتسلطن وتلقب بالملك العادل وسنه يوم ذاك نحو الأربعين سنة وقيل خمسين سنة‏.‏



وقد تقدم سبب خلع الملك الناصر محمد وسلطنة كتبغا هذا في آخر ترجمه الملك الناصر محمد فلا حاجة في الإعادة وقال الشيخ شمس الدين بن الجزري قال‏:‏ حكى لي الشيخ أبو الكرم النصراني الكاتب قال‏:‏ لما فتح هولاكو حلب بالسيف ودمشق بالأمان طلب هولاكو نصير الدين الطوسي وكان في صحبته وقال له‏:‏ اكتب أسماء مقدمي عسكري وأبصر أيهم يملك مصر ويقعد على تخت الملك بها حتى أقدمه قال‏:‏ فحسب نصير الدين أسماء المقدمين فما ظهر له من الأسماء اسم من يملك الديار المصرية غير اسم كتبغا‏.‏



وكان كتبغا صهر هولاكو فقدمه على العساكر فتوجه بهم كتبغا فانكسر على عين جالوت فتعجب هولاكو من هذه الواقعة وظن أن نصير الدين قد غلط في حسابه‏.‏

وكان كتبغا هذا من جملة من كان في عسكر هولاكو من التتار ممن لا يؤبه إليه من الأصاغر وكسبه قلاوون في الواقعة فكان بين المدة نحو من خمس وثلاثين سنة حتى قدر الله تعالى بما قدر من سلطنة كتبغا هذا‏.‏



ولما تم أمر كتبغا في الملك وتسلطن مد سماطًا عظيمًا وأحضر جميع الأمراء والمقدمين والعسكر وأكلوا السماط ثم تقدموا وقبلوا الأرض ثم قبلوا يده وهنأوه بالسلطنة وخلع على الأمير حسام الدين لاجين وولاه نيابة السلطنة بالديار المصرية وولى عز الدين الأفرم أمير جاندار والأمير سيف الدين بهادر حاجب الحجاب ثم خلع على جميع الأمراء والمقدمين ومن له عادة بلبس الخلع وفي يوم الخميس تاسع عشر المحرم ركب جميع الأمراء والمقدمين وجميع من خلع عليه وأتوا إلى سوق الخيل وترجلوا وقبلوا الأرض ثم كتب بسلطنة الملك العادل إلى البلاد الشامية وغيرها‏.‏



وزينت مصر والقاهرة لسلطنته‏.‏
ولما كان يوم الأربعاء مستهل شهر ربيع الأول ركب السلطان الملك العادل كتبغا بأبهة السلطنة وشعار الملك من قلعة الجبل ونزل وسار إلى ظاهر القاهرة نحو قبة النصر وعاد من باب النصر وشق القاهرة حتى خرج من باب زويلة عائدًا إلى قلعة الجبل كما جرت العادة بركوب الملوك‏.‏

ولم تطل مدة سلطنته حتى وقع الغلاء والفناء بالديار المصرية وأعمالها ثم انتشر ذلك بالبلاد الشامية جميعها في شوال من هذه السنة وارتفع سعر القمح حتى بيع كل إردب بمائة وعشرين درهمًا بعد أن كان بخمسة وعشرين درهمًا الإردب وهذا في هذه السنة وأما في السنة الآتية التي هي سنة خمس وتسعين وستمائة فوصل سعر القمح إلى مائة وستين درهمًا الإردب وأما الموت فإنه فشا بالقاهرة وكثر فأحصي من مات بها وثبت اسمه في ديوان المواريث في ذي الحجة فبلغوا سبعة عشر ألفًا وخمسمائة وهذا سوى من لم يرد اسمه في ديوان المواريث من الغرباء والفقراء ومن لم يطلق من الديوان ورحل جماعة كثيرة من أهل مصر عنها إلى الأقطار من عظم الغلاء وتخلخل أمر الديار المصرية‏.‏



وفي هذه السنة حج الأمير أنس ابن الملك العادل كتبغا صاحب الترجمة وحجت معه والدته وأكثر حرم السلطان وحج بسببهم خلق كثير من نساء الأمراء بتجمل زائد وحصل بهم رفق كبير لأهل مكة والمدينة والمجاورين وشكرت سيرة ولد السلطان أنس المذكور وبذل شيئًا كثيرًا لصاحب مكة‏.‏

ثم استهلت سنة خمس وتسعين وستمائة وخليفة المسلمين الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد الهاشمي البغدادي العباسي وسلطان الديار المصرية والبلاد الشامية والشمالية والفراتية والساحلية الملك العادل زين الدين كتبغا المنصوري‏.‏



ووزيره الصاحب فخر الدين عمر ابن الشيخ مجد الدين بن الخليلي‏.‏
ونائب السلطنة بالديار المصرية الأمير حسام الدين لاجين المنصوري‏.‏
وصاحب مكة شرفها الله تعالى الشريف نجم الدين أبو نمي محمد الحسني المكي وصاحب المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام عز الدين جماز بن شيحة الحسيني‏.‏
وصاحب اليمن ممهد الدين عمر ابن الملك المظفر شمس الدين يوسف ابن الملك المنصور عمر ابن علي بن رسول‏.‏
وصاحب حماة بالبلاد الشامية الملك المظفر تقي الدين محمود ابن الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقي الدين محمود ابن الملك المنصور محمد ابن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب‏.‏
وصاحب ماردين الملك السعيد شمس الدين داود ابن الملك المظفر فخر الدين ألبي أرسلان ابن الملك السعيد شمس الدين قرا أرسلان بن أرتق الأرتقي وصاحب الروم السلطان غياث الدين مسعود ابن السلطان عز الدين كيكاوس ابن السلطان غياث الدين كيخسرو بن سلجوق السلجوقي‏.‏



وملك التتار غازان ويقال قازان وكلاهما يصح معناه واسمه الحقيقي محمود بن أرغون بن أبغا بن هولاكو وهو مظهر الإسلام وشعائر الإيمان‏.‏
ونائب دمشق الأمير عز الدين أيبك الحموي المنصوري وكان الموافق لأول هذه السنة عاشر بابه أحد شهور القبط المسمى بالرومي تشرين الأول‏.‏
وقال الشيخ قطب الدين اليونيني‏:‏ وفي العشر الأول من المحرم حكى جماعة كثيرة من أهل دمشق واستفاض ذلك في دمشق وكثر الحديث فيه عن قاضي جبة أعسال وهي قرية من قرى دمشق أنه تكلم ثور بقرية من قرى جبة أعسال وملخصها‏:‏ أن الثور خرج مع صبي يشرب ماء من هناك فلما فرغ حمد الله تعالى فتعجب صبي وحكى لسيده مالك الثور فشك في قوله وحضر في اليوم الثاني بنفسه فلفا شرب الثور حمد الله تعالى ثم في اليوم الثالث حضر جماعة وسمعوه يحمد الله تعالى فكلمه بعضهم فقال الثور‏:‏ ‏"‏ إن الله كان كتب على الأمة سبع سنين جدبًا ولكن بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم أبدلها بالخصب وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بتبليغ ذلك وقال الثور‏:‏ يا رسول الله ما علامة صدقي عندهم قال‏:‏ أن تموت عقب الإخبار قال الحاكي لذلك‏:‏ ثم تقدم الثور على مكان عال فسقط ميتًا فأخذ الناس من شعره للتبرك وكفن ودفن انتهى‏.‏
قلت‏:‏ وهذه الحكاية غريبة الوقوع والحاكي لها ثقة حجة وقد قال‏:‏ إنه استفاض ذلك بدمشق انتهى‏.‏



وأما أمر الديار المصرية فإنه عظم أمر الغلاء بها حتى أكل بعضهم الميتات والكلاب ومات خلق كثير بالجوع‏.‏
والحكايات في ذلك كثيرة وانتشر الغلاء شرقًا وغربًا‏.‏
وبينما السلطان الملك العادل كتبغا فيما هو فيه من أمر الغلاء ورد عليه الخبر في صفر بأنه قد وصل إلى الرحبة عسكر كثير نحو عشرة آلاف بيت من عسكر بيدو ملك التتار طالبين الدخول في الإسلام خوفًا من السلطان غازان ومقدمهم أمير اسمه طرغاي وهو زوج بنت هولاكو فرسم الملك العادل إلى الأمير علم الدين سنجر الدواداري بأن يسافر من دمشق إلى الرحبة حتى يتلقاهم فخرج إليهم ثم خرج بعده الأمير سنقر الأعسر شاد دواوين دمشق ثم ندب الملك العادل أيضًا الأمير قراسنقر المنصوري بالخروج من القاهرة فخرج حتى وصل إلى دمشق لتلقي المذكورين ورسم له أن يحضر معه في عوده إلى مصر جماعة من أعيانهم فوصل قراسنقر إلى دمشق وخرج لتلقيهم ثم عاد إلى دمشق في يوم الاثنين ثالث عشرين شهر ربيع الأول ومعه من أعيانهم مائة فارس وثلاثة عشر فارسًا وفرح الناس بهم وبإسلامهم وأنزلوهم بالقصر الأبلق من الميدان‏.‏



وأما الأمير علم الدين سنجر لدواداري فبقي مع الباقين وهم فوق عشرة آلاف ما بين رجل كبير وكهل وصغير وامرأة ومعهم ماشية كثيرة ورخت عظيم وأقام قراسنقر بهم أيامًا ثم سافر بهم إلى جهة الديار المصرية وقدموا القاهرة في آخر شهر ربيع الآخر فأكرمهم السلطان الملك العادل كتبغا ورتب لهم الرواتب ثم بدا للملك العادل كتبغا السفر إلى البلاد الشامية لأمر مقدر اقتضاه رأيه وأخذ في تجهيز عساكره وتهيأ للسفر وخرج بجميع عساكره وأمرائه وخاصكيته في يوم السبت سابع عشر شوال وسار حتى دخل دمشق في يوم السبت خامس عشر ذي القعدة وخامس ساعة من النهار المذكور ودخل دمشق والأمير بدر الدين بيسري حامل الجتر على رأسه ونائب سلطنته الأمير حسام الدين لاجين المنصوري ماشيًا بين يديه ووزيره الصاحب فخر الدين بن الخليلي واحتفل أهل دمشق لقدومه وزينت المدينة وفرح الناس به‏.‏



ولما دخل الملك العادل إلى دمشق وأقام بها أيامًا عزل عنها نائبها الأمير عز الدين أيبك الحموي وولى عوضه في نيابة دمشق مملوكه الأمير سيف الدين أغزلو العادلي وعمره نحو من اثنتين وثلاثين سنة وأنعم على الأمير عز الدين أيبك الحموي بخبز أغزلو بمصر وخرجا من عند السلطان وعليهما الخلع هذا متول وهذا منفصل‏.‏
ثم سافر السلطان الملك العادل من دمشق في ثاني عشر ذي الحجة بأكثر العسكر المصري وبقية جيش الشام إلى جهة قرية جوسية وهي ضيعة اشتراها له الصاحب شهاب الدين الحنفي فتوجه إليها ثم سافر منها في تاسع عشر ذي الحجة إلى حمص ونزل عند البحرة بالمرج بعدما أقام في البرية أيامًا لأجل الصيد وحضر إليه نواب البلاد الحلبية جميعها ثم عاد إلى دمشق ودخلها بمن معه من العساكر ضحى نهار الأربعاء ثاني المحرم من سنة ست وتسعين وستمائة‏.‏



وأقام بدمشق إلى يوم الجمعة رابع المحرم ركب السلطان الملك العادل المذكور بخواصه وأمرائه إلى الجامع لصلاة الجمعة فحضر وصلى بالمقصورة وأخذ من الناس قصصهم حتى إنه رأى شخصًا بيده قصة فتقدم إليه بنفسه خطوات وأخذها منه ولما جلس الملك العادل للصلاة بالمقصورة جلس عن يمينه الملك المظفر تقي الدين محمود صاحب حماة وتحته بدر الدين أمير سلاح ثم من تحته نائب دمشق أغزلو العادلي وعن يسار السلطان الشيخ حسن بن الحريري وأخواه ثم نائب السلطنة لاجين المنصوري ثم تحته نائب دمشق الأمير عز الدين أيبك الحموي أعني الذي عزل عن نيابة دمشق ثم من تحته الأمير بدر الدين بيسري ثم قراسنقر المنصوري ثم الحاج بهادر حاجب الحجاب ثم الأمراء على مراتبهم ميمنة وميسرة‏.‏
فلما انقضت الصلاة خرج من الجامع والأمراء بين يديه والناس يبتهلون بالدعاء له وأحبه أهل دمشق وشكرت سيرته وحمدت طريقته‏.‏



ثم في يوم الخميس سابع عشر المحرم أمسك السلطان الأمير أسندمر وقيده وحبسه بالقلعة وفي يوم الاثنين حادي عشرين المحرم عزل السلطان الأمير شمس الدين سنقر الأعسر عن شد دواوين دمشق ورسم له بالسفر صحبة السلطان إلى مصر وولى عوضه فتح الدين عمر بن محمد بن صبرة‏.‏
ولما كان بكرة يوم الاثنين المذكور خرج السلطان الملك العادل من دمشق بعساكره وجيوشه نحو الديار المصرية وسار حتى نزل باللجون بالقرب من وادي فحمة في بكرة يوم الاثنين ثامن عشرين المحرم من سنة ست وتسعين وكان الأمير حسام الدين لاجين المنصوري نائب السلطنة قد اتفق مع الأمراء على الوثوب على السلطان الملك العادل كتبغا هذا والفتك به فلم يقدر عليه لعظم شوكته فدبر أمرًا آخر وهو أنه ابتدأ أولًا بالقبض على الأميرين‏:‏ بتخاص وبكتوت الأزرق العادليين وكانا شهمين شجاعين عزيزين عند أستاذهما الملك العادل المذكور فركب لاجين بمن وافقه من الأمراء على حين غفلة وقبض على الأميرين المذكورين وقتلهما في الحال وقصد مخيم السلطان فمنعه بعض مماليك السلطان قليلًا وعوقوه عن الوصول إلى الملك العادل وكان العادل لما بلغه هذا الأمر علم أنه لا قبل له على قتال لاجين لعلمه بمن وافقه من الأمراء وغيرهم وخاف على نفسه وركب من خيل النوبة فرسًا تسمى حمامة وساق لقلة سعده ولزوال ملكه راجعًا إلى الشام ولو أقام بمخيمه لم يقدر لاجين على قتاله وأخذه فما شاء الله كان وساق حتى وصل إلى دمشق يوم الأربعاء آخر المحرم قرب العصر ومعه أربعة أو خمسة من خواصه‏.‏



وكان وصل إلى دمشق يوم الأربعاء آخر المحرم أول النهار أمير شكار السلطان وأخبر نائب الشام بصورة الحال وهو مجروح فتهيأ نائب الشام الأمير أغزلو العادلي واستعد وأحضر أمراء الشام عند السلطان ورسم بالاحتياط على نواب الأمير حسام الدين لاجين وعلى حواصله بدمشق وندم الملك العادل على ما فعله مع لاجين هذا من الخير والمدافعة عنه من كونه كان أحد من أعانه على قتل الأشرف وعلى أنه ولاه نيابة السلطنة وفي الجملة أنه ندم حيث لا ينفعه الندم‏!‏ وعلى رأي من قال‏:‏ ‏"‏ أشبعتهم سبًا وفازوا بالإبل ‏"‏ ومثله أيضًا قول القائل‏:‏ مخلع البسيط من راقب الناس مات غمًا وفاز باللذة الجسور ثم إن الملك العادل طلب قاضي قضاة دمشق بدر الدين بن جماعة فحضر بين يدي السلطان هو وقاضي القضاة حسام الدين الحنفي وحضرا عند الملك العادل تحليف الأمراء والمقدمين وتجديد المواثيق منهم ووعدهم وطيب قلوبهم‏.‏



وأما الأمير حسام الدين لاجين فإنه استولى على دهليز السلطان والخزائن والحراس والعساكر من غير ممانع وتسلطن في الطريق ولقب بالملك المنصور حسام الدين لاجين وتوجه إلى نحو الديار المصرية وملكها وتم أمره وخطب له مصر وأعمالها والقدس والساحل جميعه وأما الملك العادل فإنه أقام بقلعة دمشق هذه الأيام كلها لا يخرج منها وأمر جماعة بدمشق وأطلق بعض المكوس بها وقرىء بذلك توقيع يوم الجمعة سادس عشر صفر بعد صلاة الجمعة بالجامع‏.‏
وبينما هو في ذلك ورد الخبر على أهل دمشق بأن مدينة صفد زينت لسلطنة لاجين ودق بها البشائر وكذلك نابلس والكرك‏.‏
فلما بلغ الملك العادل ذلك جهز جماعة من عسكر دمشق مقدمهم الأمير طقصبا الناصري بكشف هذا الأمر وتحقيق الخبر فتوجهوا يوم الخميس ثاني عشرين صفر فعلموا بعد خروجهم في النهار المذكور بدخول الملك المنصور لاجين إلى مصر وسلطنته فرجعوا وعلموا عدم الفائدة في توجههم‏.‏



في يوم الجمعة ثالث عشرين صفر ظهر الأمر بدمشق وانكشف الحال وجوهر الملك العادل كتبغا بذلك وبلغه أنه لما وصل العسكر إلى غزة ركب الأمير حسام الدين لاجين في دست السلطنة وحمل البيسري على رأسه ثم في يوم السبت رابع عشرين صفر وصل إلى دمشق الأمير كجكن ومعه جماعة من الأمراء كانوا مجردين إلى الرحبة فلم يدخلوا دمشق بل توجهوا إلى جهة ميدان الحصا قريبًا من مسجد القدم وأعلن الأمير كجكن أمر الملك المنصور لاجين وعلم جيش دمشق بذلك فخرج إليه طائفة بعد طائفة وكان قبل ذلك قد توجه أميران من أكابر أمراء دمشق إلى جهة الديار المصرية‏.‏



فلما تحقق الملك العادل كتبغا بذلك وعلم انحلال أمره وزوال دولته بالكلية أذعن بالطاعة لأمراء دمشق وقال لهم‏:‏ الملك المنصور لاجين خشداشي وأنا في خدمته وطاعته وحضر الأمير سيف الدين جاغان الحسامي إلى قلعة دمشق إلى عند الملك العادل كتبغا فقال له كتبغا‏:‏ أنا أجلس في مكان بالقلعة حتى نكاتب السلطان ونعتمد على ما يرسم به‏.‏
فلما رأى الأمراء منه ذلك تفرقوا وتوجهوا إلى باب الميدان وحلفوا للملك المنصور لاجين وأرسلوا البريد إلى القاهرة بذلك ثم احتفظوا بالقلعة وبالملك العادل كتبغا ولبس عسكر دمشق آلة الحرب وسيروا عامة نهار السبت بظاهر دمشق وحول القلعة والناس في هرج واختباط وأقوال مختلفة وأبواب دمشق مغلقة سوى باب النصر وباب القلعة مغلق فتح منه خوخته واجتمع العامة والناس من باب القلعة إلى باب النصر وظاهر البلد حتى سقط منهم جماعة كثيرة في الخندق فسلم جماعة وهلك دون العشرة وأمسى الناس يوم السبت وقد أعلن باسم الملك المنصور لاجين لا يخفي أحد ذلك وشرع دق البشائر بالقلعة ثم في سحر يوم الأحد ذكره المؤذنون بجامع دمشق وتلوا قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ قل اللهم مالك الملك ‏"‏ إلى آخرها وأظهروا اسم المنصور والدعاء له ثم ذكره قارىء المصحف بعد صلاة الصبح بمقصورة جامع دمشق ودقت البشائر على أبواب جميع أمراء دمشق دقًا مزعجًا وأظهروا الفرح والسرور وأمر بتزيين أسواق البلد جميعها فزينت مدينة دمشق وفتحت دكاكين دمشق وأسواقها واشتغلوا بمعايشهم وتعجب الناس من تسليم الملك العادل كتبغا الأمر إلى الملك المنصور لاجين على هذا الوجه الهين من غير قتال ولا حرب مع ما كان معه من الأمراء والجند ولو لم يكن معه إلا مملوكه الأمير أغزلو العادلي نائب الشام لكفاه ذلك‏.‏



على أن الملك المنصور لاجين كان أرسل في الباطن عدة مطالعات لأمراء دمشق وأهلها واستمال غالب أهل دمشق فما أحوجه الملك العادل كتبغا لشيء من ذلك بل سلم له الأمر على هذا الوجه الذي ذكرناه خذلان من الله تعالى‏.‏
وأما الأمير سيف الدين أغزلو العادلي مملوك الملك العادل كتبغا نائب الشام لما رأى ما وقع من أستاذه لم يسعه إلا الإذعان للملك المنصور وأظهر الفرح به وحلف له‏.‏
قال‏:‏ الملك المنصور لاجين - نصره الله - هو الذي كان عينني لنيابة دمشق وأستاذي الملك العادل كتبغا استصغرني فأنا نائبه ثم سافر هو والأمير جاغان إلى نحو الديار المصرية‏.‏
وأما لاجين فإنه تسلطن يوم الجمعة عاشر صفر وركب يوم الخميس سادس عشر صفر وشق القاهرة وتم أمره وأما الملك العادل كتبغا هذا فإنه استمر بقلعة دمشق إلى أن عاد الأمير جاغان المنصوري الحسامي إلى دمشق في يوم الاثنين حادي عشر شهر ربيع الأول وطلع من الغد إلى قلعة دمشق ومعه الأمير الكبير حسام الدين الظاهري أستاذ الدار في الدولة المنصورية والأشرفية والأمير سيف الدين كجكن وحضر قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة قاضى دمشق ودخلوا الجميع إلى الملك العادل كتبغا فتكلم معهم كلامًا كثيرًا بحيث إنه طال المجلس كالعاتب عليهم ثم إنه حلف يمينًا طويلة يقول في أولها‏:‏ أقول وأنا كتبغا المنصوري ويكرر اسم الله تعالى في الحلف مرة بعد مرة أنه يرضى بالمكان الذي عينه له السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين ولا يكاتب ولا يسارر وأنه تحت الطاعة وأنه خلع نفسه من الملك وأشياء كثيرة من هذا النموذج ثم خرجوا من عنده‏.‏



وكان المكان الذي عينه له الملك المنصور لاجين قلعة صرخد ولم يعين المكان المذكور في اليمين‏.‏
ثم ولى الملك المنصور نيابة الشام للأمير قبجق المنصوري وعزل أغزلو العادلي فدخل قبجق إلى دمشق في يوم السبت سادس عشر شهر ربيع الأول وتجهز الملك العادل كتبغا وخرج من قلعة دمشق بأولاده وعياله ومماليكه وتوجه إلى صرخد في ليلة الثلاثاء تاسع عشر شهر ربيع الأول المذكور وجردوا معه جماعة من الجيش نحو مائتي فارس إلى أن أوصلوه إلى صرخد‏.‏
فكانت مدة سلطنة الملك العادل كتبغا هذا على مصر سنتين وثمانية وعشرين يومًا وقيل سبعة عشر يومًا وتسلطن من بعده الملك المنصور حسام الدين لاجين حسب ما تقدم ذكره‏.‏
ثم كتب له الملك المنصور حسام الدين لاجين تقليدًا بنيابة صرخد فقبل الملك العادل ذلك وباشر نيابة صرخد سنين إلى أن نقله السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون في سلطنته الثانية من نيابة صرخد إلى نيابة حماة وصار من جملة نواب السلطنة وكتب له عن السلطان كما يكتب لأمثاله من النواب وسافر في التجاريد في خدمة نواب دمشق وحضر الجهاد ولم يزل على نيابة حماة حتى مات بها في ليلة الجمعة يوم عيد الأضحى وهو في سن الكهولية ودفن بحماة ثم نقل منها ودفن بتربته التي أنشأها بسفح جبل قاسيون دمشق غربي الرباط الناصري وله عليها أوقاف‏.‏














صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 13-01-2012, 10:06 PM   رقم المشاركة:488
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 55
المشاركات: 8,866
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الملك العادل زين الدين كتبغا (2)

سلطنة الملك العادل زين الدين كتبغا (2)




وكان ملكًا خيرًا دينًا عاقلًا عادلًا سليم الباطن شجاعًا متواضعًا وكان يحب الفقهاء والعلماء والصلحاء ويكرمهم إكرامًا زائدًا وكان أسمر اللون قصيرًا دقيق الصدر قصير العنق وكان له لحية صغيرة في حنكه‏.‏
أسر صغيرًا من عسكر هولاكو‏.‏
وكان لما ولي سلطنة مصر والشام تشاءم الناس به وهو أن النيل قد بلغ في تلك السنة ست عشرة ذراعًا ثم هبط من ليلته فشرقت البلاد وأعقبه غلاء عظيم حتى أكل الناس الميتة‏.‏
وقد تقدم ذكر ذلك في أول ترجمته ومات الملك العادل كتبغا المذكور بعد أن طال مرضه واسترخى حتى لم يبق له حركة وترك عدة أولاد وتولى نيابة حماة بعده الأمير بتخاص المنصوري نقل إليها من نيابة الشوبك‏.‏
وقد تقدم التعريف بأحوال كتبغا هذا في أوائل ترجمته وفي غيرها فيما مر ذكره‏.‏



وأمر كتبغا هذا هو خرق العادة من كونه كان ولي سلطنة مصر أكثر من سنتين وصار له شوكة ومماليك وحاشية ثم يخلع ويصير من جملة نواب السلطان بالبلاد الشامية فهذا شيء لم يقع لغيره من الملوك‏.‏
وأعجب من هذا أنه لما قتل الملك المنصور لاجين وتحير أمراء مصر فيمن يولونه السلطنة من بعده لم يتعرض أحد لذكره ولا رشح للعود البتة حتى احتاجوا الأمراء وبعثوا خلف الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك وأتوا به وسلطنوه‏.‏
قلت‏:‏ وما أظن أن القلوب نفرت منه إلا لما رأوه من دنيء همته عندما خلع من السلطنة وتسليمه للأمر من غير قتال ولا ممانعة وكان يمكنه أن يدافع بكل ما تصل القدرة إليه ولو ذهبت روحه عزيزة غير ذليلة وما أحسن قول عبد المطلب جد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لنا نفوس لنيل المجد عاشقة وإن تسلت أسلناها على الأسل لا ينزل المجد إلا في منازلنا كالنوم ليس له مأوى سوى المقل وقول عنترة أيضًا‏:‏ الوافر أروم من المعالي منتهاها ولا أرضى بمنزلة دنيه فإما أن أشال على العوالي وإما أن توسدني المنيه ويعجبني المقالة الثامنة عشرة من تأليف العلامة شرف الدين عبد المؤمن بن هبه الله الأصفهاني المعروف بشوروة فإن أوائلها تقارب ما نحن فيه وهي‏:‏ رتبة الشرف لا تنال بالترف والسعادة أمر لا يدرك إلا بعيش يفرك وطيب يترك ونوم يطرد وصوم يسرد وسرور عازب وهم لازب ومن عشق المعالي ألف الغم ومن طلب اللآليء ركب اليم ومن قنص الحيتان



ورد النهر ومن خطب الحصان نقد المهر كلا أين أنت من المعالي‏!‏ إن السحوق جبار وأنت قاعد والفيلق جرار وأنت واحد العقل يناديك وأنت أصلخ ويدنيك ويحول بينكما البرزخ لقد أزف الرحيل قاستنفد جهدك وأكثب الصيد فضمر فهدك فالحذر يترصد الانتهاز والحازم يهيىء أسباب الجهاز تجرع مرارة النوائب في أيام معدودة لحلاوة معهودة غير محدودة وإنما هي محنة بائدة تتلوها فائدة وكربة نافذة بعدها نعمة خالدة وغنيمة باردة فلا تكرهن صبرًا أو صابا يغسل عنك أو صابا ولا تشربن وردًا يعقبك سقاما ولا تشمن وردًا يورثك زكاما ما ألين الريحان لو لا وخز البهمى وما أطيب الماذي لولا حمة الحمى‏!‏ فلا تهولنك مرارات ذاقها عصبة إنما يريد الله ليهديهم بها ولا تروقنك حلاوات نالها فرقة إنما يريد الله ليعذبهم بها‏.‏



السنة الأولى

من سلطنة الملك العادل كتبغا المنصوري على مصر

وهي سنة أربع وتسعين وستمائة‏.‏
كان فيها الغلاء العظيم بسائر البلاد ولا سيما مصر والشام وكان بمصر مع الغلاء وباء عظيم أيضًا وقاسى الناس شدائد في هذه السنة واستسقى الناس بمصر من عظم الغلاء والفناء‏.‏
وفيها أسلم ملك التتار غازان وأسلم غالب جنده وعساكره على ما حكى الشيخ علم الدين البرزالي‏.‏
وفيها توفي السلطان الملك المظفر شمس الدين أبو المحاسن يوسف ابن السلطان الملك المنصور نور الدين عمر بن علي بن رسول التركماني الأصل الغساني صاحب بلاد اليمن مات في شهر رجب بقلعة تعز من بلاد اليمن وقيل‏:‏ اسم رسول محمد بن هارون بن أبي الفتح بن يوحي بن رستم من ذرية جبلة بن الأيهم قيل‏:‏ إن رسولًا جد هؤلاء ملوك اليمن كان انضم لبعض الخلفاء العباسية فاختصه بالرسالة إلى الشام وغيرها فعرف برسول وغلب عليه ذلك ثم انتقل من العراق إلى الشام ثم إلى مصر وخدم هو وأولاده بعض بني أيوب وهو مع ذلك له حاشية وخدم ولما أرسل السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب أخاه الملك المعظم توران شاه إلى اليمن أرسل الملك المنصور عمر والد صاحب الترجمة معه كالوزير له واستحلفه على المناصحة فسار معه إلى اليمن‏.‏



فلما ملك الملك المسعود أقسيس ابن الملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب اليمن بعد توران شاه قرب عمر المذكور وزاد في تعظيمه وولاه الحصون ثم ولاه مكة المشرفة ورتب معه ثلاثمائة فارس وحصل بينه وبين صاحب مكة حسن بن قتادة وقعة انكسر فيها حسن ودخل المنصور مكة واستولى عليها وعمر بها المسجد الذي اعتمرت منه عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها في سنة تسع عشرة وستمائة ثم عمر في ولايته لمكة أيضًا دار أبي بكر الصديق رضي الله عنه في زقاق الحجر في سنة ثلاث وعشرين وستمائة ثم استنابه الملك المسعود على اليمن لما توجه إلى الديار المصرية واستناب على صنعاء أخاه بدر الدين حسن بن علي بن رسول‏.‏



ولما عاد الملك المسعود إلى اليمن قبض على نور الدين هذا وعلى أخيه بدر الدين حسن المذكور وعلى أخيه فخر الدين وعلى شرف الدين موسى تخوفًا منهم لما ظهر من نجابتهم في غيبته وأرسلهم إلى الديار المصرية محتفظًا بهم خلا نور الدين عمر أعني الملك المنصور فإنه أطلقه من يومه لأنه كان يأنس إليه ثم استحلفه وجعله أتابك عسكره ثم استنابه الملك المسعود ثانيًا لما توجه إلى مصر وقال له‏:‏ إن مت فأنت أولى بالملك من إخوتي لخدمتك لي وإن عشت فأنت على حالك وإياك أن تترك أحدًا من أهلي يدخل اليمن ولوجاءك الملك الكامل‏.‏
ثم سار الملك المسعود إلى مكة فمات بها فلما بلغ الملك المنصور ذلك استولى على ممالك اليمن بعد أمور وخطوب واستوسق له الأمر فكانت مدة مملكته باليمن نيفًا على عشرين سنة‏.‏
ومات بها في ليلة السبت تاسع ذي القعدة سنة سبع وأربعين وستمائة وملك بعده ابنه الملك المظفر يوسف هذا وهو ثاني سلطان من بني رسول باليمن وأقام الملك المظفر هذا في الملك نحوا من ست وأربعين سنة وكان ملكًا عادلًا عفيفًا عن أموال الرعية حسن السيرة كثير العدل وملك بعده ولده الأكبر الملك الأشرف ممهد الدين عمر فلم يمكث الأشرف بعد أبيه إلا سنة ومات وملك أخوه الملك المؤيد هزبر الدين داود‏.‏



ومات الملك المظفر هذا مسمومًا‏:‏ سمته بعض جواريه ومات وقد جاوز الثمانين وخلف من الأولاد‏:‏ الملك الأشرف الذي ولي بعده والمؤيد داود والواثق إبراهيم والمسعود أحسن والمنصور أيوب
وفيها توفي العلامة جمال الدين أبو غانم محمد ابن الصاحب كمال الدين أبي القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أحمد بن أبي جرادة الحلبي الحنفي المعروف بابن العديم مات بمدينة حماة وكان إمامًا فاضلًا بارعًا من بيت علم ورياسة‏.‏
وفيها قتل الأمير عساف ابن الأمير أحمد بن حجي أمير العرب من آل مرى وكان أبوه أكبر عربان آل برمك وكان يدعي أنه من نسل البرامكة من العباسة أخت هارون الرشيد‏.‏



وقد ذكرنا ذلك في وفاة أبيه الأمير شهاب الدين أحمد‏.‏
وفيها توفي الأمير بدر الدين بكتوت بن عبد الله الفارسي الأتابكي كان من خيار الأمراء وأكابرهم وأحسنهم سيرة‏.‏
وفيها توفي شيخ الحجاز وعالمه الشيخ محب الدين أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن إبراهيم الطبري الملكي الشافعي فقيه الحرم بمكة - شرفها الله تعالى - ومفتيه ومولده في سنة أربع عشرة وستمائة بمكة‏.‏
وكانت وفاته في ذي القعدة‏.‏
وقال البرزالي‏:‏ ولد بمكة في يوم الخميس السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة‏.‏
قلت‏:‏ ونشأ بمكة وطلب العلم وسمع الكثير ورحل البلاد‏.‏
وقال جمال الدين الإسنائي‏:‏ إنه تفقه بقوص على الشيخ مجد الدين القشيري انتهى‏.‏
وذكر نحو ذلك القطب الحلبي في تاريخ مصر وحدث وخرج لنفسه أحاديث عوالي‏.‏
قال أبو حيان‏:‏ إنه وقع له وهم فاحش في القسم الأول وهو التساعي وهو إسقاط رجل من الإسناد حتى صار له الحديث تساعيًا في ظنه‏.‏



قلت‏:‏ وقد استوعبنا سماعاته ومصنفاته ومشايخه في ترجمته من تاريخنا المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي مستوفاة في الكتاب المذكور‏.‏
وكان له يد في النظم فمن ذلك قصيدته الحائية‏:‏ الخفيف ما لطرفي عن الجمال براح ولقلبي به غدا ورواح كل معنى يلوح في كل حسن لي إليه تقلب وارتياح ومنها‏:‏ فيهم يعشق الجمال ويهوى ويشوق الحمى وتهوى الملاح وبهم يعذب الغرام ويحلو ويطيب الثناء والإمتداح لا تلم يا خلي قلبي فيهم ما على من هوى الملاح جناح ويح قلبي وويح طرفي إلى كم يكتم الحب والهوى فضاح صاح عرج على العقيق وبلغ وقباب فيها الوجوه الصباح والقصيدة طويلة كلها على هذا المنوال‏.‏



وفيها توفي سلطان إفريقية وابن سلطانها وأخو سلطانها عمر بن أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد بن عمر الهنتاني الملقب بالمستنصر بالله والمؤيد به وولي سلطنة تونس بعد وفاة أخيه إبراهيم فيما أظن وقتل الدعي الذي غلب عليها وملك البلاد ودام في الملك إلى أن مات في ذي الحجة‏.‏
وكان عهد لولده عبد الله بالملك فلما اختصر أشار عليه الشيخ أبو محمد المرجاني بأن يخلعه لصغر سنه فخلعه وولى ولد الواثق محمد بن يحيى بن محمد الملقب بأبي عصيدة الآتي ذكر وفاته في سنة تسع وسبعمائة‏.‏
وكان المستنصر هذا ملكًا عادلًا حسن السيرة وفيه خبرة ونهضة وكفاية ودين وشجاعة وإقدام‏.‏
رحمه الله تعالى‏.‏



الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال‏:‏ وفيها توفي الزاهد القدوة أبو الرجال بن مري بمنين في المحرم‏.‏
وعز الدين أبو بكر محفوظ بن معتوق التاجر ابن البزوري في صفر‏.‏
والإمام عز الدين أحمد بن إبراهيم بن الفاروثي في ذي الحجة‏.‏
وصاحب اليمن الملك المظفر يوسف بن عمر في رجب وكانت دولته بضعًا وأربعين سنة‏.‏
وشيخ الحجاز محب الدين الطبري‏.‏
وأبو الفهم أحمد بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الحسيني النقيب في المحرم‏.‏
والعلامة تاج الدين أبو عبد الله محمد بن عبد السلام بن المطهر بن أبي عصرون التميمي مدرس الشامية الصغرى في ربيع الأول‏.‏
ومحيي الدين عبد الرحيم بن عبد المنعم بن الدميري في المحرم وله تسعون سنة‏.‏
والزاهد القدوة شرف الدين محمد بن عبد الملك اليونيني المعروف بالأرزوني‏.‏
والزاهد المقرىء شرف الدين محمود بن محمد التاذفي بقاسيون في رجب‏.‏
والعلامة زين الدين المنجا بن عثمان بن أسعد ابن المنجا الحنبلي في شعبان وله خمس وستون سنة‏.‏
وقاضي القضاة شرف الدين الحسن بن عبد الله ابن الشيخ أبي عمر المقدسي الحنبلي‏.‏
وناصر الدين نصر الله بن محمد بن عياش الحداد في شوال والعدل كمال الدين عبد الله بن محمد بن قوام في ذي القعدة‏.‏
وأبو الغنائم بن محاسن الكفراني‏.‏
والمقرىء موفق الدين محمد بن أبي العلاء محمد بن علي ببعلبك في ذي الحجة‏.‏
والمقرىء أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الحليم سحنون المالكي في شوال بالإسكندرية‏.‏
والعلامة الصاحب محيي الدين محمد بن يعقوب بن النحاس الحلبي الحنفي في آخر السنة‏.‏




السنة الثانية

من سلطنة الملك العادل كتبغا وهي سنة خمس وتسعين وستمائة‏.‏

فيها كان الغلاء العظيم بسائر البلاد ولا سيما مصر والشام وكان بمصر مع الغلاء وباء عظيم أيضًا وقاسى الناس شدائد في هذه السنة والماضية‏.‏
وفيها ولي قضاء الديار المصرية الشيخ تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن دقيق العيد بعد وفاة قاضي القضاة تقي الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعز‏.‏
وفيها توفي الملك السعيد شمس الدين إيلغازي ابن الملك المظفر فخر الدين قرا أرسلان ابن الملك السعيد صاحب ماردين الأرتقي ودفن بتربة جده أرتق وتولى بعده سلطنة ماردين أخوه الملك المنصور نجم الدين غازي‏.‏
وكان مدة مملكة الملك السعيد هذا على ماردين دون الثلاث سنين‏.‏
وكان جوادًا عادلًا حسن السيرة رحمه الله تعالى‏.‏
وفيها توفي الأمير بدر الدين بيليك بن عبد الله المحسني المعروف بأبي شامة بالقاهرة وكان من أعيان الأمراء وأكابرهم رحمه الله‏.‏



وفيها توفي الأسعد بن السديد القبطي الأسلمي الكاتب مستوفي الديار المصرية والبلاد الشامية والجيوش جميعها المعروف بالماعز الديواني المشهور وكان معروفًا بالأمانة والخير وكان نصرانيًا ثم أسلم في دولة السلطان الملك الأشرف خليل بن قلاوون‏.‏
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي - رحمه الله -‏:‏ حكى لي القاضي شهاب الدين محمود رحمه الله قال‏:‏ لما مرض المذكور توجهنا إليه نعوده فوجدناه ضعيفًا إلى الغاية وقد وضعوا عنده أنواعًا من الحلي والمصاغ المجوهر والعقود وفيها العنبر الفائق وأنواع من الطيب‏.‏
ثم إنه قال‏:‏ ارفعوا هذا عني وأسر إلى خادم كلامًا فمضى وأتى بحق ففتحه وأقبل يشمه وقمنا من عنده ثم إنه مات فسألنا ذلك الخادم فيما بعد‏:‏ ما كان في ذلك الحق قال‏:‏ شعرة من است الراهب الفلاني الذي كان له كذا كذا سنة ما لمس الماء ولا قربه‏.‏
قال‏:‏ فأنشدت‏:‏ ما يقبض الموت نفسًا من نفوسهم إلا وفي يده من نتنها عود وفيها توفي الأمير عز الدين أيبك بن عبد الله الأفرم الكبير أمير جاندار الملك الظاهر والملك السعيد والملك المنصور قلاوون‏.‏



فلما تسلطن الملك الأشرف خليل ابن قلاوون حبسه وبعد قتل الأشرف خليل أخرجه أخوه الملك الناصر محمد بن قلاوون وأعاده إلى مكانته ثم استقر في أيام الملك العادل كتبغا على حاله إلى أن مات بالقاهرة في يوم السبت سابع شهر ربيع الأول‏.‏
قال القطب اليونيني‏:‏ حكى لي الأمير سيف الدين بن المحفدار قال‏:‏ أوصى الأفرم عند موته أنه إذا توفي يأخذون خيله يلبسونها أفخر ما لها من العدة وكذلك جميع مماليكه وغلمانه يلبسونهم عدة الحرب وأن تضرب نوبة الطبلخاناه خلف جنازته كما كان يطلع إلى الغزاة وألا يقلب له سنجق ولا يكسر له رمح ففعلوا أولاده ما أمر به ما خلا الطبلخاناه فإن نائب السلطنة حسام الدين لاجين منعهم من ذلك وكانت جنازته حفلة حضرها السلطان ومن دونه‏.‏
وكان دينًا من وسائط الأخيار وأرباب المعروف‏.‏
وكان يقال‏:‏ إنه يدخل عليه من أملاكه وضماناته وإقطاعاته كل يوم ألف دينار خارج عن الغلال‏.‏
قلت‏:‏ وهذا مستفاض بين الناس‏.‏



وقصة أولاده لما احتاجوا مع كثرة هذا المال إلى السؤال مشهورة‏.‏
يقال إنه كان له ثمن الديار المصرية وهو صاحب الرباط والجسر على بركة الحبش خارج القاهرة‏.‏
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي‏:‏ ‏"‏ كنت بالقاهرة وقد وقف أولاده وشكا عليهم أرباب الديون إلى السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون فقال السلطان‏:‏ يا بشتك هؤلاء أولاد الأفرم الكبير صاحب الأملاك والأموال أبصر كيف حالهم‏!‏ وما سببه إلا أن أباهم وكلهم على أملاكهم فما بقيت وأنا لأجل ذلك لا أدخر لأولادي ملكًا ولا مالًا ‏"‏ انتهى كلام الصفدي‏.‏
قلت‏:‏ والعجيب أنه كان قليل الظلم كثير الخير وغالب ما حصله من نوع المتاجر والمزروعات والمستأجرات ومع هذا احتاج أولاده وذريته إلى السؤال‏.‏
وفيها توفي قاضي القضاة بالديار المصرية ورئيسها تقي الدين أبو القاسم عبد الرحمن ابن قاضي القضاة تاج الدين أبي محمد عبد الوهاب ابن القاضي الأعز أبي القاسم خلف بن محمود بن بدر العلامي الشافعي المصري المعروف‏:‏ بابن بنت الأعز‏.‏
مات يوم الخميس سادس عشر جمادى الأولى ودفن عند والده بالقرافة في تربتهم وهو في الكهولية‏.‏
وكان فقيهًا بارعًا شاعرًا خيرًا دينًا متواضعًا كريمًا تفقه على والده وعلى ابن عبد السلام تولى الوزارة والقضاء ومشيخة الشيوخ وأضيف إليه تدريس الصلاحية والشريفية بالقاهرة والمشهد الحسيني وخطابة الجامع الأزهر وامتحن محنة شديدة في أول الدولة الأشرفية وعمل على إتلافه بالكلية وذلك بسعاية الوزير ابن السلعوس الدمشقي‏.‏



وقد استوعبنا أمره في المنهل الصافي ثم أعيد إلى القضاء بعد وفاة الأشرف فلم تطل أيامه ومات‏.‏
ولما حج القاضي تقي الدين هذا وزار قبر النبي صلى الله عليه وسلم أنشد عند الحجرة النبوية قصيدته التي مطلعها‏:‏ الناس بين مرجز ومقصد ومطول في مدحه ومجود ومخبر عمن روى ومعبر عما رآه من العلا والسؤدد وفيها توفي الشيخ الإمام الأديب البارع المفتن سراج الدين أبو حفص عمر بن محمد بن الحسين المصري المعروف بالسراج الوراق الشاعر المشهور مولده في العشر الأخير من شوال سنة خمس عشرة وستمائة ومات في جمادى الأولى من هذه السنة ودفن بالقرافة‏.‏
وكان إماما فاضلًا أديبًا مكثرًا متصرفًا في فنون البلاغة وهو شاعر مصر في زمانه بلا مدافعة‏.‏



ومن شعره‏:‏ البسيط في خده ضل علم الناس واختلفوا أللشقائق أم للورد نسبته فذاك بالخال يقضي للشقيق وذا دليله أن ماء الورد ريقته وله‏:‏ مخلع البسيط كم قطع الجود من لسان قلد من نظمه النحورا فهأنا شاعر سراج فاقطع لساني أزدك نورا وله‏:‏ لا تحجب الطيف إني عنه محجوب لم يبق مني لفرط السقم مطلوب ولا تثق بأنيني إن موعده بأن أعيش للقيا الطيف مكذوب هذا وخدك مخضوب يشاكله دمع يفيض على خدي مخضوب وليس للورد في التشبيه رتبته وإنما ذاك من معناه تقريب وما عذارك ريحانًا كما زعموا فات الرياحين ذاك الحسن والطيب يا قاسي القلب لو أعداه رقته جسم من الماء بالألحاظ مشروب أرحت سمعي وفي حبيك من عذلي إذ أنت حب إلى العذال محبوب وكان السراج أشقر أزرق العين‏.‏
وفي ذلك يقول عن نفسه‏:‏ الرجز ومن رآني والحمار مركبي وزرقتي للروم عرق قد ضرب قال وقد أبصر وجهي مقبلًا لا فارس الخيل ولا وجه العرب












صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 13-01-2012, 10:06 PM   رقم المشاركة:489
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 55
المشاركات: 8,866
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الملك المنصور لاجين (1)


سلطنة الملك المنصور لاجين (1)









سلطنة الملك المنصور لاجين

هو السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين بن عبد الله المنصوري سلطان الديار المصرية تسلطن بعد خلع الملك العادل كتبغا المنصوري كما تقدم ذكره في يوم الجمعة عاشر صفر من سنة ست وتسعين وستمائة‏.‏
وأصل لاجين هذا مملوك للملك المنصور قلاوون اشتراه ورباه وأعتقه ورقاه إلى أن جعله من جملة مماليكه فلما تسلطن أمره وجعله نائبًا بقلعة دمشق‏.‏


فلما خرج الأمير سيف الدين سنقر الأشقر عن طاعة الملك المنصور قلاوون وتسلطن بدمشق وتلقب بالملك الكامل وملك قلعة دمشق قبض على لاجين هذا وحبسه مدة إلى أن انكسر سنقر الأشقر وملك الأمير علم الدين سنجر الحلبي دمشق أخرجه من محبسه ودام لاجين بدمشق إلى أن ورد مرسوم الملك المنصور قلاوون باستقرار لاجين هذا في نيابة دمشق دفعة واحدة فوليها ودام بها إحدى عشرة سنة إلى أن عزله الملك الأشرف خليل بن قلاوون بالشجاعي ثم قبض عليه ثم أطلقه بعد أشهر ثم قبض عليه ثانيًا مع جماعة أمراء وهم‏:‏ الأمير سنقر الأشقر المقدم ذكره الذي كان تسلطن بدمشق وتلقب بالملك الكامل والأمير ركن الدين طقصو الناصري حمو لاجين هذا والأمير سيف الدين جرمك الناصري والأمير بلبان الهاروني وغيرهم فخنقوا الجميع وما بقي غير لاجين هذا فقدموه ووضعوا الوتر في حلقه وجذب الوتر فانقطع وكان الملك الأشرف حاضرًا فقال لاجين‏:‏ يا خوند أيش لي ذنب‏!‏ ما لي ذنب إلا أن صهري طقصو ها هو قد هلك وأنا أطلق ابنته فرق له خشداشيته وقبلوا الأرض وسألوا السلطان فيه وضمنوه فأطلقه وخلع عليه وأعطاه إمرة مائة فارس بالديار المصرية وجعله سلاح دار‏.‏
قلت‏:‏ يعني جعله أمير سلاح فإن أمير سلاح هو الذي يناول السلطان السلاح وغيره‏.‏


قلت‏:‏ لله در المتنبي حيث يقول‏:‏ الكامل لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم وذلك أن لاجين لما خرج من الحبس وصار من جملة الأمراء خاف على نفسه واتفق مع الأمير بيدرا نائب السلطنة وغيره على قتل الأشرف حتى تم لهم ذلك حسب ما تقدم ذكره في ترجمة الملك الأشرف‏.‏
ثم اختفى لاجين أشهرًا إلى أن أصلح أمره الأمير كتبغا وأخرجه وخلع عليه الملك الناصر محمد بن قلاوون كما تقدم وجعله على عادته‏.‏
كل ذلك بسفارة الأمير كتبغا‏.‏
ثم لما تسلطن كتبغا جعله نائب سلطنته بل قسيم مملكته واستمر لاجين على ذلك حتى سافر الملك العادل كتبغا إلى البلاد الشامية وأصلح أمورها وعاد إلى نحو الديار المصرية وسار حتى نزل بمنزلة اللجون اتفق لاجين هذا مع جماعة من أكابر الأمراء على قتل الملك العادل كتبغا ووثبوا عليه بالمنزلة المذكورة وقتلوا الأميرين‏:‏ بتخاص وبكتوت الأزرق العادليين وكانا من أكابر مماليك الملك العادل كتبغا وأمرائه واختبط العسكر وبلغ الملك العادل كتبغا ذلك ففاز بنفسه وركب في خمسة من خواصه وتوجه إلى دمشق‏.‏
وقد حكينا ذلك كله في ترجمة كتبغا‏.‏


فاستولى عند ذلك لاجين على الخزائن والدهليز وبرك السلطنة وساق الجميع أمامه إلى مدينة غزة‏.‏
وبايعوه الأمراء بالسلطنة بعد شروط اشترطوها الأمراء عليه حسب ما يأتي ذكرها في محله‏.‏
وسار الجميع إلى نحو الديار المصرية حتى دخلوها وملكوا القلعة بغير مدافع وجلس لاجين هذا على كرسي المملكة في يوم الجمعة المقدم ذكره‏.‏
وتم أمره وخلع على الأمراء بعدة وظائف وهم‏:‏ الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصوري بنيابة السلطنة بالديار المصرية عوضًا عن نفسه وخلع على الأمير قبجق المنصوري بنيابة الشام عوضًا عن الأمير أغزلو العادلي وعلى عدة أمراء أخر‏.‏


ثم ركب الملك المنصور لاجين بعد ذلك من قلعة الجبل في يوم الاثنين العشرين من صفر بأبهة السلطنة وعليه الخلعة الخليفتية وخرج إلى ظاهر القاهرة إلى جهة قبة النصر ثم عاد من باب النصر وشق القاهرة إلى أن خرج من باب زويلة والأمراء والعساكر بين يديه وحمل الأمير بدر الدين بيسري الجتر على رأسه وطلع إلى القلعة‏.‏
وخلع أيضًا على الأمراء وأرباب الوظائف على العادة‏.‏
واستمر في السلطنة وحسنت سيرته وباشر الأمور بنفسه وأحبه الناس لولا مملوكه منكوتمر فإنه كان صبيًا مذموم السيرة‏.‏
ولما كان يوم الثلاثاء منتصف ذي القعدة من سنة ست وتسعين وستمائة قبض السلطان الملك المنصور لاجين على الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصوري نائب السلطنة وحبسه وولى مملوكه منكوتمر المذكور نيابة السلطنة عوضه فعظم ذلك على أكابر الأمراء في الباطن‏.‏


ثم بعد أيام ركب السلطان الملك المنصور لاجين ولعب الكرة بالميدان فتقنطر به الفرس فوقع من عليه وتهشم جميع بدنه وانكسرت يده وبعض أضلاعه ووهن عظمه وضعفت حركته وبقي يعلم عنه مملوكه ونائبه سيف الدين منكوتمر وأيس من نفسه‏.‏
كل ذلك والأمراء راضون بما يفعله منكوتمر لأجل خاطره إلى أن من الله تعالى عليه بالعافية وركب ولما ركب زينت له القاهرة ومصر والبلاد الشامية لعافيته وفرح الناس بعافيته فرحًا شديدًا خصوصا الحرافيش فإنه لما ركب بعد عافيته قال له واحد من الحرافشة‏:‏ يا قضيب الذهب بالله أرني يدك فرفع إليه يده وهو ماسك المقرعة وضرب بها رقبة الحصان الذي تحته‏.‏
وكان ركوبه في حادي عشرين صفر من سنة سبع وتسعين وستمائة‏.‏


ولما كان لعب الكرة وكبا به فرسه ووقع وانكسرت يده قال فيه الأديب شمس الدين محمد المعروف بابن البياعة البسيط حويت بطشًا وإحسانًا ومعرفة وليس يحمل هذا كله الفرس ولما تعافى الملك المنصور لاجين قال فيه شمس الدين المذكور نثرًا وهو‏:‏ ‏"‏ أسفر ثغر صباحه عن محيا القمر الزاهر وبطش الأسد الكاسر وجود البحر الزاخر فيا له يومًا نال به الإسلام على شرفه شرفًا وأخذ كل مسلم من السرور العام طرفًا فملئت كل النفوس سرورًا وزيدت قلوب المؤمنين وأبصارهم ثباتًا ونورًا ‏"‏ ثم أنشد أبياتًا منها‏:‏ البسيط فمصر والشام كل الخير عمهما وكل قطر علت فيه التباشير فالكون مبتهج والخلق مبتسم والخير متصل والدين مجبور وكيف لا وعدو الدين منكسر بالله والملك المنصور منصور والشرك قد مات رعبًا حيث صاح به التوحيد هذا حسام الدين مشهور ثم بعد ذلك بمدة قبض السلطان على الأمير بدر الدين بيسري وأحتاط على جميع موجوده‏!‏ في سادس شهر ربيع الآخر‏.‏


ثم جهز السلطان الملك المنصور العساكر إلى البلاد الشامية لغزو سيس وغيرها وعليهم الأمير علم الدين سنجر الدواداري وغيره من الأمراء وسارت العساكر من الديار المصرية إلى البلاد الشامية وفتحت تل حمدون وتل باشر وقلعة مرعش وجاء الأمير علم الدين سنجر الدواداري حجر في رجله عطله عن الركوب في أيام الحصار‏.‏
وأستشهد الأمير علم الدين سنجر المعروف بطقصبا وجرح جماعة كثيرة من العسكر والأمراء‏.‏
ثم إن الملك المنصور قبض على الأمير عز الدين أيبك الحموي المعزول عن نيابة دمشق قبل تاريخه بمدة سنين وعلى الأمير سنقر شاه الظاهري لأمر بلغه عنهما‏.‏


ثم في أواخر صفر أخرج السلطان الملك المنصور لاجين الملك الناصر محمد بن قلاوون من الديار المصرية إلى الكرك ليقيم بها وفي خدمته الأمير جمال الدين آقوش أستاذ دار الملك المنصور فنزل الملك الناصر محمد بحواشيه من قلعة الجبل وسافر حتى وصل إلى الكرك ثم بدا للسلطان الملك المنصور هذا أن يعمل الروك بالديار المصرية وهو الروك الحسامي فلما كان يوم سادس جمادى الأولى من سنة سبع وتسعين وستمائة ابتدأ عمل الروك والشروع فيه في إقطاعات الأمراء وأخباز الحلقة والأجناد وجميع عساكر الديار المصرية واستمروا في عمله إلى يوم الاثنين ثامن شهر رجب من سنة سبع وتسعين وستمائة وفرقت المثالات على الأمراء والمقدمين‏.‏


وفي اليوم العاشر ضرع نائب السلطنة الأمير سيف الدين منكوتمر في تفرقة المثالات على الحلقة والبحرية ومماليك السلطان وغير ذلك فكان كل من وقع له مثال لا سبيل له إلى المراجعة فيه فمن الجند من سعد ومنهم من شقي وأفرد للخاص أعمال الجيزية بتمامها وكمالها ونواحي الصفقة الإتفيحية وثغر دمياط والإسكندرية ونواحي معينة من البلاد القبلية والبحرية وعين لمنكوتمر من النواحي ما اختاره لنفسه وأصحابه وكان الحكم في التعيين لداوين منكوتمر والاختيار لهم في التفرقة وكان الذي باشر هذا الروك وعمله من الأمراء الأمير بدر الدين بيليك الفارسي الحاجب والأمير بهاء الدين قراقوش الطواشي الظاهري‏.‏
وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي‏:‏ وكان مدة عمل الروك ثمانية أشهر إلا أيامًا قلائل‏.‏


ثم تقنطر السلطان الملك المنصور لاجين عن فرسه في لعب الكرة
وقال القطب اليونيني‏:‏ حكى بعض كتاب الجيش بالديار المصرية في سنة سبعمائة قال لي‏:‏ أخدم في ديوان الجيش بالديار المصرية أربعين سنة قال‏:‏ والديار المصرية أربعة وعشرون قيراطًا منها‏:‏ أربعة قراريط للسلطان ولما يطلقه وللكلف والرواتب وغير ذلك ومنها عشرة للأمراء والإطلاقات والزيادات ومنها عشرة قراريط للحلقة قال‏:‏ وذكروا للسلطان ولمنكوتمر أنهم يكفون الأمراء والجند بأحد عشر قيراطًا يستخدم عليها حلقة بمقدار الجيش فشرعوا في ذلك وطلبونا وطلبوا الكتاب الجياد في هذه الصناعة فكفينا الأمراء والجند بعشرة قراريط وزدنا الذين تضرروا قيراطًا فبقي تسعة فاتفق قتل السلطان ومنكوتمر‏.‏
وكان في قلوب الأمراء من ذلك هم عظيم فأنعم على كل أمير ببلد وبلدين من تلك التسعة قراريط وبقي الجيش ضعيفًا ليس له قوة وكانت التسعة قراريط التي بقيت خيرًا من الأحد عشر قيراطًا المقطعة‏.‏
قلت‏:‏ يعني أن هذا خارج عن الأربعة قراريط التي هي برسم السلطان خاصة‏.‏


وقيل في الروك وجه آخر قال‏:‏ لما كان في ذي الحجة سنة سبع وتسعين وستمائة قصد السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوري أن يروك البلاد المصرية وينظر في أمور عساكر مصر فتقدم التاج الطويل مستوفي الدولة بجمع الدواوين لعمل أوراق بعبرة إقطاع الأمراء والجند وقانون البلاد وندب الأمير بهاء الدين قراقوش الظاهري والأمير بدرالدين بيليك الفارسي الحاجب فجمع سائر الكتاب لذلك وأخذوا في عمله فلم يحكموا العمل وذلك أنهم عمدوا إلى الإقطاعات الثقيلة المتحصلة من إقطاعات الأمراء والجند وأبدلوها بإقطاعات دونها في العبرة والمتحصل وأصلحوا ما كان من الإقطاعات ضعيفًا وأفرد للعسكر بأجمعه أربعة عشر قيراطًا وللسلطان أربعة قراريط وأرصد لمن عساه يتضرر من الأمراء والجند ويشكو قلة المتحصل قيراطان فتم بذلك عشرون قيراطًا وقتل الملك المنصور لاجين ولم يستخدم أحدًا وأوقف برسم عسكر أخر يستجد أربعة قراريط وأفرد لخاص السلطان الجيزية والإتفيحية ومنفلوط وهو والكوم الأحمر ومرج بني هميم وحرجة سمطا وأتفو أدفو بأعمال قوص وإسكندرية ودمياط وأفرد لمنكوتمر مملوكه نائب السلطنة من الجهات ما لم يكن لنائب قبله وهو عبرة نيف عن مائة ألف دينار‏.‏


فلما فرغت الأوراق على ما ذكرنا جلس السلطان الملك المنصور لاجين لتفرقة المثالات على الأمراء والمقدمين فأخذوها وهم غير راضين بذلك وتبين للسلطان من وجوه الأمراء الكراهة فأراد زيادة العبرة في الإقطاعات فمنعه نائبه منكوتمر من ذلك وحذره فتح هذا الباب فإنه يخشى أن يعجز السلطان عن سده وتكفل له منكوتمر بإتمام العرض فيما قد عمل برسم السلطان ولمن كان له تعلق في هذا العمل من الأمراء وغيرهم أن يرفعوا شكايتهم إلى النائب وتصدى منكوتمر لتفرقة إقطاعات أجناد الحلقة فجلس في شباك النيابة بالقلعة ووقف الحجاب بين يديه وأعطى لكل تقدمة مثالاتها فتناولوها على كره منهم وخافوا أن يكلموا منكوتمر لسوء خلقه وسرعة بطشه وتمادى الحال على ذلك عدة أيام‏.‏


وكانت أجناد الحلقة قد تناقصت أحوالهم عن أيام الملك المنصور قلاوون فإنهم كانوا على أن أقل عبرة الإقطاعات وأضعف متحصلاتها عشرة آلاف درهم وما فوق ذلك إلى ثلاثين ألف درهم وهي أعلاها فرجع الأمر في هذا الروك إلى أن استقر أكثر الإقطاعات عشرين ألفًا إلى ما دونها فقل لذلك رزق الأجناد فإنه صار من كان متحصله عشرين ألفًا رجع إلى عشرة آلاف ومن كان عبرة إقطاعه عشرة آلاف بقيت خمسة آلاف فشق ذلك على الجند ولم يرضوه إلا أنهم خشوا التنكيل من منكوتمر وكانت فيهم بقية من أهل القوة والشجاعة فتقدموا إلى النائب منكوتمر وألقوا مثالاتهم وقالوا‏:‏ إنا لا نعتد قط بمثل هذه الإقطاعات ونحن إما أن نخدم الأمراء وإلا بطلنا فعظم قولهم على النائب وأغضبه وأمر الحجاب بضربهم وساقهم إلى السجن فشفع فيهم الأمراء فلم يقبل شفاعتهم وأقبل منكوتمر على من حضر من الأمراء والمقدمين وغيرهم فأوسعهم سبًا وملأهم تقريعًا وتعنيفًا حتى وغر صدورهم وغير نياتهم فانصرفوا وقد عولوا على عمل الفتنة وبلغ السلطان ذلك فعنف منكوتمر ولامه وأخرج الأجناد من السجن بعد أيام‏.‏


وكان عمل هذا الروك وتفرقته من أكبر الأسباب وأعظمهما في فتك الأمراء بالسلطان الملك المنصور لاجين وقتله وقتل نائبه منكوتمر المذكور‏.‏
على ما سيأتي ذكره‏.‏
وكان هذا الروك أيضًا سببًا كبيرًا في إضعاف الجند بديار مصر وإتلافهم فإنه لم يعمل فيه عمل طائل ولا حصل لأحد منهم زيادة يرضاها وإنما توفر من البلاد جزء كبير‏.‏
فلما قتل الملك المنصور لاجين تقسمها الأمراء زيادة على ماكان بيدهم انتهى‏.‏
ثم إن السلطان الملك المنصور لاجين جهز الأمير جمال الدين آقوش الأفرم الصغير والأمير سيف الدين حمدان بن صلغاي إلى البلاد الشامية وعلى أيديهم مراسيم شريفة بخروج العساكر الشامية وخروج نائب الشام الأمير قبجق المنصوري بجميع أمراء دمشق حتى حواشي الأمير أرجواش نائب قلعة دمشق فوصلوا إلى دمشق وألحوا في خروج العسكر ونوهوا بأن التتار قاصدون البلاد فخرج نائب الشام بعساكر دمشق في ليلة الخميس رابع عشر المحرم من سنة ثمان وتسعين وستمائة‏.‏


ووقع لقبجق نائب الشام المذكور في هذه السفرة أمور أوجبت عصيانه وخروجه من البلاد الحلبية بمن معه من الأمراء ومماليكه إلى غازان ملك التتار‏.‏
وكان الذي توجه معه من أكابر الأمراء‏:‏ بكتمر السلاح دار وألبكي وبيغار وغيرهم في جمع كثير وكان خروجهم في ليلة الثلاثاء ثامن شهر ربيع الأخر‏.‏
وسبب خروج قبجق عن الطاعة وتوجهه أنه كان ورد عليه مرسوم السلطان بالقبض على هؤلاء الأمراء المذكورين وغيرهم ففطن الأمراء بذلك فهرب منهم من هرب وبقي هؤلاء فجاؤوا إلى قبجق وهو نازل على حمص فطلبوا منه أمانًا فأمنهم وحلف لهم وبعث قبجق إلى السلطان يطلب منه أمانًا لهم فأبطأ عليه الأمان ثم خشن عليه بعض كابر أمراء دمشق في القول بسببهم فعلم قبجق أن ذلك الكلام من قبل السلطان فغضب وخرج على حمية وتبعه الأمير عز الدين بن صبرا والملك الأوحد وجماعة من مشايخ الأمراء يسترضونه فلم يرجع وركب هو ومن معه من حواشيه ومن الأمراء المذكورين وسار حتى وصل ماردين والتقى مع مقدم التتار فخدمهم مقدم التتار وأخذهم وتوجه بأطلاب التتار وعساكره إلى أن وصلوا إلى غازان ملك التتار وهو نازل بأرض السيب من أعمال واسط‏.‏


فلما قدم قبجق ومن معه على غازان سر بهم وأكرمهم ووعدهم ومناهم وأعطى لكل أمير عشرة آلاف دينار ولكل مملوك مائة دينار وللمماليك الصغار مع الركبدارية خمسين دينارًا وكل دينار من هذه الدنانير صرفه باثني عشر درهمًا ثم أقطع الأمير قبجق المذكور مدينة همذان وأعمالها فلم يقبل قبجق واعتذر أن ليس له قصد إلا أن يكون في صحبة السلطان الملك غازان ليرى وجهه في كل وقت‏!‏ فأجابه غازان إلى ما سأله وأعجبه ذلك منه‏.‏
وكان لما خرج قبجق من حمص إلى جهة التتار وبلغ أمراء دمشق ذلك خرج في طلبه الأمير كجكن والأمير أيدغدي شقير بمماليكهم ومعهم أيضًا جماعة من عسكر الشام فوجدوه قد قطع الفرات ولحقوا بعض ثقله‏.‏


وعند وصول قبجق ومن معه إلى غازان بلغه قتل السلطان الملك المنصور لاجين بالديار المصرية وكان خبر قتل السلطان أيضًا بلغ الأمير كجكن والأمير أيدغدي لما خرجوا في أثر قبجق فانحلت عزائمهم عن اللحوق بقبجق ورجعوا عنه وإلا كانوا لحقوه وقاتلوه‏.‏
وأما أمر السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين صاحب الترجمة فإنه لما أخذ في قبض من استوحش منهم من الأمراء وغيرهم وزاد في ذلك بإشارة مملوكه منكوتمر استوحش الناس منه ونفرت قلوبهم وأجمعوا على عمل فتنة‏.‏
ثم فوض لمملوكه منكوتمر جميع أمور المملكة فاستبد منكوتمر بوظائف الملك ومهماته‏.‏


وانتهى حال أستاذه الملك المنصور معه إلى أن صار إذا رسم الملك المنصور لاجين مرسومًا أو كتب لأحد توقيعًا وليس هو بإشارة منكوتمر يأخذه منكوتمر من يد المعطى له ويمزقه في الملأ ويرده ويمنع أستاذه منه فعند ذلك استثقل الأمراء وطأة منكوتمر وعلموا أن أستاذه الملك المنصور لا يسمع فيه كلام متكلم فعملوا على قتل أستاذه الملك المنصور لاجين‏.‏
قلت‏:‏ الولد الخبيث يكون سببًا لاستجلاب اللعنة لوالده
وقال الأمير بيبرس الدوادار في تاريخه‏:‏ وكان سبب قتل لاجين أمور منها‏:‏ أنه لما أراد أن يتسلطن جاءه جماعة من الأمراء واشترطوا عليه شروطًا فالتزمها لاجين منها أنه يكون كأحدهم ولا ينفرد برأي عنهم ولا يسلط يد أحد من مماليكه فيهم وكان الأعيان الحاضرون في هذه المشورة والمتفقون على هذه الصورة‏:‏ الأمير بدر الدين بيسري الشمسي والأمير قرا سنقر المنصوري والأمير سيف الدين قبجق والأمير الحاج بهادر أمير حاجب الحجاب والأمير كرت والأمير حسام الدين لاجين السلاح دار الرومي الأستادار والأمير بدر الدين بكتاش الفخري أمير سلاح والأمير عز الدين أيبك الخازندار والأمير جمال الدين آقوش الموصلي والأمير مبارز الدين أمير شكار والأمير بكتمر السلاح دار والأمير سيف الدين سلار والأمير طغجي والأمير كرجي والأمير طقطاي والأمير برلطاي وغيرهم ولما حلف لهم الملك المنصور لاجين على ما شرطوا قال الأمير سيف الدين قبجق‏:‏ نخشى أنك إذا جلست في المنصب تنسى هذا التقرير وتقدم الصغير من مماليكك على الكبير وتفوض لمملوكك منكوتمر في التحكم والتدبير فتنصل لاجين من ذلك وكرر لاجين الحلف أنه لا يفعل فعند ذلك حلفوا له‏.‏












صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 13-01-2012, 10:06 PM   رقم المشاركة:490
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 55
المشاركات: 8,866
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الملك المنصور لاجين (2)

سلطنة الملك المنصور لاجين (2)







ورحلوا نحو الديار المصرية يعني أن ذلك كان بعد هروب الملك العادل كتبغا وعند دخول لاجين إلى غزة فوقع هذه الشروط كلها يمدينة غزة
قال بيبرس‏:‏ فلما تسلطن رتب الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصوري نائبًا والأمير الحاج بهادر حاجبًا على عادته والأمير سلار أستادارًا والأمير بكتمر السلاح دار أمير اخور واستقر بالصاحب فخر الدين بن الخليلي في الوزارة ورتب الأمير قبجق نائب الشام ثم بعد مدة أفرج عن الأمير برلغي فأعطاه إقطاعًا بدمشق ثم أفرج عن الأمير بيبرس الجاشنكير وجماعة من الأمراء وأعطى بيبرس الجاشنكير إمرة بالقاهرة‏.‏
قلت‏:‏ وبيبرس هذا هو الذي تسلطن فيما بعد حسب ما يأتي ذكره‏.‏
ثم برز مرسومه باستقرار الملك العادل كتبغا في نيابة صرخد وكتب له بها منشورًا‏.‏
انتهى كلام بيبرس باختصار لأنه خرج في سياق الكلام إلى غير ما نحن بصدده‏.‏


وقال غيره‏:‏ ولما تسلطن لاجين وثبتت قدمه ورسخت نسي الشروط وقبض على أكابر خشداشيته من أعيان أمراء مصر وأماثلهم مثل‏:‏ الأمير قرا سنقر والبيسري وبكتمر السلاح دار وغيرهم وولى مملوكه منكوتمر نيابة السلطنة بل صار منكوتمر هو المتصرف في الممالك‏.‏
فعند ذلك نفرت قلوب الأمراء والجند من الملك المنصور لاجين ودبروا عليه واستوحش هو أيضًا منهم واحترز على نفسه وقلل من الركوب ولزم القعاد بقلعة الجبل متخوفًا وكان كرجي خصيصًا به وهو أحد من كان أعانه على السلطنة فقدمه لاجين لما تسلطن على المماليك السلطانية فكان يتحدث في أشغالهم ويدخل للسلطان من أراد لا يحجبه عنه حاجب فحسده منكوتمر مع ما هو فيه من الحل والعقد في المملكة وسعى في إبعاد كرجي عن السلطان الملك المنصور لاجين‏.‏


فلما ورد البريد يخبر بأمر القلاع التي فتحها عسكر السلطان ببلاد الأرمن حسن منكوتمر إلى السلطان أن يرسل كرجي المذكور إليها نائبًا ليقيم فيها فوافقه السلطان على ذلك وكلم كرجي فاستعفى كرجي من ذلك فأعفاه السلطان بعد أمور فكمن كرجي في نفسه‏.‏
ثم أخذ مع هذا منكوتمر يغلظ على المماليك السلطانية وعلى الأمراء الكبار في الكلام فعظم ذلك عليهم وتشاكوا فيما بينهم من منكوتمر وقالوا‏:‏ هذا متى طالت مدته أخذنا واحدًا بعد واحد وأستاذه مرتبط به ولا يمكن الوثوب عليه أيام أستاذه فلم يجدوا بدًا من قتل أستاذه الملك المنصور لاجين قبله ثم يقتلونه بعده واتفقوا على ذلك‏.‏


قال الشيخ مجد الدين الحرمي وكيل بيت المال‏:‏ كان الملك المنصور لاجين متزوجًا ببنت الملك الظاهر بيبرس وكانت دينة عفيفة فحكت أنها رأت في المنام ليلة الخميس قبل قتل السلطان بليلة واحدة كأن السلطان جالس في المكان الذي قتل فيه وكأن عدة غربان سود على أعلى المكان وقد نزل منهم غراب فضرب عمامة السلطان فرماها عن رأسه وهو يقول‏:‏ كرج كرج فلما ذكرت ذلك للسلطان قالت له‏:‏ أقم الليلة عندنا فقال السلطان‏:‏ ما ثم إلا ما قدره الله‏!‏ وخرج من عندها إلى القصر بعد أن ركب في أول النهار على العادة وكان صائمًا وهو يوم الخميس عاشر شهر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وستمائة فأفطر بالقصر‏.‏


ثم دخل إلى القصر الجواني بعد العشاء الآخرة وأخذ في لعب الشطرنج وعنده خواصه وهم‏:‏ قاضي القضاة حسام الدين الحنفي والأمير عبد الله وبريد البدوي وإمامه محب الدين بن العسال فأول من دخل عليه كرجي وكان نوغيه السلاح دار من جملة المتفقين وهو في نوبته عند السلطان وكان كرجي مقدم البرجية والسلطان مكب على لعب الشطرنج فأوهم كرجي أنه يصلح الشمعة فرمى الفوطة على النيمجاة ثم قال السلطان لكرجي‏:‏ رحت بيت البرجية وغلقت عليهم والبرجية هم الآن مماليك الأطباق فقال كرجي‏:‏ نعم يا خوند وقد كان أوقف كرجي أكثرهم في دهليز القصر فشكره السلطان وأثنى عليه من حضر فقال السلطان القاضي القضاة‏:‏ لولا الأمير سيف الدين كرجي ما وصلت أنا إلى السلطنة فقبل كرجي الأرض وقال‏:‏ يا خوند ما تصلي العشاء فقال السلطان‏:‏ نعم وقام حتى يصلي فضربه كرجي بالسيف على كتفه فطلب السلطان النيمجاة فلم يجدها فقام من هول الضربة ومسك كرجي ورماه تحته وأخذ نوغيه السلاح دار النيمجاة وضرب بها رجل السلطان فقطعها فانقلب السلطان على قفاه يخور في دمه‏.‏
انتهى ما ذكره وكيل بيت المال‏.‏


وقال القاضي حسام الدين الحنفي‏:‏ كنت عند السلطان فما شعرت إلا وستة أو سبعة أسياف نازلة على السلطان وهو مكب على لعب الشطرنج فقتلوه ثم تركوه وأنا عنده وغلقوا علينا الباب وكان سيف الدين طغجي قد قصد بقية البرجية المتفقين معه ومع كرجي في الدركاه فقال لهم‏:‏ قضيتم الشغل فقالوا‏:‏ نعم‏.‏
ثم إنهم توجهوا جميعًا إلى دار سيف الدين منكوتمر وهو بدار النيابة من قلعة الجبل فدقوا عليه الباب وقالوا له‏:‏ السلطان يطلبك فأنكر حالهم وقال لهم‏:‏ قتلتم السلطان فقال له كرجي‏:‏ نعم يا مأبون وقد جئناك نقتلك فقال‏:‏ أنا ما أسلم نفسي إليكم إنما أنا في جيرة الأمير سيف الدين طغجي فأجاره طغجي وحلف له أنه لا يؤذيه ولا يمكن أحدًا من أذيته ففتح داره فتسلموه وراحوا به إلى الجب فأنزلوه إلى عند الأمراء المحبوسين فلما دخل إلى الجب قام إليه الأمير شمس الدين سنقر الأعسر وتلقاه متهكمًا عليه ثم قام إليه الأمير عز الدين أيبك الحموي وشتمه وأراد قتله لأن منكوتمر هذا كان هو السبب في مسك هؤلاء الأمراء وإقلاب الدولة من حرصه على أن الأمر يفضي إليه ويتسلطن بعد أستاذه فأقام منكوتمر نحو ساعة في الجب وراح الأمير طغجي إلى داره حتى يقضي شغلًا له فاغتنم كرجي غيبته وأخذ معه جماعة وتوجه إلى باب الحبس وأطلع منكوتمر صورة أنهم يريدون تقييمه كما جرت العادة في أمر المحتبسين فامتنع من الطلوع فألحوا عليه وأطلعوه وذبحوه على باب الجب ونهبوا داره وأمواله‏.‏


ثم اتفقوا كما هم في الليل على سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون وعوده إلى ملكه كونه ابن أستاذهم وأن يكون سيف الدين طغجي نائب السلطنة ومهما عملوه يكون باتفاق الأمراء وأصبح نهار الجمعة حلفوا الأمراء والمقدمين والعسكر جميعه للملك الناصر محمد بن قلاوون ونائب السلطنة طغجي‏.‏
وسيروا في الحال خلف الملك الناصر محمد يطلبونه من الكرك وركب الأمير طغجي يوم السبت في الموكب والتف عليه العسكر وطلع إلى قلعة الجبل وحضر الأمراء الموكب ومد السماط كما جرت العادة به من غير هرج ولا غوغاء وكأنه لم يجر شيء وسكنت الفتنة وفرح غالب الناس بزوال الدولة لأجل منكوتمر‏.‏


ودام ذلك إلى أن كان يوم الاثنين رابع عشر شهر ربيع الآخر من سنة ثمان وتسعين المذكورة وصل الأمير بدر الدين بكتاش أمير سلاح عائدًا من الشام من فتوح سيس وصحبته العساكر المتوجهة معه وكان قد راح إليه جماعة من أمراء مصر لتلقيه إلى بلبيس وأعلموه بصورة الحال وقالوا له بأن الذي وقع من قتل الملك المنصور ليس هو عن رضاهم ولا علموا به وأغروه على قتل طغجي واتفقوا معه على ذلك وكانوا الأمراء المذكورون قد أشاروا قبل خروجهم على طغجي أن يخرج يلتقي الأمير بكتاش أمير سلاح فركب طغجي بكرة يوم الاثنين وتوجه نحوه حتى التقاه وتعانقا وتكارشا‏.‏


ثم قال أمير سلاح لطغجي‏:‏ كان لنا عادة من السلطان إذا قدمنا من السفر يتلقانا وما أعلم ذنبي الآن ما هو كونه ما يلقاني اليوم‏!‏ فقال له طغجي‏:‏ وما علمت بما جرى على السلطان السلطان قتل‏!‏ فقال أمير سلاح‏:‏ ومن قتله قال له بعض الأمراء وهو الأمير سيف الدين كرت أمير حاجب‏:‏ قتله سيف الدين طغجي وكرجي فأنكر عليه وقال‏:‏ كلما قام للمسلمين ملك تقتلونه‏!‏ تقدم عني لا تلتصق بي وساق عنه أمير سلاح فتيقن طغجي أنه مقتول فحرك فرسه وساق فانقض عليه بعض الأمراء وقبض عليه بشعر دبوقته ثم علاه بالسيف وساعده على قتله جماعة من الأمراء فقتل وقتل معه ثلاثة نفر ومروا سائقين إلى تحت القلعة‏.‏


وكان كرجي قد قعد في القلعة لأجل حفظها فبلغه قتل رفيقة طغجي فألبس البرجية السلاح وركب في مقدار الذي فارس حتى يدفع عن نفسه فركبت جميع أجناد الحلقة والأمراء والمقدمين في خدمة أمير سلاح إلى الرابعة من النهار ثم حملوا العساكر على جماعة كرجي فهزموهم وساق كرجي وحده واعتقد أن أصحابه يتوجهون حيث توجه فلم يتبعه غير تبعه ونوغيه الكرموني أمير سلاح دار الذي كان أعانه على قتل الملك المنصور لاجين‏.‏
فلما أبعدوا والقوم في أثرهم لحقه بعض خشداشيته وضربه بالسيف حل كتفه ثم ساعده بعض الأمراء حتى قتل وقتل معه نوغيه الكرموني السلاح دار الذي كان أعانه على قتل لاجين المقدم ذكره واثنا عشر نفرًا من مماليكهما وأصحابهما وبطلت الغوغاء وسكنت الفتنة في الحال‏.‏


واستقر الأمر أيضًا على تولية السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون كما كان دبره طغجي وكرجي وسيروا بطلبه وحثوا الطلب في قدومه من الكرك إلى الديار المصرية وبقي يدبر الأمور ويعلم على الكتب المسيرة إلى البلاد ثمانية أمراء إلى أن حضر السلطان وهم‏:‏ الأمير سيف الدين سلار والأمير سيف الدين كرت والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير والأمير عز الدين أيبك الخازندار والأمير جمال الدين آقوش الأفرم الصغير والأمير حسام الدين لاجين أستاذ الدار والأمير سيف الدين بكتمر أمير جاندار والأمير جمال الدين عبد الله السلاح دار وجميعهم منصورية قلاوونية وغالبهم قد أخرج من السجن بعد قتل لاجين‏.‏
يأتي ذلك كله في ترجمة الملك الناصر محمد بن قلاوون الثانية عند عوده إلى السلطنة إن شاء الله تعالى‏.‏


وأما السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين فإنه أخذ بعد قتله وغسل وكفن بتربته بالقرافة الصغرى بالقرب من سفح المقطم ودفن مملوكه منكوتمر تحت رجليه‏.‏
قتل الملك المنصور لاجين وهو في عشر الخمسين أو جاوزها بقليل وقد تقدم التعريف به في عدة تراجم مما تقدم ونذكر هنا أيضًا من أحواله ما يتضح التعريف به ثانيًا‏.‏
كان لاجين ملكًا شجاعًا مقدامًا عارفًا عاقلًا حشيمًا وقورًا معظمًا في الدول‏.‏
طالت أيامه في نيابة دمشق أيام أستاذه في السعادة وهو الذي أبطل الثلج الذي كان ينقل في البحر من الشام إلى مصر وقال‏:‏ أنا كنت نائب الشام وأعلم ما يقاسي الناس في وسقه من المشقة


وكان - رحمه الله - تام القامة أشقر في لحيته طول يسير وخفة ووجه رقيق معرق وعليه هيبة ووقار وفي قده رشاقة وكان ذكيًا نبيهًا شجاعًا حذورًا ولما قتل الملك الأشرف خليل بن قلاوون هرب هو وقراسنقر فإنهما كانا أعانا الأمير بيدرا على قتله حسب ما ذكرناه ترجمة الملك الأشرف المذكور بل كان لاجين هذا هو الذي تمم قتله ولما هرب جاء هو وقراسنقر إلى جامع أحمد بن طولون وطلعا إلى المئذنة واستترا فيها وقال لاجين‏:‏ لئن نجانا الله من هذه الشدة وصرت شيئًا عمرت هذا الجامع‏.‏


قلت‏:‏ وكذا فعل رحمه الله تعالى فإنه لما تسلطن أمر بتجديد جامع أحمد ابن طولون المذكور ورتب في شد عمارته وعمارة أوقافه الأمير علم الدين أبا موسى سنجر بن عبد الله الصالحي النجمي الدواداري المعروف بالبرنلي وكان من أكابر أمراء الألوف بالديار المصرية وفوض السلطان الملك المنصور لاجين أمر الجامع المذكور وأوقافه إليه فعمره وعمر وقفه وأوقف عليه عدة قرى وقرر فيه دروس الفقه والحديث والتفسير والطب وغير ذلك وجعل من جملة ذلك وقفًا يختص بالديكة التي تكون في سطح الجامع المذكور في مكان مخصوص بها وزعم أن الديكة تعين الموقتين وتوقظ المؤذنين في السحر وضمن ذلك كتاب الوقف فلما قرىء كتاب الوقف على السلطان وما شرطه أعجبه جميعه فلما انتهى إلى ذكر الديكة أنكر السلطان ذلك وقال‏:‏ أبطلوا هذا لئلا يضحك الناس علينا وأمضى ما عدا ذلك من الشروط والجامع المذكور عامر بالأوقاف المذكورة إلى يومنا هذا ولولاه لكان دثر وخرب فإن غالب ما كان أوقفه صاحبه أحمد بن طولون خرب وذهب أثره فجدده لاجين هذا وأوقف عليه هذه الأوقاف الجمة فعمر وبقي إلى الآن‏.‏


وكان المنصور لاجين فهمًا كريم الأخلاق متواضعًا‏.‏

يحكى أن القاضي شهاب الدين محمود كان يكتب بين يديه فوقع من الحبر على ثيابه فأعلمه السلطان بذلك فنظم في الحال بيتين وهما‏:‏ السريع ثياب مملوكك يا سيدي قد بيضت حالي بتسويدها ماوقع الحبر عليها بلى وقع لي منك بتجديدها فأمر له المنصور بتفصيلتين وخمسمائة درهم فقال الشهاب محمود‏:‏ يا خوند مماليكك الجماعة رفاقي يبقى ذلك في قلوبهم فأمر لكل منهم بمثل ذلك وصارت راتبًا لهم في كل سنة‏.‏


وقال الشيخ صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي في تاريخه‏:‏ حكى لي الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس‏:‏ لما دخل عليه لم يدعه يبوس الأرض وقال‏:‏ أهل العلم منزهون عن هذا وأجلسه عنده وأظنه قال‏:‏ على المقعد ورتبه موقعًا فباشر ذلك أيامًا واستعفى فأعفاه وجعل المعلوم له راتبًا فتناوله إلى أن مات‏.‏


ولما تسلطن مدحه القاضي شهاب الدين محمود بقصيدة أولها‏:‏ البسيط ولما تسلطن الملك المنصور لاجين تفاءل الناس واستبشروا بسلطنته وجاء في تلك السنة غيث عظيم بعدما كان تأخر فقال في ذلك الشيخ علاء الدين الوداعي‏:‏ السريع يا أيها العالم بشراكم بدولة المنصور رب الفخار فالله قد بارك فيها لكم فأمطر الليل وأضحى النهار وكانت مدة سلطنة المنصور لاجين على الديار المصرية سنتين وثلاثة شهور‏.‏
قال الأديب صلاح الدين الصفدي‏:‏ وكان دينًا متقشفًا كثير الصوم قليل الأذى‏.‏
قطع أكثر المكوس وقال‏:‏ إن عشت ما تركت مكسًا واحدًا‏.‏
قلت‏:‏ كان فيه كل الخصال الحسنة لولا توليته مملوكه منكوتمر الأمور ومحبته له وهو السبب في هلاكه حسب ما تقدم‏.‏
وتسلطن من بعده ابن أستاذه الملك الناصر محمد بن قلاوون‏:‏ طلب من الكرك وأعيد إلى السلطنة انتهت ترجمة الملك المنصور لاجين‏.‏
رحمه الله تعالى‏.‏


السنة الأولى


من سلطنة الملك المنصور لاجين وهي سنة ست وتسعين وستمائة‏.‏

على أن الملك العادل كتبغا حكم منها المحرم وأيامًا من صفر‏.‏
فيها كان خلع الملك العادل كتبغا المنصوري من السلطنة وتوليته نيابة صرخد وسلطنة الملك المنصور لاجين هذا من بعده حسب ما تقدم ذكره‏.‏
وفيها في ذي القعدة مسك الملك المنصور لاجين الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصوري نائب السلطنة بديار مصروحبسه وولى عوضه مملوكه منكوتمر‏.‏
وفيها ولي قضاء دمشق قاضي القضاة إمام الدين القزويني عوضًا عن القاضي بدر الدين بن جماعة واستمر ابن جماعة المذكور على خطابة جامع دمشق‏.‏


وفيها تولى سلطنة اليمن الملك المؤيد هزبر الدين داود ابن الملك المظفر شمس الدين يوسف ابن الملك المنصور نور الدين عمر بن علي بن رسول بعد موت أخيه الأشرف‏.‏
وفيها توفي الشيخ الإمام العلامة مفتي المسلمين محيي الدين أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن إبراهيم بن هبة الله بن طارق بن سالم بن النحاس الحلبي الأسدي الحنفي في ليلة سلخ المحرم ببستانه بالمزة ودفن بتربته بالمزة وحضر جنازته نائب الشام ومن دونه وكان إمامًا مفتنًا في علوم وتولى عدة تداريس ووظائف دينية ووزر بالشام للملك المنصور قلاوون وحسنت سيرته ثم عزل ولازم الأشغال والإقراء وانتفع به عامة أهل دمشق ومات ولم يخلف بعده مثله‏.‏


وفيها توفي الملك الأشرف ممهد الدين عمر ابن الملك المظفر يوسف ابن الملك المنصور نور الدين عمر بن علي بن رسول ملك اليمن وتولى بعده أخوه هزبر الدين داود المقدم ذكره وكانت مدة ملكه دون السنتين‏.‏
وفيها توفي القاضي تاج الدين عبد القادر ابن القاضي عز الدين محمد السنجاري الحنفي قاضي قضاة الحنفية بحلب في يوم الخميس ثامن عشرين شعبان كان إمامًا فقيهًا عالمًا مفتيًا‏.‏
ولي القضاء بعدة بلاد وحمدت سيرته‏.‏
وفيها توفي الأمير عز الدين أزدمر بن عبد الله العلائي في ذي القعدة بدمشق وكان أميرًا كبيرًا معظمًا إلا أنه شرس الأخلاق قليل الفهم رسم له الملك الظاهر بيبرس أنه لا يركب بسيف فبقي أكثر من عشرين سنة لا يركب بسيف وهو أخو الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري‏.‏


وفيها توفي شيخ الحرم وفقيه الحجاز رضي الدين محمد بن أبي بكر عبد الله بن خليل بن إبراهيم القسطلاني المكي المعروف بابن خليل‏.‏
مولده سنة ثلاث وثلاثين وستمائة وكان فقيهًا عالمًا مفتتًا مفتيًا وله عبادة وصلاح وحسن أخلاق‏.‏
مات بمكة بعد خروج الحاج بشهر ودفن بالمعلاة بالقرب من سفيان الثوري‏.‏
ومن شعره رحمه الله‏:‏ الخفيف أيها النازح المقيم بقلبي في أمان أنى حللت ورحب جمع الله بيننا عن قريب فهو أقصى مناي منك وحسبي الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال‏:‏ وفيها توفي القاضي تاج الدين عبد الخالق بن عبد السلام بن سعيد ببعلبك في المحرم وله ثلاث وتسعون سنة‏.‏
وقاضي القضاة عز الدين عمر بن عبد الله بن عمر بن عرض الحنبلي بالقاهرة والحافظ الزاهد جمال الدين أحمد بن محمد بن عبد الله الظاهري بمصر‏.‏
والمحدث ضياء الدين عيسى بن يحيى السبتي بالقاهرة في رجب‏.‏
والزاهد شمس الدين محمد بن حامد المقدسي في ذي الحجة وأبو العباس أحمد بن عبد الكريم في صفر‏.‏


السنة الثانية

من سلطنة الملك المنصور لاجين وهي سنة سبع وتسعين وستمائة‏.‏
فيها مسك الملك المنصور لاجين الأمير بدر الدين بيسري الشمسي وحبسه واحتاط على وجوده وفيها أخذت العساكر المصرية تل حمدون وقلعتها بعد حصار ومرعش وغيرهما وفيها قدم الملك المسعود نجم الدين خضر ابن السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري من بلاد الأشكري إلى مصر فتلقاه السلطان الملك المنصور لاجين في الموكب وأكرمه‏.‏
وطلب الملك المسعود الحج فأذن له بذلك وكان الملك الأشرف خليل بن قلاوون أرسله إلى هناك وسكن الملك المسعود بالقاهرة إلى أن مات بها حسب ما يأتي ذكره وكان خضر هذا من أحسن الناس شكلًا ولما ختنه أبوه قال فيه القاضي محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر يهنىء والده الملك الظاهر ركن الدين بيبرس‏:‏ هنأت بالعيد وما على الهناء أقتصر بل إنها بشارة لها الوجود مفتقر بفرحة قد جمعت ما بين موسى والخضر قد هيأت لوردكم ماء الحياة المنهمر قلت‏:‏ وأحسن من هذا قول من قال في مليح حليق‏:‏ الرمل مرت الموسى على عارضه فكأن الماء بالآس غمر مجمع البحرين أضحى خده إذ تلاقى فيه موسى والخضر وفيها توفي الشيخ الصالح الزاهد بقية المشايخ بدر الدين حسن ابن الشيخ الكبير القدوة العارف نور الدين أبي الحسن علي بن منصور الحريري في يوم السبت عاشر شهر ربيع الآخر بزاويته بقرية بسر من أعمال زرع وكان هو المتعين بعد أبيه في الزاوية وعلى الطائفة الحيريرية المنسوبين إلى والده ومات وقد جاوز الثمانين‏.‏


وفيها توفي قاضي القضاة صدر الدين إبراهيم بن أحمد بن عقبة البصراوي الفقيه الحنفي المدرس أحد أعيان فقهاء الحنفية ولي قضاء حلب ثم عزل ثم أعيد فمات قبل دخوله حلب وكان عالمًا مفتنًا وله اليد الطولى في الجبر والمقابلة والفرائض وغير ذلك‏.‏
الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال‏:‏ وفيها توفي الإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر الفارسي الأبجي في رمضان وعائشة ابنة المجد عيسى بن الموفق المقدسي في شعبان ولها ست وثمانون سنة‏.‏
وقاضي حماة جمال الدين محمد بن سالم بن واصل في شوال‏.‏
وشهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن النابلسي الحنبلي العابر والشيخ كمال الدين عبد الرحمن بن عبد اللطيف البغدادي بن المكبر في ذي الحجة وله ثمان وتسعون سنة‏.‏














صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 13-01-2012, 10:13 PM   رقم المشاركة:491
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 55
المشاركات: 8,866
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون (الثانية) على مصر(1)


سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون (الثانية) على مصر(1)









سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون (الثانية) على مصر

هو السلطان الملك الناصر ناصر الدين أبو المعالي محمد ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون تقدم ذكر مولده في ترجمته الأولى من هذا الكتاب أعيد إلى السلطنة بعد قتل الملك المنصور لاجين فإنه كان لما خلع من الملك بالملك العادل كتبغا المنصوري أقام عند والدته بالدور من قلعة الجبل إلى أن أخرجه الملك المنصور لاجين لما تسلطن إلى الكرك فأقام الملك الناصر بالكرك إلى أن قتل الملك المنصور لاجين حسب ماذكرناه أجمع رأي الأمراء على سلطنته ثانيًا وخرج إليه الطلب من الديار المصرية صبيحة الحادي عشر من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وستمائة وهو ثاني يوم قتل لاجين وسار الطلب إليه فلما قتل طغجي وكرجي في يوم الاثنين رابع عشره استحثوا الأمراء في طلبه وتكرر سفر القصاد له من الديار المصرية إلى الكرك حتى إذا حضر إلى الديار المصرية في ليلة السبت رابع جمادى الأولى من السنة وبات تلك الليلة بالإسطبل السلطاني ودام به إلى أن طلع إلى القلعة في بكرة يوم الاثنين سادس جمادى الأولى المذكور‏.‏


وحضر الخليفة الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد والقضاة وأعيد إلى السلطنة وجلس على تخت الملك وكان الذي توجه من القاهرة بطلبه الأمير الحاج آل ملك والأمير سنجر الجاولي‏.‏
فلما قدما إلى الكرك كان الملك الناصر بالغور يتصيد فتوجها إليه ودخل آقوش نائب الكرك إلى أم السلطان وبشرها فخافت أن تكون مكيدة من لاجين فتوقفت في المسير فما زال بها حتى أجابت‏.‏
ووصل الأميران إلى الملك الناصر بالغور وقبلا الأرض بين يديه وأعلماه بالخبر فرحب بهما وعاد إلى البلد وتهيأ وأخذ في تجهيز أمره والبريد يترادف باستحثاثه إلى أن قدم القاهرة فخرج الأمراء وجميع الناس قاطبة للقائه وكادت القاهرة ومصر ألا يتأخر بهما أحد فرحًا بقدومه وكان خروجهم في يوم السبت وأظهر الناس لعوده إلى الملك من السرور ما لا يوصف ولا يحد وزينت القاهرة ومصر بأفخر زينة وأبطل الناس معايشهم وضجوا له بالدعاء والشكر لله على عوده إلى الملك وأسمعوا حواشي الملك العادل كتبغا والملك المنصور لاجين من المكروه والاستهزاء ما لا مزيد عليه واستمروا في الفرح والسرور إلى يوم الاثنين وهو يوم جلوسه على تخت الملك‏.‏


وجلس على تخت الملك في هذه المرة الثانية وعمره يومئذ نحو أربع عشرة سنة‏.‏
ثم جدد للملك الناصر العهد وخلع على الأمير سيف الدين سلار بنيابة السلطنة وعلى الأمير حسام الدين لاجين بالأستادارية على عادته واستمر الأمير آقوش الأفرم الصغير بنيابة دمشق على عادته وخلع عليه وسفر بعد أيام‏.‏
وفي معنى سلطنة الملك الناصر محمد يقول الشيخ علاء الدين الوداي الملك الناصر قد أقبلت دولته مشرقة الشمس عاد إلى كرسيه مثلما عاد سليمان إلى الكرسي وفي تاسع جمادى الأولى فرقت الخلع على جميع من له عادة بالخلع من أعيان الدولة‏.‏


وفي ثاني عشره لبس الناس الخلع وركب السلطان الملك الناصر بالخلعة الخليفتية وأبهة السلطنة وشعار الملك ونزل من قلعة الجبل إلى سوق الخيل ثم عاد إلى القلعة وترجل في خدمته جميع الأمراء والأكابر وقبلوا الأرض بين يديه‏.‏
واستقرت سلطنته وتم أمره وكتبت البشائر بذلك إلى الأقطار وسر الناس بعوده إلى الملك سرورًا زائدًا بسائر الممالك‏.‏
وبعد أيام ورد الخبر عن غازان ملك التتار أنه قد عزم على قصد البلاد الشامية لما قدم عليه الأمير قبجق المنصوري نائب الشام ورفقته ثم رأى غازان أن يجهز سلامش بن أباجو من خمسة وعشرين ألفًا من الفرسان إلى بلاد الروم على أنه يأخذ بلاد الروم ويتوجه بعد ذلك بسائر عساكره إلى الشام من جهة بلاد سيس ويجيء غازان من ديار بكر وينزلون على الفرات ويغيرون على البيرة والرحبة وقلعة الروم ويكون اجتماعهم على مدينة حلب فإن التقاهم أحد من العساكر المصرية والشامية التقوه وإلا دخلوا بلاد الشام فاتفق أن سلامش لما توجه من عند قازان ودخل إلى الروم أطمعته نفسه بالملك وملك الروم وخلع طاعة غازان واستخدم الجند وأنفق عليهم وخلع على أكابر الأمراء ببلاد الروم وكانوا أولاد قرمان قد أطاعوه ونزلوا إلى خدمته وهم فوق عشرة آلاف فارس‏.‏


وهذا الخبر أرسله سلامش المذكور إلى مصر وأرسل في ضمن ذلك يطلب من المصريين النجدة والمساعدة على غازان‏.‏
قلت‏:‏ غازان وقازان كلاهما اسم لملك التتار‏.‏
وكان وصول رسول سلامش بهذا الخبر إلى مصر في شعبان من السنة‏.‏
وأما قازان فإنه وصل إلى بغداد وكانوا متولين بغداد من قبله شكوا إليه من أهل السيب والعربان أنهم ينهبون التجار القادمين من البحر وأنهم قد قطعوا السابلة فسار قازان بنفسه إليهم ونهبهم وأقام بأرض دقوقا مشتيًا‏.‏
ولما بلغه خبر سلامش انثنى عزمه عن قصد الشام وشرع في تجهيز العساكر مع ثلاثة مقدمين ومعهم خمسة وثلاثون ألف فارس‏:‏ منها خمسة عشر مع الأمير سوتاي وعشرة مع هندوجاغان وعشرة مع بولاي وهو المشار إليه من المقدمين مع العساكر وسفرهم إلى الروم لقتال سلامش‏.‏
ثم رحل قازان إلى جهة تبريز ومعه الأمير قبجق المنصوري نائب الشام وبكتمر السلاح دار والألبكي وبزلار هؤلاء هم الذين خرجوا من دمشق مغاضبين للملك المنصور لاجين‏.‏


وسار التتار الذين أرسلهم غازان حتى وصلوا إلى الروم في أواخر شهر رجب والتقوا مع سلامش وكان سلامش قد عصى عليه أهل سيواس وهو يحاصرهم فتركهم سلامش وتجهز وجهز عساكره لملتقى التتار وكان قد جمع فوق ستين ألف فارس‏.‏
فلما قارب التتار فر من عسكر سلامش التتار والروم ولحقوا بولاي مقدم عساكر غازان‏.‏
وأما التركمان فإنهم تركوه وصعدوا إلى الجبال على عادتهم وبقي سلامش في جمع قليل دون خمسمائة فارس فتوجه بهم من سيواس إلى جهة سيس وسار منها فوصل إلى بهسنا في أواخر شهر رجب‏.‏


وكان السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون قد برز مرسومه إلى نائب الشام بأن يجرد خمسة أمراء من حمص وخمسة من حماة وخمسة من حلب لتكملة خمسة عشر أميرًا ويبعثهم نجدة إلى سلامش فلما وصل الخبر بقدوم سلامش إلى بهسنا منهزمًا توقف العسكر عن المسير ثم وصل سلامش إلى دمشق‏.‏
وسلامش هذا هو من أولاد عم غازان وهو سلامش بن أباجو بن هولاكو‏.‏
وكان وصوله إلى دمشق في يوم الخميس ثاني عشر شعبان فتلقاه نائب الشام واحتفل لملاقاته احتفالًا عظيمًا وأكرمه وقدم في خدمته نائب بهسنا الأمير بدر الدين بكتاش الزردكاش ثم سار سلامش من دمشق إلى جهة الديار المصرية إلى أن وصلها فأكرمه السلطان غاية الإكرام وأقام بمصر أيامًا قليلة ثم عاد إلى حلب بعد أن اتفق معه أكابر دولة الملك الناصر محمد على أمر يفعلونه إذا قدم غازان إلى البلاد الشامية ثم بعد خروجه جهز السلطان خلفه أربعة آلاف فارس من العسكر المصري نجدة له لقتال التتار وأيضًا كالمقدمة للسلطان وعلى كل ألف فارس أمير مائة ومقدم ألف فارس وهم‏:‏ الأمير جمال الدين آقوش قتال السبع والمبارز أمير شكار والأمير جمال الدين عبد الله والأمير سيف الدين بلبان الحبشي وهو المقدم على الجميع وساروا الجميع إلى بلاد حلب وتهيأ السلطان للسفر وتجهزت أمراؤه وعساكره‏.‏


وخرج من الديار المصرية بأمرائه وعساكره في يوم الخميس سادس عشرين ذي الحجة الموافق لسادس عشرين توت أحد شهور القبط‏.‏
هذا والعساكر الشامية في التهيؤ لقتال التتار وقد دخلهم من الرعب والخوف أمر لا مزيد عليه وسار السلطان بعساكره إلى البلاد الشامية بعد أن تقدمه أيضًا جماعة من أكابر أمراء الديار المصرية غير أولئك كالجاليش على العادة وهم‏:‏ الأمير قطلوبك والأمير سيف الدين كزناي وهو من كبار الأمراء‏:‏ كان حما الملكين الصالح والأشرف أولاد قلاوون وجماعة أمراء أخر ودخلوا هؤلاء الأمراء قبل السلطان إلى الشام بأيام فاطمأن خواطر أهل دمشق بهم‏.‏


وسافر السلطان بالعساكر على مهل وأقام بغزة وعسقلان أيامًا كثيرة ثم دخل إلى دمشق يوم الجمعة ثامن شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وستمائة واحتفل أهل دمشق لدخوله احتفالًا عظيمًا ودخل السلطان بتجمل عظيم زائد عن الوصف حتى لعله زاد على الملوك الذين كانوا قبله ونزل بقلعة دمشق بعد أن أقام بغزة وغيرها نحو الشهرين في الطريق إلى أن ترادفت عليه الأخبار بقرب التتار إلى البلاد الشامية فقدم دمشق وتعين حضوره إليها ليجتمع بعساكره السابقة له وأقام السلطان بدمشق وجهز عساكرها إلى جهة البلاد الحلبية أمامه ثم خرج هو بأمرائه وعساكره بعدهم في يوم الأحد السابع عشر من شهر ربيع الأول من سنة تسع وتسعين المذكورة في وسط النهار وسار من دمشق إلى حمص وابتهل الناس له بالدعاء وعظم خوف الناس وصياحهم وبكاؤهم على الإسلام وأهله‏.‏


ووصل السلطان إلى حمص وأقام لابس السلاح ثلاثة أيام بلياليها إلى أن حصل الملل والضجر وغلت الأسعار بالعسكر وقلت العلوفات‏.‏
وبلغ السلطان أن التتار قد نزلوا بالقرب من سلمية وأنهم يريدون الرجوع إلى بلادهم لما بلغهم من كثرة الجيوش واجتماعهم على قتالهم - وكان هذا الخبر مكيدة من التتار - فركب السلطان بعساكره من حمص بكرة يوم الأربعاء وقت الصبح السابع والعشرين من شهر ربيع الأول وساقوا الخيل إلى أن وصلوا إليهم وهم بالقرب من سلمية بمكان يسمى وادي الخازندار فركب التتار للقائهم وكانوا تهيؤوا لذلك وكان الملتقى في ذلك المكان في الساعة الخامسة من نهار الأربعاء المذكور وتصادما وقد كلت خيول السلطان وعساكره من السوق والتحم القتال بين الفريقين وحملت ميسرة المسلمين عليهم فكسرتهم أقبح كسرة وقتلوا منهم جماعة كثيرة نحو خمسة آلاف أو أكثر ولم يقتل من المسلمين إلا اليسير‏.‏


ثم حملت القلب أيضًا حملة هائلة وصدمت العدو أعظم صدمة وثبت كل من الفريقين ثباتًا عظيمًا ثم حصل تخاذل في عسكر الإسلام بعضهم في بعض - بلاء من الله تعالى - فانهزمت ميمنة السلطان بعد أن كان لاح لهم النصر فلا قوة إلا بالله‏.‏
ولما انهزمت الميمنة انهزم أيضًا من كان وراء السناجق السلطانية من غير قتال وألقى الله تعالى الهزيمة عليهم فانهزم جميع عساكر الإسلام بعد النصر وساق السلطان في طائفة يسيرة من أمرائه ومدبري مملكته إلى نحو بعلبك وتركوا جميع الأثقال ملقاة فبقيت العدد والسلاح والغنائم والأثقال ملأت تلك الأراضي حتى بقيت الرماح في الطرق كأنها القصب لا ينظر إليها أحد ورمى الجند خوذهم عن رؤوسهم وجواشنهم وسلاحهم تخفيفًا عن الخيل لتنجيهم بأنفسهم وقصدوا الجميع دمشق‏.‏
وكان أكثر من وصل إلى دمشق من المنهزمين من طريق بعلبك‏.‏


ولما بلغ أهل دمشق وغيرها كسرة السلطان عظم الضجيج والبكاء وخرجت المخدرات حاسرات لا يعرفن أين يذهبن والأطفال بأيديهن وصار كل واحد في شغل عن صاحبه إلى أن ورد عليهم الخبر أن ملك التتار قازان مسلم وأن غالب جيشه على ملة الإسلام وأنهم لم يتبعوا المنهزمين وبعد انفصال الوقعة لم يقتلوا أحدًا ممن وجدوه وإنما يأخذون سلاحه ومركوبه ويطلقونه فسكن بذلك روع أهل دمشق قليلًا‏.‏
ثم صار من وصل إلى دمشق أخذ أهله وحواصله بحيث الإمكان وتوجه إلى جهة مصر وبقي من بقي بدمشق في خمدة وحيرة لا يدرون ما عاقبة أمرهم فطائفة تغلب عليهم الخوف وطائفة يترجون حقن الدماء وطائفة يترجون أكثر من ذلك من عدل وحسن سيرة واجتمعوا في يوم الأحد بمشهد علي من الجامع الأموي واشتوروا في أمر الخروج إلى ملك التتار غازان وأخذهم أمانًا لأهل البلد فحضر من الفقهاء قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة وهو يومئذ خطيب جامع أهل دمشق والشيخ زين الدين الفارقي والشيخ تقي الدين بن تيمية وقاضي قضاة دمشق نجم الدين ابن صصرى والصاحب فخر الدين بن الشيرجي والقاضي عز الدين بن الزكي والشيخ وجيه الدين بن المنجا والشيخ عز الدين بن القلانسي وابن عمه شرف الدين وأمين الدين بن شقير الحراني والشريف زين الدين بن عدنان والصاحب شهاب الدين الحنفي والقاضي شمس الدين بن الحريري والشيخ محمد بن قوام النابلسي وجلال الدين أخو القاضي إمام الدين القزويني - وقد خرج أخوه إمام الدين قبل ذلك مع جماعة جافلًا إلى مصر - وجلال الدين ابن القاضي حسام الدين الحنفي وجماعة كثيرة من العدول والفقهاء والقراء‏.‏


وأما السلطان الملك الناصر وعساكره فإنه سار هو بخواصه بعد الوقعة إلى جهة الكسوة‏.‏
وأما العساكر المصرية والشامية فلا يمكن أن يعبر عن حالهم‏:‏ فإنه كان أكبر الأمراء يرى وهو وحده وقد عجز عن الهرب ليس معه من يقوم بخدمته وهو مسرع في السير خائف متوجه إلى جهة الكسوة لا يلوي على أحد قد دخل قلوبهم الرعب والخوف تشتمهم العامة وتوبخهم بسبب الهزيمة من التتار وكونهم كانوا قبل ذلك يحكمون في الناس ويتعاظمون عليهم وقد صار أحدهم الآن أضعف من الهزيل وأمعنوا العامة في ذلك وهم لا يلتفتون إلى قولهم ولا ينتقمون من أحد منهم‏.‏
قلت‏:‏ وكذا وقع في زماننا هذا في وقعة تيمورلنك وأعظم فإن هؤلاء قاتلوا وكسروا ميمنة التتار إلا أصحابنا فإنهم سلموا البلاد والعباد من غير قتال‏!‏ حسب ما يأتي ذكره في محله من ترجمة السلطان الملك الناصر فرج بن برقوق‏.‏


قال‏:‏ وعجز أكثر الأمراء والجند عن التوجه إلى جهة مصر خلف السلطان بسبب ضعف فرسه فصار الجندي يغير زيه حتى يقيم بدمشق خيفة من توبيخ العامة له حتى إن بعضهم حلق شعره وصار بغير دبوقة‏.‏
قال الشيخ قطب الدين اليونيني‏:‏ مع أن الله تعالى لطف بهم لطفًا عظيمًا إذ لم يسق عدوهم خلفهم ولا تبعهم إلا حول المعركة وما قاربها وكان ذلك لطفًا من الله تعالى بهم وبقي الأمر على ذلك إلى آخر يوم الخميس سادس شهر ربيع الآخر فوصل أربعة من التتار ومعهم الشريف القمي وتكلموا مع أهل دمشق فلم ينبرم أمر‏.‏


ثم قدم من الغد آخر ومعه فرمان يعني مرسومًا من غازان بالأمان وقرىء بالمدرسة البادرائية ثم وقع بعد ذلك أمور يطول شرحها من أن قازان أرسل إلى أهل دمشق وعرفهم أنه يحب العدل والإحسان للرعية وإنصاف المظلوم من الظالم وأشياء من هذا النمط فحصل للناس بذلك سكون وطمأنينة‏.‏
ثم دخل الأمير قبجق المنصوري الذي كان نائب دمشق قبل تاريخه وهرب من الملك المنصور لاجين إلى غازان ومعه رفقته الأمير بكتمر السلاح دار وغيره إلى دمشق وكلموا الأمير أرجواش المنصوري خشداشهم نائب قلعة دمشق في تسليمها إلى غازان وقالوا له‏:‏ دم المسلمين في عنقك إن لم تسلمها فأجابهم‏:‏ دم المسلمين في أعناقكم أنتم الذين خرجتم من دمشق وتوجهتم إلى غازان وحسنتم له المجيء إلى دمشق وغيرها ثم وبخهم ولم يسلم قلعة دمشق وتهيأ للقتال والحصار واستمر على حفظ القلعة‏.‏


ثم ترادفت قصاد غازان إلى أرجواش هذا وطال الكلام بينهم في تسليم القلعة فثبته الله تعالى ومنع ذلك بالكلية وملك قازان دمشق وخطب له بها في يوم الجمعة رابع عشر شهر ربيع الآخر‏.‏
وصورة الدعاء لغازان أن قال الخطيب‏:‏ ‏"‏ مولانا السلطان الأعظم سلطان الإسلام والمسلمين مظفر الدنيا والدين محمود غازان ‏"‏ وصلى الأمير قبجق المنصوري وجماعة من المغل بالمقصورة من جامع دمشق ثم أخذ التتار في نهب قرى دمشق والفساد بها ثم بجبل الصالحية وغيرها وفعلوا تلك الأفعال القبيحة ثم قرروا على البلد تقارير تضاعفت غير مرة وحصل على أهل دمشق الذل والهوان وطال ذلك عليهم وكان متولي الطلب من أهل دمشق الصفي السنجاري وعلاء الدين أستادار قبجق وابنا الشيخ الحريري الحن والبن وعمل الشيخ كمال الدين الزملكاني في ذلك قوله‏:‏ لهفي على جلق يا شرما لقيت من كل علج له في كفره فن بالطم والرم جاؤوا لا عديد لهم فالجن بعضهم والحن والبن وللشيخ عز الدين عبد الغني الجوزي في المعنى‏:‏ بلينا بقوم كالكلاب أخسة علينا بغارات المخاوف قد شنوا هم الجن حقًا ليس في ذاك ريبة ومع ذا فقد والاهم الحن والبن ولابن قاضي شهبة‏:‏ الطويل رمتنا صروف الدهر حقًا بسبعة فما أحذ منا من السبع سالم غلاء وغازان وغزو وغارة وغدر وإغبان وغم ملازم وفي المعنى يقول أيضًا الشيخ علاء الدين الوداي وأجاد‏:‏ الطويل أتى الشام مع غازان شيخ مسلك على يده تاب الورى وتزهدوا فخلوا عن الأموال والأهل جملة فما منهم إلا فقير مجرد ودامت هذه الشدة على أهل دمشق والحصار عمال في كل يوم على قلعة دمشق حتى عجزوا عن أخذها من يد أرجواش المذكور قلت‏:‏ على أن أرجواش كان عنده سلامة باطن إلى الغاية يأتي ذكره بعض أحواله في الوفيات من سنين الملك الناصر محمد بن قلاوون‏.‏


قال‏:‏ وتم جبي المال وأخذه غازان وسافر من دمشق في يوم الجمعة ثاني عشر جمادى الأولى بعد أن ولى الأمير قبجق المنصوري نيابة الشام على عادته أولًا وقرر بدمشق جماعة أخر يطول الشرح في ذكرهم‏.‏
وأقام الأمير قطلوشاه مقدم عساكر التتار بعد غازان بدمشق بجماعة كثيرة من التتار لأخذ ما بقي من الأموال ولحصار قلعة دمشق ودام على ذلك حتى سافر من دمشق ببقية التتار في يوم الثلاثاء ثالث عشرين جمادى الأولى وخرج الأمير قبجق نائب الشام لتوديعه ثم عاد يوم الخميس خامس عشرينه وانقطع أمر المغل من دمشق بعد أن قاسى أهلها شدائد وذهبت أموالهم‏.‏


قال ابن المنجا‏:‏ إن الذي حمل إلى خزانة قازان خاصة نفسه ثلاثة آلاف ألف وستمائة ألف سوى ما محق عليهم من التراسيم والبراطيل والاستخراج لغيره من الأمراء والوزراء وغير ذلك بحيث إن الصفي السنجاري استخرج لنفسه أكثر من ثمانين ألف درهم وللأمير إسماعيل مائتي ألف درهم وللوزير نحو أربعمائة ألف وقس على هذا‏.‏
واستمر بدمشق ورسم أن ينادى في دمشق بأن أهل القرى والحواضر يخرجون إلى أماكنهم‏:‏ رسم بذلك سلطان الشام حاج الحرمين سيف الدين قبجق‏.‏
وصار قبجق يركب بالعصابة والشاويشية بين يديه وأجتمع الناس عليه‏.‏


كل ذلك والقتال والمباينة واقعة بين الأمير أرجواش نائب قلعة دمشق وبين قبجق المذكور ونواب قازان والرسل تمشي بينهم في الصلح وأرجواش يأبى تسليم القلعة له فلله در هذا الرجل‏!‏ ما كان أثبت جنانه مع تغفل كان فيه حسب ما يأتي ذكره‏.‏
هذا وقبجق غير مستبد بأمر الشام بل غالب الأمر بها لنواب قازان مثل بولاي وغيره‏.‏
ثم سافر بولاي من دمشق بمن كان بقي معه من التتار في عشية يوم السبت الرابع من شهر رجب ومعه قبجق وقد أشيع أن قبجق يريد الانفصال عن التتار‏.‏
وبعد خروجهما استبد أرجواش نائب قلعة دمشق بتدبير أمور البلد‏.‏


وفي يوم الجمعة سابع عشر شهر رجب أعيدت الخطبة بدمشق إلى الملك الناصر محمد بن قلاوون وللخليفة الحاكم بأمر الله على العادة ففرح الناس بذلك‏.‏
وكان أسقط اسم الملك الناصر محمد من الخطبة بدمشق من سابع شهر ربيع الآخر فالمدة مائة يوم‏.‏
ثم نادى أرجواش بكرة يوم السبت بالزينة في البلد فزينت‏.‏
وأما الملك الناصر محمد بن قلاوون فإن عوده إلى الديار المصرية كان يوم الأربعاء ثاني عشر شهر ربيع الأخر وتبعته العساكر المصرية والشامية متفرقين وأكثرهم عراة مشاة ضعفاء وذاك الذي أوجب تأخرهم عن الدخول مع السلطان إلى مصر وأقاموا بعد ذلك أشهرًا حتى آستقام أمرهم ولولا حصول البركة بالديار المصرية وعظمها ما وسعت مثل هذه الخلائق والجيوش التي دخلوها في جفلة التتار وبعدها فمن الله تعالى بالخيل والعدد والرزق إلا أن جميع الأسعار غلت لا سيما السلاح وآلات الجندية من القماش والبرك وحوائج الخيل وغير ذلك حتى زادت عن الحد‏.‏


ومما زاد سعر العمائم فإن الجند كان على رؤوسهم في المصاف الخوذ فلما آنكسروا رموا الخوذ تخفيفًا ووضعوا على رؤوسهم المناديل فآحتاجوا لما حضروا إلى مصر إلى شراء العمائم مع أن الملك الناصر أنفق في الجيش بعد عوده واستخدم جمعًا كثيرًا من الجند خوفًا من قدوم غازان إلى الديار المصرية‏.‏
وتهيأ السلطان إلى لقاء غازان ثانيًا وجهز العساكر وقام بكلفهم أتم قيام على صغر سنه‏.‏
فلما ورد عليه الخبر بعدم مجيء قازان إلى الديار المصرية تجهز وخرج بعساكره وأمرائه من الديار المصرية إلى جهة البلاد الشامية إلى ملتقى غازان ثانيًا بعد أن خلع على الأمير آقوش الأفرم الصغير بنيابة الشام على عادته وعلى الأمير قرا سنقر المنصوري بنيابة حماة وحلب وكان خروج السلطان من مصر بعساكره في تاسع شهر رجب من سنة تسع وتسعين وستمائة‏.‏
وسار حتى نزل بمنزلة الصالحية فبلغه عود قازان بعساكره إلى بلاده فكلم الأمراء السلطان في عدم سفره ورجوعه إلى مصر فأبى عن رجوع العسكر وسمع لهم في عدم سفره وأقام بمنزلة الصالحية‏.‏


وسافر الأمير سلار المنصوري نائب السلطنة بالديار المصرية والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير بالعساكر إلى الشام‏.‏
ولما سار سلار وبيبرس الجاشنكير إلى جهة الشام تلاقوا في الطريق مع الأمير سيف الدين قبجق والأمير يكتمر السلاح دار والألبكي وهم قاصدون السلطان فعتب الأمراء قبجق ورفقته عتبًا هينًا على عبور قازان إلى البلاد الشامية فاعتذروا أن ذلك كان خوفًا من الملك المنصور لاجين وحنقًا من مملوكه منكوتمر وأنهم لما بلغهم قتل الملك المنصور لاجين كانوا قد تكلموا مع قازان في دخول الشام ولا بقي يمكنهم الرجوع عما قالوه ولا سبيل إلى الهروب من عنده فقبلوا عذرهم وبعثوهم إلى الملك الناصر‏.‏


فقدموا عليه بالصالحية وقبلوا الأرض بين يديه فعتبهم أيضًا على ما وقع منهم فذكروا له العذر السابق ذكره فقبله منهم وخلع عليهم وعاد السلطان إلى القاهرة وصحبته خواصه والأمير قبجق ورفقته فطلع القلعة في يوم الخميس رابع عشر شعبان‏.‏
ودخل الأمراء إلى دمشق ومعهم الأمير آقوش الأفرم الصغير نائب الشام وغالب أمراء دمشق وفي العسكر أيضًا الأمير قرا سنقر المنصوري متولي نيابة حماة وحلب ودخل الجميع دمشق بتجمل زائد ودخلوها على دفعات كل أمير بطلبه على حدة وسر الناس بهم غاية السرور وعلموا أن في عسكر الإسلام القوة والمنعة ولله الحمد‏.‏
وكان آخر من دخل إلى الشام الأمير سلار نائب السلطنة وغالب الأمراء في خدمته حتى الملك العادل زين الدين كتبغا المنصوري نائب صرخد ونزل جميع الجيش بالمرج‏.‏


وخلع على الأمير أرجواش المنصوري نائب قلعة دمشق باستمراره على عادته وشكروا له الأمراء ما فعله من حفظ القلعة ودخلوا الأمراء إلى دمشق وقلعة دمشق مغلقة وعليها الستائر والطوارف فكلموه الأمراء في ترك ذلك‏.‏
فلما كان يوم السبت مستهل شهر رمضان أزال أرجواش الطوارف والستائر من على القلعة فأقام العسكر بدمشق أيامًا حتى أصلحوا أمرها ثم عاد الأمير سلار إلى نحو الديار المصرية بجميع أمراء مصر وعساكره في يوم السبت ثامن شهر رمضان وتفرق باقي الجيش كل واحد إلى محل ولايته ودخل سلار إلى مصر بمن معه في ثالث شوال بعد أن آحتفل الناس لملاقاتهم وخرج أمراء مصر إلى بلبيس وخلع السلطان على جميع من قدم من الأمراء رفقة سلار وكانت خلعة سلار أعظم من الجميع‏.‏


ودام السلطان بقية سنته بالديار المصرية‏.‏
فلما آستهلت سنة سبعمائة كثرت الأراجيف بالشام ومصر بحركة قازان وكان قازان قد تسمى محمودًا وصار يقال له السلطان محمود غازان‏.‏
ثم وصلت في أول المحرم من سنة سبعمائة الأخبار والقصاد من الشرق وأخبروا أن قازان قد جمع جموعًا كثيرة وقد ناس في جميع بلاده الغزاة إلى مصر وأنه قاصد الشام فجفل أهل الشام من دمشق وتفرقوا في السواحل وقصدوا الحصون وتشتت غالب أهل الشام إلى البلاد من الفرات إلى غزة فعند ذلك تجهز الملك الناصر وجهز عساكره وتهيأ وخرج بجميع عساكره وأمرائه من القاهرة إلى مسجد التبن في يوم السبت ثالث عشر صفر وسافر حتى قارب دمشق أقام بمنزلته إلى سلخ شهر ربيع الآخر وتوجه هو وعساكره عائدين إلى جهة الديار المصرية بعد أن لاقوا شدة ومشقة عظيمة من كثرة الأمطار والثلوج والأوحال وعدم المأكول بحيث إنه انقطعت الطريق من البرد والمطر وعدم جلب المأكول لهم ولدوابهم حتى إنهم لم يقدروا على الوصول إلى دمشق وكان طلوع السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى قلعه الجبل يوم الاثنين حادي عشر جمادى الأولى‏.‏















صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 13-01-2012, 10:14 PM   رقم المشاركة:492
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 55
المشاركات: 8,866
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون (الثانية) على مصر(2)


سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون (الثانية) على مصر(2)






وقبل عودة السلطان إلى مصر كان جهز السلطان الأمير بكتمر السلاح دار والأمير بهاء الدين يعقوبا إلى دمشق أمامه فدخلوا دمشق‏.‏
ثم أشيع بدمشق عود السلطان إلى القاهرة فجفل غالب أهل دمشق منها ونائب الشام لم يمنعهم بل يحسن لهم ذلك‏.‏
وقيل إن والي دمشق بقي يجفل الناس بنفسه وصار يمر بالأسواق ويقول‏:‏ في أي شيء أنتم قعود‏!‏ ولما كان يوم السبت تاسع جمادى الأولى نادت المناداة بدمشق‏:‏ من قعد فدمه في رقبته ومن لم يقدر على السفر فليطلع إلى القلعة فسافر في ذلك اليوم معظم الناس‏.‏
وأما قازان فإنه وصل إلى حلب ووصل عساكره إلى قرون حماة وإلى بلاد سرمين وسير معظم جيشه إلى بلاد أنطاكية وغيرها فنهبوا من الدواب والأغنام والأبقار ما جاوز حد الكثرة وسبوا عالمًا كثيرًا من الرجال والنساء والصبيان‏.‏


ثم أرسل الله تعالى على غازان وعساكره الأمطار والثلوج بحيث إنه أمطر عليهم واحدًا وأربعين يومًا وقت مطر ووقت ثلج فهلك منهم عالم كثير ورجع غازان بعساكره إلى بلادهم أقبح من المكسورين وقد تلفت خيولهم وهلك أكثرها وعجزهم الله تعالى وخذلهم وردهم خائبين عما كانوا عزموا عليه‏.‏
‏"‏ ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا وكفى الله المؤمنين القتال ‏"‏‏.‏
ووصل الخبر برجوعهم في جمادى الآخرة وقد خلت دمشق وجميع بلاد الشام من سكانها‏.‏


ثم في شهر رجب من السنة وصل إلى القاهرة وزير ملك الغرب بسبب الحج واجتمع بالسلطان وبالأمير سلار نائب السلطنة وبالأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير فقابلوه بالإكرام وأنعموا عليه واحترموه فلما كان في بعض الأيام جلس الوزير المغربي المذكور بباب القلعة عند بيبرس الجاشنكير وسلار فحضر بعض كتاب النصارى فقام إليه المغربي يتوهم أنه مسلم ثم ظهر له أنه نصراني فقامت قيامته وقام من وقته ودخل إلى السلطان بحضرة الأمير سلار وبيبرس مدبري مملكة الناصر محمد وتحدث معهم في أمر النصارى واليهود وأنهم عندهم في بلادهم في غاية الذل والهوان وأنهم لا يمكنونهم من ركوب الخيل ولا من آستخدامهم في الجهات السلطانية والديوانية وأنكر على نصارى ديار مصر ويهودها كونهم يلبسون أفخر الثياب ويركبون البغال والخيل وأنهم يستخدمونهم في أجل الجهات ويحكمونهم في رقاب المسلمين ثم إنه ذكر أن عهد ذمتهم قد انقضى من الهجرة النبوية وذكر كلامًا كثيرًا من هذا النوع فأثر كلامه عند القلوب النيرة من أهل الدولة وحصل له قبول من الخاص والعام بسبب هذا الكلام وقام بنصرته الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير وجماعة كثيرة من الأمراء وافقوه على ذلك ورأوا أن في هذا الأمر مصلحة كبيرة لإظهار شعائر الإسلام‏.‏


فلما كان شهر رجب جمعوا النصارى واليهود ورسموا لهم ألا يستخدموا في الجهات السلطانية ولا عند الأمراء وأن يغيروا عمائمهم فيلبس النصارى عمائم زرقًا وزنانيرهم مشدودة في أوساطهم وأن اليهود يلبسون عمائم صفرًا فسعوا الملتان عند جميع أمراء الدولة وأعيانها وساعدهم أعيان القبط وبذلوا الأموال الكثيرة الخارجة عن الحد للسلطان والأمراء على أن يعفوا من ذلك فلم يقبل منهم شيئًا‏.‏
وشدد عليهم الأمير بيبرس الجاشنكير الأستادار - رحمه الله - غاية التشديد فإنه هو الذي كان القائم في هذا الأمر عفا الله تعالى عنه وأسكنه الجنة بما فعله فإنه رفع الإسلام بهذه الفعلة وخفض أهل الملتين بعد أن وعد بأموال جمة فلم يفعل‏.‏
قلت‏:‏ رحم الله ذلك الزمان وأهله ما كان أعلى هممهم وأشبع نفوسهم‏!‏ وما أحسن قول المتنبي‏:‏ # أتى الزمان بنوه في شبيبته** فسرهم وأتيناه على الهرم


ثم رسم السلطان الملك الناصر محمد بغلق الكنائس بمصر والقاهرة فضرب على كل باب منها دفوف ومسامير وأصبح يوم الثاني والعشرين من شهر رجب المبارك من سنة سبعمائة وقد لبسوا اليهود عمائم صفرًا والنصارى عمائم زرقًا وإذا ركب أحد منهم بهيمة يكف إحدى رجليه وبطلوا من الخدم السلطانية وكذلك من عند الأمراء وأسلم لذلك جماعة كثيرة من النصارى منهم‏:‏ أمين الملك أعبد الله بن الغنام مستوفي الصحبة وغيره‏.‏
ثم رسم السلطان أن يكتب بذلك في جميع بلاده من دنقلة إلى الفرات‏.‏
فأما أهل الإسكندرية لما وصل إليهم المرسوم سارعوا إلى خراب كنيستين عندهم وذكروا أنهما مستجدتان في عهد الإسلام ثم داروا إلى دورهم فما وجدوه أعلى على من جاورها من دور المسلمين هدموه وكل من كان جاور مسلمًا في حانوت أنزلوا مصطبة حانوته بحيث يكون المسلم أرفع منه وفعلوا أشياء كثيرة من هذا وأقاموا شعار الإسلام كما ينبغي على العادة القديمة ووقع ذلك بسائر الأقطار لا سيما أهل دمشق فإنهم أيضًا أمعنوا في ذلك‏.‏


وعملت الشعراء في هذا المعنى عدة مقاطيع شعر ومما قاله الشيخ شمس الدين الطيبي‏:‏ تعجبوا للنصارى واليهود معًا والسامريين لما عمموا الخرقا كأنما بات بالأصباغ منسهلًا نسر السماء فأضحى فوقهم ذرقا ومما قاله الشيخ علاء الدين كاتب أبن وداعة المعروف بالوداعي في المعنى وأجاد‏:‏ لقد ألزموا الكفار شاشات ذلة تزيدهم من لعنة الله تشويشا فقلت لهم ما ألبسوكم عمائمًا ولكنهم قد ألبسوكم براطيشا وفيها في تاسع ذي القعدة وصل إلى القاهرة من حلب الأمير أنس يخبر بحركة التتار وأن التتار قد أرسلوا أمامهم رسلًا وأن رسلهم قد قاربت الفرات ثم وصلت الرسل المذكورة بعد ذلك بمدة إلى الديار المصرية في ليلة الاثنين خامس عشر ذي الحجة وأعيان القصاد ثلاثة نفر‏:‏ قاضي الموصل وخطيبها كمال الدين بن بهاء الدين بن كمال الدين بن يونس الشافعي وآخر عجمي وآخر تركي‏.‏


ولما كان عصر يوم الثلاثاء جمعوا الأمراء والمقدمين إلى القلعة وعملت الخدمة ولبسوا المماليك أفخر الثياب والملابس وبعد العشاء الأخيرة أوقدوا الشموع نحوًا من ألف شمعة ثم أظهروا زينة عظيمة بالقصر ثم أحضروا الرسل وحضر القاضي بجملتهم وعلى رأسه طرحة فقام وخطب خطبة بليغة وجيزة وذكر آيات كثيرة في معنى الصلح وآتفاق الكلمة ورغب فيه ثم إنه دعا للسلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون ومن بعده للسلطان محمود غازان ودعا للمسلمين والأمراء وأدى الرسالة‏.‏
ومضمونها‏:‏ إنما قصدهم الصلح ودفعوا إليهم كتابًا مختومًا من السلطان غازان فأخذ منهم الكتاب ولم يقرؤوه تلك الليلة وأعيد الرسل إلى مكانهم‏.‏
فلما كان ليلة الخميس فتح الكتاب وقرىء على السلطان وهو مكتوب بالمغلي وكتم الأمر‏.‏


فلما كان يوم الخميس ثامن عشر ذي الحجة حضر جميع الأمراء والمقدمين وأكثر العسكر وأخرج إليهم الكتاب وقريء عليهم وهو مكتوب بخط غليظ في نصف قطع البغدادي ومضمونه‏:‏ ‏"‏ بسم الله الرحمن الرحيم وننهي بعد السلام إليه أن الله عز وجل جعلنا وإياكم أهل ملة واحدة وشرفنا بدين الإسلام وأيدنا وندبنا لإقامة مناره وسددنا وكان بيننا وبينكم ما كان بقضاء الله وقدره وما كان ذلك إلا بما كسبت أيديكم وما الله بظلام للعبيد‏.‏


وسبب ذلك أن بعض عساكركم أغاروا على ماردين وبلادها في شهر رمضان المعظم قدره الذي لم تزل الأمم يعظمونه في سائر الأقطار وفيه تغل الشياطين وتغلق أبواب النيران فطرقوا البلاد على حين غفلة من أهلها وقتلوا وسبوا وفسقوا وهتكوا محارم الله بسرعة من غير مهلة وأكلوا الحرام وارتكبوا الآثام وفعلوا ما لم تفعله عباد الأصنام فأتونا أهل ماردين صارخين مسارعين ملهوفين مستغيثين بالأطفال والحريم وقد آستولى عليهم الشقاء بعد النعيم فلاذوا بجنابنا وتعلقوا بأسبابنا ووقفوا موقف المستجير الخائف ببابنا فهزتنا نخوة الكرام وحركتنا حمية الإسلام فركبنا على الفور بمن كان معنا ولم يسعنا بعد هذا المقام ودخلنا البلاد وقدمنا النية وعاهدنا الله تعالى على ما يرضيه عند بلوغ الأمنية وعلمنا أن الله تعالى لا يرضى لعباده الكفر بأن يسعوا في الأرض فسادًا والله لا يحب الفساد وأنه يغضب لهتك الحريم وسبي الأولاد فما كان إلا أن لقيناكم بنية صادقة وقلوب على الحمية للدين موافقة فمزقناكم كل ممزق والذي ساقنا إليكم هو الذي نصرنا عليكم وما كان مثلكم إلا كمثل قرية كانت آمنة مطمئنة - الآية - فوليتم الأدبار واعتصمتم من سيوفنا بالفرار فعفونا عنكم بعد آقتدار ورفعنا عنكم حكم السيف البتار وتقدمنا إلى جيوشنا ألا يسعوا في الأرض كما سعيتم وأن ينشروا من العفو والعفاف ما طويتم ولو قدرتم ما عفوتم ولا عففتم ولم نقلدكم منة بذلك بل حكم الإسلام في قتال البغاة كذلك وكان جميع ما جرى في سالف القدم ومن قبل كونه جرى به في اللوح القلم ثم لما رأينا الرعية تضرروا بمقامنا في الشام لمشاركتنا لهم في الشراب والطعام وما حصل في قلوب الرعية من الرعب عند معاينة جيوشنا التي هي كمطبقات السحب فأردنا أن نسكن تخوفهم بعودتنا من أرضهم بالنصر والتأييد والعلو والمزيد فتركنا عندهم بعض جيوشنا بحيث تتونس بهم وتعود في أمرها إليهم ويحرسونهم من تعدي بعضهم على بعض بحيث إنكم ضاقت بكم الأرض إلى أن يستقر جأشكم وتبصروا رشدكم وتسيروا إلى الشام من يحفظه من أعدائكم المتقدمين وأكرادكم المتمردين وتقدمنا إلى مقدمي طوامين جيوشنا أنهم متى سمعوا بقدوم أحد منكم إلى الشام أن يعودوا إلينا بسلام فعادوا إلينا بالنصر المبين والحمد لله رب العالمين‏.‏


والآن فإنا وإياكم لم نزل على كلمة الإسلام مجتمعين وما بيننا ما يفرق كلمتنا إلا ما كان من فعلكم بأهل ماردين وقد أخذنا منكم القصاص وهو جزاء كل عاص فنرجع الآن في إصلاح الرعايا ونجتهد نحن وإياكم على العدل في سائر القضايا فقد آنضرت بيننا وبينكم حال البلاد وسكانها ومنعها الخوف من القرار في أوطانها وتعذر سفر التجار وتوقف حال المعايش لانقطاع البضائع والأسفار ونحن نعلم أننا نسأل عن ذلك ونحاسب عليه وأن الله عز وجل لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وأن جميع ما كان وما يكون في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها‏.‏
وأنت تعلم أيها الملك الجليل أنني وأنت مطالبون بالحقير والجليل وأننا مسؤولون عما جناه أقل من وليناه وأن مصيرنا إلى الله وإنا معتقدون الإسلام قولًا وعملًا ونية عاملون بفروضه في كل وصية‏.‏


وقد حملنا قاضي القضاة علامة الوقت حجة الإسلام بقية السلف كمال الدين موسى بن محمد أبا عبد الله أعزه الله تعالى مشافهة يعيدها على سمع الملك والعمدة عليها فإذا عاد من الملك الجواب فليسير لنا هدية الديار المصرية لنعلم بإرسالها أن قد حصل منكم في إجابتنا للصلح صدق النية ونهدي إليكم من بلادنا ما يليق أن نهديه إليكم والسلام الطيب منا عليكم‏.‏
إن شاء الله تعالى‏.‏
فلما سمع الملك الناصر الكتاب استشار الأمراء في ذلك وبعد أيام طلبوا قاضي الموصل أعني الرسول المقدم ذكره من عند قازان وقالوا له‏:‏ أنت من أكابر العلماء وخيار المسلمين وتعلم ما يجب عليك من حقوق الإسلام والنصيحة للدين فنحن ما نتقاتل إلا لقيام الدين فإن كان هذا الأمر قد فعلوه حيلة ودهاء فنحن نحلف لك أن ما يطلع على هذا القول أحد من خلق الله تعالى ورغبوه غاية الرغبة فحلف لهم بما يعتقده أنه ما يعلم من قازان وخواصه غير الصلح وحقن الدماء ورواج التجار ومجيئهم وإصلاح الرعية‏.‏


ثم إنه قال لهم‏:‏ والمصلحة أنكم تتفقون وتبقون على ما أنتم عليه من الاهتمام بعدوكم وأنتم فلكم عادة في كل سنة تخرجون إلى أطراف بلادكم لأجل حفظها فتخرجون على عادتكم فإن كان هذا الأمر خديعة فيظهر لكم فتكونون مستيقظين وإن كان الأمر صحيحًا فتكونون قريبين منهم فينتظم الصلح وتحقن الدماء فيما بينكم‏.‏
فلما سمعوا كلامه رأوه ما فيه غرض وهو مصلحة فشرعوا ليعينوا من يروح في الرسالة فعينوا جماعة منهم الأمير شمس الدين محمد بن التيتي والخطيب شمس الدين الجوزي خطيب جامع آبن طولون فتشفع آبن الجوزي حتى تركوه وعينوا القاضي عماد الدين بن السكري خطيب جامع الحاكم وهو ناظر دار العدل بالديار المصرية وشخصًا أمير آخور من البرجية‏.‏


ثم إن السلطان أخذ في تجهير أمرهم إلى ما يأتي ذكره‏.‏
ثم استقر السلطان في سنة إحدى وسبعمائة بالأمير عز الدين أيبك البغدادي المنصوري أحد الأمراء البرجية في الوزارة عوضًا عن شمس الدين سنقر الأعسر وجلس في قلعة الجبل بخلعة الوزارة وطلع إليه جميع أرباب الدولة وأعيان الناس‏.‏
وأيبك هذا هو الرابع من الوزراء الأمراء الأتراك بالديار المصرية الذين كان تضرب على أبوابهم الطبلخاناه على قاعدة الوزراء بالعراق زمن الخلفاء فأولهم الأمير علم الدين سنجر الشجاعي المنصوري ثم ولي بعده الأمير بدر الدين بيدرا ولما ولي بيدرا نيابة السلطنة أعيد الشجاعي وبعده آبن السلعوس وليس هما من العدد ثم الخليلي وليس هو من العدد ثم بعد الخليلي ولي الأمير سنقر الأعسر الوزر وهو الثالث‏.‏
ثم بعده أيبك هذا وهو الرابع‏.‏
وكان الوزير يوم ذاك في رتبة النيابة بالديار المصرية ونيابة السلطنة كانت يوم ذاك دون السلطنة‏.‏


وفي يوم الأحد تاسع عشر المحرم من سنة إحدى وسبعمائة رسم السلطان لجميع الأمراء والمقدمين بمصر والقاهرة أن يخرجوا صحبة السلطان إلى الصيد نحو العباسة وأن يستصحبوا معهم عليق عشرة أيام وسافر السلطان بأكثر العسكر والجميع بعدتهم في بكرة يوم الاثنين في العشرين من المحرم‏.‏
ونزل إلى بركة الحجاج وتبعه جميع الأمراء والمقدمين والعساكر وبعد سفره سيروا طلبوا القضاة الأربعة فتوجهوا إليه وآجتمعوا بالسلطان في بركة الحجاج وعادوا إلى القاهرة ثم شرعوا في تجهيز رسل قازان وتقدم دهليز السلطان إلى الصالحية ودخل السلطان والأمراء إلى البرية بسبب الصيد‏.‏


يوم الاثنين عشية النهار وصل السلطان والأمراء إلى الصالحية
فخلع على جميع الأمراء والمقدمين وكان عدة ما خلع أربعمائة وعشرين خلعة وكان الرسل قد سفروهم من القاهرة وأنزلوهم بالصالحية حتى إنهم يجتمعون بالسلطان عند حضوره من الصيد‏.‏
فلما حضر الأمراء قدام السلطان بالخلع السنية وتلك الهيئة الجميلة الحسنة أذهل عقول الرسل مما رأوا من حسن زي عسكر الديار المصرية بخلاف زي التتار وأحضروا الرسل في الليل إلى الدهليز إلى بين يدي السلطان وقد أوقدوا شموعًا كثيرة ومشاعل عديدة وفوانيس وأشياء كثيرة من ذلك تتجاوز عن الحد بحيث إن البرية بقيت حمراء تتلهب نورًا ونارًا فتحدثوا معهم ساعة ثم أعطوهم جواب الكتاب وخلعوا عليهم خلع السفر وأعطوا لكل واحد من الرسل عشرة آلاف درهم وقماشًا وغير ذلك‏.‏


ونسخة الكتاب المسير إليهم صورته‏:‏ ‏"‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏:‏ علمنا ما أشار الملك إليه وعول في قوله وفعله عليه فأما قول الملك‏:‏ قد جمعتنا وإياكم كلمة الإسلام‏!‏ وإنه لم يطرق بلادنا ولا قصدها إلا لما سبق به القضاء المحتوم فهذا الأمر غير مجهول بل هو عندنا معلوم وأن السبب في ذلك غارة بعض جيوشنا على ماردين وأنهم قتلوا وسبوا وهتكوا الحريم وفعلوا فعل من لا له دين فالملك يعلم أن غارتنا ما برحت في بلادكم مستمرة من عهد آبائكم وأجدادكم وأن من فعل ما فعل من الفساد لم يكن برأينا ولا من أمرائنا ولا الأجناد بل من الأطراف الطامعة ممن لا يؤبه إليه ولا يعول في فعل ولا قول عليه وأن معظم جيشنا كان في تلك الغارة إذا لم يجدوا ما يشترونه للقوت صاموا لئلا يأكلوا ما فيه شبهة أو حرام وأنهم أكثر ليلهم سجد ونهارهم صيام‏.‏


وأما قول الملك ابن الملك الذي هو من أعظم القان فيقول قولًا يقع عليه الرد من قريب ويزعم أن جميع ما هو عليه من علمنا ساعة واحدة يغيب ولو يعلم أنه لو تقلب في مضجعه من جانب إلى جانب أو خرج من منزله راجلًا أو راكبًا كان عندنا علم من ذلك في الوقت القريب أو يتحقق أن أقرب بطائنه إليه هو العين لنا عليه وإن كثر ذلك لديه‏.‏
ونحن تحققنا أن الملك بقي عامين يجمع الجموع وينتصر بالتابع والمتبوع وحشد وجمع من كل بلد وآعتضد بالنصارى والكرج والأرمن واستنجد بكل من ركب فرسًا من فصيح وألكن وطلب من المسومات خيولًا وركاب وكثر سوادًا وعدد أطلاب ثم إنه لما رأى أنه ليس له بجيشنا قبل في المجال عاد إلى قول الزور والمحال والخديعة والاحتيال وتظاهر بدين الإسلام وآشتهر به في الخاص والعام والباطن بخلاف ذلك حتى ظن جيوشنا وأبطالنا أن الأمر كذلك فلما التقينا معه كان معظم جيشنا يمتنع من قتاله ويبعد عن نزاله ويقول‏:‏ لا يجوز لنا قتال المسلمين ولا يحل قتل من يتظاهر بهذا الدين‏!‏ فلهذا حصل منهم الفشل وبتأخرهم عن قتالكم حصل ما حصل وأنت تعلم أن الدائرة كانت عليك‏.‏


وليس يرى من أصحابك إلا من هو نادم أو باكي أو فاقد عزيز عنده أو شاكي والحرب سجال يوم لك ويوم عليك وليس ذلك مما تعاب به الجيوش ولا تقهر وهذا بقضاء الله وقدره المقدر‏.‏
وأما قول الملك إنه لما آلتقى بجيشنا مزقهم كل ممزق فمثل هذا القول ما كان يليق بالملك أن يقوله أو يتكلم به وهو يعلم وإن كان ما رأى بل يسأل كبراء دولته وأمراء عساكره عن وقائع جيوشنا ومراتع سيوفنا من رقاب آبائه وأجداده وهي إلى الآن تقطر من دمائهم وإن كنت نصرت مرة فقد كسرت آباؤك مرارًا وإن كان جيشك قد داس أرضنا مرة فبلادكم لغارتنا مقام ولجيوشنا قرار وكما تدين تدان‏.‏


وأما قول الملك‏:‏ إنه ومن معه آعتقدوا الإسلام قولًا وفعلًا وعملًا ونية فهذا الذي فعلته ما فعله من هو متوجه إلى هذه البنية أعني الكعبة المضية فإن الذي جرى بظاهر دمشق وجبل الصالحية ليس بخفي عنك ولا مكتوم وليس هذا هو فعل المسلمين ولا من هو متمسك بهذا الدين فأين وكيف وما الحجة‏!‏ وحرم البيت المقدس تشرب فيه الخمور وتهتك الستور وتفتض البكور ويقتل فيه المجاورون ويستأسر خطباؤه أو المؤذنون ثم على رأس خليل الرحمن تعلق الصلبان وتهتك النسوان ويدخل فيه الكافر سكران فإن كان هذا عن علمك ورضاك فواخيبتك في دنياك وأخراك ويا ويلك في مبدئك ومعادك وعن قليل يؤذن بخراب عمرك وبلادك وهلاك جيشك وأجنادك وإن كنت لم تعلم بذلك فقد أعلمناك فاستدرك ما فات فليس مطلوبًا به سواك وإن كنت كما زعمت أنك على دين الإسلام وأنت في قولك صادق في الكلام وفي عقدك صحيح النظام فآقتل الطوامين الذين فعلوا هذه الفعال وأوقع بهم أعظم النكال لنعلم أنك على بيضاء المحجة وكان فعلك وقولك أبلغ حجة ولما وصلت جيوشنا إلى القاهرة المحروسة وتحققوا أنكم تظاهرتم بكلمة الإخلاص وخدعتم باليمين والإيمان وانتصرتم على قتالهم بعبدة الصلبان آجتمعوا وتأهبوا وخرجوا بعزمات محمدية وقلوب بدرية وهمم علية عند الله مرضية وجدوا السير في البلاد ليتشفوا منكم غليل الصدور والأكباد فما وسع جيشكم إلا الفرار وما كان لهم على اللقاء صبر ولا قرار فآندفعت عساكرنا المنصورة مثل أمواج البحر الزخار إلى الشام يقصدون دخول بلادكم ليظفروا بنيل المرام فخشينا على رعيتكم تهلك وأنتم تهربون ولا تجدون إلى النجاة مسلك فأمرناهم بالمقام ولزوم الأهبة والاهتمام ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا‏.‏


وأما ما تحمله قاضي القضاة من المشافهة فإنا سمعناه ووعيناه وتحققنا تضمنته مشافهة ونحن نعلم علمه ونسكه ودينه وفضله المشهور وزهده في دار الغرور ولكن قاضي القضاة غريب عنكم بعيد منكم لم يطلع على بواطن قضاياكم وأموركم ولا يكاد يظهر له خفي مستوركم فإن كنتم تريدون الصلح والإصلاح وبواطنكم كظواهركم متتابعة في الصلاح وأنت أيها الملك طالب الصلح على التحقيق وليس في قولك مين ولا يشوبه تنميق نقلدك سيف البغي ومن سل سيف البغي قتل به ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله فيرسل إلينا من خواص دولتك رجل يكون منكم ممن إذا قطع بأمر وقفتم عنده أو فصل حكمًا انتهيتم إليه أو جزم أمرًا عولتم عليه يكون له في أول دولتكم حكم وتمكين وهو فيما يعول عليه ثقة أمين لنتكلم معه فيما فيه الصلاح لذات البين وإن لم يكن كذلك عاد بخفي حنين‏.‏

وأما ما طلبه الملك من الهدية من الديار المصرية فليس نبخل عليه ومقداره عندنا أجل مقدار وجميع ما يهدى إليه دون قدره وإنما الواجب أن يهدي أولًا من آستهدى لتقابل هديته بأضعافها ونتحقق صدق نيته وإخلاص سريرته ونفعل ما يكون فيه رضا الله عز وجل ورضا رسوله في الدنيا والآخرة لعل صفقتنا رابحة في معادنا غير خاسرة‏.‏
والله تعالى الموفق للصواب ‏"‏‏.‏


ثم سافر القصاد المذكورون وعاد السلطان من الصيد في ثالث صفر إلى بركة الحجاج وآلتقى أمير الحاج وهو الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار أمير جاندار وصحبته ركب الحاج والمحمل السلطاني فنزل عنده السلطان وخلع عليه ثم ركب وتوجه حتى صعد قلعة الجبل عصر النهار ودخل عقيب دخوله المحمل والحجاج وشكر الحاج من حسن سيرة بكتمر المذكور مع سرعة مجيئه بخلاف العادة فإن العادة كانت يوم ذاك دخول المحمل في سابع صفر وقبل ذلك وبعد ذلك‏.‏
وعمل بكتمر في هذه السفرة من الخيرات والبر والخلع على أمراء الحجاز وغيرهم شيئًا كثيرًا قيل‏:‏ إن جملة ما أنفقه في هذه السفرة خمسة وثمانون ألف دينار مصرية تقبل الله تعالى منه‏.‏
ثم في صفر هذا وصل الخبر إلى السلطان بأن قازان على عزم الركوب وقصد الشام وأن مقدم عساكره الأمير بولاي قد قارب الفرات وأن الذي أرسله من الرسل خديعة‏.‏


فعند ذلك شرع السلطان في تجهيز العساكر وتهيأ للخروج إلى البلاد الشامية ثم في أثناء ذلك ورد على السلطان قاصد الأمير كتبغا المنصوري نائب صرخد - وكتبغا هذا هو الملك العادل المخلوع بالملك المنصور لاجين المقدم ذكرهما - وأخبر أنه وقع بين حماة وحمص وحصن الأكراد برد وفيه شيء على صورة بني آدم من الذكور والإناث وصور قرود وغير ذلك فتعجب السلطان
ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى سنة إحدى وسبعمائة في وقت السحر
توفي الخليفة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد بن علي الهاشمي العباسي بمسكنه بالكبش ظاهر القاهرة ومصر المطل على بركة الفيل وخطب له في ذلك اليوم بجوامع القاهرة ومصر فإنهم أخفوا موته إلى بعد صلاة الجمعة فلما آنقضت الصلاة سير الأمير سلار نائب السلطنة خلف جماعة الصوفية ومشايخ الزوايا والربط والقضاة والعلماء والأعيان من الأمراء وغيرهم للصلاة عليه وتولى غسله وتكفينه الشيخ كريم الدين عبد الكريم الأبلي شيخ الشيوخ بخانقاه سعيد السعداء ورئيس المغسلين بين يديه وهو عمر بن عبد العزيز الطوخي وحمل من الكبش إلى جامع أحمد بن طولون ونزل نائب السلطنة الأمير سلار والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير الأستادار وجميع الأمراء من القلعة إلى الكبش وحضروا تغسيله ومشوا أمام جنازته إلى الجامع المذكور وتقدم للصلاة عليه الشيخ كريم الدين المذكور وحمل إلى تربته بجوار السيدة نفيسة ودفن بها بعد أن أوصى بولاية العهد إلى ولده أبي الربيع سليمان وتقدير عمره فوق العشرين سنة‏.‏


وكان السلطان طلبه في أول نهار الجمعة قبل الإشاعة بموت والده وأشهد عليه أنه ولى الملك الناصر محمد بن قلاوون جميع ما ولاه والده وفوضه إليه ثم عاد إلى الكبش‏.‏
فلما فرغت الصلاة على الخليفة رد ولده المذكور وأولاد أخيه من جامع آبن طولون إلى دورهم ونزل من القلعة خمسة خدام من خدام السلطان وقعدوا على باب الكبش صفة الترسيم عليهم وسير السلطان يستشير قاضي القضاة تقي الدين ابن دقيق العيد الشافعي في أمر سليمان المذكور‏:‏ هل يصلح للخلافة أم لا فقال‏:‏ نعم يصلح وأثنى عليه‏.‏
وبقي الأمر موقوفًا إلى يوم يوم الخميس رابع عشرين جمادى الأولى المذكور‏.‏
فلما كان بكرة النهار المذكور طلب سليمان إلى القلعة فطلع هو وأولاد أخيه بسبب المبايعة فأمضى السلطان ما عهد إليه والده المذكور بعد فصول وأمور يطول شرحها بينه وبين أولاد أخيه وجلس السلطان وخلع على أبي الربيع سليمان هذا خلعة الخلافة ونعت بالمستكفي وهي جبة سوداء وطرحة سوداء وخلع على أولاد أخيه خلع الأمراء الأكابر خلعًا ملونة‏.‏















صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 13-01-2012, 10:14 PM   رقم المشاركة:493
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 55
المشاركات: 8,866
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون (الثانية) على مصر(3)


سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون (الثانية) على مصر(3)






وبعد ذلك بايعه السلطان والأمراء والقضاة والمقدمون وأعيان الدولة ومدوا السماط على العادة ثم رسم له السلطان بنزوله إلى الكبش وأجرى راتبه الذي كان مقررًا لوالده وزيادة ونزلوا إلى الكبش وأقاموا به إلى يوم الخميس مستهل جمادى الآخرة إذ حضر من عند السلطان المهمندار ومعه جماعة وصحبتهم جمال كثيرة فنقلوا الخليفة وأولاد أخيه ونساءهم وجميع من يلوذ بهم إلى قلعة الجبل وأنزلوهم بالقلعة في دارين‏:‏ الواحدة تسمى بالصالحية والأخرى بالظاهرية وأجروا عليهم الرواتب المقررة لهم وكان في يوم الجمعة ثاني يوم المبايعة خطب بمصر والقاهرة للمستكفي هذا ورسم بضرب آسمه على سكة الدينار والدرهم‏.‏


وكان السلطان قبل ذلك أمر بخروج تجريدة إلى الوجه القبلي لكثرة فساد العربان وتعدى شرهم في قطع الطريق إلى أن فرضوا على التجار وأرباب المعايش بأسيوط ومنفلوط فرائض جبوها شبه الجالية واستخفوا بالولاة ومنعوا الخراج وتسموا بأسماء الأمراء وجعلوا لهم كبيرين‏:‏ أحدهما سموه سلار والآخر بيبرس ولبسوا الأسلحة وأخرجوا أهل السجون بأيديهم فأحضر السلطان الأمراء والقضاة وآستفتوهم في قتالهم فأفتوهم بجواز ذلك فآتفق الأمراء على الخروج لقتالهم وأخذت الطرق عليهم لئلا يمتنعوا بالجبال والمنافذ فيفوت الغرض فيهم واستدعوا الأمير ناصر الدين ناصر الدين محمد بن الشيخي متولي الجيزة وندبوه لمنع الناس بأسرهم من السفر إلى الصعيد في البر والبحر ومن ظهر أنه سافر كانت أرواح الولاة قبالة ذلك وما ملك وأشاع الأمراء أنهم يريدون السفر إلى الشام وتجهزوا وكتبت أوراق الأمراء المسافرين وهم عشرون مقدمًا بمضافيهم وعينوا أربعة أقسام‏:‏ قسم يتوجه في البر الغربي وقسم يتوجه في البر الشرقي وقسم يركب النيل وقسم يمضي في الطريق السالكة‏.‏


وتوجه الأمير شمس الدين سنقر الأعسر وكان قد قدم من الشام إلى الواح في خمسة أمراء وقرروا أن يتأخر مع السلطان أربعة أمراء من المقدمين ورسم إلى كل من تعين من الأمراء لجهة أن يضع السيف في الكبير والصغير والجليل والحقير ولا يبقوا شيخًا ولا صبيًا ويحتاطوا على سائر الأموال‏.‏
وسار الأمير سلار نائب السلطنة في رابع جمادى الآخرة ومعه جماعة من الأمراء في البر الغربي وسار الأمير بيبرس الجاشنكير بمن معه من الحاجر في البر الغربي أيضًا من طريق الواحات وسار الأمير بكتاش أمير سلاح بمن معه في البر الشرقي وسار الأمير قتال السبع وبيبرس الدوادار وبلبان الغلمشي وغيره من الشرقية إلى السويس والطور وسار الأمير قبجق المنصوري نائب الشام بمن كان معه إلى عقبة السيل وسار طقصبا والي قوص بعرب الطاعة وأخذ عليهم المفازات وقد عميت أخبار الديار المصرية على أهل الصعيد لمنع المسافرين إليها فطرقوا الأمراء البلاد على حين غفلة من أهلها ووضعوا السيف من الجيزة بالبر الغربي والإطفيحية من الشرقي فلم يتركوا أحدًا إلا قتلوه ووسطوا نحو عشرة آلاف رجل وما منهم إلا من أخذوا ماله وسبوا حريمه فكان إذا ادعى أحد منهم أنه حضري قيل له‏:‏ قل ‏"‏ دقيق ‏"‏ فإن قال‏:‏ دقيق - بالكاف لغات العرب - قتل وإن قال‏:‏ بالقاف المعهودة أطلق‏.‏


ووقع الرعب في قلوب العربان حتى طبق عليهم الأمراء وأخذوهم من كل جهة فروا إليها وأخرجوهم من مخابئهم حتى قتلوا من بجانبي النيل إلى قوص وجافت الأرض بالقتلى واختفى كثير منهم بمغاور الجبال فأوقدت عليهم النيران حتى هلكوا بأجمعهم وأسر منهم نحو ألف وستمائة لهم فلاحات وزروع وحصل من أموالهم شيء عظيم جدًا تفرقته الأيدي وأحضر منه إلى الديوان السلطاني ستة عشرة ألف رأس من الغنم وذلك من جملة ثمانين ألف رأس ما بين ضأن وماعز ومن السلاح نحو مائتين وستين حملًا من السيوف والسلاح والرماح ومن الأموال على بغال محملة مائتين وثمانين بغلًا ونحو أربعة آلاف فرس واثنين وثلاثين ألف جمل وثمانية آلاف رأس من البقر غير ما أرصد في المعاصر وصار لكثرة ما حصل للأجناد والغلمان والفقراء الذين آتبعوا العسكر يباع الكبش السمين من ثلاثة دراهم إلى درهم والمعز بدرهم الرأس والجزة الصوف بنصف درهم والكساء بخمسة دراهم والرطل السمن بربع درهم ولم يوجد من يشتري الغلال لكثرتها فإن البلاد طرقت وأهلها آمنون وقد كسروا الخراج سنتين‏.‏


ثم عاد العسكر في سادس عشر شهر رجب من سنة إحدى وسبعمائة وقد خلت بلاد الصعيد من أهلها بحيث صار الرجل يمشي فلا يجد في طريقه أحدًا وينزل القرية فلا يرى إلا النساء والصبيان ثم أفرج السلطان عن المأسورين وأعادهم إلى بلادهم لحفظ وعند عود الأمراء المذكورين من بلاد الصعيد ورد الخبر من حلب أن تكفور متملك سيس منع الحمل وخرج عن الطاعة وانتمى لغازان فرسم بخروج العساكر لمحاربته وخرج الأمير بدر الدين بكتاش الفخري أمير سلاح والأمير عز الدين أيبك الخازندار بمضافيهما من الأمراء وغيرهم في شهر رمضان فساروا إلى حماة فتوجه معهم نائبها الملك العادل زين الدين كتبغا المنصوري في خامس عشرين شوال‏.‏
وتوجهوا إلى بلاد سيس وأحرقوا الزروع وآنتهبوا ما قدروا عليه وحاصروا مدينة سيس وغنموا من سفح قلعتها شيئًا كثيرًا من جفال الأرمن وعادوا من الدربند إلى مرج أنطاكية‏.‏
ثم قدموا في تاسع عشر ذي القعدة‏.‏


ثم ورد الخبر على السلطان من طرابلس بأن الفرنج أنشأوا جزيرة تجاه طرابلس تعرف بجزيرة أرواد وعمروها بالعدد والآلات وكثر فيها جمعهم وصاروا يركبون البحر ويأخذون المراكب‏.‏
فرسم السلطان للوزير بعمارة أربعة شوان حربية في محرم سنة اثنتين وسبعمائة ففعل ذلك ونجزت عمارة الشواني وجهزت بالمقاتلة وآلات الحرب مع الأمير جمال الدين آقوش القارىء العلائي وإلى البهنسا واجتمع الناس لمشاهدة لعب الشواني في يوم السبت ثاني عشر المحرم ونزل السلطان والأمراء لمشاهدة ذلك وآجتمع من العالم ما لا يحصيه إلا الله تعالى حتى بلغ كراء المركب التي تحمل عشرة أنفس إلى مائة درهم وآمتلأ البر من بولاق إلى الصناعة حتى لم يوجد موضع قدم ووقف العسكر على بر بستان الخشاب وركب الأمراء الحراريق إلى الروضة وبرزت الشواني تجاه المقياس تلعب كأنها في الحرب فلعب الشيني الأول والثاني والثالث وأعجب الناس إعجابًا زائدًا لكثرة ما كان فيها من المقاتلة والنفوط وآلات الحرب وتقدم الرابع وفيه الأمير آقوش فما هو إلا أنه خرج من الصناعة بمصر وتوسط في النيل إذا بالريح حركته فمال به ميلة واحدة آنقلب وصار أعلاه أسفله فصرخ الناس صرخة واحدة كادت تسقط منها الحبالى وتكدر ما كانوا فيه من الصفو فتلاحق الناس بالشيني وأخرجوا ما سقط منه في الماء فلم يعدم منه سوى الأمير آقوش وسلم الجميع فتكدر السلطان والأمراء بسببه وعاد السلطان بأمرائه إلى القلعة وآنفض الجمع‏.‏


وبعد ثلاثة أيام أخرج الشيني فإذا امرأة الريس وابنها وهي ترضعه في قيد الحياة فاشتد عجب الناس من سلامتها طول هذه الأيام‏!‏ قاله المقريزي وغيره والعهدة عليهم في هذا النقل‏.‏
ثم شرع العمل في إعادة الشيني الذي غرق حتى نجز وندب السلطان الأمير سيف الدين كهرداش الزراق المنصوري إلى السفر فيه عوضًا عن آقوش الذي غرق رحمه الله تعالى وتوجه الجميع إلى طرابلس ثم إلى جزيرة أرواد المذكورة وهي بالقرب من أنطرطوس فأخربوها وسبوا وغنموا وكان الأسرى منها مائتين وثمانين نفرًا وقدم الخبر بذلك إلى السلطان فسر وسر الناس قاطبة ودقت البشائر لذلك أيامًا وآتفق في ذلك اليوم أيضًا حضور الأمير ثم بعد ذلك بأيام ورد الخبر من حلب بأن قازان على عزم الحركة إلى الشام فوقع الاتفاق على خروج العساكر من الديار المصرية إلى الشام وعين من الأمراء الأمير بيبرس الجاشنكير وطغريل الإيغاني وكراي المنصوري وحسام الدين لاجين أستادار بمضافيهم وثلاثة آلاف من الأجناد وساروا من مصر في ثامن عشر شهر رجب وتواترت الأخبار بنزول قازان على الفرات ووصل عسكره إلى الرحبة وبعث أمامه قطلوشاه من أصحابه على عساكر عظيمة إلى الشام تبلغ ثمانين ألفًا وكتب إلى الأمير عز الدين أيبك الأفرم نائب الشام يرغبه في طاعته‏.‏


ودخل الأمير بيبرس الجاشنكير بمن معه إلى دمشق في نصف شعبان ولبث يستحث السلطان على الخروج‏.‏
وأقبل الناس من حلب وحماة إلى دمشق جافلين من التتار فاستعد أهل دمشق للفرار ولم يبق إلا خروجهم فنودي بدمشق‏:‏ من خرج منها حل ماله وعمه‏.‏
وخرج الأمير بهادر آص والأمير قطلوبك المنصوري وأنس الجمدار في عسكر إلى حماة ولحق بهم عساكر طرابلس وحمص فاجتمعوا على حماة عند نائبها الملك العادل كتبغا المنصوري وبلغ التتار ذلك فبعثوا طائفة كثيرة إلى القريتين فأوقعوا بالتركمان فتوجه إليهم أسندمر كرجي نائب طرابلس وبهادر آص وكجكن وغرلوا العادلي وتمر الساقي وأنص الجمدار ومحمد بن قرا سنقر في ألف وخمسمائة فارس فطرقوهم بمنزلة عرض في حادي عشر شعبان‏.‏
على غفلة فافترقوا عليهما أربع فرق وقاتلوهم قتالًا شديدًا من نصف النهار إلى العصر حتى كسروهم وأفنوهم - وكانوا التتار فيما يقال أربعة آلاف - وآستنقذوا التركمان وحريمهم وأولادهم من أيدي التتار وهم نحو ستة آلاف أسير ولم يفقد من العسكر الإسلامي إلا الأمير أنص الجمدار المنصوري ومحمد بن باشقرد الناصري وستة وخمسون من الأجناد وعاد من آنهزم من التتار إلى قطلوشاه وأسر العسكر المصري مائة وثمانين من التتار وكتب إلى السلطان بذلك ودقت البشائر بدمشق‏.‏


وكان السلطان الملك الناصر محمد قد خرج بعساكره وأمرائه من الديار المصرية إلى جهة البلاد الشامية في ثالث شعبان وخرج بعده الخليفة المستكفي بالله واستناب السلطان بديار مصر الأمير عز الدين أيبك البغدادي‏.‏
وجد قطلوشاه مقدم التتار بالعساكر في المسير حتى نزل قرون حماة في ثالث عشر شعبان فآندفعت العساكر المصرية التي كانت بحماة بين يديه إلى دمشق وركب نائب حماة الأمير كتبغا الذي كان تسلطن وتلقب بالملك العادل في محفة لضعفه واجتمع الجميع بدمشق وآختلف رأيهم في الخروج إلى لقاء العدو أو آنتظار قدوم السلطان ثم خشوا من مفاجأة العدو فنادوا بالرحيل وركبوا في أول شهر رمضان من دمشق فاضطربت دمشق بأهلها وأخذوا في الرحيل منها على وجوههم واشتروا الحمار بستمائة درهم والجمل بألف درهم وترك كثير منهم حريمه وأولاده ونجا بنفسه إلى القلعة فلم يأت الليل إلا وبوادر التتار في سائر نواحي المدينة‏.‏


وسار العسكر مخفًا وبات الناس بدمشق في الجامع يضجون بالدعاء إلى الله تعالى فلما أصبحوا رحل التتار عن دمشق بعد أن نزلوا بالغوطة‏.‏
وبلغ الأمراء قدوم السلطان فتوجهوا إليه من مرج راهط فلقوه على عقبة الشحورا في يوم السبت ثاني عشر رمضان وقبلوا له الأرض‏.‏
ثم ورد عند لقائهم به الخبر بوصول التتار في خمسين ألفًا مع قطلوشاه نائب غازان فلبس العسكر بأجمعه السلاح واتفقوا على قتال التتار بشقحب تحت جبل غباغب وكان قطلوشاه قد وقف على أعلى النهر فصفت العساكر الإسلامية‏:‏ فوقف السلطان في القلب وبجانبه الخليفة والأمير سلار النائب والأمير بيبرس الجاشنكير وعز الدين أيبك الخازندار وبكتمر الجوكندار وآقوش الأفرم نائب الشام والأمير برلغي والأمير أيبك الحموي وبكتمر الأبو بكري وقطلوبك ونوغاي السلاح دار ومبارز الدين أمير شكار ويعقوبا الشهرزوري ومبارز الدين أوليا بن قرمان ووقف في الجناح الأيمن الأمير قبجق بعساكر حماة والعربان وجماعة كثيرة من الأمراء ووقف في الميسرة الأمير بدر الدين بكتاش الفخري أمير سلاح والأمير قرا سنقر نائب حلب بعساكرها والأمير بتخاص نائب صفد بعساكرها والأمير طغريل الإيغاني وبكتمر السلاح دار وبيبرس الدوادار بمضافيهم‏.‏


ومشى السلطان على التتار والخليفة بجانبه ومعهما القراء يتلون القرآن ويحثون على الجهاد ويشوقون إلى الجنة وصار الخليفة يقول‏:‏ ‏"‏ يا مجاهدون لا تنظروا لسلطانكم‏.‏
قاتلوا عن دين نبيكم صلى الله عليه وسلم وعن حريمكم‏!‏ ‏"‏ والناس في بكاء شديد ومنهم من سقط عن فرسه إلى الأرض‏!‏ وتواصى بيبرس وسلار على الثبات في الجهاد‏.‏
وكل ذلك والسلطان والخليفة يكر في العساكر يمينًا وشمالًا‏.‏
ثم عاد السلطان والخليفة إلى مواقفهما ووقف خلفه الغلمان والأحمال والعساكر صفًا واحدًا وقال لهم‏:‏ من خرج من الأجناد عن المصاف فاقتلوه ولكم سلبه‏.‏


فلما تم الترتيب زحفت كراديس التتار كقطع الليل وكان ذلك وقت الظهر من يوم السبت ثاني رمضان المذكور‏.‏
وأقبل قطلوشاه بمن معه من الطوامين وحملوا على الميمنة فثبتت لهم الميمنة وقاتلوهم أشد قتال حتى قتل من أعيان الميمنة الأمير حسام الدين لاجين الأستادار وأوليا بن قرمان والأمير سنقر الكافوري والأمير أيدمر الشمسي القشاش والأمير آقوش الشمسي الحاجب وحسام الدين علي بن باخل ونحو الألف فارس كل ذلك وهم في مقابلة العدو والقتال عمال بينهم‏.‏
فلما وقع ذلك أدركتهم الأمراء من القلب ومن الميسرة وصاح سلار‏:‏ ‏"‏ هلك والله أهل الإسلام‏!‏ ‏"‏ وصرخ في بيبرس الجاشنكير وفي البرجية فأتوه دفعة واحدة فأخذهم وصدم بهم العدو وقصد مقدم التتار قطلوشاه وتقدم عن الميمنة حتى أخذت الميمنة راحة وأبلى سلار في ذلك اليوم هو وبيبرس الجاشنكير بلاء حسنًا وسلموا نفوسهم إلى الموت‏.‏


فلما رأى باقي الأمراء منهم ذلك ألقوا نفوسهم إلى الموت واقتحموا القتال وكانت لسلار والجاشنكير في ذلك اليوم اليد البيضاء على المسلمين - رحمهما الله تعالى - واستمروا في القتال إلى أن كشفوا التتار عن المسلمين‏.‏
وكان جوبان وقرمجي وهما من طوامين التتار قد ساقا تقوية لبولاي وهو خلف المسلمين فلما عاينوا الكسرة على قطلو شاه أتوه نجدة ووقفوا في وجه سلار وبيبرس فخرج من عسكر السلطان أسندمر والأمير قطلوبك والأمير قبجق والمماليك السلطانية وأردفوا سلار وبيبرس وقاتلوا أشد قتال حتى أزاحوهم عن مواقفهم فمالت التتار على الأمير برلغي في موقفه فتوجهوا الجماعة المذكورون إلى برلغي واستمر القتال بينهم‏.‏
وأما سلار فإنه قصد قطلوشاه مقدم التتار وصدمه بمن معه وتقاتلا وثبت كل منهما‏.‏
وكانت الميمنة لما قتل الأمراء منها آنهزم من كان معهم ومرت التتار خلفهم فجفل الناس وظنوا أنها كسرة وأقبل السواد الأعظم على الخزائن السلطانية فكسروها ونهبوا ما فيها من الأموال وجفل النساء والأطفال وكانوا قد خرجوا من دمشق عند خروج الأمراء منها وكشف النساء عن وجوههن وأسبلن الشعور‏.‏


وضج ذلك الجمع العظيم بالدعاء وقد كادت العقول أن تطيش وتذهب عند مشاهدة الهزيمة‏!‏ وآستمر القتال بين التتار والمسلمين إلى أن وقف كل من الطائفتين ومال قطلوشاه بمن معه إلى جبل قريب منه وصعد عليه وفي نفسه أنه انتصر وأن بولاي في أثر المنهزمين من المسلمين فلما صعد الجبل رأى السهل والوعر كله عساكر والميسرة السلطانية ثابتة وأعلامها تخفق فبهت قطلوشاه وتحير وآستمر بموضعه حتى كمل معه جمعه وأتاه من كان خلف المنهزمين من الميمنة السلطانية ومعهم عدة من المسلمين قد أسروهم منهم‏:‏ الأمير عز الدين أيدمر نقيب المماليك السلطانية فأحضره قطلوشاه وسأله‏:‏ ‏"‏ من أين أنت ‏"‏ فقال‏:‏ ‏"‏ من أمراء مصر ‏"‏ وأخبره بقدوم السلطان وكان قطلوشاه ليس له علم بقدوم السلطان بعساكر مصر إلا ذلك الوقت فعند ذلك جمع قطلوشاه أصحابه وشاورهم فيما يفعل وإذا بكوسات السلطان والبوقات قد زحفت وأزعجت الأرض وأرجفت القلوب بحسها فلم يثبت بولاي وخرج من تجاه قطلوشاه في نحو العشرين ألفًا من التتار ونزل من الجبل بعد المغرب ومر هاربًا‏.‏


وبات السلطان وسائر عساكره على ظهور الخيل والطبول تضرب وتلاحق بهم من كان آنهزم شيئًا بعد شيء وهم يقصدون ضرب الطبول السلطانية والكوسات وأحاط عسكر السلطان بالجبل الذي بات عليه التتار وصار بيبرس وسلار وقبجق والأمراء والأكابر في طول الليل دائرين على الأمراء والأجناد يوصونهم ويرتبونهم ويؤكدون عليهم في التيقظ ووقف كل أمير في مصافه مع أصحابه والحمل والأثقال قد وقف على بعد وثبتوا على ذلك حتى آرتفعت الشمس‏.‏
وشرع قطلوشاه في ترتيب من معه ونزلوا مشاة وفرسانًا وقاتلوا العساكر‏.‏


فبرزت المماليك السلطانية بمقدميها إلى قطلوشاه وجوبان وعملوا في قتالهم عملًا عظيمًا فصاروا تارة يرمونهم بالسهام وتارة يواجهونهم بالرماح واشتغل الأمراء أيضًا بقتال من في جهتهم وصاروا يتناوبون في القتال أميرًا بعد أمير‏.‏
وألحت المماليك السلطانية في القتال وأظهروا في ذلك اليوم من الشجاعة والفروسية ما لا يوصف حتى إن بعضهم قتل تحته الثلاثة من الخيل‏.‏
وما زال الأمراء على ذلك حشى انتصف نهار الأحد صعد قطلوشاه الجبل وقد قتل من عسكره نحو ثمانين رجلًا وجرح الكثير واشتد عطشهم‏.‏
واتفق أن بعض من كان أسره التتار هرب ونزل إلى السلطان وعرفه أن التتار قد أجمعوا على النزول في السحر لمصادمة العساكر السلطانية وأنهم في شدة من العطش فاقتضى الرأي أن يفرج لهم عند نزولهم ويركب الجيش أقفيتهم‏.‏


فلما باتوا على ذلك وأصبحوا نهار الاثنين ركب التتار في الرابعة من النهار ونزلوا من الجبل فلم يتعرض لهم أحد وساروا إلى النهر فاقتحموه فعند ذلك ركبهم بلاء الله من المسلمين وأيدهم الله تعالى بنصره حتى حصدوا رؤوس التتار عن أبدانهم ووضعوا فيهم السيف ومروا في أثرهم قتلًا وأسرًا إلى وقت العصر‏.‏
وعادوا إلى السلطان وعرفوه بهذا النصر العظيم فكتبت البشائر في البطائق وسرحت الطيور بهذا النصر العظيم إلى غزة‏.‏
وكتب إلى غزة بمنع المنهزمين من عساكر السلطان من الدخول إلى مصر وتتبع من نهب الخزائن السلطانية والاحتفاظ بمن يمسك منهم وعين السلطان الأمير بدر الدين بكتوت الفتاح للمسير بالبشارة إلى مصر ثم كتب بهذا الفتح العظيم إلى سائر الأقطار‏.‏


ثم ركب السلطان في يوم الاثنين من مكان الواقعة وبات ليلته بالكسوة وأصبح يوم الثلاثاء وقد خرج إليه أهل دمشق فسار إليها ومعه الخليفة في عالم عظيم من الفرسان والأعيان والعامة والنساء والصبيان لا يحصيهم إلا الله تعالى وهم يضجون بالدعاء والهناء والشكر لله سبحانه وتعالى على هذه المنة‏!‏ وتساقطت عبرات الناس فرحًا ودقت البشائر بسائر الممالك وكان هذا اليوم يومًا لم يشاهد مثله‏.‏
وسار السلطان حتى نزل بالقصر الأبلق وقد زينت المدينة‏.‏
وآستمرت الأمراء وبقيت العساكر في طلب التتار إلى القريتين وقد كلت خيول التتار وضعفت نفوسهم وألقوا أسلحتهم وآستسلموا للقتل والعساكر تقتلهم بغير مدافعة حتى إن أراذل العامة والغلمان قتلوا منهم خلقًا كثيرًا وغنموا عذ غنائم وقتل الواحد من العسكر العشرين من التتار فما فوقها ثم أدركت عربان البلاد التتار وأخذوا في كيدهم‏:‏ فيجيء منهم الاثنان والثلاثة إلى العدة الكثير من التتار كأنهم يهدونهم إلى طريق قريبة مفازة فيوصلونهم إلى البرية ويتركونهم بها فيموتوا عطشًا ومنهم من دار بهم وأوصلوهم إلى غوطة دمشق فخرجت إليهم عامة دمشق فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا‏.‏


ثم تتبعت الحكام النهبة وعاقبوا منهم جماعة كثيرة حتى تحصل أكثر ما نهب من الخزائن ولم يفقد منه إلا القليل‏.‏
ثم خلع السلطان على الأمراء جميعهم ثم حضر الأمير برلغي وقد كان آنهزم فلم يأذن له السلطان في الدخول عليه وقال‏:‏ بأي وجه تدخل علي أو تنظر في وجهي‏!‏ فما زال به الأمراء حتى رضي عنه‏.‏
ثم قبض على رجل من أمراء حلب كان قد انتمى إلى التتار وصار يدلهم على الطرقات فسمر على جمل وشهر بدمشق وضواحيها‏.‏
وآستمر الناس في شهر رمضان كله في مسرات تتجدد ثم صلى السلطان صلاة عيد الفطر وخرج في ثالث شوال من دمشق يريد الديار المصرية‏.‏
وأما التتار فإنه لما قتل أكثرهم ودخل قطلوشاه الفرات في قليل من أصحابه‏.‏
ووصل خبر كسرته إلى همذان ووقعت الصرخات في بلادهم وخرج أهل تبريز وغيرها إلى لقائهم واستعلام خبر من فقد منهم حتى علموا ذلك فقامت النياحة في مدينة تبريز شهرين على القتلى‏.‏


ثم بلغ الخبر غازان فاغتم غمًا عظيمًا وخرج من منخريه دم كثير حتى أشفى على الموت وآحتجب عن حواشيه فإنه لم يصل إليه من عساكره من كل عشرة واحد ممن كان آنتخبهم من خيار جيشه‏.‏
ثم بعد ذلك بمدة جلس غازان وأوقف قطلوشاه مقدم عساكره وجوبان وسوتاي ومن كان معهم من الأمراء وأنكر على قطلوشاه وأمر بقتله فما زالوا به حتى عفا عنه وأبعده من قدامه حتى صار على مسافة بعيدة بحيث يراه وقام إليه وقد مسكه الحجاب سائر من حضر - وهم خلق كثير جدًا - وصار كل منهم يبصق في وجهه حتى بصق الجميع‏!‏ ثم أبعده عنه إلى كيلان ثم ضرب بولاي عدة عصي وأهانه‏.‏
وفي الجملة فإنه حصل على غازان بهذه الكسرة من القهر والهم ما لا مزيد عليه ولله الحمد‏.‏


وسار السلطان الملك الناصر بعساكره وأمرائه حتى وصل إلى القاهرة ودخلها في يوم ثالث عشرين شوال حسب ما يأتي ذكره‏.‏
وكان نائب الغيبة رسم بزينة القاهرة من باب النصر إلى باب السلسلة من القلعة وكتب بإحضار سائر مغاني العرب بأعمال الديار المصرية كلها‏.‏
وتفاخر الناس في الزينة ونصبوا القلاع واقتسمت أستادارية الأمراء شوارع القاهرة إلى القلعة وزينوا ما يخص كل واحد منهم وعملوا به قلعة بحيث نودي‏:‏ من آستعمل صانعًا في غير صنعة القلاع كانت عليه جناية للسلطان‏.‏
وتحسن سعر الخشب والقصب وآلات النجارة وتفاخروا في تزيين القلاع المذكورة وأقبل أهل الريف إلى القاهرة للفرجة على قدوم السلطان وعلى الزينة فإن الناس كانوا أخرجوا الحلي والجواهر واللآلىء وأنواع الحرير فزينوا بها‏.‏


ولم ينسلخ شهر رمضان حتى تهيأ أمر القلاع وعمل ناصر الدين محمد بن الشيخي والي القاهرة قلعة بباب النصر فيها سائر أنواع الخد والهزل ونصب عدة أحواض ملأها بالسكر والليمون وأوقف مماليكه بشربات حتى يسقوا العسكر‏.‏
قلت‏:‏ لو فعل هذا في زماننا والي القاهرة لكان حصل عليه الإنكار بسبب إضاعة المال وقيل له‏:‏ لم لا حملت إلينا ما صرفته فإنه كان أنفع وخيرًا من هذا الفشار وإنما كانت نفوس أولئك غنية وهممهم علية وما كان جل قصدهم إلا إظهار النعمة والتفاخر في الحشم والأسمطة والإنعامات حتى يشاع عنهم ذلك ويذكر إلى الأبد فرحم الله تلك الأيام وأهلها‏!‏‏.‏


وقدم السلطان إلى القاهرة في يوم الثلاثاء ثالث عشرين شوال وقد خرج الناس إلى لقائه وللفرجة عليه وبلغ كراء البيت الذي يمر عليه السلطان من خمسين درهمًا إلى مائة درهم‏.‏
فلما وصل السلطان إلى باب النصر ترجل الأمراء كلهم وأول من ترجل منهم الأمير بدر الدين بكتاش الفخري أمير سلاح وأخذ يحمل سلاح السلطان فأمره السلطان أن يركب لكبر سنه ويحمل السلاح خلفه فامتنع ومشى‏.‏
وحمل الأمير مبارز الدين سوار الرومي أمير شكار القبة والطير على رأس السلطان وحمل الأمير بكتمر أمير جاندار العصا والأمير سنجر الجمقدار الدبوس ومشى كل أمير في منزلته وفرش كل منهم الشقق من قلعته إلى قلعة غيره التي أنشأوها بالشوارع‏.‏


وكان السلطان إذا تجاوز قلعة فرشت القلعة المجاورة لها الشقق حتى يمشي عليها بفرسه مشيًا هينًا من غير هرج بسكون ووقار لأجل مشي الأمراء بين يديه‏.‏
وكان السلطان كلما رأى قلعة أمير أمسك عن المشي ووقف حتى يعاينها ويعرف ما آشتملت عليه هو والأمراء حتى يجبر خاطر فاعلها بذلك‏.‏
هذا والأمراء من التتار بين يديه مقيدون ورؤوس من قتل منهم معلقة في رقابهم وألف رأس على ألف رمح وعدة الأسرى ألف وستمائة وفي أعناقهم أيضًا ألف وستمائة رأس وطبولهم قدامهم مخرقة‏.‏


وكانت القلاع التي نصبت أولها قلعة الأمير ناصر الدين ابن الشيخي والي القاهرة بباب النصر ويليها قلعة الأمير علاء الدين مغلطاي أمير مجلس ويليها قلعة آبن أيتمش السعدي ثم يليها قلعة الأمير سنجر الجاولي وبعده قلعة الأمير طغريل الإيغاني ثم قلعة بهادر اليوسفي ثم قلعة سودي ثم قلعة بيليك الخطيري ثم قلعة برلغي ثم قلعة مبارز الدين أمير شكار ثم قلعة أيبك الخازندار ثم قلعة سنقر الأعسر ثم قلعة بيبرس الدوادار ثم قلعة سنقر الكاملي ثم قلعة موسى ابن الملك الصالح ثم قلعة الأمير آل ملك ثم قلعة علم الدين الصوابي ثم قلعة الأمير جمال الدين الطشلاقي ثم قلعة الأمير سيف الدين آدم ثم قلعة الأمير سلار النائب ثم قلعة الأمير بيبرس الجاشنكير ثم قلعة بكتاش أمير سلاح ثم قلعة الطواشي مرشد الخازندار - وكانت قلعته على باب المدرسة المنصورية - ثم بعده قلعة بكتمر أمير جاندار ثم قلعة أيبك البغدادي نائب الغيبة ثم قلعة آبن أمير سلاح ثم قلعة بكتوت الفتاح ثم قلعة تباكر الطغريلي ثم قلعة قلي السلاح دار ثم قلعة لاجين زيرباج الجاشنكير ثم قلعة طيبرس الخازنداري نقيب الجيش ثم قلعة بلبان طرنا ثم قلعة سنقر العلائي ثم قلعة بهاء الدين يعقوبا ثم قلعة الأبوبكري ثم قلعة بهادر العزي ثم قلعة كوكاي ثم قلعة قرا لاجين ثم قلعة كراي المنصوري ثم قلعة جمال الدين آقوش قتال السبع وقلعته كانت على باب زويلة وكان عدتها سبعين قلعة‏.‏


وعندما وصل السلطان إلى باب الب
يمارستان المنصوري ببين القصرين نزل ودخل وزار قبر والده الملك المنصور قلاوون وقرأ القراء أمامه ثم ركب إلى باب زويلة ووقف حتى أركب الأمير بدر الدين بكتاش الفخري أمير سلاح‏.‏
ثم سار السلطان على شقق الحرير إلى داخل قلعة الجبل‏.‏
هذا والتهاني في دور السلطان والأمراء وغيرهم قد امتلأت منهم البيوت والشوارع بحيث إن الرجل كان لا يسمع كلام من هو بجانبه إلا بعد جهد وكان يومًا عظيمًا عظم فيه سرور الناس قاطبة لا سيما أهل مصر فإنهم فرحوا بالنصر وأيضًا بسلامة سلطانهم الملك الناصر وأقام الملك الناصر بالديار المصرية إلى سنة ثلاث وسبعمائة فورد عليه الخبر بموت غازان بمدينة الري وقام بعده أخوه خربندا بن أرغون بن أبغا بن هولاكو في ثالث عشر شوال وجلس خربندا على تخت الملك في ثالث عشر ذي الحجة وتلقب غياث الدين محمدًا وكتب إلى السلطان بجلوسه وطلب الصلح وإخماد الفتنة‏.‏


ثم في السنة آستأذن الأمير سلار نائب السلطنة في الحج فأذن له فحج كما حج الأمير بيبرس الجاشنكير في السنة الماضية اثنتين وسبعمائة إلا أن سلار صنع من المعروف في هذه السنة والإحسان إلى أهل مكة والمجاورين وغيرهم وعاد ثم حج الأمير بيبرس الجاشنكير ثانيًا في سنة أربع وسبعمائة‏.‏
وورد الخبر على السلطان الملك الناصر بقدوم رجل من بلاد التتار إلى دمشق يقال له الشيخ براق في تاسع جمادى الأولى ومعه جماعة من الفقراء نحو المائة لهم هيئة عجيبة على رأسهم كلاوت لباد مقصص بعمائم فوقها وفيها قرون من لباد يشبه قرون الجواميس وفيها أجراس ولحاهم محلقة دون شواربهم ولبسهم لبابيد بيض وقد تقلدوا بحبال منظومة بكعاب البقر وكل منهم مكسور الثنية العليا وشيخهم من أبناء الأربعين سنة وفيه إقدام وجرأة وقوة نفس وله صولة ومعه طبلخاناه تدق له نوبة وله محتسب على جماعته يؤدب كل من يترك شيئًا من سنته بضرب عشرين عصا تحت رجليه وهو ومن معه ملازمون التعبد والصلاة وأنه قيل له عن زيه فقال‏:‏ أردت أن أكون مسخرة الفقراء‏.‏


وذكر أن غازان لما بلغه خبره استدعاه وألقى عليه سبعًا ضاريًا فركب على ظهر السبع ومشى به فجل في عين قازان ونثر عليه عشرة آلاف دينار وأنه عندما قدم دمشق كان النائب بالميدان الأخضر فدخل عليه وكان هناك نعامة قد تفاقم ضررها وشرها ولم يقدر أحد على الدنو منها فأمر النائب بإرسالها عليه فتوجهت نحوه فوثب عليها وركبها فطارت به في الميدان قدر خمسين ذراعًا في الهواء حتى دنا من النائب وقال له‏:‏ أطير بها إلى فوق شيئًا آخر فقال له النائب‏:‏ لا وأنعم عليه وهاداه الناس فكتب السلطان بمنعه من القدوم إلى الديار المصرية فسار إلى القدس ثم رجع إلى بلاده‏.‏
وفي فقرائه يقول سراج الدين عمر الوراق من موشحة طويلة أولها‏:‏ جتنا عجم من جوا الروم صور تحير فيها الأفكار لها قرون مثل التيران إبليس يصيح منهم زنهار وقد ترجمنا براق هذا في تاريخنا المنهل الصافي بأوسع من هذا














صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 13-01-2012, 10:15 PM   رقم المشاركة:494
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 55
المشاركات: 8,866
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون (الثانية) على مصر(4)


سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون (الثانية) على مصر(4)







السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون

في سنة سبع وسبعمائة
ضجر من الحجر عليه من تحكم الأميرين سلار وبيبرش الجاشنكير ومنعه من التصرف وضيق يده وشكا ذلك لخاصته وآستدعى الأمير بكتمر الجوكندار وهو أمير جاندار يوم ذاك في خفية وأعلمه بما عزم عليه من القيام على الأميرين سلار وبيبرس فقرر معه بكتمر أن القلعة إذا أغلقت في الليل وحملت مفاتيحها إلى السلطان على العادة لبست مماليك السلطان السلاح وركبت الخيول من الإسطبل وسارت إلى إسطبلات الأمراء ودقت كوسات السلطان بالقلعة دقًا حربيًا ليجتمع المماليك تحت القلعة ممن هو في طاعة السلطان قال بكتمر‏:‏ وأنا أهجم على بيتي سلار وبيبرس بالقلعة أيضًا‏.‏
قلت‏:‏ أعني أن بكتمر كان سكنه بالقلعة فيهجم هو أيضًا على بيتي سلار وبيبرس بالقلعة أيضًا ويأخذهما قبضًا باليد‏.‏



وكان لكل من بيبرس وسلار أعين عند السلطان فبلغوهما ذلك فاحترزا على أنفسهما وأمر الأمير سيف الدين بلبان الدمشقي والي القلعة وكان خصيصًا بهما أن يوهم أنه أغلق باب القلعة ويطرف أقفالها ويعبر بالمفاتيح إلى السلطان على العادة ففعل ذلك‏.‏
وظن السلطان ومماليكه أنهم قد حصلوا على غرضهم وآنتظروا بكتمر الجوكندار أن يحضر إليهم فلم يحضر فبعثوا إليه فإذا هو مع بيبرس وسلار وقد حلف لهما على القيام معهما‏.‏



فلما طلع النهار ظن السلطان أن بكتمر قد غدر به وترقب المكروه من الأمراء وليس الأمر كذلك وما هو إلا أن سلار وبيبرس لما بلغهما الخبر خرجوا إلى دار النيابة بالقلعة وعزم بيبرس أن يهجم على بكتمر ويقتله فمنعه سلار لما كان عنده من التثبت والتؤدة وأشار بالإرسال إليه ويحضره حتى تبطل حركة السلطان فلما أتى بكتمر الرسول تحير في أمره وقصد الامتناع وألبس مماليكه السلاح ومنعهم وخرج إليهم فعنفه سلار ولامه على ما قصد فأنكر وحلف لهم على أنه معهم وأقام عندهم إلى الصباح ودخل مع الأمراء إلى الخدمة عند الأمير سلار النائب ووقف ألزام سلار وبيبرس على خيولهم بباب الإسطبل مترقبين خروج المماليك السلطانية ولم يدخل أحد من الأمراء إلى خدمة السلطان وتشاوروا‏.‏
وقد أشيع في القاهرة أن الأمراء يريدون قتل السلطان الملك وخرج العامة والأجناد إلى تحت القلعة وبقي الأمراء نهارهم مجتمعين وبعثوا بالاحتراس على السلطان خوفًا من نزوله من باب السر وألبسوا عدة مماليك وأوقفوهم مع الأمير سيف الدين سمك أخي سلار على باب الإسطبل‏.‏



فلما كان نصف الليل وقع بداخل الإسطبل حس وحركة من قيام المماليك السلطانية ولبسهم السلاح لينزلوا بالسلطان على حمية من الإسطبل وتوقعوا الحرب فمنعهم السلطان من ذلك وأراد الأمير سمك إقامة الحرمة فرمى بالنشاب ودق الطبل فوقع سهم من النشاب بالرفرف السلطاني وآستمر الحال على ذلك إلى أذان العصر من الغد فبعث السلطان إلى الأمراء يقول‏:‏ ‏"‏ ما سبب هذا الركوب على باب إسطبلي إن كان غرضكم في الملك فما أنا متطلع إليه فخذوه وابعثوني أي موضع أردتم‏!‏ ‏"‏ فردوا إليه الجواب مع الأمير بيبرس الدوادار والأمير عز الدين أيبك الخازندار والأمير برلغي الأشرفي بأن السبب هو من عند السلطان من المماليك الذين يحرضونه على الأمراء فأنكر أن يكون أحد من مماليكه ذكر له شيئًا عن الأمراء وفي عود الجواب من عند السلطان وقعت صيحة بالقلعة سببها أن العامة كان جمعهم قد كثر وكان عادتهم أنهم لا يريدون أن يلي الملك أحذ من المماليك بل إن كان ولا بد يكون الذي يلي الملك من بني قلاوون‏.‏
وكانوا مع ذلك شديدي المحبة للملك الناصر محمد بن قلاوون‏.‏
فلما رأوا العامة أن الملك الناصر قد وقف بالرفرف من القلعة وحواشي بيبرس وسلار قد وقفوا على باب الإسطبل محاصرينه حنقوا من ذلك وصرخوا ثم حملوا يدًا واحدة على الأمراء بباب الإسطبل وهم يقولون‏:‏ ‏"‏ يا ناصر‏!‏ يا منصور‏!‏ ‏"‏ فأراد سمك قتالهم فمنعه من كان معه من الأمراء وخوفه الكسرة من العوام فتقهقروا عن باب الإسطبل السلطاني وسطا عليهم العامة وأفحشوا في حقهم‏.‏



وبلغ ذلك بيبرس وسلار فأركبا الأمير بتخاص المنصوري في عدة مماليك فنزلوا إلى العامة ينحونهم ويضربونهم بالدبابيس ليتفرقوا فآشتد صياحهم‏:‏ يا ناصر‏!‏ يا منصور‏!‏ وتكاثر جمعهم وصاروا يدعون للسلطان ويقولون‏:‏ الله يخون الخائن الله يخون من يخون ابن قلاوون‏!‏ ثم حملت طائفة منهم على بتخاص ورجمته طائفة أخرى فجرد السيف ليضعه فيهم فخشي تكاثرهم عليه فأخذ يلاطفهم وقال لهم‏:‏ طيبوا خاطركم فإن السلطان قد طاب خاطره على أمرائه وما زال يحلف لهم حتى تفرقوا‏.‏
وعاد بتخاص إلى سلار وبيبرس وعرفهم شدة تعصب العامة للسلطان فبعث الأمراء عند ذلك ثانيًا إلى السلطان بأنهم مماليكه وفي طاعته ولا بد من إخراج الشباب الذين يرمون الفتنة بين السلطان والأمراء فامتنع السلطان من ذلك وآشتد فما زال به بيبرس الدوادار وبرلغي حتى أخرج منهم جماعة وهم‏:‏ يلبغا التركماني وأيدمر المرقبي وخاص ترك فهددهم بيبرس وسلار ووبخاهم وقصد سلار أن يقيدهم فلم توافق الأمراء على ذلك رعاية لخاطر السلطان فأخرجوا إلى القدس من وقتهم على البريد‏.‏
ودخل جميع الأمراء على السلطان وقبلوا الأرض ثم قبلوا يده فخلع على الأمير بيبرس وسلار‏.‏
ثم سأل الأمراء السلطان أن يركب في أمرائه إلى الجبل الأحمر حتى تطمئن قلوب العامة عليه ويعلموا أن الفتنة قد خمدت فأجاب لذلك‏.‏
وبات ليلته في قلق زائد وكرب عظيم لإخراج مماليكه المذكورين إلى القدس‏.‏



ثم ركب بالأمراء من الغد إلى قبة النصر تحت الجبل الأحمر وعاد بعد ما قال لبيبرس وسلار‏:‏ إن سبب الفتنة إنما كان من بكتمر الجوكندار وذلك أنه رآه قد ركب بجانب الأمير بيبرس الجاشنكير وحادثه فتذكر غدره به فشق عليه ذلك‏.‏
فتلطفوا به في أمره فقال‏:‏ ‏"‏ والله ما بقيت لي عين تنظر إليه ومتى أقام في مصر لا جلست على كرسي الملك أبدًا ‏"‏ فأخرج من وقته إلى قلعة الصبيبة واستقر عوضه أمير جاندار الأمير بدر الدين بكتوب الفتاح‏.‏
فلما مات سنقرشاه بعد ذلك آستقر بكتمر الجوكندار في نيابة صفد عوضه فنقل إليها من الصبيبة‏.‏
وآجتاز السلطان بخانقاه الأمير بيبرس الجاشنكير داخل باب النصر فرآها في ممره وكان قد نجز العمل منها في هذه الأيام وطلع السلطان إلى القلعة وسكن الحال والأمراء في حصر من جهة العامة من تعصبهم للسلطان والسلطان في حصر بسبب حجر الأمراء عليه وإخراج مماليكه من عنده‏.‏



وآستمر ذلك إلى أن كان العاشر من جمادى الآخرة من سنة ثمان وسبعمائة عدى السلطان الجيزة وأقام حول الأهرام يتصيد عشرين يومًا وعاد وقد ضاق صدره وصار في غاية الحصر من تحكم بيبرس الجاشنكير وسلار عليه وعدم تصرفه في الدولة من كل ما يريد حتى إنه لا يصل إلى ما تشتهي نفسه من المأكل لقلة المرتب له‏!‏ فلولا ما كان يتحصل له من أملاكه وأوقاف أبيه لما وجد سبيلًا لبلوغ بعض أغراضه وطال الأمر عليه سنين فأخذ في عمل مصلحة نفسه وأظهر أنه يريد الحج بعياله وحدث بيبرس وسلار في ذلك يوم النصف من شهر رمضان فوافقاه عليه وأعجب البرجية خشداشية بيبرس سفره لينالوا أغراضهم وشرعوا في تجهيزه وكتب إلى دمشق والكرك وغزة برمي الإقامات وألزم عرب الشرقية بحمل الشعير فتهيأ ذلك‏.‏
وأحضر الأمراء تقادمهم له من الخيل والجمال في العشرين من شهر رمضان فقبلها منهم وشكرهم على ذلك‏.‏
وركب في خامس عشرين شهر رمضان من القلعة يريد السفر إلى الحج ونزل من القلعة ومعه جميع الأمراء وخرج العامة حوله وحاذوا بينه وبين الأمراء وهم يتباكون حوله ويتأسفون على فراقه ويدعون له إلى أن نزل بركة الحجاج‏.‏



وتعين للسفر مع السلطان من الأمراء‏:‏ عز الدين أيدمر الخطيري الأستادار وسيف الدين آل ملك الجوكندار وحسام الدين قرا لاجين أمير مجلس وسيف الدين بلبان أمير جاندار وعز الدين أيبك الرومي السلاح دار وركن الدين بيبرس الأحمدي وعلم الدين سنجر الجمقدار وسيف الدين تقطاي الساقي وشمس الدين سنقر السعدي النقيب ومن المماليك خمسة وسبعون نفرًا‏.‏
وودعه سلار وبيبرس بمن معهم من الأمراء وهم على خيولهم من غير أن يترجلوا له وعاد الأمراء‏.‏
ورحل السلطان من ليلته وخرج إلى جهة الصالحية وتصيد بها ثم سار إلى الكرك ومعه من الخيل مائة وخمسون فرسًا فوصل إلى الكرك في يوم الأحد عاشر شوال بمن معه من الأمراء ومماليكه‏.‏
واحتفل الأمير جمال الدين آقوش الأشرفي نائب الكرك بقدومه وقام له بما يليق به وزين له القلعة والمدينة وفتح له باب السر من قلعة الكرك ومد الجسر على الخندق وكان له مدة سنين لم يمد وقد ساس خشبه لطول مكثه‏.‏



فلما عبرت الدواب عليه وأتى السلطان في آخرهم آنكسر الجسر تحت رجلي فرس السلطان بعدما تعدى يدا الفرس الجسر فكاد فرس السلطان أن يسقط لولا أنهم جبدوا عنان الفرس حتى خرج من الجسر وهو سالم وسقط الأمير بلبان طرنا أمير جاندار وجماعة كثيرة ولم يمت منهم سوى رجل واحد وسقط أكثر خاصكية السلطان في الخندق وسلموا كلهم إلا اثنين وهم‏:‏ الحاج عز الدين أزدمر رأس نوبة الجمدارية آنقطع نخاعه وبطل وعاش كذلك لسنة ست عشرة وسبعمائة والآخر مات لوقته‏.‏
قال ابن كثير في تاريخه‏:‏ ولما توسط السلطان الجسر آنكسر فسلم من كان قدامه وقفز به فرسه فسلم وسقط من كان وراءه وكانوا خمسين فمات أربعة وتهشم أكثرهم في الوادي تحته‏.‏
وقال غيره‏:‏ لما انقطعت سلسلة الجسر وتمزق الخشب صرخ السلطان على فرسه وكان قد نزلت رجله في الخشب فوثب الفرس إلى داخل الباب ووقع كل من كان على الجسر وكانوا أكثر من مائة مملوك فوقعوا في الخندق فمات منهم سبعة وآنهشم منهم خلق كثير وضاق صدر السلطان فقيل له‏:‏ هذه شدة يأتي من بعدها فرج‏.‏



وجلس السلطان بقلعة الكرك ووقف نائبها الأمير آقوش خجلًا وجلًا خائفًا أن يتوهم السلطان أن يكون ذلك مكيدة منه في حقه وكان النائب المذكور قد عمل ضيافة عظيمة للسلطان غرم عليها جملة مستكثرة فلم تقع الموقع لاشتغال السلطان بهمه وبما جرى على مماليكه وخاصكيته‏.‏
ثم إن السلطان سأل الأمير آقوش عن الجسر المذكور فقال‏:‏ ما سبب انقطاعه فقال آقوش بعد أن قبل الأرض‏:‏ أيد الله مولانا السلطان هذا الجسر عتيق وثقل بالرجال فما حمل فقال السلطان‏:‏ صدقت ثم خلع عليه وأمره بالانصراف‏.‏
وعندما آستقر السلطان بقلعة الكرك عرف الأمراء أنه قد انثنى عزمه عن الحج وآختار الإقامة بالكرك وترك السلطنة وخلع نفسه ليستريح خاطره‏.‏
وقال آبن كثير‏:‏ لما جرى على السلطان ما جرى واستقر في قلعة الكرك خلع على النائب وأذن له في التوجه إلى مصر فسافر‏.‏



وقال صاحب النزهة‏:‏ لما بات السلطان تلك الليلة في القلعة وأصبح طلب نائب الكرك وقال له‏:‏ يا جمال الدين سافر إلى مصر وآجتمع بخشداشيتك فباس الأرض وقال‏:‏ السمع والطاعة‏.‏
ثم إنه خرج في تلك الساعة بمماليكه وكل من يلوذ به‏.‏
ثم بعد ثلاثة أيام نادى السلطان بالقلعة والكرك‏:‏ لا يبقى هنا أحد لا كبير ولا صغير حتى يخرج فيجيب ثلاثة أحجار من خارج البلد فخرج كل من بالقلعة والبلد‏.‏
ثم إن السلطان أغلق باب الكرك ورجعت الناس ومعهم الأحجار فرأوا الباب مغلقًا فقيل لهم‏:‏ كل من له أولاد أو حريم يخرج إليه ولا يبقى أحد بالكرك فخرج الناس بمتاعهم وأولادهم وأموالهم وما أمسى المساء وبقي في الكرك أحد من أهلها غيره ومماليكه‏.‏
ثم طلب مملوكه أرغون الدوادار وقال له‏:‏ سر إلى عقبة أيلة وأحضر بيتي وأولادي فسار إليهم أرغون وأقدمهم عليه‏.‏



ووجد الملك الناصر من الأموال بالكرك سبعة وعشرين ألف دينار عينًا وألف ألف درهم وسبعمائة ألف درهم‏.‏
ثم إن السلطان طلب الأمراء الذين قدموا معه وعرفهم أنه اختار الإقامة بالكرك كما كان أولًا وأنه ترك السلطنة فشق عليهم ذلك وبكوا وقبلوا الأرض يتضرعون إليه في ترك هذا الخاطر وكشفوا رؤوسهم فلم يقبل ولا رجع إلى قولهم‏.‏
ثم استدعى القاضي علاء الدين علي بن أحمد بن سعيد بن الأثير كاتب السر وكان قد توجه معه وأمره أن يكتب للأمراء بالسلام عليهم ويعرفهم أنه قد رجع عن الحج وأقام بالكرك ونزل عن السلطنة وسألهم الإنعام عليه بالكرك والشوبك وأعطى الكتب للأمراء وأمرهم بالعودة إلى الديار المصرية وأعطاهم الهجن التي كانت معه برسم الحج وعدتها خمسمائة هجين والجمال والمال الذي قدمه له الأمراء برسم التقدمة قبل خروجه من القاهرة فساروا الجميع إلى القاهرة‏.‏
وأما إخراج السلطان أهل قلعة الكرك منها لأنه قال‏:‏ أنا أعلم كيف باعوا الملك السعيد بركة خان آبن الملك الظاهر بيبرس بالمال لطرنطاي‏!‏ فلا يجاورونني فخرج كل من كان فيها بأموالهم وحريمهم من غير أن يتعرض إليهم أحد البتة‏.‏



وأما النائب آقوش فإنه أخذ حريمه وسافر إلى مصر بعد أن قدم ما كان له من الغلال إلى السلطان وهو شيء كثير فقبله السلطان منه‏.‏
فلما قدم آقوش إلى مصر قال له سلار وبيبرس‏:‏ من أمرك بتمكين السلطان من الطلوع إلى القلعة يعني قلعة الكرك فقال‏:‏ كتابكم وصل إلي يأمرني بأن أنزل إليه وأطلعه إلى القلعة فقال‏:‏ وأين الكتاب فأخرجه فقالا‏:‏ هذا غير الكتاب الذي كتبناه فآطلبوا ألطنبغا فطلبوه فوجدوه قد هرب إلى الكرك عند السلطان فسكتوا عنه‏.‏



وأما الكتاب الذي كتبه الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك إلى بيبرس وسلار مضمونه‏:‏

‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏

حرس الله تعالى نعمة الجنابين العاليين الكبيرين الغازيين المجاهدين وفقهما الله تعالى توفيق العارفين‏!‏ أما بعد فقد طلعت إلى قلعة الكرك وهي من بعض قلاعي وملكي وقد عولت على الإقامة فيها فإن كنتم مماليكي ومماليك أبي فأطيعوا نائبي يعني نائبه سلار ولا تخالفوه في أمر من الأمور ولا تعملوا شيئًا حتى تشاوروني فأنا ما أريد لكم إلا الخير وما طلعت إلى هذا المكان إلا لأنه أروح لي وأقل كلفة وإن كنتم ما تسمعون مني فأنا متوكل على الله والسلام ‏"‏‏.‏



فلما وصل الكتاب إلى الأمراء قرأوه وتشاوروا ساعة ثم قاموا من باب القلعة وذهبوا إلى دار بيبرس وآتفقوا على أن يرسلوا إلى الملك الناصر كتابًا فكتبوه وأرسلوه مع البرواني على البريدة فسار البرواني إلى أن وصل إلى الكرك واجتمع بالملك الناصر وقبل الأرض بين يديه وناوله الكتاب فأعطاه الملك الناصر لأرغون الدوادار فقرأه فتبسم السلطان وقال‏:‏ لا إله إلا الله‏!‏ وكان في الكتاب‏:‏ ‏"‏ ما علمنا ما عولت عليه وطلوعك إلى قلعة الكرك وإخراج أهلها وتشييعك نائبها وهذا أمل بعيد فحل عنك شغل الصبي وقم وآحضر إلينا وإلا بعد ذلك تطلب الحضور ولا يصح لك وتندم ولا ينفعك الندم‏.‏
فيا ليت لو علمنا ما كان‏.‏
وقع في خاطرك وما عولت عليه غير أن لكل ملك آنصرام ولانقضاء الدولة أحكام ولحلول الأقدار سهام ولأجل هذا أمرك غيك بالتطويل وحسن لك زخرف الأقاويل فالله الله حال وقوفك على هذا الكتاب يكون الجواب حضورك بنفسك ومعك مماليكك وإلا تعلم أنا ما نخليك في الكرك ولو كثر شاكروك ويخرج الملك من يدك والسلام ‏"‏‏.‏



فقال الملك الناصر‏:‏ لا إله إلا الله كيف أظهروا ما في صدورهم‏!‏ ثم أمر بإحضار آلة مثل العصائب والسناجق والكوسات وكل ما كان معه من آلة الملك وسلمها إلى البرواني وقال له‏:‏ قل لسلار ‏"‏ ما أخذت لكم شيئًا من بيت المال وهذا الذي أخذته قد سيرته لكم وآنظروا في حالكم فأنا ما بقيت أعمل سلطانًا وأنتم على هذه الصورة‏!‏ فدعوني أنا في هذه القلعة منعزلًا عنكم إلى أن يفرج الله تعالى إما بالموت وإما بغيره ‏"‏‏.‏

فأخذ البرواني الكتاب وجميع ما أعطاه السلطان وسار إلى أن وصل إلى الديار المصرية ودفع الكتاب لسلار وبيبرس فلما قرآ الكتاب قالا‏:‏ ‏"‏ ولو كان هذا الصبي يجيء ما بقي يفلح ولا يصلح للسلطنة وأي وقت عاد إلى السلطنة لا نأمن غدره ‏"‏‏.‏



فلما سمعت الأمراء ذلك اجتمعت على سلطنة الأمير سلار فخاف سلار من ذلك وخشي العاقبة فامتنع فآختار الأمراء ركن الدين بيبرس الجاشنكير وأكثرهم البرجية فإنهم خشداشيته‏.‏
وبويع له بعد أن أثبت كتاب الملك الناصر محمد بن قلاوون على القضاة بالديار المصرية بأنه خلع نفسه وكانت البيعة لبيبرس في الثالث والعشرين من شوال من سنة ثمان وسبعمائة في يوم السبت بعد العصر في دار سلار‏.‏
يأتي ذكر ذلك كله في أول ترجمة بيبرس إن شاء الله تعالى‏.‏

وكانت مدة سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون في هذه المرة (الثانية) عشر سنين وخمسة أشهر وتسعة عشر يومًا‏.‏

وتأتي بقية ترجمته في سلطنته الثالثة بعد أن نذكر سلطنة بيبرس وأيامه كما نذكر أيام الملك الناصر هذا قبل ترجمة بيبرس المذكور على عادة هذا الكتاب إن شاء الله تعالى‏.‏














صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 13-01-2012, 10:15 PM   رقم المشاركة:495
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 55
المشاركات: 8,866
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون (الثانية) على مصر(5)

سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون (الثانية) على مصر(5)




السنة ألأولى


من سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون
(الثانية)
على مصر وهي سنة ثمان وتسعين وستمائة على أن الملك المنصور لاجين كان حكم منها مائة يوم‏.‏
فيها كان قتل الملك المنصور حسام الدين لاجين المذكور ومملوكه منكوتمر حسب ما تقدم‏.‏
وفيها في العشر الأوسط من المحرم ظهر كوكب ذو ذؤابة في السماء ما بين أواخر برج الثور إلى أول برج الجوزاء وكانت ذؤابته إلى ناحية الشمال وكان في العشر الأخير من كانون الثاني وهو شهر طوبة‏.‏


وفيها توفي القاضي نظام الدين أحمد ابن الشيخ الإمام العلامه جمال الدين محمود بن أحمد بن عبد السلام الحصيري الحنفي في يوم الخميس ثامن المحرم ودفن يوم الجمعة بمقابر الصوفية بدمشق عند والده وكان إمامًا عالمًا بارعًا ذكيًا وله ذهن جيد وعبارة طلقة مفيدة ودرس بالنورية وغيرها وأفتى سنين وأقرأ وناب في الحكم بدمشق عن قاضي القضاة حسام الدين الحنفي وحسنت سيرته رحمه الله‏.‏
وفيها توفي الأمير عز الدين أيبك الموصلي نائب طرابلس والفتوحات الطرابلسية في أول صفر مسمومًا‏.‏
وكان من أجل الأمراء وله مواقف مشهورة‏.‏
وفيها توفي قتيلًا الأمير سيف الدين طغجي بن عبد الله الأشرفي‏.‏
أصله من مماليك الملك الأشرف خليل بن قلاوون‏.‏
وقتل أيضًا الأمير سيف الدين كرجي والأمير نوغاي الكرموني السلاح دار وهؤلاء الذين قتلوا السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين ومملوكه منكوتمر ثم قتلوا بعده بثلاثة أيام حسب ما تقدم ذكر ذلك كله في آخر ترجمة الملك المنصور لاجين مفصلًا وقتل معهم تمام آثني عشر نفرًا من الأمراء والخاصكية ممن تألبوا على قتل لاجين‏.‏


وفيها توفي الأمير بدر الدين بدر الصوابي أحد أمراء الألوف بدمشق في ليلة الخميس تاسع جمادى الأولى بقرية الخيارة‏.‏
كان خرج إليها فمرض بها ومات وقيل بل مات فجأة - وهو الأصح - فحمل منها إلى جبل قاسيون ودفن بتربته التي أعدها لنفسه‏.‏
وكان أميرًا مباركًا صالحًا دينًا خيرًا‏.‏
قال عز الدين بن عبد الدائم‏:‏ أقام أمير مائة ومقدم ألف أكثر من أربعين سنة وولي إمرة الحاج بدمشق غير مرة‏.‏
رحمه الله‏.‏
وفيها توفي العلامة حجة العرب الإمام الأستاذ بهاء الدين أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحلبي النحوي المعروف بابن النحاس‏.‏
مات بالقاهرة في يوم الثلاثاء سابع جمادى الأولى وأخرج من الغد ودفن بالقرافة بالقرب من تربة الملك المنصور لاجين ومولده في سنة سبع وعشرين وستمائة بحلب وكان إمامًا عالمًا علامة بارعًا في العربية نادرة عصره في فنون كثيرة‏.‏
وله نظم ونثر‏.‏


قال العلامة أثير الدين أبو حيان‏:‏ حدثنا الشيخ بهاء الدين آبن النحاس قال‏:‏ اجتمعت أنا والشهاب مسعود السنبلي والضياء المناوي فأنشد كل منا له بيتين فكان الذي أنشده السنبلي في مليح مكاري‏:‏ علقته مكاريًا شرد عن عيني الكرى قد أشبه البدر فلا يمل من طول السرى وأنشد المناوي في مليح آسمه جمري‏:‏ أفدي الذي يكبت بدر الدجى لحسنه الباهر من عبده سموه جمريًا وما أنصفوا ما فيه جمري سوى خده وأنشد الشيخ بهاء الدين هذا في مليح مشروط‏:‏ قلت لما شرطوه وجرى لحمه القاني على الوجه اليقق غير بدع ما أتوا في فعلهم هو بدر ستروه بالشفق قلت‏:‏ ونظم الثلاثة نظم متوسط ليس بالطبقة العليا‏.‏


وأحسن من الأول قول من قال‏:‏ أفدي مكاريًا تراه إذا سعى كالبرق ينتهب العيون ويخطف أخذ الكرا مني وأحرمني الكرى بيني وبينك يا مكاري الموقف وأحسن من الأخير قول من قال وهو نجم الدين عبد المجيد بن محمد التنوخي‏:‏ ملك الفؤاد بغير شرط حسنه والشرط أملك غيره في المعنى‏:‏ شرطوه فبكى من ألم فغدا ما بين دمع ودم ناثرًا من ذا ومن ذا لؤلؤًا وعقيقًا ليس بالمنتظم وفيها توفي الصاحب تقي الدين أبو البقاء توبة بن علي بن مهاجر بن شجاع بن توبة التكريتي في ليلة الخميس ثامن جمادى الآخرة ودفن بقاسيون‏.‏
وكان رئيسًا فاضلًا ولي الوزر بدمشق لخمسة سلاطين‏:‏ أولهم المنصور قلاوون ثانيهم آبنه الأشرف خليل ثم لأخيه الناصر محمد ثم للعادل كتبغا ثم للمنصور لاجين‏.‏


وكان مولده سنة عشرين وستمائة‏.‏
وفيها في أول ذي القعدة وقيل في شوال توفي بالقاهرة الأمير الكبير بدر الدين بيسري بن عبد الله الشمسي الصالحي النجمي بالسجن بقلعة الجبل ودفن بتربته بالقاهرة‏.‏
كان أميرًا جليلًا معظمًا في الدول كان الظاهر بيبرس يقول‏:‏ هذا ابن سلطاننا في بلادنا‏!‏ وعرضت عليه السلطنة لما قتل الملك الأشرف خليل ابن قلاوون فامتنع وكانت قد عرضت عليه قبل ذلك بعد الملك السعيد بن الظاهر فلم يقبل وهو آخر من بقي من أكابر مماليك الملك الصالح نجم الدين أيوب وترقى حتى صار أمير مائة ومقدم ألف وعظم في الدول حتى قبض عليه خشداشه المنصور قلاوون وحبسه تسع سنين إلى أن أطلقه آبنه الأشرف خليل وأعاده إلى رتبته فاستمر إلى أن قبض عليه المنصور لاجين وحبسه إلى أن قتل لاجين وأعيد الناصر محمد بن قلاوون فكلموه في إطلاقه فأبى إلا حبسه إلى أن مات في الجب‏.‏


وكانت له دار عظيمة ببين القصرين وقد تغيرت رسومها الآن‏.‏
وكان عالي الهمة كثير الصدقات والمعروف كان عليه في أيام إمرته رواتب لجماعة من مماليكه وحواشيه وخدمه فكان يرتب لبعضهم في اليوم من اللحم سبعين رطلًا وما تحتاج إليه من التوابل وسبعين عليقة ولأقلهم خمسة أرطال وخمس علائق وما بين ذلك وكان ما يحتاج إليه في كل يوم لسماطه ولدوره والمرتب عليه ثلاثة آلاف رطل لحم وثلاثة آلاف عليقة في كل يوم وكانت صدقته على الفقير ما فوق الخمسمائة ولا يعطي أقل من ذلك وكان إنعامه ألف إردب غلة وألف قنطار عسل وألف دينار وأشياء يطول شرحها‏.‏
وفي الجملة أنه كان من أعظم أمراء مصر بلا مدافعة‏.‏
وبيسري‏:‏ آسم مركب من لفظتين‏:‏ تركية وعجمية وصوابه في الكتابة باي سري فباي في اللغة التركية بالتفخيم هو السعيد وسري بالعجمي الرأس فمعنى الاسم سعيد الرأس‏.‏
قلت‏:‏ وكان سعيد الرأس كما قيل وهذا بخلاف مذهب النحاة فإن هذا الاسم عين المسمى‏.‏


وفيها توفي الأستاذ جمال الدين أبو المجد ياقوت بن عبد الله المستعصمي الرومي الطواشي صاحب الخط البديع الذي شاع ذكره شرقًا وغربًا‏.‏
كان خصيصًا عند أستاذه الخليفة المستعصم بالله العباسي آخر خلفاء بني العباس ببغداد‏.‏
رباه وأدبه وتعهده حتى برع في الأدب ونظم ونثر وانتهت إليه الرياسة في الخط المنسوب‏.‏
وقد سمي بهذا الاسم جماعة كثيرة قد ذكر غالبهم في هذا التاريخ منهم كتاب وغير كتاب وهم‏:‏ ياقوت أبو الدر الكاتب مولى أبي المعالي أحمد بن علي بن النجار التاجر الرومي وفاته بدمشق سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة وياقوت الصقلبي الجمالي أبو الحسن مولى الخليفة المسترشد العباسي وفاته سنة ثلاث وستين وخمسمائة وياقوت أبو سعيد مولى أبي عبد الله عيسى بن هبة الله بن النقاش وفاته سنة أربع وسبعين وخمسمائة وياقوت بن عبد الله الموصلي الكاتب أمين الدين المعروف بالملكي نسبة إلى أستاذه السلطان ملكشاه السلجوقي وياقوت هذا أيضًا ممن آنتشر خطه في الآفاق ووفاته بالموصل سنة ثماني عشرة وستمائة وياقوت بن عبد الله الحموي الرومي شهاب الدين أبو الدر‏:‏ كان من خدام بعض التجار ببغداد يعرف بعسكر الحموي وياقوت هذا هو صاحب التصانيف والخط أيضًا ووفاته سنة ست وعشرين وستمائة وياقوت بن عبد الله مهذب الدين الرومي مولى أبي منصور التاجر الجيلي وياقوت هذا كان شاعرًا ماهرًا وهو صاحب القصيدة التي أولها‏:‏ ووفاته سنة آثنتين وعشرين وستمائة‏.‏


فهؤلاء الذين تقدموا ياقوت المستعصمي صاحب الترجمة بالوفاة وكل منهم له ترجمة وفضيلة وخط وشعر‏.‏
وقد تقدم ذكر غالبهم في هذا الكتاب وإنما ذكرناهم هنا جملة لكون جماعات كثيرة من الناس مهما رأوه من الخطوط والتصانيف يقرأوه لياقوت المستعصمي وليس الأمر كذلك بل فيهم من رجح خطه ابن خلكان على ياقوت هذا‏.‏
قلت‏:‏ وقد خرجنا عن المقصود لكثرة الفائدة ولنعد إلى بقية ترجمة ياقوت المستعصمي‏.‏
فمن شعره قوله‏:‏ تجدد الشمس شوقي كلما طلعت إلى محياك يا سمعي ويا بصري وأسهر الليل ذا أنس بوحشته إذ طيب ذكرك في ظلمائه سمري وكل يوم مضى لي لا أراك به فلست محتسبًا ماضيه من عمري ليلي نهاري إذا ما درت في خلدي لأن ذكرك نور القلب والبصر وله أيضًا‏:‏ صدقتم في الوشاة وقد مضى في حبكم عمري وفي تكذيبها وزعمتم أني مللت حديثكم من ذا يمل من الحياة وطيبها الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال‏:‏ وفيها توفي السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوري ومن الغد قتل نائبه منكوتمر ثم قتلوا الأميرين كرجي وطغجي الأشرفيين‏.‏


وأحضر السلطان الملك الناصر وعاد إلى السلطنة‏.‏
وفيها توفي الإمام جمال الدين محمد بن سليمان بن النقيب الحنفي صاحب التفسير بالقدس في المحرم‏.‏
والعلامة بهاء الدين محمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم أبو عبد الله الحلبي آبن النحاس في جمادى الأولى‏.‏
والصاحب تقي الدين توبة بن علي بن مهاجر التكريتي في جمادى الآخرة‏.‏
والزاهد الملقن علي بن محمد بن علي بن بقاء الصالحي في شوال‏.‏
والمسند ناصر الدين عمر بن عبد المنعم بن عمر بن القواس في ذي القعدة‏.‏
وصاحب حماة الملك المظفر تقي الدين محمود ابن المنصور محمد بن محمود بن محمد بن عمر بن شاهنشاه‏.‏
والملك الأوحد يوسف ابن الملك الناصر داود بن المعظم عيسى‏.‏
والعماد عبد الحافظ بن بدران بن شبل النابلسي في ذي الحجة وقد قارب التسعين‏.‏


السنة الثانية


من سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون

(الثانية) على مصر فيها كانت وقعة السلطان الملك الناصر محمد المذكور مع قازان على حمص وقد تقدم ذكرها‏.‏

وفيها توفي القاضي علاء الدين أحمد بن عبد الوهاب بن خلف بن محمود ابن بدر العلامي المعروف بابن بنت الأعز‏.‏
كان لطيف العبارة جميل الصورة لطيف المزاج‏.‏
تولى حسبة القاهرة ونظر الأحباس ودرس بعدة مدارس وحج ودخل اليمن ثم عاد إلى القاهرة ومات بها في شهر ربيع الآخر وكان له نظم ونثر‏.‏

ومن شعره قصيدة أولها‏:‏ إن أومض البرق في ليل بذي سلم فإنه ثغر سلمى لاح في الظلم وفيها توفي الشيخ المسند المعمر شرف الدين أحمد بن هبة الله ابن تاج الأمناء أحمد بن محمد بن عساكر بدمشق وبها دفن بمقابر الصوفية بتربة الشيخ فخر الدين بن عساكر وكان من بقايا المسندين تفرد سماعًا وإجازة‏.‏


من عدم هذه السنة من وقعة حمص مع التتار قاضي القضاة حسام الدين الحنفي والشيخ عماد الدين إسماعيل ابن تاج الدين أحمد بن سعيد بن الأثير الكاتب والأمير جمال الدين المطروحي والأمير سيف الدين كرت والأمير ركن الدين الجمالي نائب غزة ولم يظهر للجميع خبر غير أنهم ذكروا أن قاضي القضاة حسام الدين المذكور أسروه التتار وباعوه للفرنج ووصل قبرص وصار بها حكيمًا وداوى صاحب قبرص من مرض مخيف فشفي فأوعده أن يطلقه فمرض القاضي حسام الدين المذكور ومات‏.‏
كذا حكى بعض أجناد الإسكندرية‏.‏


وفيها توفي الشيخ الصالح الحافظ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن فرج بن أحمد بن اللخمي الإشبيلي بدمشق ودفن بمقابر الصوفية وكان حافظًا دينًا خيرًا زاهدًا متورعًا‏.‏
عرض عليه جهات كثيرة فأعرض عنها وهو صاحب القصيدة المشتملة على صفات الحديث‏:‏ غرامي صحيح والرجا فيك معضل وحزني ودمعي مرسل ومسلسل وصبري عنكم يشهد العقل أنه ضعيف ومتروك وذلي أجمل فلا حسن إلا سماع حديثكم مشافهة تملى علي فأنقل وأمري موقوف عليك وليس لي على أحد إلا عليك المعول ولو كان مرفوعًا إليك لكنت لي على رغم عذالي ترق وتعدل وعذل عذول منكر لا أسيغه وزور وتدليس يرد ويهمل أقضي زماني فيك متصل الأسى ومنقطعًا عما به أتوصل وها أنا في أكفان هجرك مدرج تكلفني ما لا أطيق فأحمل وهي أطول من ذلك‏.‏


وفيها توفي قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز آبن قاضي القضاة محيي الدين يحيى بن محمد بن علي بن الزكي في يوم الأحد حادي عشر ذي الحجة‏.‏
وكان من أعيان الدمشقيين ودرس بعدة مدارس وآنتفع به الناس‏.‏
رحمه الله‏.‏
وفيها توفي الشيخ الإمام العالم مفتي المسلمين شمس الدين محمد ابن الشيخ الإمام العلامة شيخ المواهب قاضي القضاة صدر الدين أبي الربيع سليمان ابن أبي العز وهيب الحنفي الدمشقي في يوم الجمعة سادس عشر ذي الحجة بالمدرسة النورية بدمشق ودفن بتربة والده بقاسيون وكان فقيهًا عالمًا مفتيًا بصيرًا بالأحكام متصديًا للفتوى والتدريس‏.‏
أفتى مدة أربع وثلاثين سنة وقرأ عليه جماعة كثيرة وانتفع الناس به وكان نائبًا في القضاء عن والده وسئل بالمناصب الجليلة فآمتنع من قبولها‏.‏
رحمه الله‏.‏
قلت‏:‏ وبنو العز بيت كبير بدمشق مشهورون بالعلم والرياسة‏.‏


وفيها توفي صاحب الأندلس أمير المسلمين أبو عبد الله محمد بن محمد بن يوسف المعروف بابن الأحمر‏.‏
ملك الأندلس وما والاها بعد موت والده سنة إحدى وسبعين وستمائة وامتدت أيامه وقوي سلطانه ومات في عشر الثمانين رحمه الله تعالى‏.‏
الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال‏:‏ فيها توفي الإمام شمس الدين محمد بن عبد القوي المقدسي النحوي‏.‏
وعماد الدين يوسف بن أبي نصر الشقاري وقاضي القضاة إمام الدين عمر بن عبد الرحمن القزويني بمصر في ربيع الآخر‏.‏
وعبد الدائم بن أحمد المحجي الوزان‏.‏
وعلي بن أحمد بن عبد الدائم وأخوه عمر‏.‏
وأحمد بن زيد بن أبي الفضل الصالحي الفقير المعروف بالجمال‏.‏
وشرف الدين أبو الفضل أحمد بن هبة الله بن أحمد بن عساكر في جمادى الأولى‏.‏
وعيسى بن بركة بن والي‏.‏
ومحمد بن أحمد بن نوال الرصافي‏.‏
وعلي بن مطر المحجي البقال‏.‏
وصفية بنت عبد الرحمن بن عمرو الفراء وابن عمها إبراهيم بن أبي الحسن بن عمرو بن موسى أبو إسحاق الفراء‏.‏
وأحمد بن محمد الحداد‏.‏
وخديجة بنت التقي محمد بن محمود بن عبد المنعم المراتبي‏.‏
والحافظ شهاب الدين أحمد بن فرج اللخمي الإشبيلي في جمادى الآخرة‏.‏
وأبو العباس أحمد بن سليمان بن أحمد المقدسي الحراني‏.‏
والشيخ عز الدين عبد العزيز بن محمد بن عبد الحق‏.‏
والخطيب موفق الدين محمد بن محمد المعروف بابن حبيش في جمادى الآخرة بدمشق‏.‏
والمعمرة زينب بنت عمر بن كندي ببعلبك‏.‏
والأمير علم الدين سنجر البرنلي الدواداري في رجب بحصن الأكراد‏.‏
والمؤيد علي بن إبراهيم بن يحيى ابن خطيب عقرباء‏.‏
وشمس الدين محمد بن علي بن أحمد بن الفضل الواسطي في رجب وله أربع وثمانون سنة‏.‏
والعلامة نجم الدين أحمد بن مكي في جمادى الآخرة‏.‏
والإمام شمس الدين محمد بن سلمان بن حمائل سبط غانم‏.‏
والشيخ بدر الدين حسن بن علي بن يوسف بن هود المرسي في رجب‏.‏
والإمام شمس الدين محمد آبن الفخر عبد الرحمن بن يوسف البعلبكي في رمضان‏.‏
والشريف شمس الدين محمد بن هاشم بن عبد القاهر العباسي العدل في رمضان وله أربع وتسعون سنة‏.‏
والشيخ بهاء الدين أيوب بن أبي بكر بن إبراهيم بن هبة الله أبو صابر بن النحاس مدرس القليجية في شوال‏.‏
والمفتي جمال الدين عبد الرحيم بن عمر الباجربقي‏.‏
والعدل بهاء الدين محمد بن يوسف البرزالي عن آثنتين وستين سنة‏.‏
والأديب جمال الدين عمر بن إبراهيم بن العقيمي الرسعني وله أربع وتسعون سنة‏.‏



السنة الثالثة

من سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون (الثانية) على مصر وهي سنة سبعمائة من الهجرة‏.‏
فيها توفي الأمير سيف الذين بلبان الطباخي بالعسكر المنصور على الساحل وكان من أعيان الأمراء وأحشمهم وأشجعهم وأكثرهم عدة ومماليك وحاشية‏.‏

وولي نيابة حلب قبل ذلك بمدة ثم ولي الفتوحات بالساحل ودام عليها سنين‏.‏
وكان جميل السيرة والطريقة وله المواقف المشهورة والنكاية في العدو‏.‏
رحمه الله تعالى‏.‏
وفيها توفي الأديب البارع شهاب الدين أبو جلنك الحلبي الشاعر المشهور صاحب النوادر الطريفة كان بارعًا ماهرًا وفيه همة وشجاعة‏.‏
ولما كانت وقعة التتار في هذه السنة نزل أبو جلنك المذكور من قلعة حلب لقتال التتار وكان ضخمًا سمينًا فوقع عن فرسه من سهم أصاب الفرس فبقي راجلًا فأسروه وأحضروه بين يدي مقدم التتار فسأله عن عسكر المسلمين فرفع شأنهم فغضب مقدم التتار عليه اللعنة من ذلك فضرب عنقه‏.‏
رحمه الله تعالى‏.‏


ومن شعر أبي جلنك المذكور قوله‏:‏ وشادن يصفع مغرى به براحة أندى من الوابل فصحت في الناس ألا فآعجبوا بحر غدا يلطم في الساحل قال الشيخ صلاح الدين الصفدي رحمه الله‏:‏ وكان أبو جلنك قد مدح قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان فوقع له برطلي خبز فكتب أبو جلنك على بستانه‏:‏ والبان تحسبه سنانيرًا رأت قاضي القضاة فنفشت أذنابها قلت‏:‏ لعل الصلاح الصفدي وهم في ابن خلكان والصواب أن القصة كانت مع قاضي القضاة كمال الدين ابن الزملكاني‏.‏


ومن شعر أبي جلنك في أقطع‏:‏ وبي أقطع ما زال يسخو بماله ومن جوده ما رد في الناس سائل تناهت يداه فاستطال عطاؤها وعند التناهي يقصر المتطاول قلت‏:‏ ووقع في هذا المعنى عدة مقاطيع جيدة في كتابي المسمى ب ‏"‏ حلية الصفات في الأسماء والصناعات ‏"‏ فمن ذلك‏:‏ أفديه أقطع يشدو ساروا ولا ودعوني ما أنصفوا أهل ودي واصلتهم قطعوني ولشمس الدين ابن الصائغ الحنفي‏:‏ وأقطع قلت له هل أنت لص أوحد فقال هذي صنعة لم يبق لي فيها يد وفي المعنى هجو‏:‏ وما قطعوه بعد الوصل لكن أرادوا كفه عن ذي الصناعه غيره في المعنى‏:‏ من يكن في الأصل لصًا لم يكن قط أمينا فثقوا منه برهن أو خذوا منه يمينا وفيها توفي الشيخ الصالح المسند عز الدين أبو الفدى إسماعيل بن عبد الرحمن بن عمر بن موسى بن عميرة المعروف بابن الفراء المرداوي ثم الصالحي الحنبلي‏.‏
مولده سنة عشر وستمائة وسمع الكثير وحدث وخرج له الحافظ شمس الدين الذهبي مشيخة وكان دينًا خيرًا وله نظم‏.‏
عن ذلك قوله‏:‏ أين من عهد آدم وإلى الآن ملوك وساعة وصدور مزقتهم أيدي الحوادث وآستولت عليهم رحى المنون تدور وله في المعنى وقيل هما لغيره‏:‏ ثم آنقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام وكذاك من يأتي وحقك بعدهم أمضاه رب قادر علام


الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال‏:‏ وفيها توفي عز الدين أحمد آبن العماد عبد الحميد بن عبد الهادي في المحرم وله ثمان وثمانون سنة‏.‏
وعماد الدين أحمد بن محمد بن سعد المقدسي وله ثلاث وثمانون سنة‏.‏
وعز الدين إسماعيل بن عبد الرحمن بن عمر الفراء في جمادى الآخرة وله تسعون سنة‏.‏
وأبو علي يوسف بن أحمد بن أبي بكر الغسولي في الشهر وله نحو من تسعين سنة‏.‏
والحافظ شمس الدين أبو العلاء محمود بن أبي بكر البخاري الفرضي بماردين في ربيع الأول وله ست وخمسون سنة‏.‏
وشمس الدين أبو القاسم الخضر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبدان الأزدي في ذي الحجة‏.‏
والمقرىء شمس الدين محمد بن منصور الحاضري في صفر‏.‏


السنة الرابعة

من سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون (الثانية) على مصر وهي سنة إحدى وسبعمائة‏.‏

فيها في ثالث عشر من شهر ربيع الأول سافر الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير إلى الإسكندرية وصحبته جماعة كثيرة من الأمراء بسبب الصيد ورسم له السلطان أن مدة مقامه بالإسكندرية يكون دخلها له ثم أعطى السلطان لجميع الأمراء دستورًا لمن أراد السفر لإقطاعه لعمل مصالح بلاده وكان إذ ذاك يربعون خيولهم شهرًا واحدًا لأجل العدو المخذول‏.‏

وفيها توفي مسند العصر شهاب الدين أحمد ابن رفيع الدين إسحاق بن محمد ابن المؤيد الأبرقوهي بمكة في العشرين من ذي الحجة‏.‏
ومولده سنة خمس عشرة وستمائة بأبرقوه من أعمال شيراز وكان سمع الكثير وحدث وطال عمره وتفرد بأشياء‏.‏


وفيها توفي الحافظ شرف الدين أبو الحسين على آبن الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي الحسين أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أحمد بن محمد اليونيني في يوم الخميس حادي عشر شهر رمضان ببعلبك‏.‏
ومولده في حادي عشر شهر رجب سنة إحدى وعشرين وستمائة ببعلبك‏.‏
وفيها توفي الأمير علم الدين سنجر بن عبد الله المعروف بأرجواش المنصوري نائب قلعة دمشق في ليلة السبت ثاني عشرين ذي الحجة وكان شجاعًا‏.‏
وهو الذي حفظ قلعة دمشق في نوبة غازان وأظهر من الشجاعة مالا يوصف على تغفل كان فيه حسب ما قدمنا من ذكره في أصل ترجمة الملك الناصر محمد بن قلاوون ما فعله وكيف كان حفظه لقلعة دمشق‏.‏
وأما أمر التغفل الذي كان به‏:‏ قال الشيخ صلاح الدين خليل بن أيبك في تاريخه‏:‏ حكى لي عنه عبد الغني الفقير المعروف قال‏:‏ لما مات الملك المنصور قلاوون أعني أستاذه قال لي‏:‏ أحضر لي مقرئين يقرأون ختمة للسلطان فأحضرت إليه جماعة فجعلوا يقرأون على العادة فأحضر دبوسًا وقال‏:‏ كيف تقرأون للسلطان هذه القراءة‏!‏ تقرأون عاليًا فضجوا بالقراءة جهدهم فلما فرغوا منها قلت‏:‏ يا خوند فرغت الختمة فقال‏:‏ يقرأون أخرى فقرأوها وقفزوا ما أرادوا فلما فرغوا أعلمته قال‏:‏ ويلك‏!‏ السماء ثلاثة والأرض ثلاثة والأيام ثلاثة والمعادن ثلاثة وكل ما في الدنيا ثلاثة يقرأون أخرى‏!‏ فقلت‏:‏ اقرأوها واحمدوا الله تعالى على أنه ما علم أن هذه الأشياء سبعة سبعة فلما فرغوا من الثلاثة وقد هلكوا من صراخهم قال‏:‏ دعهم عندك في الترسيم إلى بكرة ورح آكتب عليهم حجة بالقسامة الشريفة بالله تعالى وبنعمة السلطان أن ثواب هذه الختمات لمولانا السلطان الملك المنصور قلاوون ففعلت ذلك وجئت إليه بالحجة فقال‏:‏ هذا جيد أصلح الله أبدانكم وصرف لهم أجرتهم‏.‏


وحكي عنه عدة حكايات من هذا تدل على تغفل كبير‏.‏
قلت‏:‏ ويلحق أرجواش هذا بعقلاء المجانين فإن تدبيره في أمر قلعة دمشق وقيامه في قتال غازان له المنتهى في الشجاعة وحسن التدبير‏.‏
وفيها توفي شمس الدين سعيد بن محمد بن سعيد بن الأثير في سابع عشر ذي القعدة بدمشق وفيها توفي الشريف نجم الدين أبو نمي محمد بن أبي سعد حسن بن علي بن قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن حسين بن سليمان بن علي بن عبد الله بن محمد بن موسى بن عبد الله المحض بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الحسني المكي صاحب مكة المشرفة في يوم الأحد رابع صفر بعد أن أقام في إمرة مكة أربعين سنة وقدم القاهرة مرارًا وكان يقال‏:‏ لولا أنه زيدي لصلح للخلافة لحسن صفاته‏.‏


السنة الخامسة


من سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون (الثانية) على مصر وهي سنة اثنتين وسبعمائة‏.‏

فيها في أول المحرم قدم الأمير بيبرس الجاشنكير من الحجاز ومعه الشريفان حميضة ورميثة في الحديد فسجنا بقلعة الجبل‏.‏
وفيها في رابع جمادى الآخرة ظهر بالنيل دابة كلون الجاموس بغير شعر واذناها كآذن الجمل وعيناها وفرجها مثل الناقة ويغطي فرجها ذنب طوله شبر ونصف طرفه كذنب السمك ورقبتها مثل ثخن التليس المحشو تبنًا وفمها وشفتاها مثل الكربال ولها أربع أنياب اثنتان فوق اثنتين في طول نحو شبر وعرض إصبعين وفي فمها ثمانية وأربعون ضرسًا وسنًا مثل بيادق الشطرنج وطول يدها من باطنها شبران ونصف ومن ركبتها إلى حافرها مثل أظافير الجمل وعرض ظهرها قدر ذراعين ونصف ومن فمها إلى ذنبها خمس عشرة قدمًا وفي بطنها ثلاثة كروش ولحمها أحمر له ذفرة السمك وطعمه مثل لحم الجمل وثخانة جلدها أربع أصابع لا تعمل فيه السيوف وحمل جلدها على خمسة جمال في مقدار ساعة من ثقله وكان ينقل من جمل إلى جمل وقد حشي تبنًا حتى وصل إلى قلعة الجبل‏.‏


وفيها كان بمصر والقاهرة زلزلة عظيمة أخربت عدة منائر ومبان كثيرة من الجوامع والبيوت حتى أقامت الأمراء ومباشرو الأوقاف مدة طويلة ترم وتجدد ما تشعث فيها من المدارس والجوامع حتى منارة الإسكندرية‏.‏
وفيها أبطل الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير عيد الشهيد بمصر وهو أن النصارى كان عندهم تابوت فيه إصبع يزعمون أنها من أصابع بعض شهدائهم وأن النيل لا يزيد ما لم يرم فيه هذا التابوت فكان يجتمع النصارى من سائر النواحي إلى شبرا ويقع هناك أمور يطول الشرح في ذكرها حتى إن بعض النصارى باع في أيام هذا العيد باثني عشر ألف درهم خمرًا من كثرة الناس التي تتوجه إليه للفرجة وكان تثور في هذا العيد فتن وتقتل خلائق‏.‏
فأمر الأمير بيبرس رحمه الله بإبطال ذلك وقام في ذلك قومة عظيمة فشق ذلك على النصارى واجتمعوا بالأقباط الذين أظهروا الإسلام فتوجه الجميع إلى التاج ابن سعيد الدولة كاتب بيبرس وكان خصيصًا به وأوعدوا بيبرس بأموال عظيمة وخوفوه من عدم طلوع النيل ومن كسر الخراج فلم يلتفت إلى ذلك وأبطله إلى يومنا هذا‏.‏


وفيها توفي الشيخ كمال الدين أحمد بن أبي الفتح محمود بن أبي الوحش أسد بن سلامة بن سليمان بن فتيان المعروف بآبن العطار أحد كتاب الدرج بدمشق في رابع عشر ذي القعدة‏.‏
ومولده سنة ست وعشرين وستمائة وكان كثير التلاوة محبًا لسماع الحديث وسمع وحدث وكان صدرًا كبيرًا فاضلًا وله نظم ونثر وأقام يكتب الدرج أربعين سنة‏.‏
وفيها توفي الشيخ شهاب الدين أحمد ابن الشيخ القدوة برهان الدين إبراهيم ابن معضاد الجعبري بالقاهرة وقد تقدم ذكر وفاة والده ودفن بزاويته خارج باب النصر من القاهرة‏.‏
وفيها توفي الأمير فارس الدين ألبكي الساقي أحد مماليك الملك الظاهر بيبرس‏.‏
كان من أكابر أمراء الديار المصرية ثم اعتقل إلى أن أفرج عنه الملك المنصور قلاوون وأنعم عليه بإمرة ثم نقله إلى نيابة صفد فأقام بها عشر سنين وفر مع الأمير قبجق إلى غازان وتزوج بأخته ثم قدم مع غازان ولحق بالسلطان فولاه نيابة حمص حتى مات بها في يوم الثلاثاء ثامن ذي القعدة‏.‏
وكان مليح الشكل كثير الآدب ما جلس قط بلا خف وإذا ركب ونزل حمل جمداره شاشه فإذا أراد الركوب لفه مرة واحدة بيده كيف كانت‏.‏


وفيها استشهد بوقعة شقحب الأمير عز الدين أيدمر العزي نقيب المماليك السلطانية وأصله من مماليك الأمير عز الدين أيدمر الظاهري نائب الشام وكان كثير الهزل وإليه تنسب سويقة العزي خارج القاهرة بالقرب من جامع ألجاي اليوسفي‏.‏
وفيها استشهد الأمير يوسف الدين أيدمر الشمسي القشاش وكان قد ولي كشف الغربية والشرقية جميعًا وآشتدت مهابته وكان يعذب أهل الفساد بأنواع قبيحة من العذاب منها‏:‏ أنه كان يغرس خازوقًا بالأرض ويجعل عوده قائمًا ويرفع الرجل ويسقطه عليه‏!‏ وأشياء كثيرة ذكرناها في ترجمته في تاريخنا المنهل الصافي ولم يجسر أحد من الفلاحين في أيامه أن يلبس مئزرًا أسود ولا يركب فرسًا ولا يتقلد بسيف ولا يحمل عصا مجلبة بحديد حتى ولا أرباب الأدراك ثم استعفى من الولاية ولزم داره وخرج لغزوة شقحب في محفة إلى وقت القتال‏:‏ لبس سلاحه وركب فرسه وهو في غاية الألم فقيل له‏:‏ أنت لا تقدر تقاتل فقال‏:‏ والله لمثل هذا اليوم أنتظر وإلا بأي شيء يتخلص القشاش من ربه بغير هذا‏!‏ وحمل على العدو وقاتل حتى قتل ورئي فيه - بعد أن مات - ستة جراحات‏.‏


وفيها أيضًا آستشهد الأمير أوليا بن قرمان أحد أمراء الظاهرية وهو ابن أخت قرمان وكان شجاعًا مقدامًا‏.‏
وفيها آستشهد أيضًا الأمير عز الدين أيبك الأستادار وكان من كبار الأمراء المنصورية‏.‏
وآستشهد الأمير جمال الدين آقوش الشمسي الحاجب والأمير سيف الدين بهادر أحد الأمراء بحماة والأمير صلاح الدين ابن الكامل والأمير علاء الدين ابن الجاكي والشيخ نجم الدين أيوب الكردي والأمير شمس الدين سنقر الشمسي الحاجب والأمير شمس الدين سنقر الكافري والأمير سنقرشاه أستادار بيبرس الجالق والأمير حسام الدين علي بن باخل والأمير لاجين الرومي المنصوري أستادار الملك المنصور قلاوون ويعرف بالحسام‏.‏
قلت‏:‏ ورأيت أنا من ذريته الصارمي إبراهيم بن الحسام‏.‏
وكل هؤلاء استشهدوا في نوبة غازان بشقحب بيد التتار‏.‏


وفيها توفي الملك العادل كتبغا المنصوري نائب حماة بها وهو في الكهولية في ليلة الجمعة يوم عيد الأضحى‏.‏
وقد تقدم ذكره في ترجمته من هذا الكتاب عند ذكر سلطنته بالديار المصرية وما وفيها توفي قاضي القضاة تقي الدين محمد ابن الشيخ مجد الدين علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري المنفلوطي الفقيه المالكي ثم الشافعي المعروف بابن دقيق العيد قاضي قضاة الشافعية بالديار المصرية‏.‏
كان إمامًا عالمًا‏.‏
كان مالكيًا ثم آنتقل إلى مذهب الشافعي ومولده في عشرين شعبان سنة خمس وعشرين وستمائة ومات في يوم الجمعة حادي عشر صفر وكان تفقه بأبيه ثم بالشيخ عز الدين آبن عبد السلام وغيره وسمع من آبن المقير وآبن رواح وآبن عبد الدائم وغيرهم وخرج لنفسه تساعيات وصار من أئمة العلماء في مذهبي مالك والشافعي مع جودة المعرفة بالأصول والنحو والأدب إلا أنه كان قهره الوسواس في أمر المياه والنجاسات وله في ذلك حكايات ووقائع عجيبة‏.‏
وروى عنه الحافظ فتح الدين ابن سيد الناس وقاضي القضاة علاء الدين القونوي وقاضي القضاة علم الدين الإخنائي وغيرهم‏.‏
وكان أبو حيان النحوي يطلق لسانه في حق قاضي القضاة المذكور وقد أوضحنا ذلك في ترجمته في المنهل الصافي باستيعاب‏.‏
ومن نظمه قصيدته المشهورة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم التي أولها‏:‏ يا سائرًا نحو الحجاز مشمرًا اجهد فديتك في المسير وفي السرى وإذا سهرت الليل في طلب العلا فحذار ثم حذار من خدع الكرى وله أيضًا‏:‏ قد أتعبتني همتي وفطنتي فليتني كنت مهينًا جاهلا


السنة السادسة

من سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاون (الثانية) على مصر وهي سنة ثلاث وسبعمائة‏.‏

فيها آنتدب الأمراء لعمارة ما خرب من الجوامع بالزلزلة في السنة الماضية وأنفقوا فيها مالًا جزيلًا‏.‏
وفيها كملت عمارة المدرسة الناصرية ببين القصرين ونقل الملك الناصر محمد بن قلاوون أمه من التربة المجاورة للمشهد النفيسي إليها‏.‏
وموضع هذه المدرسة الناصرية كان دارًا تعرف بدار سيف الدين بلبان الرشيدي فآشتراها الملك العادل زين الدين كتبغا وشرع في بنائها مدرسة وعمل بوابتها من أنقاض مدينة عكا وهي بوابة كنيسة بها ثم خلع كتبغا فاشتراها الملك الناصر محمد هذا على يد قاضي القضاة زين الدين علي بن مخلوف وأتمها وعمل لها أوقافًا جليلة من جملتها‏:‏ قيسارية أمير علي بالشرابشيين والربع المعروف بالدهيشة قريبًا من باب زويلة وحوانيت بباب الزهومة والحمام المعروفة بالفخرية بجوار المدرسة الفخرية وعدة أوقاف أخرى في مصر والشام‏.‏


وفيها توفي الأمير عز الدين أيبك الحموي‏.‏
كان أصله من مماليك الملك المنصور صاحب حماة فطلبه منه الملك الظاهر بيبرس هو وأبو خرص علم الدين سنجر من الملك المنصور فسيرهما إليه فرقاهما ثم أمرهما ثم ولى الملك الأشرف خليل أيبك هذا نيابة دمشق بعد سنجر الشجاعي حتى عزله الملك العادل كتبغا بمملوكه إغزلوا العادلي وولي بعد ذلك نيابة صرخد ثم حمص وبها مات في تاسع عشر ربيع الآخر‏.‏
وفيها توفي الأمير ركن الدين بيبرس التلاوي‏.‏
وكان يلي شد دمشق وكان فيه ظلم وعسف وتولى عوضه شد دمشق الأمير قيران الدواداري‏.‏
وفيها توفي القاضي شمس الدين سليمان بن إبراهيم بن إسماعيل الملطي ثم الدمشقي الحنفي أحد نواب الحكم بدمشق ومصر‏.‏
كان فقيهًا عالمًا دينًا مباركًا حسن السيرة‏.‏


وفيها توفي القان إيل خان معز الدين قازان وقيل كازان وكلاهما يصح معناه ابن أرغون بن أبغا بن هولاكو بن تولى بن جنكز خان ببلاد قزوين في ثاني عشر شوال وحمل إلى تربته وقبته التي أنشأها خارج تبريز‏.‏
وكان جلوسه على تخت الملك في سنة ثلاث وتسعين وستمائة وأسلم في سنة أربع وتسعين ونثر الذهب والفضة واللؤلؤ على رؤوس الناس وفشا الإسلام بإسلامه في ممالك التتار وأظهر العدل وتسمى محمودًا وكان أجل ملوك المغل من بيت هولاكو وهو صاحب الوقعات مع الملك الناصر محمد بن قلاوون والذي ملك الشام‏.‏
وقد تقدم ذكر ذلك كله في أصل هذه الترجمة‏.‏


وفيها توفي القاضي فتح الدين أبو محمد عبد الله آبن الصاحب عز الدين محمد بن أحمد بن خالد بن محمد القيسراني في يوم الجمعة خامس عشرين شهر ربيع الآخر بالقاهرة وقد وزر جده موفق الدين خالد للملك العادل نور الدين محمود بن زنكي المعروف بالشهيد‏.‏
وكانت لديه فضيلة وعني بالحديث وجمع وألف كتابًا في معرفة الصحابة وكان له نظم ونثر وخرج لنفسه أربعين حديثًا وروى عنه الدمياطي من شعره وأخذ عنه الحافظ فتح الدين ابن سيد الناس والبرزالي والذهبي‏.‏
ومن شعره‏:‏ بوجه معذبي آيات حسن فقل ما شئت فيه ولا تحاشي ونسخة حسنه قرئت فصحت وها خط الكمال على الحواشي وفيها توفي القاضي كمال الدين أبو الفتح موسى ابن قاضي القضاة شمس الدين أحمد ابن شهاب الدين محمد بن خلكان‏.‏
كان فاضلًا آشتغل في حياة والده ودرس وكانت سيرته غير مشكورة وهو كان أكبر الأسباب في عزل والده ومات في شهر ربيع الأول‏.‏


وفيها توفي الشريف أبو فارس عبد العزيز بن عبد الغني بن سرور بن سلامة المنوفي أحد أصحاب أبي الحجاج الأقصري‏.‏
مات في ليلة الاثنين خامس عشر ذي الحجة بمصر عن مائة وعشرين سنة‏.‏
وفيها توفي الشريف جماز بن شيحة بن هاشم بن قاسم بن مهنا أمير المدينة النبوية مصروفًا عن ولايتها والأصح وفاته في القابلة‏.‏
وفيها توفي الإمام المحدث تاج الدين علي بن أحمد بن عبد المحسن الحسيني الغرافي الإسكندراني في سابع ذي الحجة‏.‏
وفيها توفي الأمير الوزير ناصر الدين محمد ويقال ذبيان الشيخي تحت العقوبة في سابع ذي القعدة‏.‏
وفيها توفي الشريف شمس الدين أبو عبد الله محمد بن الحسين بن محمد الأرموي نقيب الأشراف في تاسع عشر شوال وكان فاضلًا رئيسًا‏.‏
وقيل وفاته في الآتية وهو الأقوى‏.‏



السنة السابعة

من سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون

(الثانية) على مصر وهي سنة أربع وسبعمائة‏.‏

فيها توجه الأمير بيبرس الجاشنكير إلى الحجاز مرة ثانية ومعه علاء الدين أيدغدي الشهرزوري رسول ملك الغرب والأمير بيبرس المنصوري الدوادار والأمير بهاء الدين يعقوبًا وجماعة كثيرة من الأمراء وخرج ركب الحاج في عالم كثير من الناس مع الأمير عز الدين أيبك الخازندار زوج بنت الملك الظاهر بيبرس‏.‏

وفيها ظهر في معدن الزمرد قطعة زنتها مائة وخمسة وسبعون مثقالًا فأخفاها الضامن ثم حملها إلى بعض الملوك فدفع فيها مائة ألف وعشرين ألف درهم فأبى أن يبيعها فأخذها الملك منه غصبًا وبعث بها إلى السلطان فمات الضامن غمًا‏.‏


وفيها توفي القاضي فتح الدين أحمد بن محمد بن سلطان القوصي الشافعي وكيل بيت المال بقوص وأحد أعيانها‏.‏
كان من الرؤساء ومات بها في حادي عشر المحرم‏.‏
وفيها توفي القاضي زين الدين أحمد ابن الصاحب فخر الدين محمد ابن الصاحب بهاء الدين علي بن محمد بن سليم بن حنا في ليلة الخميس ثامن صفر وكان فقيهًا فاضلًا متدينًا وافر الحرمة‏.‏
وفيها توفي شمس الدين أحمد بن علي بن هبة الله بن السديد الإسنائي خطيب إسنا ونائب الحكم بها وبأدفو وقوص في شهر رجب وكانت قد آنتهت إليه رياسة الصعيد وبنى بقوص مدرسة وكان قوي النفس كثير العطاء مهابًا ممدوحًا يبذل في بقاء رياسته الآلاف الكثيرة يقال إنه بذل في نيابة الحكم بالصعيد مائتي ألف وصادره الأمير كراي المنصوري وأخذ منه مائة وستين ألف درهم فقدم القاهرة ومات بها‏.‏
وفيها توفي الأمير بيبرس الموفقي المنصوري أحد الأمراء بدمشق بها في يوم الأربعاء ثالث عشر جمادى الآخرة مخنوقًا وهو سكران‏.‏
نسأل الله حسن الخاتمة بمنه وكرمه‏.‏
وفيها توفي الأمير الشريف عز الدين جماز بن شيحة أمير المدينة وقد تقدم في الماضية‏.‏
والأصح أنه في هذه السنة‏.‏


وفيها توفي الأمير شمس الدين محمد آبن الصاحب شرف الدين إسماعيل بن أبي سعيد بن التيتي الآمدي أحد الأمراء ونائب دار العدل بقلعة الجبل كان رئيسًا فاضلًا‏.‏
وفيها توفي الأمير مبارز الدين سوار الرومي المنصوري أمير شكار وكان من أعيان الأمراء وفيه شجاعة وحشمة ورياسة وكان معظمًا في الدول‏.‏
وفيها توفي الأمير سيف الدين بهادر بن عبد الله المنصوري المعروف بسمز أعني سمينًا مقتولًا بأيدي عرب الشام بعد أن قتل منهم مقتلة كبيرة‏.‏


السنة الثامنة


من سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون (الثانية) على مصر وهي سنة خمس وسبعمائة‏.‏

فيها قدمت هدية الملك المؤيد هزبر الدين داود صاحب اليمن فوجدت قيمتها أقل من العادة فكتب بالإنكار عليه والتهديد‏.‏
وفيها آستسقى أهل دمشق لقلة الغيث فسقوا بعد ذلك ولله الحمد‏.‏
وفيها توفي خطيب دمشق شرف الدين أحمد بن إبراهيم بن سباغ الفزاري الفقيه المقرىء النحوي المحدث الشافعي في شوال عن خمس وسبعين سنة‏.‏
وفيها توفي الحافظ شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن بن شرف بن الخضر بن موسى الدمياطي الشافعي أحد الأئمة الأعلام والحفاظ والثقات‏.‏
مولده في سنة ثلاث عشرة وستمائة بتونة وهي بلدة في بحيرة تنيس من عمل دمياط وقيل في سنة عشر وستمائة وآشتغل بدمياط وحفظ التنبيه في الفقه وسمع بها وبالقاهرة من الحافظ عبد العظيم المنذري وأخذ عنه علم الحديث وقرأ القرآن بالروايات وبرع في عدة فنون وسمع من خلائق آستوعبنا أسماء غالبهم في ترجمته في المنهل الصافي‏.‏


ورحل إلى الحجاز ودمشق وحلب وحماة وبغداد وحدث وسمع منه خلائق مثل اليوبيني والقونوي والمزي وأبي حيان والبرزالي والذهبي وابن سيد الناس وخلق سواهم وصنف مصنفات كثيرة ذكرنا غالبها في المنهل الصافي وله كتاب فضل الخيل وقد سمعت أنا هذا الكتاب بقراءة الحافظ قطب الدين الخيضري في أربعة مجالس آخرها في سلخ شعبان سنة خمس وأربعين وثمانمائة بالقاهرة في منزل المسمع بحارة برجوان على الشيخ الإمام العلامة مؤرخ الديار المصرية تقي الدين أحمد بن علي بن عبد القادر المقريزي بسماعه جميعه على الشيخ ناصر الدين محمد بن علي بن الطبردار الحراوي بسماعه جميعه على الشيخ مؤلفه الحافظ شرف الدين الدمياطي صاحب الترجمة - رحمه الله - وكانت وفاته فجأة بالقاهرة‏:‏ بعد أن صلى العصر غشي عليه في موضعه فحمل إلى منزله فمات من ساعته في يوم الأحد خامس عشر ذي القعدة‏.‏


ومن شعره‏:‏ روينا بإسناد عن آبن مغفل حديثًا شهيرًا صح من علة القدح بأن رسول الله حين مسيره لثامنة وافته من ليلة الفتح وفيها توفي الملك الأوحد وقيل الزاهر تقي الدين شادي آبن الملك الزاهر مجير الدين داود آبن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه الصغير ابن الأمير ناصر الدين محمد آبن الملك المنصور أسد الدين شيركوه الكبير آبن شادي بن مروان الأيوبي في ثالث صفر وهو يوم ذاك أحد أمراء دمشق‏.‏
وفيها توفي المسند أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر الحراني الحنبلي‏.‏
مولده بحران سنة ثماني عشرة وستمائة وسمع من آبن روزبة والمؤتمن بن قميرة وسمع بمصر من ابن الجميزي وغيره وتفرد بأشياء وكان فيه دعابة ودين وتلا بمكة ألف ختمة‏.‏
وفيها توفي قاضي قضاة الشافعية بحلب شمس الدين محمد بن محمد بن بهرام بها في أول جمادى وفيها توفي الشيخ الإمام شرف الدين أبو زكريا يحيى بن أحمد بن عبد العزيز الجذامي الإسكندراني المالكي شيخ القراءات بها في هذه السنة وكان إمامًا عالمًا بالقراءات وله مشاركة في فنون‏.‏
رحمه الله‏.‏


السنة التاسعة

من سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون (الثانية) على مصر وهي سنة ست وسبعمائة‏.‏

فيها وقع بين الأميرين‏:‏ علم الدين سنجر البرواني وسيف الدين الطشلاقي على باب قلعة الجبل مخاصمة بحضرة الأمراء لأجل آستحقاقهما في الإقطاعات لأن الطشلاقي نزل على إقطاع البرواني وكان كل منهما في ظلم وعسف‏.‏
والبرواني من خواص بيبرس الجاشنكير والطشلاقي من ألزام سلار لأنه خشداشه كلاهما مملوك الملك الصالح علي ابن الملك المنصور قلاوون - ومات في حياة والده قلاوون - فسطا الطشلاقي على البرواني وسفه عليه فقام البرواني إلى بيبرس وآشتكى منه فطلبه بيبرس وعنفه فأساء الطشلاقي في رد الجواب وأفحش في حق البرواني وقال‏:‏ أنت واحد منفي تجعل نفسك مثل مماليك السلطان‏!‏


فاستشاط بيبرس غضبًا وقام ليضربه فجرد الطشلاقي سيفه يريد ضرب بيبرس فقامت قيامة بيبرس وأخذ سيفه ليضربه فترامى عليه من حضر من الأمراء وأمسكوه عنه وأخرجوا الطشلاقي من وجهه بعدما كادت مماليك بيبرس وحواشيه تقتله بالسيوف وفي الوقت طلب بيبرس الأمير سنقر الكمالي الحاجب وأمر بنفي الطشلاقي إلى دمشق فخشي سنقر من النائب سلار ودخل عليه وأخبره فأرسل سلار جماعة من أعيان الأمراء إلى بيبرس وأمرهم بملاطفته حتى يرضى عن الطشلاقي وأن الطشلاقي يلزم داره فلما سمع بيبرس ذلك من الذين حضروا صرخ فيهم وحلف إن بات الطشلاقي الليلة بالقاهرة عملت فتنة كبيرة فعاد الحاجب وبلغ سلار ذلك فلم يسعه إلا السكوت لأنهما أعني بيبرس وسلار كانا غضبا على الملك الناصر محمد وتحقق كل منهما متى وقع بينهما الخلف وجد الملك الناصر طريقًا لأخذهما واحدًا بعد واحد فكان كل من بيبرس وسلار يراعي الآخر وقد اقتسما مملكة مصر وليس للناصر معهما إلا مجرد الاسم في السلطنة فقط‏.‏


وأخرج الطشلاقي من وقته وأمر سلار الحاجب بتأخيره في بلبيس حتى يراجع بيبرس في أمره فعندما اجتمع سلار مع بيبرس في الخدمة السلطانية من الغد بدأ بيبرس سلار بما كان من الطشلاقي في حقه من الإساءة وسلار يسكنه ولا يسكن بل يشتد فأمسك سلار عن الكلام على حقد في الباطن وصار السلطان يريد إثارة الفتنة بينهما فلم يتم له ذلك‏.‏
وتوجه الطشلاقي إلى الشام منفيًا‏.‏
وفيها قدم البريد على الملك الناصر من حماة بمحضر ثابت على القاضي بأن ضيعة تعرف ببارين بين جبلين فسمع للجبلين في الليل قعقعة عظيمة فتسارع الناس في الصباح إليهما وإذا أحد الجبلين قد قطع الوادي وآنتقل منه قدر نصفه إلى الجبل الأخر والمياه فيما بين الجبلين تجري في الوادي فلم يسقط من الجبل المنتقل شيء من الحجارة ومقدار النصف المنتقل من الجبل مائة ذراع وعشر أذرع ومسافة الوادي الذي قطعه هذا الجبل مائة ذراع وأن قاضي حماة خرج بالشهود حتى عاين ذلك وكتب به محضرًا‏.‏
فكان هذا من الغرائب‏.‏


وفيها وقعت الوحشة بين بيبرس الجاشنكير وسلار بسبب كاتب بيبرس التاج ابن سعيد الدولة فإنه كان أساء السيرة ووقع بين هذا الكاتب المذكور وبين الأمير سنجر الجاولي وكان الجاولي صديقًا لسلار إلى الغايه فقام بيبرس في نصرة كاتبه وقام سلار في نصرة صاحبه الجاولي ووقع بينهما بسبب ذلك أمور وكان بيبرس من عادته أنه يركب لسلار عند ركوبه وينزل عند نزوله فمن يومئذ لم يركب معه وكادت الفتنة أن تقع بينهما ثم استدركا أمرها خوفًا من الملك الناصر وآصطلحا بعد أمور يطول شرحها وتكلما في أمر الوزر ومن يصلح لها فعين سلار كاتب بيبرس التاج ابن سعيد الدولة المقدم ذكره تقربًا لخاطر بيبرس بذلك فقال بيبرس‏:‏ ما يرضى فقال سلار‏:‏ دعني وإياه فقال بيبرس‏:‏ دونك وتفرقا‏.‏


فبعث سلار للتاج المذكور وأحضره فلما دخل عليه عبس وجهه وصاح بإزعاج‏:‏ هاتوا خلعة الوزارة فأحضروها وأشار إلى تاج الدولة المذكور بلبسها فتمنع فصرخ فيه وحلف لئن لم يلبسها ضرب عنقه فخاف الإخراق به لما يعلمه بغض سلار له فلبس التشريف وكان ذلك يوم الخميس خامس عشر المحرم من السنة وقبل يد سلار فبش في وجهه ووصاه وخرج تاج الدولة بخلعة الوزارة من دار النيابة بقلعة الجبل إلى قاعة الصاحب بها وبين يديه النقباء والحجاب وأخرجت له دواة الوزارة والبغلة فعلم على الأوراق وصرف الأمور إلى بعد العصر ثم نزل إلى داره‏.‏


وهذا كله بعد أن أمسك بيبرس سنجر الجاولي وصادره ثم نفاه إلى دمشق على إمرة طبلخاناه وولى مكانه أستادارًا الأمير أيدمر الخطيري صاحب الجامع ببولاق‏.‏
وفيها توفي الصاحب شهاب الدين أحمد بن أحمد بن عطاء الله الأذرعي الدمشقي الحنفي محتسب دمشق ووزيرها وكان رئيسًا فاضلًا حسن السيرة‏.‏
وفيها توفي الأمير عز الدين أيبك بن عبد الله الطويل الخازندار المنصوري في حادي عشر شهر ربيع الأول بدمشق وكان دينًا كثير البر والصدقات والمعروف‏.‏
وفيها توفي الأمير بدر الدين بكتاش بن عبد الله الفخري الصالحي النجمي أمير سلاح‏.‏
أصله من مماليك الأمير فخر الدين يوسف ابن نجم الدين أيوب فترقى في الخدم حتى صار من أكابر الأمراء وغزا غير مرة وعرف بالخير وعلو الهمة وسداد الرأي وكثرة المعروف‏.‏


ولما قتل الملك المنصور لاجين أجمعوا على سلطنته فامتنع وأشار بعود السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون وبعدها ترك الإمرة في حال مرضه الذي مات فيه‏.‏
رحمه الله تعالى‏.‏
وفيها توفي الأمير سيف الدين كاوركا المنصوري أحد أعيان الأمراء بالديار المصرية‏.‏
وفيها توفي الأمير سيف الدين بلبان الجوكندار المنصوري وكان ولي نيابة قلعة صفد وشد دواوين دمشق ثم نيابة قلعتها ثم نقل إلى نيابة حمص فمات بها وكان مشكور السيرة‏.‏
وفيها توفي القاضي بدر الدين محمد بن فضل الله بن مجلي العمري الدمشقي أخو كاتب السر القاضي شرف الدين عبد الوهاب ومحيي الدين يحيى وقد جاوز سبعين سنة‏.‏
وهذا أول بدر الدين من بني فضل الله ويأتي ذكر ثان وثالث والثالث هو كاتب السر بمصر‏.‏
وفيها توفي الأمير فارس الدين أصلم الردادي في نصف ذي القعدة وكان رئيسًا حشيمًا من وفيها توفي الأمير بهاء الدين يعقوبا الشهرزوري بالقاهرة في سابع عشر ذي الحجة وكان أميرًا حشيمًا شجاعًا وهو من حواشي بيبرس الجاشنكير‏.‏


وفيها توفي الطواشي عز الدين دينار العزيزي الخازندار الظاهري في يوم الثلاثاء سابع شهر ربيع الأول وكان دينًا خيرًا كثير الصدقات والمعروف‏.‏
وفيها توفي ملك الغرب الناصر أبو يعقوب يوسف بن يعقوب بن عبد الحق المريني وثب عليه سعادة الخصي أحد مواليه في بعض حجره وقد خضب رجليه بالحناء وهو مستلق على قفاه فطعنه طعنات قطع بها أمعاءه وخرج فأدرك وقتل ومات السلطان من جراحه في آخر يوم الأربعاء سابع ذي القعدة وأقيم بعده في الملك أبو ثابت عامر ابن الأمير أبي عامر عبد الله ابن السلطان أبي يعقوب - هذا أعني حفيده‏.‏
وكان مدة ملكه إحدى وعشرين سنة‏.‏
وفيها توفي الطواشي شمس الدين صواب السهيلي بالكرك عن مائة سنة وكان مشكور السيرة‏.‏
وفيها توفي الشيخ ضياء الدين عبد العزيز بن محمد بن علي الطوسي الفقيه الشافعي بدمشق في تاسع عشرين جمادى الأولى وكان فقيهًا نحويًا مصنفًا‏.‏
شرح ‏"‏ الحاوي ‏"‏ في الفقه و ‏"‏ مختصر ابن الحاجب ‏"‏ وغير ذلك‏.‏



السنة العاشرة

من سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون (الثانية) على مصر وهي سنة سبع وسبعمائة‏.‏

فيها ورد الخبر عن ملك اليمن هزبر الدين داود بأمور تدل على عصيانه فكتب السلطان والخليفة بالإنذار ثم رسم السلطان للأمراء أن يعمل كل أمير مركبًا يقال لها‏:‏ جلبة وعمارة قياسة يقال لها‏:‏ فلوة برسم حمل الأزواد وغيرها لغزو بلاد اليمن‏.‏
وفيها عمر الأمير بيبرس الجاشنكير الخانقاه الركنية داخل باب النصر موضع دار الوزارة برحبة باب العيد من القاهرة ووقف عليها أوقافًا جليلة ومات قبل فتحها فأغلقها الملك الناصر في سلطنته الثالثة مدة ثم أمر بفتحها ففتحت‏.‏


وفيها عمر الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصغير نائب دمشق جامعًا بالصالحية وبعث يسأل في أرض يوقفها عليه فأجيب إلى ذلك‏.‏
وفيها وقع الاهتمام على سفر اليمن وعول الأمير سلار أن يتوجه إليها بنفسه خشية من السلطان الملك الناصر وذلك بعد أن أراد السلطان القبض عليه وعلى بيبرس الجاشنكير عندما اتفق السلطان مع بكتمر الجوكندار وقد تقدم ذكر ذلك كله في أصل هذه الترجمة وأيضًا أنه شق عليه ما صار إليه بيبرس الجاشنكير من القوة والاستظهار عليه بكثرة خشداشيته البرجية والبرجية كانت يوم ذاك مثل مماليك الأطباق الآن وصار غالب البرجية أمراء فآشتدت شوكة بيبرس بهم بحيث إنه أخرج الأمير سنجر الجاولي وصادره بغير آختيار سلار وعظمت مهابته وآنبسطت يده بالتحكم وانفرد بالركوب في جمع عظيم وقصد البرجية في نوبة بكتمر الجوكندار إخراج الملك الناصر محمد إلى الكرك وسلطنة بيبرس لولا ما كان من منع سلار لسياسة وتدبير كانا فيه‏.‏


فلما وقع ذلك كله خاف سلار عواقب الأمور من السلطان ومن بيبرس وتحيل في الخلاص من ذلك بأنه يحج في جماعته ثم يسير إلى اليمن فيملكها ويمتنع بها ففطن بيبرس لهذا فدس عليه جماعة من الأمراء من أثنى عزمه عن ذلك ثم آقتضى الرأي تأخير السفر حتى يعود جواب صاحب اليمن‏.‏
وفيها حبس تقي الدين بن تيمية بعد أمور وقعت له‏.‏
وفيها توفي الأمير عز الدين أيدمر السناني بدمشق وكان فاضلًا وله شعر وخبرة بتفسير المنامات‏.‏
ومن شعره‏:‏ تجد النسيم إلى الحبيب رسولا دنف حكاه رقة ونحولا تجري العيون من العيون صبابة فتسيل في إثر الغريق سيولا وتقول من حسد له‏:‏ يا ليتني كنت آتخذت مع الرسول سبيلا وفيها توفي الأمير ركن الدين بيبرس العجمي الصالحي المعروف بالجالق والجالق باللغة التركية‏:‏ آسم للفرس الحاد المزاج الكثير اللعب وكان أحد البحرية وكبير الأمراء بدمشق ومات في نصف جمادى الأولى بمدينة الرملة عن نحو الثمانين سنة وكان دينًا فيه مروءة وخير‏.‏
وجالق بفتح الجيم وبعد الألف لام مكسورة وقاف ساكنة‏.‏


وفيها توفي الأمير الطواشي شهاب الدين فاخر المنصوري مقدم المماليك السلطانية وكانت له سطوة ومهابة على المماليك السلطانية بحيث إنه كان لا يستجرىء أحد منهم أن يمر من بين يديه كائنًا من كان بحاجة أو بغير حاجة وحيثما وقع بصره عليه أمر بضربه‏.‏
قلت‏:‏ لله در ذلك الزمان وأهله‏!‏ ما كان أحسن تدبيرهم وأصوب حدسهم من جودة تربية صغيرهم وتعظيم كبيرهم‏!‏ حتى ملكوا البلاد ودانت لهم العباد وآستجلبوا خواطر الرعية فنالوا الرتب السنية‏.‏


وفيها توفي المعتقد عمر بن يعقوب بن أحمد السعودي في جمادى الآخرة‏.‏
وفيها توفي الشيخ فخر الدين عثمان بن جوشن السعودي في يوم الأربعاء من شهر رجب وكان رجلًا صالحًا معتقدًا‏.‏
وفيها توفي الصاحب تاج الدين محمد آبن الصاحب فخر الدين محمد آبن الصاحب بهاء الدين علي بن محمد بن سليم بن حنا ومولده في تاسع شعبان سنة أربعين وستمائة وجده لأمه الوزير شرف الدين صاعد الفائزي‏.‏
وكانت له رياسة ضخمة وفضيلة ومات بالقاهرة في يوم السبت خامس جمادى الآخرة‏.‏


السنة الحادية عشرة

من سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون (الثانية) على مصر وهي سنة ثمان وسبعمائة وهي التي خلع فيها الملك الناصر المذكور من ملك مصر وأقام فيها أفرج عن الملك المسعود خضر ابن الملك الظاهر بيبرس البندقداري من البرج بقلعة الجبل وأسكن بدار الأمير عز الدين الأفرم الكبير بمصر وذلك في شهر ربيع الأول‏.‏
وفيها كان خروج الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب الترجمة من القاهرة قاصدًا الحج وسار إلى الكرك وخلع نفسه‏.‏


وفيها توفي الشيخ علم الدين إبراهيم بن الرشيد بن أبي الوحش رئيس الأطباء بالديار المصرية والبلاد الشامية وكان بارعًا في الطب محظوظًا عند الملوك ونالته السعادة من ذلك حتى إنه لما مات خلف ثلاثمائة ألف دينار غير القماش والأثاث‏.‏
وفيها توفي الأمير عز الدين أيبك الشجاعي الأشقر شاد الدواوين بالقاهرة في المحرم‏.‏
وفيها توفي الأمير علاء الدين ألطبرس المنصوري والي باب القلعة والملقب بالمجنون المنسوب إليه العمارة فوق قنطرة المجنونة على الخليج الكبير خارج القاهرة عمرها للشيخ شهاب الدين العابر ولفقرائه وعقدها قبوًا‏.‏


وفي ذلك يقول علم الدين ابن الصاحب‏:‏ ولقد عجبت من الطبرس وصحبه وعقولهم بعقوده مفتونه عقدوه عقدًا لا يصح لأنهم عقدوا لمجنون على مجنونه وكان ألطبرس المذكور عفيفًا دينًا غير أنه كان له أحكام قراقوشية من تسلطه على النساء ومنعهن من الخروج إلى الأسواق وغيرها وكان يخرج أيام الموسم إلى القرافة وينكل بهن فامتنعن من الخروج في زمانه إلا لأمر مهم مثل الحمام وغيره‏.‏
وفيها توفي الأمير عز الدين أيدمر الرشيدي أستادار الأمير سلار نائب السلطنة بالديار المصرية في تاسع عشر شوال وكان عاقلًا رئيسًا وله ثروة واسعة وجاه عريض‏.‏


وفيها توفي الشيخ المعتقد عبد الغفار بن أحمد بن عبد المجيد بن نوح القوصي القائم بخراب الكنائس بقوص وغيرها في ليلة الجمعة سابع ذي القعدة وكان له أتباع ومريدون وللناس فيه آعتقاد‏.‏
وفيها توفي ظهير الدين أبو نصر بن الرشيد بن أبي السرور بن أبي النصر السامري الدمشقي الكاتب في حادي عشرين شهر رمضان بدمشق ومولده سنة آثنتين وعشرين وستمائة كان أولًا سامريًا ثم أسلم في أيام الملك المنصور قلاوون وتنقل في الخدم حتى ولي نظر جيش دمشق إلى أن مات‏.‏













توقيع 

 



ألفريد
صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 13-01-2012, 10:16 PM   رقم المشاركة:496
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 55
المشاركات: 8,866
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) السلطان الملك المظفر ركن الدين بيبرس بن عبد الله المنصوري (1)

السلطان الملك المظفر ركن الدين بيبرس بن عبد الله المنصوري (1)






السلطان الملك المظفر ركن الدين بيبرس بن عبد الله المنصوري

الجاشنكير أصله من مماليك الملك المنصور قلاوون البرجية وكان جركسي الجنس ولم نعلم أحدًا ملك مصر من الجراكسة قبله إن صح أنه كان جركسيًا‏.‏
وتأمر في أيام أستاذه المنصور قلاوون وبقي على ذلك إلى أن صار من أكابر الأمراء في دولة الملك الأشرف خليل بن قلاوون‏.‏
ولما تسلطن الملك الناصر محمد بن قلاوون بعد قتل أخيه الأشرف خليل صار بيبرس هذا أستادارًا إلى أن تسلطن الملك العادل زين الدين كتبغا عزله عن الأستادارية بالأمير بتخاص وقيل‏:‏ إنه قبض على بيبرس هذا وحبسه مدة ثم أفرج عنه وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية‏.‏
واستمر على ذلك حتى قتل الملك المنصور حسام الدين لاجين فكان بيبرس هذا أحد من أشار بعود الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى الملك‏.‏



فلما عاد الناصر إلى ملكه تقرر بيبرس هذا أستادارًا على عادته وسلار نائبًا فأقاما على ذلك سنين إلى أن صار هو وسلار كفيلي الممالك الشريفة الناصرية والملك الناصر محمد معهما آلة في السلطنة إلى أن ضجر الملك الناصر منهما وخرج إلى الحج فسار إلى الكرك وخلع نفسه من الملك‏.‏
وقد ذكرنا ذلك كله في ترجمة الملك الناصر محمد‏.‏
فعند ذلك وقع الاتفاق على سلطنة بيبرس هذا بعد أمور نذكرها فتسلطن وجلس على تخت الملك في يوم السبت الثالث والعشرين من شوال من سنة ثمان وسبعمائة‏.‏



وهو السلطان الحادي عشر من ملوك الترك والسابع ممن مسهم الرق والأول من الجراكسة إن صح أنه جركسي الجنس ودقت البشائر وحضر الخليفة أبو الربيع سليمان وفوض إليه تقليد السلطنة وكتب له عهدًا وشمله بخطه وكان من جملة عنوان التقليد‏:‏ ‏"‏ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ‏"‏‏.‏
ثم جلس الأمير بتخاص والأمير قلي والأمير لاجين الجاشنكير لاستحلاف الأمراء والعساكر فحلفوا الجميع وكتب بذلك إلى الأقطار‏.‏
والآن نذكر ما وعدنا بذكره من سبب سلطنة بيبرس هذا مع وجود سلار وآقوش قتال السبع وهما أكبر منه وأقدم وأرفع منزلة فنقول‏:‏ لما خرج الملك الناصر محمد بن قلاوون من الديار المصرية إلى الحج ثم ثنى عزمه عن الحج وتوجه إلى الكرك خلع نفسه فلما حضر كتابه الثاني بتركه السلطنة - وقد تقدم ذكر ذلك في أواخر ترجمة الناصر بأوسع من هذا - أثبت الكتاب على القضاة‏.‏



فلما أصبح نهار السبت الثالث والعشرين من شوال جلس الأمير سلار النائب بشباك دار النيابة بالقلعة وحضر إلى عنده الأمير بيبرس الجاشنكير هذا وسائر الأمراء وآشتوروا فيمن يلي السلطنة فقال الأمير آقوش قتال السبع والأمير بيبرس الدوادار والأمير أيبك الخازندار وهم أكابر الأمراء المنصورية‏:‏ ينبغي آستدعاء الخليفة والقضاة وإعلامهم بما وقع فخرج الطلب لهم وحضروا وقرىء عليهم كتاب السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون وشهد عند قاضي القضاة زين الدين بن مخلوف الأميران‏:‏ عز الدين أيدمر الخطيري والأمير الحاج آل ملك ومن كان توجه معهم إلى الكرك في الرسلية بنزول الملك الناصر عن الملك وتركه ‏"‏ مملكة مصر والشام فأثبت ذلك‏.‏
وأعيد الكلام فيمن يصلح للسلطنة من الأمراء فأشار الأمراء الأكابر بالأمير سلار فقال سلار‏:‏ نعم على شرط‏:‏ كل ما أشير به لا تخالفوه‏.‏



وأحضر المصحف وحلفهم على موافقته وألا يخالفوه في شيء فقلق البرجية من ذلك ولم يبق إلا إقامتهم الفتنة فكفهم الله عن ذلك وآنقضى الحلف فعند ذلك قال الأمير سلار‏:‏ والله يا أمراء أنا ما أصلح للملك ولا يصلح له إلا أخي هذا وأشار إلى بيبرس الجاشنكير ونهض قائمًا إليه فتسارع البرجية بأجمعهم‏:‏ صدق الأمير سلار وأخذوا بيد الأمير بيبرس وأقاموه كرهًا وصاحوا بالجاويشية فصرخوا بآسمه وكان فرس النوبة عند الشباك فألبسوه تشريف السلطنة الخليفتي وهي فرجية أطلس سوداء وطرحة سوداء وتقلد بسيفين ومشى سلار والأمراء بين يديه من عند سلار من دار النيابة بالقلعة وهو راكب وعبر من باب القلعة إلى الإيوان بالقلعة وجلس على تخت الملك وهو يبكي بحيث يراه الناس وذلك في يوم السبت المذكور ولقب بالملك المظفر وقبل الأمراء الأرض بين يديه طوعًا وكرهًا ثم قام إلى القصر وتفرق الناس بعد ما ظنوا كل الظن من وقوع الفتنة بين وقيل في سلطنته وجه آخر وهو أنه لما آشتوروا الأمراء فيمن يقوم بالملك فاختار الأمراء سلار لعقله وآختار البرجية بيبرس فلم يجب سلار إلى ذلك وآنفض المجلس وخلا كل من أصحاب بيبرس وسلار بصاحبه وحسن له القيام بالسلطنة وخوفه عاقبة تركها وأنه متى ولي غيره لا يوافقونه بل يقاتلونه‏.‏



وبات البرجية في قلق خوفًا من ولاية سلار وسعى بعضهم إلى بعض وكانوا أكثر جمعًا من أصحاب سلار وأعدوا السلاح وتأهبوا للحرب‏.‏
فبلغ ذلك سلار فخشي سوء العاقبة واستدعى الأمراء إخوته وحفدته ومن ينتمي إليه وقرر معهم سرًا موافقته على ما يشير به وكان مطاعًا فيهم فأجابوه ثم خرج في شباك النيابة ووقع نحو مما حكيناه من عدم قبوله السلطنة وقبول بيبرس الجاشنكير هذا وتسلطن حسب ما ذكرناه وتم أمره وآجتمع الأمراء على طاعته ودخلوا إلى الخدمة على العادة في الاثنين خامس عشرين شوال فأظهر بيبرس التغمم بما صار إليه‏.‏
وخلع على الأمير سلار خلعة النيابة على عادته بعد ما استعفى وطلب أن دون من جملة الأمراء وألح في ذلك حتى قال له الملك المظفر بيبرس‏:‏ إن تكن أنت نائبًا فلا أعمل أنا السلطنة أبدًا فقامت الأمراء على سلار إلى أن قبل ولبس خلعة النيابة‏.‏



ثم عينت الأمراء للتوجه إلى النواب بالبلاد الشامية وغيرها فتوجه إلى نائب دمشق - وهو الأمير جمال الدين آقوش الأفرم الصغير المنصوري - الأمير أيبك البغدادي ومعه آخر يسمى شادي ومعهما كتاب وأمرهما أن يذهبا إلى دمشق ويحلفا نائبه المذكور وسائر الأمراء بدمشق وتوجه إلى حلب الأمير ركن الدين بيبرس الأحمدي وطيبرس الجمدار وعلى يديهما كتاب مثل ذلك وتوجه إلى حماة الأمير سيف الدين بلاط الخوكندار وطيدمر الجمدار وتوجه إلى صفد عز الدين أزدمر الإسماعيلي وبيبرس بن عبد الله وتوجه إلى طرابلس عز الدين أيدمر اليونسي وأقطاي الجمدار‏.‏



وخطب له بالقاهرة ومصر في يوم الجمعة التاسع والعشرين من شوال المذكور وتوجه الأمراء المذكورون إلى البلاد الشامية‏.‏
فلما قرب من سار إلى دمشق خرج النائب آقوش الأفرم ولاقاهما خارج دمشق وعاد بهما فلما قرأ الكتاب بسلطنة بيبرس كاد أن يطير فرحًا لأنه كان خشداش بيبرس وكان أيضًا جاركسي الجنس وكانا يوم ذاك بين الأقراك كالغرباء‏.‏
بنت دمشق زينة هائلة كما زينت القاهرة لسلطنته‏.‏
ثم أخرج كتاب السلطان بالحلف وفيه أن يحلفوا ويبعثوا لنا نسخة الأيمان فأجاب جميع الأمراء بالسمع والطاعة وسكت منهم أربعة أنفس ولم يتحدثوا بشيء وهم‏:‏ بيبرس العلائي وبهادر آص وآقجبا الظاهري وبكتمر الحاجب بدمشق فقال لهم الأفرم‏:‏ يا أمراء كل الناس ينتظرون كلامكم فتكلموا فقال بهادر آص‏:‏ نريد الخط الذي كتبه الملك الناصر بيده وفيه عزل نفسه فأخرج النائب خط الملك الناصر فرآه بهادر ثم قال‏:‏ يا مولانا ملك الأمراء لا تستعجل فممالك الشام فيها أمراء غيرنا مثل الأمير قرا سنقر نائب حلب وقبجق نائب حماة وأسندمر نائب طرابلس وغيرهم فنرسل إليهم ونتفق معهم على المصلحة فإذا شاورناهم تطيب خواطرهم وربما يرون من المصلحة ما لا نرى نحن ثم قام بهادر المذكور وخرج فخرجت الأمراء كلهم في أثره فقال الأمير أيبك البغدادي القادم من مصر للأفرم‏:‏ لو مسكت بهادر آص لا نصلح الأمر على ما نريد‏!‏ فقال له الأفرم‏:‏ والله العظيم لو قبضت عليه لقامت فتنة عظيمة تروح فيها روحك وتغيير الدول يا أيبك ما هو هين‏!‏ وأنا ما أخاف من أمراء الشام من أحد إلا من قبجق المنصوري فإنه ربما يقيم فتنة من خوفه على روحه‏.‏
قلت‏:‏ وقبجق هذا هو الذي كان نائب دمشق في أيام المنصور لاجين وتوجه إلى غازان وأقدمه إلى الشام‏.‏
وقد تقدم ذكر ذلك كله‏.‏



ولما كان اليوم الثاني طلب الأفرم هؤلاء الأمراء الأربعة وآختلى بهم وقال لهم‏:‏ اعلموا أن هذا أمر انقضى ولم يبق لنا ولا لغيرنا فيه مجال وأنتم تعلمون أن كل من يجلس على كرسي مصر كان هو السلطان ولو كان عبدًا حبشيًا فما أنتم بأعظم من أمراء مصر وربما يبلغ هذا إليه فيتغير قلبه عليكم ولم يزل يتلاطف بهم حتى حلفوا له فلما حلفوا حلف باقي الأمراء وخلع الأفرم على جميع الأمراء والقضاة خلعًا سنية وكذلك خلع على الأمير أيبك البغدادي وعلى رفيقه شادي وأعطاهما ألفي دينار وزودهما وردهما في أسرع وقت‏.‏
وكتب معهما كتابًا يهنىء بيبرس بالملك ويقول‏:‏ عن قريب تأتيك نسخة الأيمان‏.‏
وقدما القاهرة وأخبرا الملك المظفر بيبرس بذلك فسر وآنشرح صدره بذلك‏.‏



ثم إن الأفرم نائب الشام أرسل إلى قرا سنقر وإلى قبجق شخصًا من مماليكه بصورة الحال فأما قراسنقر نائب حلب فإنه لما سمع الواقعة وقرأ كتاب الأفرم قال‏:‏ أيش الحاجة إلى مشاورتنا‏!‏ أستاذك بعثك بعد أن حلف وكان ينبغي أن يتأنى في ذلك وأما قبجق نائب حماة فإنه لما قرأ كتاب الأفرم قال‏:‏ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أيش جرى على آبن أستاذنا حتى عزل نفسه‏!‏ والله لقد دبرتم أنحس تدبير هذه والله نوبة لاجين‏.‏

ثم قال لمملوك الأفرم‏:‏ اذهب إلى أستاذك وقل له‏:‏ الآن بلغت مرادك وسوف تبصر من يصبح ندمان وفي أمره حيران‏!‏ وكذلك لما بعث الأفرم لأسندمر نائب طرابلس فلما قرأ كتابه أطرق رأسه إلى الأرض ثم قال‏:‏ أذهب لأستاذك وقل له‏:‏ يا بعيد الذهن وقليل العلم بعد أن دبرت أمرًا فما الحاجة إلى مشاورتنا‏!‏ فوالله ليكونن عليك أشأم التدبير وسيعود وباله عليك ولم يكتب له جوابًا‏.‏



وأما قرا سنقر نائب حلب فإنه أرسل إلى قبجق وإلى أسندمر يعلمهما أن الأفرم حلف عساكر دمشق على طاعة بيبرس ولا نأمن أن يعمل الأفرم علينا فهلموا نجتمع في موضع واحد فنتشاور ونرى أمرًا يكون فيه المصلحة فاتفقوا الجميع على أن يجتمعوا في حلب عند قرا سنقر وعينوا ليلة يكون اجتماعهم فيها‏.‏
فأما قبجق فإنه ركب إلى الصيد بمماليكه خاصة وتصيد إلى الليل فسار إلي حلب‏.‏
وأما أسندمر أظهر أنه ضعيف وأمر ألا يخلي أحدًا يدخل عليه وفي الليل ركب بمماليكه الذين يعتمد عليهم وقد غيروا ملابسهم وسار يطلب حلب‏.‏
واجتمع الجميع عند قرا سنقر فقال لهم قرا سنقر‏:‏ ما تقولون في هذه القضية التي جرت‏.‏



فقال قبجق‏:‏ والله لقد جرى أمر عظيم وإن لم نحسن التدبير نقع في أمور‏!‏ يعزل آبن أستاذنا ويأخذها بيبرس‏!‏ ويكون الأفرم هو مدبر الدولة‏!‏ وهو على كل حال عدونا ولا نأمن شره فقالوا‏:‏ فما نفعل قال‏:‏ الرأي أن نكتب إلى ابن أستاذنا في الكرك ونطلبه إلى حلب ونركب معه فإما نأخذ له الملك وإما أن نموت على خيولنا‏!‏ ففال أسندمر‏:‏ هذا هو الكلام فحلف كل من الثلاثة على هذا الاتفاق ولا يقطع واحد منهم أمرًا إلا بمشورة أصحابه وأنهم يموت بعضهم على بعض ثم إنهم تفرقوا في الليل كل واحد إلى بلده‏.‏
وأما الأمراء الذين خرجوا من مصر إلى النواب بالبلاد الشامية بالخلع وبسلطنة بيبرس فإنهم لما وصلوا إلى دمشق قال لهم الأفرم‏:‏ أنا أرسلت إليهم مملوكي فردوا علي جوابًا لا يرضى به مولانا السلطان‏.‏



وكان الأفرم أرسل إلى الملك المظفر بيبرس نسخة اليمين التي حلف بها أمراء دمشق مع مملوكه مغلطاي فأعطاه الملك المظفر إمرة طبلخاناه وخلع عليه وأرسل معه خلعة لأستاذه الأفرم بألف دينار وأطلق له شيئًا كثيرًا كان لبيبرس في الشام قبل سلطنته من الحواصل والغلال فسر الأفرم بذلك غاية السرور ثم قال الأميران اللذان وصلا إلى دمشق للأفرم‏:‏ ما تشير به علينا فقال لهما‏:‏ ارجعا إلى مصر ولا تذهبا إلى هؤلاء فإن رؤوسهم قوية وربما يثيرون فتنة فقالا‏:‏ لا غنى لنا عن أن نسمع كلامهم ثم إنهما ركبا من دمشق وسارا إلى حماة ودخلا على قبجق ودفعا له كتاب الملك المظفر فقرأه ثم قال‏:‏ وأين كتاب الملك الناصر فأخرجا له الكتاب فلما وقف عليه بكى ثم قال‏:‏ من قال إن هذا خط الملك الناصر والله واحد يكون وكيلًا في قرية ما يعزل نفسه منها بطيبة من خاطره‏!‏ ولا بد لهذا الأمر من سبب اذهبا إلى الأمير قرا سنقر فهو أكبر الأمراء وأخبرهم بالأحوال فركبا وسارا إلى حلب واجتمعا بقراسنقر فلما قرأ كتاب المظفر قال‏:‏ يا إخوتي إنا على أيمان آبن أستاذنا لا نخونه ولا نحلف لغيره ولا نواطىء عليه ولا نفسد ملكه فكيف نحلف لغيره‏!‏ والله لا يكون هذا أبدًا ودعوا يجري ما يجري وكل شيء ينزل من السماء تحمله الأرض ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏!‏ فخرجا من عنده وسارا إلى طرابلس ودخلا على أسندمر فقال لهما مثل مقالة قبجق وقراسنقر فخرجا وركبا وسارا نحو الديار المصرية ودخلا على الملك المظفر بيبرس وأعلماه بما كان فضاق صدر المظفر وأرسل خلف الأمير سلار النائب وقص عليه القصة فقال له سلار‏:‏ هذا أمر هين ونقدر أن نصلح هؤلاء فقال‏:‏ وكيف السبيل إلى ذلك‏.‏



قال‏:‏ تكتب إلى قرا سنقر كتابًا وترقق له في الكلام وأرسل إليه تقليدًا بنيابة حلب وبلادها وأنه لا يحمل منه الدرهم الفرد وكذا لقبجق بحماة ولأسندمر بطرابلس والسواحل فقال بيبرس‏:‏ إذا فرقت البلاد عليهم ما يساوي ملكي شيئًا‏!‏ فقال له سلار‏:‏ وكم أمن يد تقبل عن ضرورة وهي تستحق القطع‏!‏ فآسمع مني وأرضهم في هذا الوقت فإذا قدرت عليهم بعد ذلك افعل بهم ما شئت فمال المظفر إلى كلامه وأمر أن يكتب بما قاله سلار لكل واحد على حدته فكتب ذلك وأرسله مع بعض خواصه‏.‏
وأما أمر الملك الناصر محمد بن قلاوون فإن الملك المظفر لما تسلطن وتم أمره كتب له تقليدًا بالكرك وسيره له على يد الأمير آل ملك ومنشورًا بما عين له من الإقطاعات‏.‏
وأما أمر قرا سنقر فإنه جهز ولده محمدًا إلى الملك الناصر محمد بالكرك وعلى يده كتابه وكتاب قبجق نائب حماه وكتاب أسندمر نائب طرابلس‏.‏



ومضمون كتاب قرا سنقر‏:‏ أنه يلوم الملك الناصر عن نزوله عن الملك وكيف وقع له ذلك ولم يشاوره في أول الأمر ثم وعده برجوع ملكه إليه عن قريب وأنه هو وقبجق وأسندمر ما حلفوا للمظفر وأنهم مقيمون على أيمانهم له‏.‏
وكذلك كتاب قبجق وكتاب أسندمر فأخذ الأمير ناصر الدين محمد بن قرا سنقر كتب الثلاثة وسار مسرعًا ومعه نجاب خبير بتلك الأرض فلم يزالا سائرين في البرية والمفاوز إلى أن وصلا إلى الكرك وآبن قرا سنقر عليه زي العرب فلما وقفا على باب الكرك سألوهما من أين أنتما فقالا‏:‏ من مصر فدخلوا وأعلموا الملك الناصر محمدًا بهما واستأذنوه في إحضارهما فأذن لهما بالدخول فلما مثلا بين يديه كشف ابن قرا سنقر لثامه عن وجهه فعرفه السلطان وقال له‏:‏ محمد فقال‏:‏ لبيك يا مولانا السلطان وقبل الأرض وقال‏:‏ لا بد من خلوة فأمر السلطان لمن حوله بالانصراف فعند ذلك حدث ابن قرا سنقر السلطان بما جرى من أبيه وقبجق وأسندمر وأنهم آجتمعوا في حلب وتحالفوا بأنهم مقيمون على الأيمان التي حلفوها للملك الناصر ثم دفع له الكتب الثلاثة فقرأها ثم قال‏:‏ يا محمد ما لهم قدرة على ما آتفقوا عليه فإن كل من في مصر والشام قد آتفقوا على سلطنة بيبرس فلما سمع ابن قراسنقر ذلك حلف بأن كل واحد من هؤلاء الثلاثة كفء لأهل مصر والشام ومولانا السلطان أخبر بذلك مني فتبسم السلطان وقال صدقت يا محمد ولكن القائل يقول‏:‏
# كن جريًا إذا رأيت جبانًا ** وجبانًا إذا رأيت جريا
لا تقاتل بواحد أهل بيت فضعيفان يغلبان قويا وهذه البلاد كلها دارت مع بيبرس ولا يتم لنا الحال إلا بحسن التدبير والمداراة والصبر على الأمور‏.‏



ثم إنه أنزله في موضع وأحسن إليه وقال له‏:‏ استرح اليوم وغدًا ثم سافر فأقام يومين ثم طلبه الملك الناصر في صبيحة اليوم الثالث وأعطاه جواب الكتب وقال له‏:‏ سلم على أبي يعني على قرا سنقر وقل له‏:‏ اصبر ثم خلع عليه خلعة سنية وأعطاه ألف دينار مصرية وخلع على معن النجاب الذي أتى به أيضًا وأعطاه ألف درهم فخرج آبن قرا سنقر والنجاب معه وأسرعا في السير إلى أن وصلا إلى حلب فدخل آبن قراسنقر إلى أبيه ودفع له كتاب الملك الناصر ففتحه فإذا فيه‏:‏ ‏"‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏:‏ حرس الله تعالى نعمة المقر العالي الأبوي الشمسي ومتعنا بطول حياته فقد علمنا ما أشار به وما عول عليه وقد علمنا قديمًا وحديثًا أنه لم يزل على هذه الصورة وأريد منك أنك تطول روحك علي فهذا الأمر ما ينال بالعجلة لأنك قد علمت انتظام أمراء مصر والشام في سلك واحد ولا سيما الأفرم ومن معه من اللئام فهذه عقدة لا تنحل إلا بالصبر وإن حضر إليك أحد من جهة المظفر وطلب منك اليمين له فقدم النية أنك مجبور ومغصوب واحلف‏.‏
ولا تقطع كتبك عني في كل وقت وعرفني بجميع ما يجري من الأمور قليلها وكثيرها ‏"‏‏.‏



وكذلك كتب في كتاب قبجق وأسندمر فعرف قرا سنقر مضمون كتابه ثم بعد قليل وصل إلى قرا سنقر من الملك المظفر بيبرس تقليد بنيابه حلب وبلادها دربست على يد أمير من أمراء مصر‏.‏
ومن
مضمون الكتاب الذي من المظفر إلى قرا سنقر
‏:‏ ‏"‏ أنت خشداشي ولو علمت أن هذا الأمر يصعب عليك ما عملت شيئًا حتى أرسلت إليك وأعلمتك به لأن ما في المنصورية أحد أكبر منك غير أنه لما نزل ابن أستاذنا عن الملك آجتمع الأمراء والقضاة وكافة الناس وقالوا‏:‏ ما لنا سلطان إلا أنت وأنت تعلم أن البلاد لا تكون بلا سلطان فلو لم أتقدم أنا كان غيري يتقدم فآجعلني واحدًا منكم ودبرني برأيك‏.‏
وهذه حلب وبلادها دربست لك وكذا لخشداشيتك‏:‏ الأمير قبجق والأمير أسندمر ‏"‏‏.‏



وسير الملك المظفر لكل من هؤلاء الثلاثة خلعة بألف دينار وفرشًا قماشه بألف دينار وعشرة رؤوس من الخيل‏.‏
فعند ذلك حلف قرا سنقر وقبجق وأسندمر ورجع الأمير المذكور إلى مصر بنسخة اليمين‏.‏
فلما وقف عليها الملك المظفر فرح غاية الفرح وقال‏:‏ الآن تم لي الملك‏.‏
ثم شرع من يومئذ في كشف أمور البلاد وإزالة المظالم والنظر في أحوال الرعية‏.‏
ثم آستهلت سنة تسع وسبعمائة وسلطان الديار المصرية الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير المنصوري والخليفة المستكفي بالله أبو الربيع سليمان ونائب السلطنة بديار مصر الأمير سلار ونائب الشام الأمير آقوش الأفرم الصغير ونائب حلب الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصوري ونائب حماة الأمير سيف الدين قبجق المنصوري ونائب طرابلس الأمير سيف الدين أسندمر المنصوري‏.‏



ثم فشا في الناس في السنة المذكورة أمراض حادة وعم الوباء الخلائق وعز سائر ما يحتاج إليه المرضى‏.‏

ثم توقفت زيادة النيل إلى أن دخل شهر مسري وآرتفع سعر القمح وسائر الغلال ومنع الأمراء البيع من شونهم إلا الأمير عز الدين أيدمر الخطيري الاستادار فإنه تقدم إلى مباشريه ألا يتركوا عنده سوى مؤونة سنة واحدة وباع ما عداه قليلًا قليلًا‏.‏
والخطيري هذا هو صاحب الجامع الذي بخط بولاق‏.‏

وخاف الناس أن يقع نظير غلاء كتبغا وتشاءموا بسلطنة الملك المظفر بيبرس المذكور‏.‏
ثم إن الخطيب نور الدين علي بن محمد بن الحسن بن علي القسطلاني خرج بالناس وآستسقى وكان يومًا مشهودًا فنودي من الغد بثلاث أصابع ثم توقفت الزيادة مدة ثم زاد وانتهت زيادة النيل فيه إلى خمس عشرة ذراعًا وسبع عشرة إصبعًا في سابع عشرين توت ثم نقص في أيام النسيء وجاء النوروز ولم يوف النيل ست عشرة ذراعًا ففتح سد الخليج في يوم الجمعة ثامن توت وهو ثامن عشرين شهر ربيع الأول‏.‏



وذكر بعضهم أنه لم يوف إلى تاسع عشر بابه وهو يوم الخميس حادي عشر جمادى الأولى وذلك بعد اليأس منه وهذا القول هو الأشهر‏.‏
قال‏:‏ وآنحط مع سلطاننا ركين ونائبنا دقين يجينا الماء منين جيبوا لنا الأعرج يجيء الماء ويدحرج ومن يومئذ وقعت الوحشة بين المظفر وبين عامة مصر وأخذت دولة الملك المظفر بيبرس في آضطراب وذلك أنه كثر توهمه من الملك الناصر محمد بن قلاوون وقصد في أيامه كل واحد من خشداشيته أن يترقى إلى أعلى منزلة واتهموا الأمير سلار بمباطنة الملك الناصر محمد وحذروا الملك المظفر منه وحسنوا له القبض على سلار المذكور فجبن بيبرس عن ذلك‏.‏
ثم ما زالوا حتى بعث الأمير مغلطاي إلى الملك الناصر محمد بن قلاوون بالكرك ليأخذ منه الخيل والمماليك التي عنده وتغلظ في القول فغضب الملك الناصر من ذلك غضبًا شديدًا وقال له‏:‏ أنا خليت ملك مصر والشام لبيبرس ما يكفيه حتى ضاقت عينه على فرس عندي ومملوك لي ويكرر الطلب‏!‏ ارجع إليه وقل له‏:‏ والله لئن لم يتركني وإلا دخلت بلاد التتار وأعلمهم أني تركت ملك أبي وأخي وملكي لمملوكي وهو يتابعني ويطلب مني ما أخذته‏.‏



فجافاه مغلطاي وخشن له في القول بحيث اشتد غضب الملك الناصر وصاح به‏:‏ ويلك وصلت إلى هنا‏!‏ وأمر أن يجر ويرمى من سور القلعة فثار به المماليك يسبونه ويلعنونه وأخرجوه إلى السورة فلم يزل به أرغون الدوادار والأمير طغاي إلى أن عفا عنه وحبسه ثم أخرجه ماشيًا‏.‏
وعظم ذلك على الملك الناصر وكتب ملطفات إلى نواب البلاد الشامية بحلب وحماة وطرابلس وصفد ثم إلى مصر ممن يثق به وذكر ما كان به من ضيق اليد وقلة الحرمة وأنه لأجل هذا ترك ملك مصر وقنع بالإقامة بالكرك وأن السلطان الملك المظفر في كل وقت يرسل يطالبه بالمماليك والخيل التي عنده‏.‏



ثم ذكر لهم في ضمن الكتاب‏:‏ ‏"‏ أنتم مماليك أبي وربيتموني فإما أن تردوه عني وإلا سرت إلى بلاد التتار ‏"‏ وتلطف في مخاطبتهم غاية التلطف وسير لهم بالكتب على يد العربان فأوصلوها إلى أربابها‏.‏
وكان قد أرسل الملك المظفر قبل ذلك يطلب منه المال الذي كان بالكرك والخيل والمماليك التي عنده حسب ما يأتي ذكره في ترجمة الملك الناصر محمد فبعث إليه الملك الناصر بالمبلغ الذي أخذه من الكرك فلم يقنع المظفر بذلك وأرسل ثانيًا وكان الملك الناصر لما أقام بالكرك صار يخطب بها للملك المظفر بيبرس بحضرة الملك الناصر والملك الناصر يتأدب معه ويسكت بحضرة مماليكه وحواشيه‏.‏
















صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 13-01-2012, 10:16 PM   رقم المشاركة:497
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 55
المشاركات: 8,866
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) السلطان الملك المظفر ركن الدين بيبرس بن عبد الله المنصوري (2)



السلطان الملك المظفر ركن الدين بيبرس بن عبد الله المنصوري (2)









وصار الملك الناصر إذا كاتب الملك المظفر يكتب إليه‏:‏ ‏"‏ الملكي المظفري ‏"‏ وقصد بذلك سكون الأحوال وإخماد الفتن والمظفر يلح عليه لأمر يريده الله تعالى حتى كان من أمره ما سنذكره إن شاء الله تعالى‏.‏
وأما النواب بالبلاد الشامية فإن قرا سنقر نائب حلب كتب إلى الملك الناصر الجواب‏:‏ ‏"‏ بأني مملوك السلطان في كل ما يرسم به ‏"‏ وسأل أن يبعث إليه بعض المماليك السلطانية وكذلك نائب حماة ونائب طرابلس وغيرهما ما خلا بكتمر الجوكندار نائب صفد فإنه طرد قاصد الملك الناصر ولم يجتمع به‏.‏
ثم أرسل الملك الناصر مملوكه أيتمش المحمدي إلى الشام وكتب معه ملطفات إلى الأمير قطلوبك المنصوري وبكتمر الحسامي الحاجب بدمشق ولغيرهما ووصل أيتمش إلى دمشق خفية ونزل عند بعض مماليك قطلوبك المذكور ودفع إليه الملطف فلما أوصله إلى قطلوبك أنكر عليه وأمره بالاحتفاظ على أيتمش المذكور ليوصله إلى الأفرم نائب الشام ويتقرب إليه بذلك فبلغ أيتمش الخبر فترك راحلته التي قدم عليها ومضى إلى دار الأمير بهادر آص في الليل فآستأذن عليه فأذن له فدخل إليه أيتمش وعرفه ما كان من قطلوبك في حقه فطيب بهادر آص خاطره وأنزله عنده وأركبه من الغد معه إلى الموكب وقد سبق قطلوبك إلى الأفرم نائب الشام وعرفه قدوم مملوك الملك الناصر إليه وهروبه من عنده ليلًا فقلق الأفرم من ذلك وألزم والي المدينة بتحصيل المملوك المذكور فقال بهادر آص‏:‏ ‏"‏ هذا المملوك عندي ‏"‏ وأشار إليه فنزل عن فرسه وسلم على الأفرم وسار معه في الموكب إلى دار السعادة وقال له بحضرة الأمراء‏:‏ السلطان الملك الناصر يسلم عليك ويقول‏:‏ ما منكم أحد إلا وأكل خبز الملك الشهيد قلاوون وما منكم إلا من إنعامه عليه وأنتم تربية الشهيد والده وأنه قاصد الدخول إلى دمشق والإقامة بها فإن كان فيكم من يقاتله ويمنعه العبور فعرفوه‏.‏



فلم يتم هذا القول حتى صاح الكوكندي الزراق أحد أكابر أمراء دمشق‏:‏ ‏"‏ وا ابن أستاذاه‏!‏ ‏"‏ وبكى فغضب الأفرم نائب الشام عليه وأخرجه ثم قال الأفرم لأيتمش‏:‏ قل له يعني الملك الناصر‏:‏ كيف يجيء إلى الشام أو إلى غير الشام‏!‏ كأن الشام ومصر الآن تحت حكمك أنا لما أرسل إلي السلطان الملك المظفر أن أحلف له ما حلفت حتى سيرت أقول له‏:‏ كيف يكون ذلك وآبن أستاذنا باق‏!‏ فأرسل يقول‏:‏ أنا ما تقدمت عليه حتى خلع آبن أستاذنا نفسه وكتب خطه وأشهد عليه بنزوله عن الملك فعند ذلك حلفت له‏.‏
ثم في هذا الوقت تقول‏:‏ من يردني عن الشام‏!‏ ثم أمر به الأفرم فسلم إلى استاداره الطنقش‏.‏
فلما كان الليل آستدعاه ودفع له خمسين دينارًا وقال‏:‏ قل له‏:‏ ‏"‏ لا تذكر الخروج من الكرك ‏"‏ وأنا أكتب إلى المظفر وأرجعه عن الطلب ثم أطلقه فعاد أيتمش إلى الكرك وأعلم الملك الناصر بما وقع‏.‏
فأعاده الملك الناصر على البريد ومعه أركتمر وعثمان الهجان ليجتمع بالأمير قرا سنقر نائب حلب ويواعده على المسير إلى دمشق ثم خرج الملك الناصر من الكرك وسار إلى بركة زيزاء فنزل بها‏.‏



وأما الملك المظفر بيبرس صاحب الترجمة فإنه لما بلغه أن الملك الناصر حبس قاصده مغلطاي المقدم ذكره قلق من ذلك واستدعى الأمير سلار وعرفه ذلك وكانت البرجية قد أغروا المظفر بيبرس بسلار واتهموه أنه باطن الملك الناصر وحسنوا له القبض عليه حسب ما ذكرناه فجبن الملك المظفر من القبض عليه‏.‏
وبلغ ذلك سلار فخاف من البرجية لكثرتهم وقوتهم وأخذ في مداراتهم وكان أشدهم عليه الأمير بيكور وقد شرق إقطاعه فبعث إليه سلار بستة آلاف إردب غلة وألف دينار فكف عنه‏.‏
ثم هادى خواص المظفر وأنعم عليهم‏.‏



فلما حضر سلار عند المظفر وتكلما فيما هم فيه فآقتضى الرأي إرسال قاصد إلى الملك الناصر بتهديده ليفرج عن مغلطاي‏.‏
وبينما هم في ذلك قدم البريد من دمشق بأن الملك الناصر سار من الكرك إلى البرج الأبيض ولم يعرف أحد مقصده فكتب الجواب في الحال بحفظ الطرقات عليه‏.‏
وآشتهر بالديار المصرية حركة الملك الناصر محمد وخروجه من الكرك فماجت الناس وتحرك الأمير نوغاي القبجاقي وكان شجاعًا مقدامًا حاد المزاج قوي النفس وكان من ألزام الأمير سلار النائب وتواعد مع جماعة من المماليك السلطانية أن يهجم بهم على السلطان الملك المظفر إذا ركب ويقتله‏.‏



فلما ركب المظفر ونزل إلى بركة الجب آستجمع نوغاي بمن وافقه يريدون الفتك بالمظفر في عوده من البركة وتقرب نوغاي من السلطان قليلًا قليلًا وقد تغير وجهه وظهر فيه أمارات الشر ففطن به خواص المظفر وتحلقوا حول المظفر فلم يجد نوغاي سبيلًا إلى ما عزم عليه‏.‏
وعاد الملك المظفر إلى القلعة فعرفه ألزامه ما فهموه من نوغاي وحسنوا له القبض عليه وتقريره على من معه‏.‏
فاستدعى السلطان الأمير سلار وعرفه الخبر وكان نوغاي قد باطن سلار بذلك فحذر سلار الملك المظفر وخوفه عاقبة القبض على نوغاي وأن فيه فساد قلوب جميع الأمراء وليس الرأي إلا الإغضاء فقط‏.‏
وقام سلار عنه فأخذ البرجية بالإغراء بسلار وأنه باطن نوغاي ومتى لم يقبض عليه فسد الحال‏.‏
وبلغ نوغاي الحديث فواعد أصحابه على اللحاق بالملك الناصر وخرج هو والأمير مغلطاي القازاني الساقي ونحو ستين مملوكًا وقت المغرب عند غلق باب القلعة في ليلة الخميس خامس عشر جمادى الآخرة من سنة تسع وسبعمائة المذكورة‏.‏



وقيل في أمر نوغاي وهروبه وجه آخر‏:‏ قال الأمير بيبرس الدوادار في تاريخه‏:‏ تسحب من الديار المصرية إلى الكرك المحروس سيف الدين نوغاي القفجاقي أحد المماليك السلطانية وسيف الدين تقطاي الساقي وعلاء الدين مغلطاي القازاني وتوجه معهم من المماليك السلطانية بالقلعة مائة وستة وثلاثون نفرًا وخرجوا طلبًا واحدًا بخيلهم وهجنهم وغلمانهم وتركوا بيوتهم وأولادهم‏.‏
وقال غيره‏:‏ لما ولي الملك المظفر بيبرس السلطنة بقي سلار هو الملك الظاهر بين الناس والملك المظفر بيبرس من وراء حجاب فلما كان في بعض الأيام دخل على الملك المظفر أميران‏:‏ أحدهما يسمى نوغاي والآخر مغلطاي فباسا الأرض بين يديه وشكوا له ضعف أخبازهما فقال لهما المظفر‏:‏ اشكوا إلى سلار فهو أعلم بحالكما مني فقالا‏:‏ خلد الله ملك مولانا السلطان أهو مالك البلاد أم مولانا السلطان‏!‏ فقال‏:‏ اذهبا إلى سلارة ولم يزدهما على ذلك‏.‏



فخرجا من عنده وجاءا إلى سلار وأعلماه بقول الملك المظفر فقال سلار‏:‏ ولله يا أصحابي أبعدكما بهذا الكلام وأنتما تعلمان أن النائب ما له كلام مثل السلطان‏.‏
وكان نوغاي شجاعًا وعنده قوة بأس فأقسم بالله لئن لم يغيروا خبزه ليقيمن شرًا تهرق فيه الدماء ثم خرجا من عند سلار‏.‏
وفي الحال ركب سلار وطلع إلى عند الملك المظفر وحدثه بما جرى من أمر نوغاي ومغلطاي وقال‏:‏ هذا نوغاي يصدق فيما يقول لأنه قادر على إثارة الفتنة فالمصلحة قبضه وحبسه في الحبس فاتفقوا على قبضه‏.‏
وكان في ذلك الوقت أمير يقال له أنس فسمع الحديث فلما خرج أعلم نوغاي بذلك فلما سمع نوغاي الكلام طلب مغلطاي وجماعة من مماليك الملك الناصر وقال لهم‏:‏ يا جماعة هذا الرجل قد عول على قبضنا وأما أنا فلا أسلم نفسي إلا بعد حرب تضرب فيه الرقاب فقالوا له‏:‏ على ماذا عولت فقال‏:‏ عولت على أني أسير إلى الكرك إلى الملك الناصر أستاذنا فقالوا له‏:‏ ونحن معك فحلف كل منهم على ذلك فقال نوغاي وكان بيته خارج باب النصر‏:‏ كونوا عندي وقت الفجر الأول راكبين وأنتم لابسون وتفرقا فجهز نوغاي حاله في تلك الليلة وركب بعد الثلث الأخير مع مماليكه وحاشيته ثم جاءه مغلطاي القازاني بمماليكه ومعه جماعة من مماليك السلطان الملك الناصر والكل ملبسون على ظهر الخيل‏.‏



ثم إن نوغاي حرك الطبلخاناه حربيًا وشق من الحسينية فماجت الناس وركبوا من الحسينية وأعلموا الأمير سلار فركب سلار وطلع إلى القلعة وأعلم السلطان بذلك‏.‏
قال آبن كثير‏:‏ وكان ذلك بمباطنة سلار مع نوغاي‏.‏
فلما بلغ المظفر ذلك قال‏:‏ على أيش توجها ‏"‏ فقال سلار‏:‏ ‏"‏ على نباح الجراء في بطون الكلاب ‏"‏ والله ما ينظر في عواقب الأمور ولا يخاف آثار المقدور فقال المظفر‏:‏ ‏"‏ أيش المصلحة ‏"‏ فآتفقوا على تجريد عسكر خلف المتسحبين فجرد في أثرهم جماعة من الأمراء صحبة الأمير علاء الدين مغلطاي المسعودي والأمير سيف الدين قلي في جماعة من المماليك فساروا سيرًا خفيفًا قصدًا في عدم إدراكهم وحفظًا لسلطانهم وآبن سلطانهم الملك الناصر محمد بن قلاوون فلم يدركوهم وأقاموا على غزة أيامًا وعادوا إلى القاهرة‏.‏
وقال صاحب نزهة الألباب‏:‏ وجرد السلطان الملك المظفر وراءهم خمسة آلاف فارس صحبة الأمير أخي سلار وقال له المظفر‏:‏ ‏"‏ لا ترجع إلا بهم ولو غاصوا في البحر‏!‏ ‏"‏ وكان فيهم الأمير شمس الدين دباكوز وسيف الدين بجاس وجنكلي بن البابا وكهرداش وأيبك البغدادي وبلاط وصاروجا والقرماني وأمير آخر وهؤلاء الأمراء هم خيار عسكر مصر فساروا‏.‏



وكان نوغيه قد وصل إلى بلبيس وطلب واليها وقال له‏:‏ ‏"‏ إن لم تحضر لي في هذه الساعة خمسة آلاف دينار من مال السلطان وإلا سلخت جلدك من كعبك إلى أذنك ‏"‏‏.‏
ففي الساعة أحضر الذهب وكان نوغيه قد أرصد أناسًا يكشفون له الأخبار فجاؤوا له وذكروا أن عسكرًا عظيمًا قد وصل من القاهرة وهم سائقون فلما سمع نوغيه ذلك ركب هو وأصحابه وقال لوالي بلبيس‏:‏ قل للأمراء الجائين خلفي‏:‏ أنا رائح على مهل حتى تلحقوني وأنا أقسم بالله العظيم لئن وقعت عيني عليهم لأجعلن عليهم يومًا يذكر إلى اليوم القيامة‏!‏ ولم يبعد نوغيه حتى وصل أخو سلار وهو الأمير سمك ومعه العساكر فلاقاهم والي بلبيس وأخبرهم بما جرى له مع نوغيه وقال لهم‏:‏ ما ركب إلا من ساعة فلما سمعوا بذلك ساقوا إلى أن وصلوا إلى مكان بين الخطارة والسعيدية فإذا بنوغاي واقف وقد صف رجاله ميمنة وميسرة وهو واقف في القلب قدام الكل فلما رآهم سمك أرسل إليه فارسًا من كبار الحلقة وسار إليه الفارس وآجتمع بنوغيه وقال له‏:‏ أرسلني سمك إليك وهو يقول‏:‏ ‏"‏ السلطان الملك المظفر يسلم عليك ويقول لك‏:‏ سبحان الله‏!‏ أنت كنت أكبر أصحابه فما الذي غيرك عليه‏.‏



فإن كان لأجل الخبز فما يأكل الخبز أحد أحق منك فإن عدت إليه فكل ما تشتهي يفعله لك ‏"‏‏.‏
فلما سمع نوغيه هذا الكلام ضحك وقال‏:‏ ‏"‏ أيش هذا الكلام الكذب‏!‏ لما أمس سألته أن يصلح خبزي بقرية واحدة ما أعطاني وأنا تحت أمره فكيف يسمح لي اليوم بما أشتهي وأنا صرت عدوه‏!‏ فخل عنك هذا الهذيان وما لكم عندي إلا السيف ‏"‏ فرجع الرسول وأعلم سمك بمقالته ثم إن نوغيه دكس فرسه وتقدم إلى سمك وأصحابه وقال له‏:‏ ‏"‏ إن هؤلاء الذين معي أنا الذي أخرجتهم من بيوتهم وأنا المطلوب فمن كان يريدني يبرز لي وهذا الميدان‏!‏ ‏"‏ فنظرت الأمراء بعضهم إلى بعض ثم قال‏:‏ ‏"‏ يا أمراء ما أنا عاص على أحد وما خرجت من بيتي إلا غبنًا وأنتم أغبن مني ولكن ما تظهرون ذلك وها أنتم سمعتم مني الكلام فمن أراد الخروج إلي فليخرج وإلا احملوا علي بأجمعكم ‏"‏ وكان آخر النهار فلم يخرج إليه أحد فرجع إلى أصحابه ونزل سمك في ذلك المكان‏.‏



فلما أمسى الليل رحل نوغيه بأصحابه وسار مجدًا ليله ونهاره حتى وصل قطيا فوجد واليها قد جمع العربان لقتاله لأن البطاقة وردت عليه من مصر بذلك والعربان الذين جمعهم الوالي نحو ثلاثة آلاف فارس فلما رآهم نوغاي قال لأصحابه‏:‏ احملوا عليهم وبادروهم حتى لا يأخذهم الطمع فيكم يعني لقلتهم وتأتي الخيل التي وراءكم فحملوا عليهم وكان مقدم العرب نوفل البياضي وفيهم نحو الخمسمائة نفر بلبوس فحملت الأتراك أصحاب نوغاي عليهم وتقاتلا قتالًا عظيمًا حتى ولت العرب وانتصر نوغيه عليهم هو وأصحابه وولت العرب الأدبار طالبين البرية ولحق نوغيه والي قطيا فطعنه وألقاه عن فرسه وأخذه أسيرًا‏.‏



ثم رجعت الترك من خلف العرب وقد كسبوا وأما سمك فإنه لم يزل يتبعهم بعساكر مصر منزلة بعد منزلة حتى وصلوا إلى قطيا فوجدوها خرابًا وسمعوا ما جرى من نوغيه على العرب فقال الأمراء‏:‏ الرأي أننا نسير إلى غزة ونشاور نائب غزة في عمل المصلحة فساروا إلى غزة فلاقاهم نائب غزة وأنزلهم على ظاهر غزة وخدمهم فقال له سمك‏:‏ ‏"‏ نحن ما جئنا إلا لأجل نوغاي وأنه من العريش سار يطلب الكرك فما رأيك نسير إلى الكرك أو نرجع إلى مصر فقال لهم نائب غزة‏:‏ ‏"‏ رواحكم إلى الكرك ما هو مصلحة وأنتم من حين خرجتم من مصر سائرون وراءهم ورأيتموهم في الطريق فما قدرتم عليهم وقد وصلوا إلى الكرك وانضموا إلى الملك الناصر والرأي أنكم ترجعون إلى مصر وتقولون للسلطان ما وقع وتعتذرون له ‏"‏ فرجعوا وأخبروا الملك المظفر بالحال فكاد يموت غيظًا وكتب من وقته كتابًا للملك الناصر فيه‏:‏ ‏"‏ إنه من ساعة وقوفك على هذا الكتاب وقبل وضعه من يدك ترسل لنا نوغاي ومغلطاي ومماليكهما وتبعث المماليك الذين عندك ولا تخل منهم عندك سوى خمسين مملوكًا فإنك آشتريت الكل من بيت المال وإن لم تسيرهم سرت إليك وأخذتك وأنفك راغم‏!‏ ‏"‏ وسير الكتاب مع بدوي إلى الملك الناصر‏.‏



وأما نوغيه فإنه لما وصل إلى الكرك وجد الملك الناصر في الصيد فقال نوغيه لمغلطاي‏:‏ ‏"‏ انزل أنت ها هنا وأسير أنا للسلطان ‏"‏ وركب هجينا وأخذ معه ثلاثة مماليك وسار إلى ناحية عقبة أيلة وإذا بالسلطان نازل في موضع وعنده خلق كثير من العرب والترك فلما رأوا نوغيه وقد أقبل من صدر البرية أرسلوا إليه خيلًا فكشفوا خبره فلما قربوا منه عرفه مماليك السلطان فرجعوا وأعلموا السلطان أنه نوغاي فقال السلطان‏:‏ ‏"‏ الله أكبر‏!‏ ما جاء هذا إلا عن أمر عظيم ‏"‏ فلما حضر نزل وباس الأرض بين يدي الملك الناصر ودعا له فقال له الملك الناصر‏:‏ ‏"‏ أراك ما جئت لي في مثل هذا الوقت إلى هذا المكان إلا لأمر فحدثني حقيقة أمرك ‏"‏ فأنشأ نوغيه يقول‏:‏ أنت المليك وهذه أعناقنا خضعت لعز علاك يا سلطاني أنت المرجى يا مليك فمن لنا أسد سواك ومالك البلدان في أبيات أخر ثم حكى له ما وقع له منذ خرج الملك الناصر من مصر إلى يوم تاريخه فركب الملك الناصر وركب معه نوغيه وعادا إلى الكرك وخلع عليه وعلى رفقته وأنزلهم عنده ووعدهم بكل خير‏.‏



ثم إن الملك الناصر جمع أمراءه ومماليكه وشاورهم في أمره فقال نوغيه‏:‏ ‏"‏ من ذا الذي يعاندك أو يقف قدامك والجميع مماليكك‏!‏ والذي خلق الخلق إذا كنت أنت معي وحدي ألتقي بك كل من خرج من مصر والشام‏!‏ ‏"‏ فقال السلطان‏:‏ ‏"‏ صدقت فيما قلت ولكن من لم ينظر في وقال آبن كثير في تاريخه‏:‏ وصل المتوجهون إلى الكرك إلى الملك الناصر في الحادي والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة فقبلهم الناصر أحسن قبول وكان حين وصلوا إلى قطيا أخذوا ما بها من المال ووجدوا أيضًا في طريقهم تقدمة لسيف الدين طوغان نائب البيرة فأخذوها بكمالها وأحضروا الجميع بين يدي الملك الناصر محمد ولما وصلت إليه الأمراء المذكورون أمر الملك الناصر بالخطبة لنفسه ثم كاتب النواب فآجتمعوا وأجابوه بالسمع والطاعة‏.‏



ولما عاد الأمراء من غزة إلى مصر اشتد خوف السلطان الملك المظفر وكثر خياله من أكثر عسكر مصر فقبض على جماعة تزيد على ثلاثمائة مملوك وأخرج أخبازهم وأخباز المتوجهين مع نوغيه إلى الكرك لمماليكه وتحلقوا عليه البرجية وشؤشوا فكره بكثرة تخيله بمخامرة العسكر المصري عليه وما زالوا به حتى أخرج الأمير بينجار والأمير صارم الدين الجرمكي في عدة من الأمراء مجردين وأخرج الأمير آقوش الرومي بجماعته إلى طريق السويس ليمنع من عساه يتوجه من الأمراء والمماليك إلى الملك الناصر‏.‏
ثم قبض الملك المظفر على أحد عشر مملوكًا وقصد أن يقبض على آخرين فآستوحش الأمير بطرا فهرب فأدركه الأمير جركتمر بن بهادر رأس نوبة فأحضره فحبس وعند إحضاره طلع الأمير ألديكز السلاح دار بملطف من عند الملك الناصر محمد وهو جواب الكتاب الذي كان أرسله الملك المظفر للملك الناصر يطلب نوغيه وأصحابه‏.‏



وقد ذكرنا معناه وما أغلظ فيه وأفحش في الخطاب للملك الناصر وكان في وقت وصول كتاب المظفر حضر إلى الملك الناصر الأمير أسندمر نائب طرابلس كأنهما كانا على ميعاد فأخذ الناصر الكتاب وأسندمر إلى جانبه وعليه لبس العربان وقد ضرب اللثام فقرأ الناصر الكتاب ثم ناوله إلى أسندمر فقرأه وفهم معناه ثم أمر الملك الناصر الناس بالانصراف وبقي هو وأسندمر وقال لأسندمر‏:‏ ما يكون الجواب فقال له أسندمر‏:‏ المصلحة أن تخادعه في الكلام وتترقق له في الخطاب حتى نجهز أمرنا ونستظهر فقال له السلطان‏:‏ اكتب له الجواب مثل ما تختاره فكتب أسندمر‏:‏ ‏"‏ المملوك محمد بن قلاوون يقبل اليد العالية المولوية السلطانية المظفرية أسبغ الله ظلها ورفع قدرها ومحلها وينهي بعد رفع دعائه وخالص عبوديته وولائه أنه وصل إلي المملوك نوغيه ومغلطاي وجماعة من المماليك فلما علم المملوك بوصولهم أغلق باب القلعة ولم يمكن أحدًا منهم يعبر إليه وسيرت إليهم ألومهم على ما فعلوه وقد دخلوا على المملوك بأن يبعث ويشفع فيهم فأخذ المملوك في تجهيز تقدمة لمولانا السلطان ويشفع فيهم والذي يحيط به علم مولانا السلطان أن هؤلاء من مماليك السلطان خلد الله ملكه وأن الذي قيل فيهم غير صحيح وإنما هربوا خوفًا على أنفسهم وقد استجاروا بالمملوك والمملوك يستجير بظل الدولة المظفرية والمأمول ألا يخيب سؤاله ولا يكسر قلبه ولا يرده فيما قصده‏.‏
وفي هذه الأيام يجهز المملوك تقدمة مع المماليك الذين طلبهم مولانا السلطان وأنا ما لي حاجة بالمماليك في هذا المكان وإن رسم مولانا مالك الرق أن يسير نائبًا له وينزل المملوك بمصر ويلتجىء بالدولة المظفرية ويحلق رأسه ويقعد في تربة الملك المنصور‏.‏



والمملوك قد وطن نفسه على مثل هذا وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه‏:‏ ‏"‏ ما أقرب الراحة من التعب والبؤس من النعم والموت من الحياة ‏"‏‏
وقال بعضهم‏:‏ إياك وما يسخط سلطانك ويوحش إخوانك فمن أسخط سلطانه فقد تعرض للمنية ومن أوحش إخوانه فقد تبرأ عن الحرية‏.‏
والمملوك يسأل كريم العفو والصفح الجميل‏!‏ والله تعالى قال في كتابه الكريم وهو أصدق القائلين‏:‏ والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ‏"‏‏.‏
والمملوك ينتظر الأمان والجواب‏.‏
أنهى المملوك ذلك ‏"‏‏.‏
فلما قرأ الملك المظفر الكتاب خص ما كان عنده وكان سلار حاضرًا فقال له سلار‏:‏ ما قلت لك إن الملك الناصر ما بقيت له قدرة على المعاندة‏!‏ وقد أصبح ملك الشام ومصر طوع يدك ولكن عندي رأي‏:‏ وهو أن تسير إلى الأفرم بأن يجعل باله من الأمراء فإنهم ربما يهربون إلى بلاد التتار فآستصوب المظفر ذلك وكتب إلى الأفرم في الحال بالغرض فلما وصل الكتاب إلى الأفرم اجتهد في ذلك غاية الاجتهاد‏.‏



وأخذ الملك الناصر في تدبير أمره
وبينما المظفر في دلك ورد عليه الحبر من الأفرم بخروج الملك الناصر من الكرك فقلق المظفر من ذلك وزاد توهمه ونفرت قلوب جماعة من الأمراء والمماليك منه وخشوا على أنفسهم واجتمع كثير من المنصورية والأشرفية والأويراتية وتواعدوا على الحرب وخرج منهم مائة وعشرون فارسًا بالسلاح وساروا على حمية إلى الملك الناصر فخرج في أثرهم الأمير بينجار والصارم الجرمكي بمن معهم وقاتلوا المماليك وجرح الجرمكي بسيف في خده سقط منه إلى الأرض ومضى المماليك إلى الكرك ولم يستجرىء أحد أن يتعرض إليهم فعظم بذلك الخطب على الملك المظفر وآجتمع عنده البرجية وقالوا‏:‏ هذا الفساد كله من الأمير سلار ومتى لم تقبض عليه خرج الأمر من يدك فلم يوافق على ذلك وجبن من القبض على سلار لشوكته ولاضطراب دولته ثم طلب الملك المظفر الأمير سلار وغيره من الأمراء واستشارهم في أمر الملك الناصر فاتفق الرأي على خروج تجريدة لقتال الملك الناصر‏.‏



وأما الملك الناصر فإنه أرسل الأمير أيتمش المحمدي الناصري إلى الأمير قبجق نائب حماة فأحال الأمير قبجق الأمر على الأمير قراسنقر نائب حلب فاجتمع أيتمش بقرا سنقر فأكرمه ووافق على القيام مع الملك الناصر ودخل في طاعته وأعلن بذلك وهو أكبر المماليك المنصورية وواعد الملك الناصر على المسير إلى دمشق في أول شعبان‏.‏
ثم كتب قرا سنقر إلى الأفرم نائب الشام يحثه على طاعة الملك الناصر ويرغبه في ذلك ويحذره مخالفته وأشار قرا سنقر على الملك الناصر أنه يكاتب الأمير بكتمر الجوكندار نائب صفد والأمير كراي المنصوري نائب القدس‏.‏
ثم عاد أيتمش إلى أستاذه الملك الناصر وأخبره بكل ما وقع فسر الملك الناصر بذلك هو وكل من عنده غاية السرور وتحقق كل أحد من حواشي الملك الناصر بإتمام أمره‏.‏



وكان نوغيه منذ قدم على الملك الناصر بالكرك لا يبرح يحرضه على المسير إلى دمشق حتى إنه ثفل على الملك الناصر من مخاشنته في المخاطب بسبب توجهه إلى دمشق وغضب منه وقال له‏:‏ ‏"‏ ليس لي بك حاجة ارجع حيث جئت ‏"‏ فترك نوغاي الخدمة وانقطع وحقد له الملك الناصر ذلك حتى قتله بعد عوده إلى الملك بمدة حسب ما يأتي ذكره من كثرة ما وبخه نوغيه المذكور وأسمعه من الكلام الخشن‏.‏
ولما قدم أيتمش بالأجوبة على الملك الناصر قوي عزم الملك الناصر على الحركة ثم إن الملك الناصر أيضًا أرسل مملوكه أيتمش المحمدي المذكور إلى الأمير بكتمر الجوكندار نائب صفد حسب ما أشار به قرا سنقر فسار أيتمش إليه واجتمع بالأمير محمد بن بكتمر الجوكندار فجمع محمد المذكور بين أيتمش وبين أبيه ليلًا في مقابر صفد فعتبه أيتمش على رده أولًا قاصد السلطان الملك الناصر فآعتذر له بكتمر بالخوف من بيبرس وسلار كما كان وقع له مع الناصر أولًا بالديار المصرية حين آتفقا على قبض بيبرس وسلار ولم يتم لهم ذلك وأخرج بكتمر بسبب ذلك من الديار المصرية وقد تقدم ذكر ذلك كله‏.‏



ثم قال له بكتمر‏:‏ ولولا ثقتي بك ما اجتمعت عليك فلما عرفه أيتمش طاعة الأمير قرا سنقر والأمير قبجق والأمير أسندمر أجاب بالسمع والطاعة وأنه على ميعاد النواب إلى المضي إلى الشام وعاد أيتمش إلى الملك الناصر بجواب بكتمر فسر به غاية السرور‏.‏

وأما السلطان الملك المظفر بيبرس هذا فإنه أخذ في تجهيز العساكر إلى قتال الملك الناصر محمد حتى تم أمرهم وخرجوا من الديار المصرية في يوم السبت تاسع شهر رجب وعليهم خمسة أمراء من مقدمي الألوف وهم‏:‏ الأمير برلغي الأشرفي والأمير جمال الدين آقوش الأشرفي نائب الكرك كان والأمير عز الدين أيبك البغدادي والأمير سيف الدين طغريل الإيغاني والأمير سيف الدين ألدكز السلاح دار ومعهم نحو ثلاثين أميرًا من أمراء الطبلخاناه بعد ما أنفق فيهم الملك المظفر‏:‏ فأعطى برلغي عشرة آلاف دينار وأعطى لكل مقدم الذي دينار ولكل من الطبلخاناه ألف دينار ولكل واحد من مقدمي الحلقة ألف درهم ولكل واحد من أجناد الحلقة خمسمائة درهم‏.‏
















صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 13-01-2012, 10:16 PM   رقم المشاركة:498
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 55
المشاركات: 8,866
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) السلطان الملك المظفر ركن الدين بيبرس بن عبد الله المنصوري (3)


السلطان الملك المظفر ركن الدين بيبرس بن عبد الله المنصوري (3)








ونزلوا بمسجد التبن خارج القاهرة ولم يتقدموا ثم عادوا بعد أربعة أيام إلى القاهرة‏.‏
وكان الباعث على عودهم أن كتب آقوش الأفرم نائب الشام وردت على الملك المظفر تتضمن وصول الملك الناصر إلى البرج الأبيض ثم عاد إلى الكرك فآطمأن الملك المظفر وأرسل إلى برلغي ومن معه من المجردين بالعود فعادوا بعد أربعة أيام‏.‏
فلم يكن إلا أيام وورد الخبر ثانيًا بمسير الملك الناصر محمد من الكرك إلى نحو دمشق فتجهز العسكر المذكور في أربعة آلاف فارس وخرجوا من القاهرة في العشرين من شعبان إلى العباسة‏.‏
فورد البريد من دمشق بقدوم أيتمش المحمدي من قبل الملك الناصر بمشافهة إلى الأفرم ذكرها للمظفر‏.‏
ثم إن الأفرم بعد قدوم أيتمش بعث الأمير علاء الدين أيدغدي شقير الحسامي والأمير جوبان لكشف خبر الملك الناصر وأنهما توجها من الشام إلى جهة الكرك فوجدا الملك الناصر يتصيد وأنه عوق أيتمش عنده فسر المظفر بذلك‏.‏
وكان الأمر بخلاف ذلك وهو أن أمرهما‏:‏ أنه لما سيرهما الأفرم لكشف خبر الملك الناصر قدما على الملك الناصر ودخلا تحت طاعته وعرفاه أنهما جاءا لكشف خبره وحلفا له على القيام بنصرته سرًا وعادا إلى الأفرم بالجواب المذكور‏.‏



وكان الناصر هو الذي أمرهما بهذا القول فظن الأفرم أن أخبارهما على الصدق فكتب به إلى المظفر‏.‏
ثم إن الأفرم خاف أن يطرق الملك الناصر دمشق على غفلة فجرد إليه ثمانية أمراء من أمراء دمشق وهم‏:‏ الأمير سيف الدين قطلوبك المنصوري والأمير سيف الدين الحماج بهادر الحلبي الحاجب والأمير جوبان والأمير كجكن والأمير علم الدين سنجر الجاولي وغيرهم ليقيموا على الطرقات لحفظها على من يخرج من الشام وغيره إلى الملك الناصر‏.‏
وكتب إلى الملك المظفر يستحثه على إخراج عساكر مصر لتجتمع عنده مع عساكر دمشق على قتال الملك الناصر وأنه قد جدد اليمين للمظفر وحلف أمراء دمشق ألا يخونوه ولا ينصروا الملك الناصر‏.‏



فلما قرأ المظفر كتاب الأفرم اضطرب وزاد قلقه‏.‏
ثم ورد عليه كتاب الأمير برلغي من العباسة بأن مماليك الأمير آقوش الرومي تجمعوا عليه وقتلوه وساروا ومعهم خزائنه إلى الملك الناصر وأنه لحق بهم بعض أمراء الطبلخاناه في جماعة من مماليك الأمراء وقد فسد الحال والرأي أن يخرج السلطان بنفسه‏.‏
فلما سمع الملك المظفر ذلك أخرج تجريدة أخرى فيها عدة أمراء أكابر وهم‏:‏ الأمير بجاس وبكتوت وكثير من البرجية ثم بعث إلى برلغي بألفي دينار ووعده بأنه عازم على التوجه إليه بنفسه‏.‏
فلما ورد كتاب الملك المظفر بذلك وبقدوم التجريدة إليه عزم على الرحيل إلى جهة الكرك فلما كان الليل رحل كثير ممن كان معه يريدون الملك الناصر فثنى عزمه عن الرحيل ثانيًا وكتب إلى المظفر يقول بأن نصف العسكر سار إلى الملك الناصر وخرج عن طاعة الملك المظفر ثم حرض الملك المظفر على الخروج بنفسه‏.‏



وقبل أن يطلع الفجر من اليوم المذكور وصل إلى القاهرة الأمير بهادرجك بكتاب الأمير برلغي المذكور وطلع إلى السلطان فلما قضى الملك المظفر صلاة الصبح تقدم إليه بهادرجك وعرفه بوصول أكثر العسكر إلى الملك الناصر وناوله الكتاب فلما قرأه بيبرس تبسم وقال‏:‏ ‏"‏ سلم على الأمير برلغي وقل له‏:‏ لا تخش من شيء فإن الخليفة أمير المؤمنين قد عقد لنا بيعة ثانية وجدد لنا عهدًا وقد قرىء على المنابر وجددنا اليمين على الأمراء وما بقي أحد يجسر أن يخالف ما كتب به أمير المؤمنين‏!‏ ‏"‏ ثم دفع إليه العهد الخليفتي وقال‏:‏ لا امض به إليه حتى يقرأه على الأمراء والجند ثم يرسله إلي فإذا فرغ من قراءته يرحل بالعساكر إلى الشام ‏"‏ وجهز له بألفي دينار أخرى وكتب جوابه بنظير المشافهة فعاد بهادر جك إلى برلغي فلما قرأ عليه الكتاب وآنتهى إلى قوله‏:‏ ‏"‏ وأن أمير المؤمنين ولاني تولية جديدة وكتب لي عهدًا وجدد لي بيعة ثانية ‏"‏ وفتح العهد فإذا أوله‏:‏ ‏"‏ إنه من سليمان وإنه بسم آلله آلرحمن آلرحيم ‏"‏ فقال برلغي‏:‏ ولسليمان الريح‏!‏ ثم آلتفت إلى بهادرجك وقال له‏:‏ ‏"‏ قل له‏:‏ يا بارد الذقن‏!‏ والله ما بقي أحد يلتفت إلى الخليفة ‏"‏ ثم قام وهو مغضب‏.‏



وكان سبب تجديد العهد للملك المظفر هذا أن الأفرم نائب الشام لما ورد كتابه على المظفر أنه حلف الأمراء بدمشق ثانيًا وبعث بالشيخ صدر الدين محمد ابن عمر بن مكي بن عبد الصمد الشهير بابن المرحل إلى الملك المظفر في الرسلية صار صدر الدين يجتمع به هو وآبن عدلان وصار الملك المظفر يشغل وقته بهما فأشارا عليه بتجديد العهد والبيعة وتحليف الأمراء وأن ذلك يثبت به قواعد ملكه ففعل الملك المظفر ذلك وحلف الأمراء بحضور الخليفة وكتب له عهد جديد عن الخليفة أبي الربيع سليمان العباسي‏.‏
ونسخة العهد‏:‏ ‏"‏ إنه من سليمان وإنه بسم آلله آلرحمن آلرحيم من عبد الله وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي الربيع سليمان بن أحمد العباسي لأمراء المسلمين وجيوشها‏.‏
‏"‏ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا آلله وأطيعوا آلرسول وأولي الأمر منكم ‏"‏ وإني رضيت لكم بعبد الله تعالى الملك المظفر ركن الدين نائبًا عني لملك الديار المصرية والبلاد الشامية وأقمته مقام نفسي لدينه وكفاءته وأهليته ورضيته للمؤمنين وعزلت من كان قبله بعد علمي بنزوله عن الملك ورأيت ذلك متعينًا علي وحكمت بذلك الحكام الأربعة واعلموا رحمكم الله أن الملك عقيم ليس بالوراثة لأحد خالف عن سالف ولا كابر عن كابرة وقد آستخرت الله تعالى ووليت عليكم الملك المظفر فمن أطاعه فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني ومن عصاني فقد عصى أبا القاسم ابن عمي صلى الله عليه وسلم‏.‏



وبلغني أن الملك الناصر آبن السلطان الملك المنصور شق العصا على المسلمين وفرق كلمتهم وشتت شملهم وأطمع عدوهم فيهم وعرض البلاد الشامية والمصرية إلى سبي الحريم والأولاد وسفك الدماء فتلك دماء قد صانها الله تعالى من ذلك‏.‏
وأنا خارج إليه ومحاربه أن آستمر على ذلك وأدافع عن حريم المسلمين وأنفسهم وأولادهم لهذا الأمر العظيم وأقاتله حتى يفيء إلى أمر الله تعالى وقد أوجبت عليكم يا معاشر المسلمين كافة الخروج تحت لوائي اللواء الشريف فقد أجمعت الحكام على وجوب دفعه وقتاله إن آستمر على ذلك وأنا مستصحب معي الملك المظفر فجهزوا أرواحكم والسلام ‏"‏‏.‏
وقرىء هذا العهد على منابر الجوامع بالقاهرة فلما بلغ القارىء إلى ذكر الملك الناصر صاحت العوام‏:‏ نصره الله نصره الله‏!‏ وكررت ذلك‏.‏
وقرأ فلما وصل إلى ذكر الملك المظفر صاحوا‏:‏ لا ما نريده ووقع في القاهرة ضجة وحركة بسبب ذلك‏.‏



ثم قدم على الملك المظفر من الشام على البريد الأمير بهادر آص يحث الملك المظفر على الخروج إلى الشام بنفسه فإن النواب قد مالوا كلهم إلى الملك الناصر فأجاب أنه لا يخرج واحتج بكراهيته للفتنة وسفك الدماء وأن الخليفة قد كتب بولايته وعزل الملك الناصر فإن قبلوا وإلا ترك الملك‏.‏
ثم قدم أيضًا الأمير بلاط بكتاب الأمير برلغي وفيه أن جميع من خرج معه من أمراء الطبلخاناه لحقوا بالملك الناصر وتبعهم خلق كثير ولم يتأخر غير برلغي وآقوش نائب الكرك وأيبك البغدادي وألدكز والفتاح وذلك لأنهم خواص الملك المظفر‏.‏
وأما الملك الناصر فإنه سار من الكرك بمن معه في أول شعبان يريد دمشق بعد أمور وقعت له نذكرها في أوائل ترجمته الثالثة‏.‏
فلما سار دخل في طاعته الأمير قطلوبك المنصوري والحاج بهادر وبكتمر الحسامي حاجب حجاب دمشق وعلم الدين سنجر الجاولي‏.‏
وصار الملك الناصر يتأنى في مسيره من غير سرعة حتى يتبين ما عند أمراء دمشق الذين أخرجهم الأفرم لحفظ الطرقات قبل ذلك فكتبوا أمراء دمشق المذكورون إلى الأفرم أنه لا سبيل لهم إلى محاربة الملك الناصر وأرادوا بذلك إما أن يخرج بنفسه فيقبضوه أو يسير عن دمشق إلى جهة أخرى فيأتيهم بقية الجيش وكان كذلك‏.‏



فإنه لما قدم كتابهم عليه بدمشق شاع بين الناس مجيء الملك الناصر من الكرك فثارت العوام وصاحوا‏:‏ ‏"‏ نصر الله الملك الناصر‏!‏ ‏"‏ وتسلل عسكره من دمشق طائفة بعد طائفة إلى الملك الناصر وانفرط الأمر من الأفرم‏.‏
وآتفق الأمير بيبرس العلائي والأمير بيبرس المجنون بمن معهما على الوثوب على الأفرم والقبض عليه فلم يثبت عندما بلغه ذلك واستدعى علاء الدين علي بن صبيح وكان من خواصه وخرج ليلًا وتوجه إلى جهة الشقيف فركب قطلوبك والحاج بهادر عندما سمعا خبر الأفرم وتوجها إلى الملك الناصر وكانا كاتباه بالدخول في طاعته قبل ذلك فسر بهما وأنعم على كل واحد منهما بعشرة آلاف درهم وقدم على الناصر أيضًا الجاولي وجوبان وسائر من كان معهم فسار بهم الملك الناصر حتى نزل الكسوة وخرج إليه بقية الأمراء والأجناد‏.‏
وقد عمل له سائر شعار السلطنة من السناجق وسار يوم الثلاثاء ثاني عشر شعبان يريد مدينة دمشق فدخلها من غير مدافع بعدما زينت له زينة عظيمة وخرج جميع الناس إلى لقائه على اختلاف طبقاتهم حتى صغار الكتاب وبلغ كراء البيت من البيوت التي بميدان الحصى إلى قلعة دمشق للتفرج على السلطان من خمسمائة درهم إلى مائة درهم وفرشت الأرض بشقاق الحرير الملونة وحمل الأمير قطلوبك المنصوري الغاشية وحمل الأمير الحاج بهادر الجتر وترجل الأمراء والعساكر بأجمعهم ومشوا بين يديه حتى نزل بالقصر الأبلق‏.‏



وفي وقت نزوله قدم مملوك الأمير قرا سنقر نائب حلب لكشف الخبر وأن قراسنقر خرج من حلب وقبجق خرج من حماة فخلع عليه وكتب لهما بسرعة الحضور إليه‏.‏
ثم كتب إلى الأفرم أمانًا وتوجه به علم الدين سنجر الجاولي فلم يثق بذلك لما كان وقع منه في حق الناصر لما قدم عليه تنكز وطلب يمين السلطان فحلف السلطان له وبعث إليه نسخة الحلف‏.‏
وكان قبل ذلك بعث الملك الناصر خازنداره وتنكز مملوكه إلى الأفرم هذا صحبة عثمان الركاب يستدعيه إلى طاعته بكل ما يمكن ثم أمره الملك الناصر إن لم يطع يخشن له في القول وكذلك كتب في المطالعة التي على يد تنكز‏:‏ ‏"‏ أولها وعد وآخرها وعيد ‏"‏‏.‏



فلما قرأ الأفرم الكتاب المذكور آسود وجهه من الغضب ثم آلتفت إلى تنكز وقال‏:‏ ‏"‏ أنت وأمثالك الذين حمقوا هذا الصبي حتى كتب لي هذا الكتاب ويلك‏!‏ من هو الذي وافقه من أمراء دمشق على ذلك ‏"‏ وكان الناصر قد كتب له في جملة الكلام أن غالب أمراء البلاد الشامية أطاعوني وكان الأفرم لما حضر إليه تنكز قبل أن يقرأ الكتاب جمع أمراء دمشق ثم قرأ الكتاب فلما وصل إلى ذلك قال الأفرم‏:‏ ‏"‏ قل لي من هو الذي أطاعه حتى أقبض عليه وأرسله إلى مصر ‏"‏ فنظر أمراء دمشق بعضهم إلى بعض وأمعن الأفرم في الكلام فقام الأمير بيبرس المجنون وقال‏:‏ ‏"‏ ما هذا الكلام مصلحة تجاوب آبن استاذك بهذا الجواب‏!‏ ولكن لاطفه وقل له‏:‏ أنت تعلم أننا متبعون مصر وما يبرز منها فإن أردت الملك فاطلبه من مصر ولا تبتلش بنا وارجع عنا ‏"‏ وذكر له أشياء من هذا النمط فقال الأفرم‏:‏ لا أنا ما أقول هذا الكلام وليس له عندي إلا السيف إن جاءنا‏!‏ ‏"‏ ثم طلب الأفرم تنكز في خلوة وقال له‏:‏ ‏"‏ سر إلى أستاذك وقل له‏:‏ ‏"‏ ارجع وإلا يسمع الملك المظفر فيمسكك ويحبسك فتبقى تتمنى أن تشبع الخبز‏!‏ ولا ينفعك حينئذ أحد فإن كان لك رأي فاقبض على نوغيه ومن معه وسيرهم للملك المظفر فإن فعلت ذلك يصلح حالك ولا تفعل غير هذا تهلك ‏"‏‏.‏



وكتب له كتابًا بمعنى هذا ودفعه إلى تنكز فلم يخرج تنكز من دمشق إلى أثناء الطريق‏.‏
حتى خرج في أثره جماعة من أمراء دمشق إلى طاعة الناصر‏.‏
وكان كلام الأفرم لتنكز أكبر الأسباب لخروج الملك الناصر من الكرك إلى دمشق فلما قدم الناصر دمشق وكتب الأمان للأفرم فتخوف الأفرم مما كان وقع منه من القول لما قدم عليه تنكز وطلب الحلف‏.‏
وقال بيبرس في تاريخه‏:‏ وأرسل السلطان إلى الأفرم رسلا بالأمان والأيمان وهما الأميران عز الدين أيدمر الزردكاش والأمير سيف الدين جوبان‏.‏
وقال غيره‏:‏ بعث إليه السلطان نسخة الحلف مع الأمير الحاج أرقطاي الجمدار فما زال به حتى قدم معه هو وابن صبيح فركب السلطان إلى لقائه حتى قرب منه نزل كل منهما عن فرسه فأعظم الأفرم نزول السلطان له وقبل الأرض وكان الأفرم قد لبس كاملية وشد وسطه وتوشح بنصفية يعني أنه حضر بهيئة البطالين من الأمراء وكفنه تحت إبطه وعندما شاهدته الناس على هذه الحالة صرخوا بصوت واحد‏:‏ يا مولانا السلطان بتربة والدك الملك الشهيد قلاوون لا تؤذه ولا تغير عليه‏!‏ فبكى سائر من حضر وبالغ السلطان في إكرامه وخلع عليه وأركبه وأقره على نيابة دمشق فكثر الدعاء له وسار إلى القصر‏.‏
فلما كان من الغد أحضر الأفرم خيلًا وجمالًا وثيابًا بمائتي ألف درهم تقدمة إلى السلطان الملك الناصر‏.‏



وفي يوم الجمعة ثاني عشرين شعبان خطب للملك الناصر بدمشق وانقطع منها آسم المظفر وصليت الجمعة بالميدان فكان يومًا مشهودًا‏.‏
وفي ذلك اليوم قدم الأمير قرا سنقر نائب حلب والأمير قبجق نائب حماة والأمير أسندمر كرجي نائب طرابلس وتمر الساقي نائب حمص فركب السلطان إلى لقائهم وترجل إلى قرا سنقر وعانقه وشكر الأمراء وأثنى عليهم‏.‏
ثم قدم الأمير كراي المنصوري نائب القدس والأمير بكتمر الجوكندار نائب صفد ثم قدم كل من الأمراء والنواب تقدمته بقدر حاله ما بين ثياب أطلس وحوائص ذهب وكلفتاة زركش وخيول مسرجة في عنق كل فرس كيس فيه ألف دينار وعليه مملوك وعدة بغال وجمال بخاتي وغير ذلك‏.‏
وشرع الملك الناصر في النفقة على الأمراء والعساكر الواردة عليه مع النواب فلما آنتهت النفقة قدم بين يديه الأمير كراي المنصوري على عسكره إلى غزة فسار إليها وصار كراي يمد في كل يوم سماطًا عظيمًا للمقيمين والوارعين عليه فأنفق في ذلك أموالًا جزيلة من حاصله وآجتمع عليه بغزة عالم كثير وهو يقوم بكلفهم ويعدهم عن السلطان بما يرضيهم‏.‏



وأما الملك المظفر فإنه قدم عليه الخبر في خامس عشرين شعبان باستيلاء الملك الناصر على دمشق بغير قتال فعظم ذلك على الملك المظفر وأظهر الذلة وخرجت عساكر مصر شيئًا بعد شيء تريد الملك الناصر حتى لم يبق عنده بالديار المصرية سوى خواصه من الأمراء والأجناد‏.‏
وأما الأمير برلغي ومن معه من الأمراء صار عساكرهم تتسلل واحدًا بعد واحد حتى بقي برلغي في مماليكه وجماعة من خواص الملك المظفر بيبرس فتشاور برلغي مع جماعته حتى آقتضى رأيه ورأي آقوش نائب الكرك اللحاق بالملك الناصر أيضًا فلم يوافق على ذلك البرجية وعاد أيبك البغدادي وبكتوت الفتاح وقجقار ببقية البرجية إلى القاهرة وصاروا مع الملك المظفر بيبرس‏.‏
وسار برلغي وآقوش إلى الملك الناصر فيمن بقي من الأمراء والعساكر فاضطربت القاهرة لذلك‏.‏



وكان الملك المظفر قد أمر في مستهل شهر رمضان سبعة وعشرين أميرًا ما بين طبلخاناه وعشرات منهم من مماليكه‏:‏ صديق وصنقيجي وطوغان وقرمان وإغزلو وبهادر ومن المماليك السلطانية سبعة وهم‏:‏ قراجا الحسامي وطرنطاي المحمدي وبكتمر الساقي وبهادر قبجاق وأنكبار وطشتمر أخو بتخاص ولاجين وممن عداهم جركتمر بن بهادر وحسن بن الردادي ونزلوا الجميع إلى المدرسة المنصورية ليلبسوا الخلع على جاري العادة وآجتمع لهم النقباء والحجاب والعامة بالأسواق ينتظرون طلوعهم القلعة وكل منهم بقي لابس الخلعة فاتفق أن شخصًا من المنجمين كان بين يدي النائب سلار فرأى الطالع غير موافق فقال‏:‏ ‏"‏ هذا الوقت ركوبهم غير لائق ‏"‏ فلم يلتفت بعضهم ولبس وركب في طلبه فآستبردوهم العوام وقالوا‏:‏ ‏"‏ ليس له حلاوة ولا عليه طلاوة ‏"‏ وصار بعضهم يصيح ويقول‏:‏ ‏"‏ يا فرحة لا تمت ‏"‏‏.‏

ثم أخرج الملك المظفر عدة من المماليك السلطانية إلى بلاد الصعيد وأخذ أخبازهم وظن الملك المظفر أنه ينشىء له دولة فلما بلغه مسير برلغي وآقوش نائب الكرك إلى الملك الناصر سقط في يده وعلم زوال ملكه فإن برلغي كان زوج ابنته وأحد خواصه وأعيان دولته بحيث إنه أنعم عليه في هذه الحركة بنيف وأربعين ألف دينار مصرية وقيل‏:‏ سبعين ألف دينار‏.‏



وظهر عليه اختلال الحال وأخذ خواصه في تعنيفه على إبقاء سلار النائب وأن جميع هذا الفساد منه وكان كذلك‏:‏ فإنه لما فاتته السلطنة وقام بيبرس فيها حسده على ذلك ودبر عليه وبيبرس في غفلة عنه فإنه كان سليم الباطن لا يظن أن سلار يخونه‏.‏
ثم قبض الملك المظفر ليلة الجمعة على جماعة من العوام وضربوا وشهروا لإعلانهم بسب الملك المظفر بيبرس فما زادهم ذلك إلا طغيانًا وفي كل ذلك تنسب البرجية فساد الأمور لسلار‏.‏
فلما أكثر البرجية الإغراء بسلار قال لهم الملك المظفر‏:‏ ‏"‏ إن كان في خاطركم شيء فدونكم وإياه إذا جاء سلار للخدمة وأما أنا فلا أتعرض له بسوء قط ‏"‏‏.‏
فاجتمعت البرجية على قبض سلار إذا حضر الخدمة في يوم الأثنين خامس عشره فبلغ سلار ذلك فتأخر عن حضور الخدمة واحترس على نفسه وأظهر أنه قد توعك فبعث الملك المظفر يسلم عليه ويستدعيه ليأخذ رأيه فاعتذر بأنه لا يطيق الحركة لعجزه عنها‏.‏



فلما كان يوم الثلاثاء سادس عشر رمضان آستدعى الملك المظفر الأمراء كلهم وآستشارهم فيما يفعل فأشار الأمير بيبرس الدوادار المؤرخ والأمير بهادر آص بنزوله عن الملك والإشهاد عليه بذلك كما فعله الملك الناصر ‏"‏ وتسير إلى الملك الناصر بذلك وتستعطفه وتخرج إلى إطفيح بمن تثق به وتقيم هناك حتى يرد جواب الملك الناصر عليك ‏"‏ فأعجبه ذلك وقام ليجهز أمره وبعث بالأمير ركن الدين بيبرس الدوادار المذكور إلى الملك الناصر محمد يعرفه بما وقع‏.‏
وقيل إنه كتب إلى الملك الناصر يقول مع غير بيبرس الدوادار‏:‏ ‏"‏ والذي أعرفك به أني قد رجعت أقلدك بغيك فإن حبستني علات ذلك خلوة وإن نفيتني عددت ذلك سياحة وإن قتلتني كان ذلك لي شهادة ‏"‏ فلما سمع الملك الناصر ذلك عين له صهيون على ما نذكره‏.‏
وأما ما كتبه المظفر على يد بيبرس الدوادار يسأله في إحدى ثلاث‏:‏ إما الكرك وأعمالها أو حماة وبلادها أو صهيون ومضافاتها‏.‏
ثم آضطربت أحوال المظفر وتحير وقام ودخل الخزائن وأخذ من المال والخيل ما أحب وخرج من يومه من باب الإسطبل في مماليكه وعدتهم سبعمائة مملوك ومعه من الأمراء‏:‏ الأمير عز الدين أيدمر الخطيري الأستادار والأمير بكتوت الفتاح والأمير سيف الدين قجماس والأمير سيف الدين تاكز في بقية ألزامه من البرجية فكأنما نودي في الناس بأنه خرج هاربًا فآجتمع العوام وعندما برز من باب الإسطبل صاحوا به وتبعوه وهم يصيحون عليه بأنواع الكلام وزادوا في الصياح حتى خرجوا عن الحد ورماه بعضهم بالحجارة‏.‏



فشق ذلك على مماليكه وهموا بالرجوع إليهم ووضع السيف فيهم فمنعهم الملك المظفر من ذلك وأمر بنثر المال عليهم ليشتغلوا بجمعه عنه فأخرج كل من المماليك حفنة من الذهب ونثرها فلم يلتفت العامة لذلك وتركوه وأخذوا في العدو خلفه وهم يسبون ويصيحون فشهر المماليك حينئذ سيوفهم ورجعوا إلى العوام فآنهزموا منهم‏.
وأصبح الحراس بقلعة الجبل في يوم الأربعاء سابع عشر شهر رمضان يصيحون باسم الملك الناصر وأسقط آسم الملك المظفر بإشارة الأمير سلار بذلك فإنه أقام بالقلعة ومهد أمورها بعد خروج المظفر إلى إطفيح‏.‏
وفي يوم الجمعة تاسع عشره خطب على منابر القاهرة ومصر بآسم الملك الناصر والمسقط آسم الملك المظفر بيبرس هذا وزال ملكه‏.‏
وأما الملك المظفر فإنه لما فارق القلعة أقام بإطفيح يومين ثم آتفق رأيه ورأي أيدمر الخطيري وبكتوت الفتاح إلى المسير إلى برقة وقيل بل إلى أسوان فأصبح حاله كقول القائل‏:‏ موكل ببقاع الأرض يذرعها من خفة الروع لا من خفة الطرب ولما بلغ مماليك الملك المظفر هذا الرأي عزموا على مفارقته‏.‏
فلما رحل من إطفيح رجع المماليك عنه شيئًا بعد شيء إلى القاهرة فما وصل المظفر إلى إخميم حتى فارقه أكثر من كان معه فعند ذلك آنثنى عزمه عن التوجه إلى برقة وتركه الخطيري والفتاح وعادا نحو القاهرة‏.‏



وبينما هو سائر قدم عليه الأميران‏:‏ بيبرس الدوادار وبهادر آص من عند الملك الناصر ليتوجه إلى بيبرس الدوادار فأخذ بيبرس المال وسار به في النيل إلى الملك الناصر وهو بقلعة الجبل وقدم بهادر آص في البر بالملك المظفر ومعه كاتبه كريم الدين أكرم وسأل المظفر في يمين السلطان مع من يثق به فحلف له الملك الناصر بحضرة الأمراء وبعث إليه بذلك مع أيتمش المحمدي فلما قدم عليه أيتمش بالغ المظفر في إكرامه وكتب الجواب بالطاعة وأنه يتوجه إلى ناحية السويس وأن كريم الدين يحضر بالخزانة والحواصل التي أخذها فلم يعجب السلطان ذلك وعزم على إخراج تجريدة إلى غزة ليردوه وأطلع على ذلك بكتمر الجوكندار النائب وقرا سنقر نائب دمشق والحاج بهادر وأسندمر نائب طرابلس‏.‏
فلما كان يوم الخميس الذي قبض فيه الملك الناصر على الأمراء - على ما سيأتي ذكره مفصلًا في أول ترجمة الملك الناصر الثالثة إن شاء الله تعالى - جلس بعض المماليك الأشرفية خارج القلعة فلما خرج الأمراء من الخدمة قال‏:‏ ‏"‏ وأي ذنب لهؤلاء الأمراء الذين قبض عليهم‏!‏ وهذا الذي قتل أستاذنا الملك الأشرف ودمه الآن على سيفه قد صار اليوم حاكم المملكة ‏"‏ يعني عن قرا سنقر فقيل هذا لقرا سنقر فخاف على نفسه وأخذ في عمل الخلاص من مصر فآلتزم للسلطان أنه بتوجه ويحصل الملك المظفر بيبرس هو والحاج بهادر نائب طرابلس من غير إخراج تجريدة فإن في بعث الأمراء لذلك شناعة فمشى ذلك على السلطان ورسم بسفرهما فخرج قراسنقر ومعه سائر النواب إلى ممالكهم وعوق السلطان عنده أسندمر كرجي وقد استقر به في نيابة حماة وسار البقية‏.‏



ثم جهز السلطان أسندمر كرجي لإحضار المظفر مقيدًا‏.‏
وآتفق دخول قرا سنقر والأمراء إلى غزة قبل وصول المظفر إليها فلما بلغهم قربه ركب قرا سنقر وسائر النواب والأمراء ولقوه شرقي غزة وقد بقي معه عدة من مماليكه وقد تأهبوا للحرب فلبس الأمراء السلاح ليقاتلوهم فأنكر المظفر على مماليكه للقتال وقال‏:‏ ‏"‏ أنا كنت ملكًا وحولي أضعافك ولي عصبة كبيرة من الأمراء وما اخترت سفك الدماء‏!‏ ‏"‏ وما زال بهم حتى كفوا عن القتال وساق هو بنفسه حتى بقي مع الأمراء وسلم نفسه إليهم فسلموا عليه وساروا به إلى معسكرهم وأنزلوه بخيمة وأخذوا سلاح مماليكه ووكلوا بهم من يحفظهم وأصبحوا من الغد عائدين بهم معهم إلى مصر فأدركهم أسندمر كرجي بالخطارة فأنزل في الحال المظفر عن فرسه وقيده بقيد أحضره معه فبكى وتحدرت دموعه على شيبته فشق ذلك على قراسنقر وألقى الكلفتاة عن رأسه إلى الأرض وقال‏:‏ ‏"‏ لعن الله الدنيا فيا ليتنا متنا ولا رأينا هذا اليوم‏!‏ فترجلت الأمراء وأخذوا كلفتاته ووضعوها على رأسه‏.‏
هذا مع أن قرا سنقر كان أكبر الأسباب في زوال دولة المظفر المذكور‏!‏ وهو الذي جسر الملك الناصر حتى كان من أمره ما ثم عاد قرا سنقر والحاج بهادر إلى محل كفالتهما وأخذ بهادر يلوم قرا سنقر كيف خالف رأيه فإنه كان أشار على قرا سنقر في الليل بعد القبض على المظفر بأن يخفي عن المظفر حتى يصل إلى صيهون ويتوجه كل منهما إلى محل ولايته ويخيفا الملك الناصر بأنه متى تغير عما كان وافق الأمراء عليه بدمشق قاموا بنصرة المظفر وإعادته إلى الملك فلم يوافق قرا سنقر وظن أن الملك الناصر لا يستحيل عليه ولا على المظفر فلما رأى ما حل بالمظفر نم على مخالفة بهادر‏.‏



وبينما هما في ذلك بعث أسندمر كرجي إلى قراسنقر مرسوم السلطان بأن يحضر صحبة المظفر إلى القلعة - وكان عزم الناصر أن يقبض عليه - ففطن قرا سنقر بذلك وآمتنع من التوجه إلى مصر وآعتذر بأن العشير قد تجمعوا ويخاف على دمشق منهم وجد في السير وعرف أنه ترك الرأي في مخالفة بهادر‏.‏
وقدم أسندمر بالمظفر إلى القلعة في ليلة الأربعاء الرابع عشر من ذي القعدة فلما مثل المظفر بين يدي السلطان قبل الأرض فأجلسه وعنفه بما فعل به وذكره بما كان منه إليه وعدد ذنوبه وقال له‏:‏ ‏"‏ تذكر وقد صحت علي يوم كذا بسبب فلان‏!‏ ورددت شفاعتي في حق فلان‏!‏ وآستدعيت بنفقة في يوم كذا من الخزانة فمنعتها‏!‏ وطلبت في وقت حلوى بلوز وسكر فمنعتني ويلك‏!‏ وزدت في أمري حتى منعتني شهوة نفسي ‏"‏ والمظفر ساكت‏.‏
فلما فرغ كلام السلطان قال له المظفر‏:‏ ‏"‏ يا مولانا السلطان‏!‏ كل ما قلت فعلته ولم يبق إلا مراحم السلطان وإيش يقول المملوك لأستاذه ‏"‏ فقال له‏:‏ ‏"‏ يا ركن‏!‏ أنا اليوم أستاذك‏!‏ وأمس تقول لما طلبت إوزًا مشويًا‏:‏ إيش يعمل بالإوز‏!‏ الأكل هو عشرون مرة في النهار‏!‏ ‏"‏ ثم أمر به إلى مكان وكان ليلة الخميس فاستدعى المظفر بوضوء وقد صلى العشاء‏.‏



ثم جاء السلطان الملك الناصر فخنق المظفر بين يديه بوتر حتى كاد يتلف ثم سيبه حتى أفاق وعنفه وزاد في شتمه ثم خنقه ثانيًا حتى مات وأنزل على جنوية إلى الإسطبل السلطاني فغسل ودفن خلف قلعة الجبل وذلك في ليلة الجمعة خامس عشر ذي القعدة سنة تسع وسبعمائة‏.‏
وكانت أيام المظفر هذا في سلطنة مصر عشرة أشهر وأربعة وعشرين يومًا لم يتهن فيها من الفتن والحركة‏.‏
وكان لما خرج المظفر من مصر هاربًا قبل دخول الملك الناصر - قال بعض الأدباء‏:‏ تثنى عطف مصر حين وافى قدوم الناصر الملك الخبير فذل الجشنكير بلا لقاء وأمسى وهو ذو جأش نكير إذا لم تعضد الأقدار شخصًا فأول ما يراع من النصير وقال النويري في تاريخه‏:‏ ولما وصلوا بالمظفر بيبرس إلى السلطان الناصر أوقفه بين يديه وأمر بدخوله الحمام وخنق في بقية من يومه ودفن بالقرافة وعفى أثر قبره مدة ثم أمر بآنتقاله إلى تربته بالخانقاه التي أنشأها فنقل إليها‏.‏
وكان بيبرس هذا آبتدأ بعمارة الخانقاه والتربة داخل باب النصر موضع دار الوزارة في سنة ست وسبعمائة وأوقف عليها أوقافًا جليلة ولكنه مات قبل تمامها فأغلقها الملك الناصر مدة ثم فتحها‏.‏













صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 13-01-2012, 10:17 PM   رقم المشاركة:499
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 55
المشاركات: 8,866
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) السلطان الملك المظفر ركن الدين بيبرس بن عبد الله المنصوري (4)


السلطان الملك المظفر ركن الدين بيبرس بن عبد الله المنصوري (4)










وكان الملك المظفر ملكًا ثابتًا كثير السكون والوقار جميل الصفات ندب إلى المهمات مرارًا عديدة وتكلم في أمر الدولة مدة سنين وحسنت سيرته وكان يرجع إلى دين وخير ومعروف‏.‏
تولى السلطنة على كره منه وله أوقاف على وجوه البر والصدقة وعمر ما هدم من الجامع الحاكمي داخل باب النصر بعد ما شعثته الزلازل‏.‏
وكان من أعيان الأمراء في الدولة المنصورية قلاوون أستاذه ثم في الدولة الأشرفية خليل والدولة الناصرية محمد بن قلاوون‏.‏
وكان أبيض اللون أشقر مستدير اللحية وهو جاركسي الجنس على ما قيل ولم يتسلطن أحد من الجراكسة قبله ولا بعده إلى الملك الظاهر برقوق وقيل إنه كان تركيًا والأقوى عندي أنه كان جاركسيًا لأنه كان بينه وبين آقوش الأفرم نائب الشام مودة ومحبة زائدة وقيل قرابة وكان الأفرم جاركسي الجنس‏.‏



واستولى السلطان الملك الناصر على جميع تعلقاته وآستقدم كاتبه كريم الدين أكرم بن العلم بن السديد فقدم على الملك الناصر بأموال المظفر بيبرس وحواصله فقربه السلطان وأثنى عليه ووعده بكل جميل إن أظهره على ذخائر المظفر بيبرس‏.‏
فنزل كريم الدين إلى داره وتتبع أموال بيبرس وبذل جهده في ذلك‏.‏
ثم انتمى كريم الدين إلى طغاي وكستاي وأرغون الدوادار الناصرية وبذل لهم مالًا كثيرًا حتى صاروا أكبر أعوانه وحموه من أستاذهم الملك الناصر‏.‏
ثم قدم من كان مع المظفر بيبرس من المماليك وعدتهم ثلاثمائة ومعهم الهجن والخيل والسلاح ومبلغ مائتي ألف درهم وعشرين ألف دينار وستون بقجة من أنواع الثياب فأخذ السلطان جميع ذلك وفرق المماليك على الأمراء ما خلا بكتمر الساقي لجمال صورته وطوغان الساقي وقراتمر‏.‏

ثم استدعى الملك الناصر القضاة وأقام عندهم البينة بأن جميع مماليك المظفر بيبرس وسلار وجميع ما وقفاه من الضياع والأملاك اشتري من بيت المال‏.‏
فلما ثبت ذلك ندب السلطان جمال الدين آقوش الأشرفي نائب الكرك وكريم الدين أكرم لبيع تركة المظفر بيبرس وإحضار نصف ما يتحصل ودفع النصف الآخر لابنة المظفر زوجة الأمير برلغي الأشرفي فإن المظفر لم يترك من الأولاد سواها فشدد كريم الدين الطلب على زوجة المظفر وآبنته حتى أخذ منهما جواهر عظيمة القدر وذخائر نفيسة ثم تابع موجود المظفر فوجد له شيئًا كثيرًا‏.‏


السنة التي حكم فيها الملك المظفر بيبرس
وهي سنة تسع وسبعمائة على أن الملك المظفر بيبرس حكم من السنة الماضية أيامًا‏.‏
فيها أعني سنة تسع وسبعمائة كانت الفتنة بين السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون وبين الملك المظفر بيبرس‏.‏
حسب ما تقدم ذكره مفصلًا حتى خلع المظفر وأعيد الناصر‏.‏
وفيها كانت الفتنة أيضًا بالمدينة النبوية بين الشريف مقبل بن جماز بن شيحة وبين أخيه منصور بن جماز وكان مقبل قدم القاهرة فولاه المظفر نصف إمرة المدينة شريكًا لأخيه منصور فتوجه إليها فوجد منصورًا بنجد وقد ترك آبنه كبيشة بالمدينة فأخرجه مقبل فحشد كبيشة وقاتل مقبلًا حتى قتله وانفرد منصور بإمرة المدينة‏.‏



وفيها كتب السلطان الملك الناصر لقرا سنقر نائب الشام بقتال العشير‏.‏
وفيها أظهر خربندا ملك التتار الرفض في بلاده وأمر الخطباء إلا يذكروا في خطبهم إلا علي بن أبي طالب وولديه وأهل البيت‏.‏
وفيها حج بالناس من القاهرة الأمير شمس الدين إلدكز السلاح دار ولم يحج أحد من الشام لاضطراب الدولة‏.‏
وفيها توفي الأمير الوزير شمس الدين سنقر الأعسر المنصوري بالقاهرة في شهر ربيع الأول ودفن خارج باب النصر بعد ما استعفى ولزم داره مدة‏.‏
وفيها توفي قاضي القضاة شرف الدين أبو محمد عبد الغني بن يحيى بن محمد بن أبي بكر بن عبد الله بن نصر بن محمد بن أبي بكر الحراني الحنبلي في ليلة الجمعة الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول ودفن بالقرافة‏.‏
ومولده بحران في سنة خمس وأربعين وستمائة وسمع الحديث وتفقه وقدم مصر فباشر نظر الخزانة وتدريس الصالحية ثم أضيف إليه قضاء الحنابلة فباشره وحمدت سيرته‏.‏
وفيها توفي الشيخ نجم الدين محمد بن إدريس بن محمد القمولي الشافعي بقوص في جمادى الأولى وكان صالحًا عالمًا بالتفسير والفقه والحديث‏.‏



وفيها توفي الأمير سيف الدين طغريل بن عبد الله الإيغاني بالقاهرة في عاشر شهر رمضان وكان من كبار الأمراء وأعيان الديار المصرية‏.‏
وفيها توفي الأمير عز الدين أيبك الخازندار في سابع شهر رمضان بالقاهرة وكان من أعيان أمراء مصر‏.‏
وفيها توفي متملك تونس من بلاد الغرب الأمير أبو عبد الله محمد المعروف أبي عصيدة بن يحيى الواثق بن محمد المستنصر بن يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص في عاشر شهر ربيع الآخر‏.‏
وكانت مدة ملكه أربع عشرة سنة وأربعة أشهر وتولى بعده الأمير أبو بكر بن أبي يزيد عبد الرحمن بن أبي بكر بن يحيى بن عبد الواحد المدعو بالشهيد لأنه قتل ظلمًا بعد ستة عشر يومًا من ملكه وبويع بعده أيضًا أبو البقاء خالد بن يحيى بن إبراهيم‏.‏
وفيها توفي الوزير التاج أبو الفرج بن سعيد الدولة في يوم السبت ثاني شهر رجب وكان عند الملك المظفر بيبرس بمكانة عظيمة ولما تسلطن بيبرس قرره مشيرًا فكانت تحمل إليه فوطة العلامة فيمضي منها ما يختاره ويكتب عليه ‏"‏ عرض ‏"‏ فإذا رأى المظفر خطه علم وإلا فلا ولم يزل على ذلك حتى بعث إليه الأمير آقوش الأفرم نائب الشام يهدده بقطع رأسه فامتنع‏.‏
وكان الأفرم صار يدبر غالب أمور الديار المصرية وهو بدمشق لأنه كان خشداش المظفر بيبرس وخصيصًا به والقائم بدولته والمعاند للناصر وغيره من نواب البلاد الشامية وقد تقدم ذكر ذلك‏.‏
كله في ترجمة الملك المظفر بيبرس‏.‏



وفيها توفي الشيخ القدوة العارف بالله تعالى تاج الدين أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله السكندري المالكي الصوفي الواعظ المذكر المسلك بالقاهرة في جمادى الآخرة ودفن بالقرافة وقبره معروف بها يقصد للزيارة‏.‏
وكان رجلًا صالحًا عالمًا يتكلم على كرسي ويحضر ميعاده خلق كثير وكان لوعظه تأثير في القلوب وكان له معرفة تامة بكلام أهل الحقائق وأرباب الطريق وكان له نظم حسن على طريق القوم وكانت جنازته مشهودة حفلة إلى الغاية ومن يا صاح إن الركب قد سار مسرعًا ونحن قعود ما الذي أنت صانع أترضى بأن تبقى المخلف بعدهم صريع الأماني والغرام ينارع وهذا لسان الكون ينطق جهرة بأن جميع الكائنات قواطع وفيها توفي القاضي عز الدين عبد العزيز ابن القاضي شرف الدين محمد ابن فتح الدين عبد الله بن محمد بن أحمد بن خالد بن القيسراني أحد كتاب الدرج ومدرس الفخرية في ثامن صفر بالقاهرة ودفن عند والده بالقرافة‏.‏
وكان من أعيان الموقعين وهو ووالده وجده ومات وله دون الأربعين سنة وكان له فضيلة ونظم ونثر‏.‏



ومن شعره في رد جواب‏:‏

جاء الكتاب ومن سواد مداده مسك ** ومن قرطاسه الأنوار
فتشرف الوادي به وتعطرت ** أرجاؤه وأنارت الأقطار
قلت وأين هذا من قول البارع جمال الدين محمد بن نباتة المصري حيث يقول في هذا المعنى‏:‏ أفديه من ملك يكاتب عبده بأحرفه اللاتي حكتها الكواكب ملكت بها رقي وأنحلني الأسى فها أنذا عبد رقيق مكاتب والشيخ علاء الدين علي بن محمد بن عبد الرحمن العبيي رحمه الله‏:‏ أهلتني لجواب ما كان ظني أجاوب وفيها توفي القاضي بهاء الدين عبد الله بن نجم الدين أحمد بن علي ابن المظفر المعروف بابن الحلي ناظر ديوان الجيش المنصور واستقر عوضه القاضي فخر الدين صاحب ديوان الجيش‏.‏
وفيها توفي الأديب إبراهيم بن علي بن خليل الحراني المعروف بعين بصل‏.‏
كان شيخًا حائكًا أناف على الثمانين وكان عاميًا مطبوعًا وقصده آبن خلكان واستنشده من شعره فقال‏:‏ أما القديم فلا يليق إنشاده وأما نظم الوقت الحاضر فنعم وأنشده بديهًا‏:‏ وما كل وقت فيه يسمح خاطري بنظم قريض رائق اللفظ والمعنى وهل يقتضي الشرع الشريف تيممًا بترب وهذا البحر يا صاحبي معنا فقال له ابن خلكان‏.‏
أنت عين بصر لا عين بصل‏.‏



وكان ذلك في أوائل سلطنة المظفر بيبرس الجاشنكير‏.‏
فتشاءم الناس بكعبه عود الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى ملك مصر ثالث مرة وقد تقدم ذكر نزوله عن الملك وتوجهه إلى الكرك وخلع نفسه وماوقع له بالكرك من مجيء نوغاي ورفقته ومكاتباته إلى نواب الشام وخروجه من الكرك إلى الشام طالبًا ملك مصر إلى أن دخل إلى دمشق كل ذلك ذكرناه مفصلًا في ترجمة الملك المظفر بيبرس الجاشنكير‏.‏
ونسوق الآن ذكر دخوله إلى مصر فنقول‏:‏ لما كانت الثانية من نهار الثلاثاء السادس عشر من شهر رمضان سنة تسع وسبعمائة وهي الساعة التي خلع الملك المظفر بيبرس نفسه فيها من ملك مصر بديار مصر خرج الملك الناصر محمد بن قلاوون من دمشق يريد الديار المصرية فانظر إلى هذا الاتفاق العجيب وإقبال سعد الناصر وإدبار سعد المظفر وسارا الملك الناصر يريد الديار المصرية وصحبته نواب البلاد الشامية بتمامهم وكمالهم والعساكر الشامية وخواصه ومماليكه‏.‏



وأما أمر الديار المصرية فإن الملك المظفر بيبرس لما خلع نفسه وخرج من مصر إلى الإطفيحية جلس الأمير سلار بقاعة النيابة من قلعة الجبل وجمع من بقي من الأمراء واهتم بحفظ القلعة وأخرج المحابيس الذين كانوا فيها من حواشي الملك الناصر محمد وغيرهم وركب ونادى في الناس‏:‏ ‏"‏ ادعوا لسلطانكم الملك الناصر ‏"‏ وكتب إلى الملك الناصر بنزول المظفر عن الملك وفراره إلى إطفيح وسير بذلك أصلم الدوادار ومعه النمجاه وكان قد توجه قبل ذلك من القاهرة الأمير بيبرس المنصورفي الدوادار والأمير بهادر آص في رسالة المظفر بيبرس أنه قد ترك السلطنة وأنه سأل‏:‏ إما الكرك وإما حماة وإما صهيون‏.‏
واتفق يوم وصولهما إلى غزة قدوم الملك الناصر أيضًا إليها وقدوم الأمير سيف الدين شاطي السلاح دار في طائفة من الأمراء المصريين إليها أيضًا‏.‏
ثم قدمت العربان وقدم الأمير مهنا بن عيسى بجماعة كثيرة من آل فضل فركب السلطان إلى لقائه‏.‏
ثم قدم الأمير برلغي الأشرفي مقدم عساكر المظفر بيبرس وزوج ابنته والأمير آقوش الأشرفي نائب الكرك فسر الملك الناصر بقدومهما فإنهما كانا عضدي المظفر‏.‏
قال الأمير بيبرس الدوادار المقدم ذكره في تاريخه رحمه الله‏:‏ وأما نحن فإنا تقدمنا على البريد فوصلنا إلى السلطان يوم نزوله على غزة فمثلنا بين يديه وأعدنا المشافهة عليه وطالعناه بنزول الركن عن السلطنة والتماسه مكانًا من بعض الأمكنة فاستبشر لحقن دماء المسلمين وخمود الفتنة واتفق في ذلك النهار ورود الأمير سيف الدين برلغي والأمير عز الدين البغدادي ومن معهما من الأمراء والمقدمين واجتمعنا جميعًاأ بالدهليز المنصور وقد شملنا الابتهاج وزال عنا الانزعاج وأفاض السلطان على الأمراء التشاريف الجليلة على طبقاتهم والحوائص الذهب الثمينة لصلاتهم فلم يترك أميرًا إلأ وصله ولا مقدمًا حتى شرفه بالخلع وجمله‏.‏



وجددنا استعطاف السلطان فيما سأله الركن من الأمان وكل من الأمراء الحاضرين بين يديه يتلطف في سؤاله ويتضرع في مقاله حتى أجاب وعدنا بالجواب‏.‏
ورحل السلطان على الأثر قاصدًا الديار المصرية فوصلنا إلى القلعة يوم الخميس الخامس والعشرين من شهر رمضان واجتمعنا بالأمير سيف الدين سلار ووجدنا الجاشنكير قد تجاوز موضع الميعاد وأخذ في الإصعاد وحمله الإجفال على الإبعاد ولم يدعه الرعب يستقر به قرار ولا تلقتة معه أرض ولا دار فاقتضى الحال أن أرسلنا إليه الكتب الشريفة الواردة على أيدينا وعدت أنا وسيف الدين بهادر آص إلى الخدمة السلطانية فوجدنا الدهليز على منزلة السعيدية‏.‏
انتهى كلام بيبرس الدوادار باختصار‏.‏
قلت‏:‏ ولما تكاملت العساكر بغزة سار الملك الناصر يريد الديار المصرية فوافاه أصلم دوادار سلار بالنمجاه ثم وصل رسلان الدوادار فسر السلطان بنزوله‏.‏
وسار حتى نزل بركة الحجاج في سلخ شهر رمضان وقد جهز إليه الأمير سلار الطلب السلطاني والأمراء والعساكر ثم خرج الأمير سلار إلى لقائه‏.‏
وصلى السلطان صلاة العيد بالدهليز ببركة الحاج في يوم الأربعاء مستهل شوال وخرج الناس إلى لقاء السلطان الملك الناصر‏.‏



وأنشد الشعراء مدائحهم بين يديه فمن ذلك ما أنشده الشيخ شمس الدين محمد بن علي بن موسى الداعي أبياتًا منها‏:‏ الكامل‏:‏ الملك عاد إلى حماه كما بدا ومحمد بالنصر سر محمدا وإيابه كالسيف عاد لغمده ومعاده كالورد عاوده الندى الحق مرتجع إلى أربابه من كف غاصبه وإن طال المدى ومنها‏:‏ يا وارث الملك العقيم تهنه واعلم بأنك لم تسد فيه سدى عن خير أسلاف ورثت سريره فوجدت منصبه السري ممهدا يا ناصرًا من خير منصور أتى كمهند خلف الغداة مهندا آنست ملكًا كان قبلك موحشًا وجمعت شملًا كان منه مبددا ومنها‏:‏ فالناس أجمع قد رضوك مليكهم وتضرعوا ألا تزال مخلدا وتباركوا بسناء غرتك التي وجدوا على نوار بهجتها هدى لا زلت منصور اللواء مؤيد إل - - عزمات ما هتف الحمام وغردا ثم قدم الأمير سلار سماطًا جليلًا بلغت النفقة عليه اثني عشر ألف درهم وجلس عليه السلطان والأمراء والأكابر والعساكر‏.‏
فلما انقضى السماط عزم السلطان على المبيت هناك والركوب بكرة النهار يوم الخميس فبلغه أن الأمير برلغي والأمير آقوش نائب الكرك قد اتفقا مع البرجية على الهجوم عليه وقتله فبعث السلطان إلى الأمراء عرفهم بما بلغه وأمرهم بالركوب فركبوا وركبت المماليك ودقت الكوسات‏.‏
وسارالناصر وقت الظهر من يوم الأربعاء وقد احتفت به مماليكه كي لايصل إليه أحد من الأمراء حتى وصل إلى القلعة وخرج الناس بأجمعهم إلى مشاهدته‏.‏
فلما وصل بين العروستين ترجل سلار عن فرسه وترجل سائر الأمراء ومشوا بين يديه إلى باب السر من القلعة وقد وقف جماعة من الأمراء بمماليكهم وعليهم السلاح حتى عبر السلطان إلى القلعة ثم أمر السلطان الأمراء بالانصراف إلى منازلهم وعين جماعة من الأمراء الذين يثق بهم أن يستمروا على ظهور خيولهم حول القلعة طول الليل فباتوا على ذلك‏.‏















صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

قديم 13-01-2012, 10:17 PM   رقم المشاركة:500
مراقب عام
[ .. النبــــراس .. ]
 
الصورة الرمزية صبحى سعد فريد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
الدولة: مصر بجوار الأهرامات
العمر: 55
المشاركات: 8,866
معدل تقييم المستوى: 0
صبحى سعد فريد is on a distinguished road

الجنس: ذكر

Ico (9) سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون (الثالثة) على مصر (1)


سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون (الثالثة) على مصر (1)









سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون (الثالثة) على مصر


جلس السلطان الملك الناصر على كرسي الملك وهو يوم الخميس ثاني شؤال‏.‏
وحضر الخليفة أبو الربيع سليمان والقضاة والأمراء وسائر أهل الدولة للهناء فقرأ الشيخ شمس الدين محمد بن علي بن موسى الداعي‏:‏ ‏"‏ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء ‏"‏ الآية 2‏.‏
وأنشد بعض الشعراء هذه الأبيات‏:‏ الطويل تهنأت الدنيا بمقدمه الذي أضاءت له الآفاق شرقًا ومغربا وأما سرير الملك فاهتز رفعة ليبلغ في التشريف قصدًا ومطلبا وتاق إلى أن يعلو الملك فوقه كما قد حوى من قبله الأخ والأبا وكان ذلك بحضرة الأمراء والنواب والعساكر ثم حلف السلطان الجميع على طبقاتهم ومراتبهم الكبير منهم والصغير‏.‏
ولما تقدم الخليفة ليسلم على السلطان نظر إليه وقال له‏:‏ كيف تحضر وتسلم على خارجي هل كنت أنا خارجيا وبيبرس من سلالة بني العباس فتغير وجه الخليفة ولا ينطق‏.‏
قلت‏:‏ والخليفة هذا كان الملك الناصر هو الذي ولاه الخلافة بعد موت أبيه الحاكم بأمر الله‏.‏



ثم التفت السلطان إلى القاضي علاء الدين علي بن عبد الظاهر الموقع وكان هو الذي كتب عهد المظفر بيبرس عن الخليفة وقال له‏:‏ يا أسود الوجه فقال ابن عبد الظاهر من غير توقف‏:‏ يا خوند أبلق خير من أسود‏.‏
فقال السلطان‏:‏ ويلك حتى لا تترك رنكه أيضًا يعني أن ابن عبد الظاهر كان ممن ينتمي إلى سلار وكان رنك سلار أبيض وأسود‏.‏
ثم التفت السلطان إلى قاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة وقال له‏:‏ يا قاضي كنت تفتي المسلمين بقتالي فقال‏:‏ معاذ الله أن تكون الفتوى كذلك وإنما الفتوى على مقتضى كلام المستفتي‏.‏
ثم حضر الشيخ صدر الدين محمد بن عمر بن المرحل وقبل يد السلطان فقال له السلطان‏:‏ كنت تقول في قصيدتك‏:‏ ما للصبي وما للملك يكفله فحلف ابن المرحل بالله ما قال هذا وإنما الأعداء أرادوا إتلافي فزادوا في قصيدتي هذا البيت والعفو من شيم الملوك فعفا عنه‏.‏



وكان ابن المرحل قد مدح المظفر بيبرس بقصيدة عرض فيها بذكر الملك الناصر محمد من جملتها‏:‏ البسيط ما للصبي وما للملك يكفله شأن الصبي بغير الملك مألوف ثم استأذن شمس الدين محمد بن عدلان للدخول على السلطان فقال السلطان للدوادار قل له‏:‏ أنت أفتيت أنه خارجي وقتاله جائز ما لك عنده دخول ولكن عرفه هو وابن المرحل أنه يكفيهما ما قال الشار مساحي في حقهما وكان من خبر ذلك أن الأديب شهاب الدين أحمد بن عبد الدائم الشارمساحي الماجن مدح السلطان الملك الناصر بقصيدة يهجو فيها المظفر بيبرس ولى المظفر لما فاته الظفر وناصر الحق وافى وهو منتصر وقد طوى الله من بين الورى فتنًا كادت على عصبة الإسلام تنتشر فقل لبيبرس إن الدهر ألبسه أثواب عارية في طولها قصر لما تولى تولى الخير عن أمم لم يحمدوا أمرهم فيها ولا شكروا وكيف تمشي به الأحوال في زمن لا النيل وافى ولا وافاهم مطر ومن يقوم ابن عدلان بنصرته وابن المرحل قل لي كيف ينتصر وكان المطر لم يقع في تلك السنة بأرض مصر وقصر النيل وشرقت البلاد وارتفع السعر‏.‏
واتفق أيضًا يوم جلوس السلطان الملك الناصر أن الأمراء لما اجتمعوا قبل خروج السلطان إليهم بالإيوان أشار الأفرم نائب الشام لمنشد يقال له مسعود أحضره معه من دمشق فقام مسعي وأنشد أبياتًا لبعض عوام القاهرة قالها عند توجه الملك الناصر من الديار المصرية إلى الكرك‏:‏ منها‏:‏ الطويل أحبة قلبي إنني لوحيد أريد لقاكم والمزار بعيد كفى حزنًا أني مقيم ببلدة ومن شف قلبي بالفراق فريد أجول بطرفي في الديار فلا أرى وجوه أحبائي الذين أريد فتواجد الأفرم وبكى وحسر عن رأسه ووضع الكلفتاة على الأرض فأنكر الأمراء ذلك وتناول الأمير قراسنقر الكلفتاة ووضعها بيده على رأس الأفرم ثم خرج السلطان فقام الجميع وصرخ الجاويشية فقبل الأمراء الأرض وجرى ما ذكرناه وانقضت الخدمة ودخل السلطان إلى الحريم‏.‏



ثم بعد الخدمة قدم الأمير سلار النائب عدة من المماليك والخيول والجمال وتعابي القماش ما قيمته مائتا ألف درهم فقبل السلطان شيئًا ورد الباقي‏.‏
وسأل سلار الإعفاء من الإمرة والنيابة وأن ينعم عليه بالشوبك فأجيب إلى ذلك بعد أن حلف أنه متى طلب حضر وخلع السلطان عليه وخرج سلار من مصر عصر يوم الجمعة ثالث شوال مسافرًا إلى الشوبك فكانت مدة نيابة سلار على مصر إحدى عشرة سنة‏.‏
وكانت الخلعة التي خلعها السلطان عليه بالعزل عن النيابة أعظم من خلعة الولاية وأعطاه حياصة من الذهب مرضعة وتوجه معه الأمير نظام الدين مسفرًا له واستمر الأمير علي بن سلار بالقاهرة وأعطاه السلطان إمرة عشرة بمصر‏.‏
ثم في خامس شؤال قدم رسول المظفر بيبرس يطلب الأمان فأمنه السلطان‏.‏
وفيه خلع السلطان على الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري باستقراره في نيابة دمشق عوضًا عن الأمير آقوش الأفرم بحكم عزله‏.‏
وخلع على الأمير سيف الدين قبجق المنصوري بنيابة حلب عوضًا عن قرا سنقر‏.‏
وخلع على أسندمركرجي بنيابة حماة عوضًا عن قبجق وخلع على الحاج بهادر الحلبي بنيابة طرابلس عوضًا عن أسندمر كرجي‏.‏
وخلع على قطلوبك المنصوري بنيابة صفد عوضًا عن بكتمر الجوكندار‏.‏
واستقر سنقر الكمالي حاجب الحجاب بديار مصر على عادته وقرالاجين أمير مجلس على عادته‏.‏
وبيبرس الدوادار على عادته وأضيف إليه نيابة دار العدل ونظر الأحباس‏.‏
وخلع على الأمير جمال الدين آقوش الأفرم نائب الشام كان بنيابة صرخد على خبز مائة فارس‏.‏
وأنعم السلطان على نوغاي القبجاقي بإقطاع الأمير قطلوبك المنصوري وهو إمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق‏.‏
ونوغاي هذا هو صاحب الواقعة مع المظفر والخارج من مصر إلى الكرك‏.‏



ثم رسم السلطان لشهاب الدين بن عبادة بتجهيز الخلع والتشاريف لسائر أمراء الشام ومصر فجهزت وخلع عليهم كلهم في يوم الاثنين سادس شوال وركبوا بالخلع والتشاريف فكان لركوبهم يوم عظيم‏.‏
وفي يوم الأحد ثاني عشر شوال استقر فخر الدين عمر بن الخليلي في الوزارة عوضًا عن ضياء الدين النشائي‏.‏
ثم رسم السلطان للنواب بالسفر فأول من سافر الأمير قبجق نائب حلب وخرجت معه تجريدة من العساكر المصرية خوفًا من طارق يطرق البلاد‏.‏
والذي تجرد مع قبجق من أمراء مصر هم‏:‏ الأمير جبا أخو سلار وطرنطاي البغدادي وعلاء الدين أيدغدي وبهادر الحموي وبلبان الدمشقي وسابق الدين بوزنا الساقي وركن الدين بيبرس الشجاعي وكوري السلاح دار وأقطوان الأشرفي وبهادر الجوكندار وبلبان الشمسي وأيدغدي الزراق وكهرداش الزراق وبكتمر أستادار وأيدمر الإسماعيلي وأقطاي الجمدار وجماعة من أمراء العشرات‏.‏



فلما وصلوا إلى حلب رسم بإقامة جماعة منهم بالبلاد الشامية عدتهم ستة من أمراء الطبلخاناه وعادت البقية‏.‏
وفي يوم الخميس سادس عشر شوال حضر الأمراء للخدمة على العادة وقد قرر السلطان مع مماليكه القبض على عدة من الأمراء وأن كل عشرة يقبضون أميرًا ممن عينهم بحيث يكون العشرة عند دخول الأمير محتفة به فإذا رفع السماط واستدعى السلطان أمير جاندار قبض كل جماعة على من عين لهم‏.‏
فلما حضر الأمراء في الخدمة أحاط بهم المماليك ففهموا القصد وجلسوا على السماط فلم يتناول أحد منهم لقمة وعندما نهضوا أشار السلطان إلى أمير جاندار فتقدم إليه وقبض المماليك على الأمراء المعينين وعدتهم اثنان وعشرون أميرًا فلم يتحرك أحد منهم فبهت الجميع ولم يفلت منهم سوى جركتمر بن بهادر رأس نوبة فإنه لما فهم القصد وضع يده على أنفه كأنه رعف وخرج من غير أن يشعر به أحد واختفى عند الأمير قراسنقر وكان زوج أخته فشفع فيه قراسنقر فقبل السلطان شفاعته‏.‏



وكان الأمراء المقبوض عليهم‏:‏ الأمير باكير وأيبك البغدادي وقينغار التقوي وقجماس وصاروجا وبيبرس وبيدمروتينوا ومنكوبرس وإشقتمر والسيواسي وسنقر الكمالي الحاجب والحاج بيليك المطفري والغتمي وإكبار وحسن الردادي وبلاط وتمربغا وقيران ونوغاي الحموي وهو غير نوغاي القبجاقي صاحب الواقعة وجماعة أخر تتمة الاثنين وعشرين أميرًا‏.‏
وفي ثالث عشرين شوال استقر الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار المنصوري في نيابة السلطنة بديار مصر عوضًا عن سلار‏.‏
وفيه أمر السلطان اثنين وثلاثين أميرًا من مماليكه منهم‏:‏ تنكز الحسامي الذي ولي نيابة الشام بعد ذلك وطغاي وكستاي وقجليس وخاص ترك وطط قرا وأقتمر وأيدمر الشيخي وأيدمر الساقي وبيبرس أمير آخور وطاجار المارديني الناصري وخضر بن نوكاي وبهادر قبجق والحاج أرقطاي وأخوه أيتمش المحمدي وأرغون الدوادار الذي صار بعد ذلك نائب السلطنة بمصر وسنقر المرزوقي وبلبان الجاشنكير وأسنبغا بن عبد الله المحمودي الأمير سيف الدين وبيبغا المكي وأمير علي بن قطلوبك ونوروز أخو جنكلي وألجاي الحسامي وطيبغا حاجي ومغلطاي العزي صهر نوغاي وقرمشي الزيني وبكتمر قبجق وتينوا الصالحي ومغلطاي البهائي وسنقر السلاح دار ومنكلي بغا وركبوا الجميع بالخلع والشرابيش من المنصورية ببين القصرين وشقوا القاهرة وقد أوقدت الحوانيت كلها إلى الرميلة وسوق الخيل وصفت المغاني وأرباب الملاهي في عدة أماكن ونثرت عليهم الدراهم فكان يومًا مشهودًا‏.‏



وكان المذكورون منهم أمراء طبلخاناه وعشراوات‏.‏
وفيه قبض السلطان على برلغي الأشرفي وجماعة أخر‏.‏
ثم بعد أيام أيضًا قبض السلطان على الأمير عز الدين أيدمر الخطيري الأستادار والأمير بدر الدين بكتوت الفتاح أمير جاندار بعدما حضرا من عند الملك المظفر بيبرس وخلع عليهما وذلك بعد الفتك بالمظفر بيبرس حسب ما ذكرناه في ترجمة المظفر بيبرس وسكتنا عنه هنا لطول قصته ولقصر مدة حكايته فإنه بالأمس ذكر فليس لتكراره محل ومن أراد ذلك فلينظر في ترجمة المظفر بيبرس‏.‏
وفيه سفر الأمراء المقبوض عليهم إلى حبس الإسكندرية وكتب بالإفراج عن المعتقلين بها وهم‏:‏ آقوش المنصوري قاتل الشجاعي والشيخ علي التتاري ومنكلي التتاري وشاورشي بن قنغر وهو الذي كان أثار فتنة الشجاعي وكتبغا وغازي وموسى أخوا حمدان بن صلغاي فلما حضر‏.‏
خلع عليهم وأنعم عليهم بإمريات في الشام‏.‏
ثم أحضر شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية من سجن الإسكنرية وبالغ في إكرامه وكان حبسه المظفر لأمر وقع بينه وبين علماء دمشق ذكرناه في غير هذا الكتاب وهو بسبب الاعتقاد وما يرمى به أوباش الحنابلة‏.‏
وفي يوم الثلاثاء تاسع عشرين صفر سنة عشر وسبعمائة عزل السلطان قاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الشافعي عن قضاء الديار المصرية بقاضي القضاة جمال الدين أبي داود سليمان بن مجد الدين أبي حفص عمر الزرعي وعزل قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن إبراهيم السروجي الحنفي فأقام بعد عزله ستة أيام ومات‏.‏



ثم كتب السلطان الملك الناصر بالقبض على الأمراء الذين كان أطلقهم من حبس الإسكندرية وأنعم عليهم بإمريات بالبلاد الشامية خوفًا من شرهم‏.‏
ثم استقر السلطان بالأمير بكتمر الحسامي حاجب دمشق في نيابة غزة عوضًا عن بلبان البدري‏.‏
ثم قبض السلطان على قطقطو والشيخ علي وضروط مماليك سلار وأمر عوضهم جماعة من مماليكه وحواشيه منهم‏:‏ بيبغا الأشرفي وجفتاي وطيبغا الشمسي وأيدمر الدوادار وبهادر النقيب‏.‏
وفيها حضر ملك العرب حسام الدين مهنا أمير آل فضل فأكرمه السلطان وخلع عليه وسأل مهنا السلطان في أشياء وأجابه منها‏:‏ ولاية حماة للملك المؤيد إسماعيل ابن الملك الأفضل علي الأيوبي فأجابه إلى ذلك ووعده بها بعد أسندمر كرجي ومنها الشفاعة في أيدمر الشيخي فعفا عنه وأخرجه إلى قوص ومنها الشفاعة في الأمير برلغي الأشرفي وكان في الأصل مملوكه قد كسبه مهنا هذا من التتار ثم أهداه إلى الملك المنصور قلاوون فورثه منه ابنه الملك الأشرف خليل بن قلاوون فعدد السلطان الملك الناصر ذنوبه فما زال به مهنا حتى خفف عنه وأذن للناس في الدخول عليه ووعدده بالإفراج عنه بعد شهر فرضي بذلك وعاد إلى بلاده وهو كثير الشكر والثناء على الملك الناصر



ولما فرغ السلطان الملك الناصر

كل من أمر المظفر بيبرس وأصحابه ولم يبق عنده ممن يخشاه إلا سلار ندب إليه السلطان الأمير ناصر الدين محمد ابن أمير سلاح بكتاش الفخري وكتب على يده كتابًا بحضوره إلى مصر فاعتذر سلار عن الحضور إلى الديار المصرية بوجع في فؤاده وأنه يحضر إذا زال عنه‏.‏
فتخيل السلطان من تأخره وخاف أن يتوخه إلى التتارة فكتب إلى قراسنقر نائب الشام وإلى أسندمر نائب حماة بأخذ الطرق على سلار لئلا يتوجه إلى التتار‏.‏
ثم بعث الملك الناصر بالأميرين‏:‏ بيبرس الدوادار وسنجر الجاولي إلى الأمير سلار وأكد عليهما في إحضاره وأن يضمنا له عن السلطان أنه يريد إقامته عنده يستشيره في أمور المملكة فقدما على سلار وبلغاه عن السلطان ما قال فوعدهما أنه يحضر وكتب الجواب بذلك فلما رجعا اشتد قلق السلطان وكثر خياله منه‏.‏
وأما سلار فإنه تحير في أمره واستشار أصحابه فاختلفوا عليه فمنهم من أشار بتوجهه إلى السلطان ومنهم من أشار بتوجهه إلى قطر من الأقطار إما إلى التتار أو إلى اليمن أو إلى برقة‏.‏
فعول على المسير إلى اليمن ثم رجع عن ذلك وأجمع على الحضور إلى السلطان وخرج من الشوبك و عنده ممن سافر معه من مصر أربعمائة وستون فارسًا فسار إلى القاهرة فعندما قدم على الملك الناصر قبض عليه وحبسه بالبرج من قلعة الجبل وذلك في سلخ شهر ربيع الأول سنة عشر وسبعمائة‏.‏



ثم ضيق السلطان على الأمير برلغي بعد رواح الأمير مهنا وأخرج حريمه من عنده ومنع ألا يدخل إليه أحد بأكل ولا شرب حتى أشفى على الموت ويبست أعضاؤه وخرس لسانه من شدة الجوع ومات ليلة الأربعاء ثاني شهر رجب‏.‏
وأما أمر سلار فإنه لما حضر بين يدي الملك الناصر عاتبه عتابًا كثيرًا وطلب منه الأموال وأمر الأمير سنجر الجاولي أن ينزل معه ويتسلم منه مايعطيه من الأموال فنزل معه إلى داره ففتح سلار سربًا تحت الأرض فأخرج منه سبائك ذهب وفضة وجرب من الأديم الطائفي في كل جراب عشرة آلاف دينار فحملوا من ذلك السرب أكثر من حمل خمسين بغلًا من الذهب والفضة ثم طلع سلار إلى الطارمة التي كان يحكم عليها فحفروا تحتها فأخرجوا سبعًا وعشرين خابية مملوءة ذهبًا ثم أخرج من الجواهر شيئأ كثيرًا منها‏:‏ حجر بهرمان زنته أربعون مثقالًا وأخرج ألفي حياصة ذهب مجوهرة بالفصوص وألفي قلادة من الذهب كل قلادة تساوي مائة دينار وألفي كلفتاة زركش وشيئًا كثيرًا يأتي ذكره أيضًا بعد أن نذكر وفاته ومنها‏:‏ أنهم وجدوا له لجمًا مفضضة فنكتوا الفضة عن السيور ووزنوها فجاء وزنها عشرة قناطير بالشامي‏.‏



ثم إن السلطان طلبه وأمر أن يبنى عليه أربع حيطان في مجلسه وأمر ألا يطعم ولايسقى وقيل‏:‏ إنه لما قبض عليه وحبسه بقلعة الجبل أحضر إليه طعامًا فأبى سلار أن يأكل وأظهر الغضب فطولع السلطان بذلك فأمر بألا يرسل إليه طعام بعد هذا فبقي سبعة أيام لا يطعم ولايسقى وهو يستغيث من الجوع فأرسل إليه السلطان ثلاثة أطباق مغطاة بسفر الطعام فلما أحضروها بين يديه فرح فرحًا عظيمًا وظن أن فيها أطعمة يأكل منها فكشفوها فإذا في طبق ذهب وفي الآخر فضة وفي الآخر لؤلؤ وجواهر فعلم سلار أنه ما أرسل إليه هذه الأطباق إلا ليقابله على ما كان فعله معه فقال سلار‏:‏ الحمد لله الذي جعلني من أهل المقابلة في الدنيا وبقي على هذه الحالة اثني عشر يومًا ومات فأعلموا الملك الناصر بموته فجاؤوا إليه فوجدوه قد أكل ساق خفه وقد أخذ السرموجة وحطها في فيه وقد عض عليها بأسنانه وهو ميت وقيل‏:‏ إنهم دخلوا عليه قبل موته وقالوا‏:‏ السلطان قد عفا عنك فقام من الفرح ومشى خطوات ثم خر ميتًا وذلك في يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة عشر وسبعمائة وقيل‏:‏ في العشرين من جمادى الأولى من السنة المذكورة‏.‏
فأخذ الأمير علم الدين سنجر الجاولي بإذن السلطان وتولى غسله وتجهيزه ودفنه بتربته التي أنشأها بجانب مدرسته على الكبش خارج القاهرة بالقرب من جامع ابن طولون لصداقة كانت بين الجاولي و سلار قديمًا وحديثًا‏.‏
وكان سلار أسمر اللون أسيل الخد لطيف القد صغير اللحية تركي الجنس وكان أصله من مماليك الملك الصالح علي بن قلاوون الذي مات في حياة والده قلاوون وكان سلار أميرًا جليلًا شجاعًا مقدامًا عاقلًا سيوسًا وفيه كرم وحشمة ورياسة وكانت داره ببين القصرين بالقاهرة‏.‏



وقيل‏:‏ إن سلار لما حج المرة الثانية فرق في أهل الحرمين أموالًا كثيرة وغلالًا وثيابًا تخرج عن حد الوصف حتى إنه لم يدع بالحرمين فقيرًا وبعد هذا مات وأكبر شهواته رغيف خبز وكان في شونته يوم مات من الغلال ما يزيد على أربعمائة ألف إردب‏.‏
وكان سلار ظريفًا لبيسًا كبير الأمراء في عصره اقترح أشياء من الملابس كثيرة مثل السلاري وغيره ولم يعرف لبس السلاري قبله وكان شهد وقعة شقحب مع الملك الناصر وأبلى في ذلك اليوم بلاء حسنًا وثخنت جراحاته وله اليد البيضاء في قتال التتار‏.‏
وتولى نيابة السلطنة بديار مصر فاستقل فيها بتدبير الدولة الناصرية نحو عشر سنين‏.‏
ومن جملة صدقاته أنه بعث إلى مكة في سنة اثنتين وسبعمائة في البحر المالح عشرة آلاف إردب قمح ففرقت في أهل مكة وكذا فعل بالمدينة‏.‏



وكان فارسًا كان إذا لعب بالكرة لا يرى في ثيابه عرق وكذا في لعب الرمح مع الإتقان فيهما‏.‏
وأما ماخلفه من الأموال فقد ذكرنا منه شيئًا ونذكر منه أيضًا ما نقله بعض المؤرخين‏.‏
قال الجزري‏:‏ وجد ل سلار بعد موته ثمانمائة ألف ألف دينار وذلك غير الجوهر والحلي والخيل والسلاح‏.‏
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي‏:‏ هذا كالمستحيل وحسب زنة الدينار وجمله بالقنطار فقال‏:‏ يكون ذلك حمل خمسة آلاف بغل وما سمعناه عن أحد من كبار السلاطين أنه ملك هذا القدر ولا سيما ذلك خارج عن الجوهر وغيره‏.‏
قلت‏:‏ وهو معذور في الجزري فإنه جازف وأمعن‏.‏
وقالى ابن دقماق في تاريخه‏:‏ وكان يدخل إلى سلار في كل يوم من أجرة أملاكه ألف دينار‏.‏
وحكى الشيخ محمد بن شاكر الكتبي فيما رآه بخط الإمام العالم العلامة علم الدين البرزالي قال‏:‏ رفع إلي المولى جمال الدين بن الفويرة ورقة فيها قبض أموال سلار وقت الحوطة عليه في أيام متفرقة أولها يوم الأحد‏:‏ ياقوت أحمر وبهرمان رطلان‏.‏
بلخش رطلان ونصف‏.‏
زمرد ريحاني وذباب تسعة عشر رطلًا‏.‏
صناديق ضمنها فصوص ستة‏.‏
ما بين زمرد وعين الهر ثلاثمائة قطعة كبار‏.‏
لؤلؤ مدور من مثقال إلى درهم ألف ومائة وخمسون حبة‏.‏
ذهب عين مائتا يوم الاثنين‏:‏ فصوص مختلفة رطلان ذهب عين خمسة وخمسون ألف دينار دراهم ألف ألف درهم‏.‏
مصاغ وعقود ذهب مصري أربع قناطير‏.‏
فضيات طاسات وأطباق وطشوت ست قناطير‏.‏
يوم الثلاثاء‏:‏ ذهب عين خمسة وأربعون ألف دينار دراهم ثلاثمائة ألف درهم وثلاثون ألف درهم‏.‏
قطزيات وأهله وطلعات صناجق فضة ثلاثة قناطير‏.‏
يوم الأربعاء‏:‏ ذهب عين ألف ألف دينار دراهم ثلاثمائة ألف درهم‏.‏
أقبية بفرو قاقم ثلاثمائة قباء‏.‏
أقبية حرير عمل الدار ملونة بفرو سنجاب أربعمائة قباء سروج ذهب مائة سرج‏.‏
ووجد له عند صهره أمير موسى ثمانية صناديق لم يعلم ما فيها حملت إلى الدور السلطانية وحمل أيضًا من عند سلار إلى الخزانة تفاصيل طرد وحش وعمل الدار ألف تفصيلة‏.‏
ووجد له خام السفر ست عشرة نوبه كاملة‏.‏



ووصل له مما كان أخذه صحبته لما توجه إلى الشوبك ذهب مصري خمسون ألف دينار ودراهم أربعمائة ألف درهم وسبعون ألف درهم وخلع ملونة ثلاثمائة خلعة وخركاه كسوتها أطلس أحمر معدني مبطن بأزرق مروزي أوستر بابها زركش ووجد له خيل ثلاثمائة فرس ومائة وعشرون قطار بغال ومائة وعشرون قطار جمال‏.‏
هذا خارج عما وجد له من الأغنام والأبقار والجواميس والأملاك والمماليك والجواري والعبيد‏.‏
ودل مملوكه على مكان مبني في داره فوجدوا حائطين مبنيين بينهما أكياس ما علم عدتها وفتح مكان آخر فيه فسقية ملآنة ذهبًا منسبكًا بغيرأكياس‏.‏
قلت‏:‏ ومما زاد سلار من العظمة أنه لما ولي النيابة في الدولة الناصرية محمد بن قلاوون وصار إليه وإلى بيبرس الجاشنكير تدبير المملكة حضر إلى الديار المصرية الملك العادل زين الدين كتبغا الذي كان سلطان الديار المصرية وعزل بحسام الدين لاجين ثم استقر نائب حماة فقدم كتبغا إلى القاهرة وقبل الأرض بين يدي الملك الناصر محمد بن قلاوون ثم خرج من عنده وأتى سلار هذا ليسلم عليه فوجد سلار راكبًا وهو يسير في حوش داره فنزل كتبغا عن فرسه وسلم على سلار و سلار على فرسه لم ينزل عنه وتحادثا حتى انتهى كلام كتبغا وعاد إلى حيث نزل بالقاهرة فهذا شيء لم يسمع بمثله انتهى‏.‏



وبعد موت سلار قدم على السلطان البريد بموت الأمير قبجق المنصوري نائب حلب وكان الملك الناصر عزل أسندمر كرجي عن نيابة حماة وولى نيابة حماة للملك المؤيد عماد الدين إسماعيل فسار إليه المؤيد من دمشق فمنعه أسندمر فأقام المؤيد بين حماة ومصر ينتظر مرسوم السلطان فاتفق موت قبجق نائب حلب فسار أسندمر من حماة إلى حلب وكتب يسأل السلطان في نيابة حلب فأعطاها ثم عزل السلطان بكتمر الحسامي الحاجب عن نيابة غزة وأحضره إلى القاهرة وولى عوضه على نيابة غزة الأمير قطلقتمر وخلع على بكتمر الحاجب بالوزارة بالديار المصرية عوضًا عن فخر اللدين عمر بن الخليلي‏.‏
ثم قدم البريد بعد مدة لكن في السنة بموت الأمير الحاج بهادر الحلبي نائب طرابلس فكتب السلطان بنقل الأمير جمال الدين آقوش الأفرم من نيابة صرخد إلى نيابة طرابلس عوضًا عن الحاج بهادر المذكور فسار إليها وفرح بموت الحاج بهادر فرحًا عظيمًا فإنه كان يخافه ويخشى شره‏.‏



ثم التفت السلطان بعد موت قبجق والحاج بهادر المذكور إلى أسندمر كرجي وأخرج تجريدة من الديار المصرية وفيها من الأمراء كراي المنصوري وهو مقدم العسكر وسنقر الكمالي حاجب الحجاب وأيبك الرومي وبينجار وكجكن وبهادر آص في عدة من مضافيهم من أمراء الطبلخاناه والعشرات ومقدمي الحلقة وأظهر أنهم توجهوا لغزو سيس وكتب لأسندمر كرجي بتجهيز آلات الحصار على العادة والاهتمام في هذا الأمر حتى يصل إليه العسكر من مصر‏.‏
وكتب الملك الناصر إلى المؤيد عماد الدين إسماعيل صاحب حماة بالمسير مع العسكر المصري‏.‏
ثم خرج الأمير كراي من القاهرة بالعساكر في مستهل ذي القعدة سنة عشر وسبعمائة وأسر إليه السلطان ما يعتمده في أمر كرجي‏.‏
وبعد خروج هذا العسكر من مصر توحش خاطر الأمير بكتمر الخوكندار نائب السلطنة من الملك الناصر وخاف على نفسه واتفق مع الأمير بتخاص المنصوري على إقامة الأمير مظفر الدين موسى ابن الملك الصالح علي بن قلاوون في السلطنة والاستعانة بالمماليك المظفرية وبعث إليهم في ذلك فوافقوه‏.‏
ثم شرع النائب بكتمر الجوكندار في استمالة الأمراء ومواعدة المماليك المظفرية الذين بخدمة الأمراء على أن كل طائفة تقبض على الأمير الذي هي في خدمته في يوم عينه لهم ثم يسوق الجميع إلى قبة النصر خارج القاهرة ويكون الأمير موسى المذكور قد سبقهم هناك‏.‏
فدبروا ذلك حتى انتظم الأمر ولم يبق إلا وقوعه فنم عليهم إلى الملك الناصر بيبرس الجمدار أحد المماليك المظفرية‏.‏
وهو ممن اتفق معهم بكتمر الجوكندار أراد بذلك أن يتخذ يدًا عند السلطان الملك الناصر بهذا الخبر فعرف خشداشه قراتمر الخاصكي بما عزم عليه فوافقه‏.‏



وكان بكتمر الجوكندار قد سير يعرف الأمير كراي المنصوري بذلك لأنه كان خشداشه وأرسل كذلك إلى قطلوبك المنصوري نائب صفد ثم إلى قطلقتمر نائب غزه فأما قطلوبك وقطلقتمر فوافقاه وأما كراي فأرسل نهاه وحذره من ذلك فلم يلتفت بكتمر وتم على ما هو عليه‏.‏
فلما بلغ السلطان هذا الخبر وكان في الليل لم يتمهل وطلب الأمير موسى إلى عنده وكان يسكن بالقاهرة فلما نزل إليه الطلب هرب‏.‏
ثم استدعى السلطان الأمير بكتمر الجوكندار النائب وبعث أيضًا في طلب بتخاص وكانوا إذ ذاك يسكنون بالقلعة فلما دخل إليه بكتمر أجلسه وأخذ يحادثه حتى أتاه المماليك بالأمير بتخاص فلما رآه بكتمر علم أنه قد هلك فقيد بتخاص وسجن وأقام السلطان ينتظر الأمير موسى فعاد إليه الجاولي ونائب الكرك وأخبراه بفراره فاشتد غضبه عليهما‏.‏
وماطلع النهار حتى أحضر السلطان الأمراء وعرفهم بما قد وقع ولم يذكر اسم بكتمر النائب‏.‏
وألزم السلطان الأمير كشدغدي البهادري والي القاهرة بالنداء على الأمير موسى ومن أحضره من الجند فله إمرته وإن كان من العامة فله ألف دينار‏.‏
فنزل كشدغدي ومعه الأمير فخر الدين إياز شاذ الدواوين وأيدغل شقير وسودي وعدة من المماليك وألزم السلطان سائر الأمراء بالإقامة بالقاعة الأشرفية من القلعة حتى يظهر خبر الأمير موسى‏.‏



ثم قبض السلطان على حواشي الأمير موسى وجماعته وعاقب كثيرًا منهم‏.‏
فلم يزل الأمر على ذاك من ليلة الأربعاء إلى يوم الجمعة ثم قبض على الأمير موسى المذكور من بيت أستادار الفارقاني من حارة الوزيرية بالقاهرة وحمل إلى القلعة فسجن بها‏.‏
ونزل الأمراء إلى دورهم وخلي عن الأمير بكتمر النائب أيضًا ونزل إلى داره ورسم السلطان بتسمير أستادار الفارقاني ثم عفا عنه وسار إلى داره‏.‏
وتتبع السلطان المماليك المظفرية وفيهم بيبرس الجمدار الذي نم عليهم وعملوا في الحديد وأنزلوا ليسمروا تحت القلعة وقد حضر نساؤهم وأولادهم وجاء الناس من كل موضع وكثر البكاء والصراخ عليهم رحمة لهم والسلطان ينظر فأخذته الرحمة عليهم فعفا عنهم فتركوا ولم يقتل أحد منهم فكثر الدعاء للسلطان والثناء عليه‏.‏
وأما أمر أسندمر كرجي فإن الأمير كراي لما وصل بالعساكر المصرية إلى حمص وأقام بها على ما قرره السلطان معه وصل إليه الأمير منكوتمر الطباخي وكان السلطان كتب معه ملطفات إلى أمراء حلب بقبض نائبها أسندمر كرجي في الباطن وكتب في الظاهر لكراي وأسندمر كرجي بما أراده من عمل المصالح فقضى كراي شغله من حمص وركب وتهيأ من حمص وجد في السير جريمة حتى وصل إلى حلب في يوم ونصف فوقف بمن معه تحت قلعة حلب عند ثلث الليل الآخر وصاح‏:‏ يا لعلي وهي الإشارة التي رتبها السلطان بينه وبين نائب قلعة حلب‏.‏



فنزل نائب القلعة عند ذلك بجميع رجالها وقد استعدوا للحرب وزحف الأمير كراي على دار النيابة ولحق به أمراء حلب وعسكرها فسلم الأمير أسندمر كرجي نفسه بغير قتال فأخذ وقيد وسجن بقلعتها وأحيط على موجوده‏.‏
وسار منكوتمر الطباخي على البريد بذلك إلى السلطان‏.‏
ثم حمل أسندمر كرجي إلى السلطان صحبة الأمير بينجار وأيبك الرومي فخاف عند ذلك الأمير قرا سنقر نائب الشام على نفسه وسأل أن ينتقل من نيابة دمشق إلى نيابة حلب ليبعد عن الشر فأجيب إلى ذلك وكتب بتقليده وجهز إليه في آخر ذي الحجة من سنة عشر وسبعمائة على يد الأمير أرغون الدوادار الناصري وأسر له السلطان بالقبض عليه إن أمكنه ذلك‏.‏
وقدم أسندمر كرجي إلى القاهرة واعتقل بالقلعة وبعث يسأل السلطان عن ذنبه فأعاد جوابه‏:‏ ما لك ذنب إلا أنك قلت لي لما ودعتك عند سفرك‏:‏ أوصيك ياخوند‏:‏ لاتبق في دولتك كبشًا كبيرًا وأنشىء مماليكك ولم يبق عندي كبش كبير غيرك ‏"‏‏.‏



ثم قبض السلطان على طوغان نائب البيرة وحمل إلى السلطان فحبس أيامًا ثم أطلقه وولاه شد الدواوين بدمشق‏.‏
وفي مستهل سنة إحدى عشرة وسبعمائة وصل الأمير أرغون الدوادار إلى الشام لتسفير قراسنقر المنصوري منها إلى نيابة حلب فاحترس منه الأمير قراسنقر على نفسه وبعث إليه عدة من مماليكه يتلقونه ويمنعون أحدًا ممن جاء معه أن ينفرد مخافة أن يكون معه ملطفات إلى أمراء دمشق‏.‏
ثم ركب قراسنقر إليه ولقيه بميدان الحصى خارج دمشق وأنزله عنده بدار السعادة ووكل بخدمته من ثقاته جماعة‏.‏
فلما كان من الغد أخرج له أرغون تقليده فقبله وقبل الأرض على العادة وأخد في التجهيز ولم يدع قراسنقر أرغون أن ينفرد عنه بحيث إنه أراد زيارة أماكن بدمشق فركب معه قراسنقر بنفسه حتى قضى أرغون أربه وعاد وتم كذلك إلى أن سافر‏.‏
فلما أراد قراسنقر السفر بعث إلى الأمراء ألا يركب أحد منهم لوداعه وألا يخرج من بيته واستعد وقدم أثقاله أولًا في الليل فلما أصبح ركب يوم الرابع من المحرم بمماليكه وعدتهم ستمائة فارس أرغون الموادار بجانبه وبهادر آص في جماعة قليلة وسار معه أرغون حتى أوصله إلى حلب‏.‏
ثم عاد أرغون إلى دمشق وقلد الأمير كراي المنصوري نيابة الشام عوضًا عن قراسنقر وأنعم كراي على أرغون الدوادار بألف دينار سوى الخيل والخلع وغير ذلك‏.‏



ثم إن الملك الناصر عزل الأمير بكتمر الحسامي عن الوزارة وولاه حجوبية الحجاب بالديار المصرية عوضًا عن سنقر الكمالي‏.‏
ولا زال السلطان يتربص في أمر بكتمر الجوكندار النائب حتى قبض عليه بحيلة دبرها عليه في يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأولى من سنة إحدى عشرة وسبعمائة وقبض معه على عدة من الأمراء منهم‏:‏ صهر الجوكندار الكتمر الجمدار وأيدغدي العثماني ومنكوتمر الطباخي وبدر الدين بكمش الساقي وأيدمر الشمسي وأيدمر الشيخي وسجنوا الجميع إلا الطباخي فإنه قتل من وقته‏.‏
والحيلة التي دبرها السلطان على قبض بكتمر الجوكندار أنه نزل السلطان إلى المطعم وبكتمر بإزائه فخرج السلطان من البرج ومال إلى بكتمر وقال‏:‏ ياعمي ما بقي في قلبي من أحد إلا فلان وفلان وذكر له أميرين فقال له بكتمر‏:‏ يا خوند ما تطلع من المطعم إلا وتجدني قد أمسكتهما وكان ذلك يوم الثلاثاء فقال له السلطان‏:‏ لا يا عمي إلا دعهما إلى يوم الجمعة تمسكهما في الصلاة فقال له‏:‏ السمع والطاعة‏.‏
ثم إن السلطان جهز لبكتمر تشريفًا هائلًا ومركوبًا معظمًا فلما كان يوم الجمعة قال له في الصلاة‏:‏ والله يا عمي ما لي وجه أراهما وأستحي منهما ولكن أمسكهما إذا دخلت أنا إلى الدار وتوجه بهما إلى المكان الفلاني تجد هناك منكلي بغا وقجماس فسلمهما إليهما ورح أنت فأمسكهما بكتمر الجوكندار وتوجه بهما إلى المكان المذكور له فوجد الأميرين‏:‏ قجماس ومنكلي بغا هناك فقاما إليه وقالا له‏:‏ عليك السمع والطاعة لمولانا السلطان وأخذا سيفه فقال لهما‏:‏ يا خشداشيتي ما هو هكذا الساعة كما فارقت السلطان وقال لي‏:‏ أمسك هؤلاء فقالا‏:‏ ما القصد إلا أنت فأمسكاه وأطلقا الأميرين وكان ذلك آخر العهد ببكتمر الجوكندار كما يأتي ذكره‏.‏



ئم أرسل السلطان استدعى الأمير بيبرس الدوادار المنصوري المؤزخ وولاه نيابة السلطنة بديار مصر عوضًا عن بكتمر الجوكندار‏.‏
ثم أرسل السلطان قبض أيضًا على الأمير كراي المنصوري نائب الشام بدار السعادة في يوم الخميس ثاني عشرين جماس الأولى وحمل مقيدًا إلى الكرك فحبس بها وسبب القبض عليه كونه كان خشداش بكتمر الجوكندار ورفيقه‏.‏
ثم قبض السلطان على الأمير قطلوبك نائب صفد بها وكان أيضًا ممن وافق بكتمر على الوثوب مع الأمير السلطان على الأمير قطلوبك نائب صفد بها وكان أيضًا ممن وافق بكتمر على الوثوب مع الأمير موسى حسب ما تقدم ذكره‏.‏
ثم خلع السلطان على الأمير آقوش الأشرفي نائب الكرك باستقراره في نيابة دمشق عوضًا عن كراي المنصوري واستقر بالأمير بهادر آص في نيابة صفد عوضًا عن قطلوبك‏.‏
ثم نقل السلطان بكتمر الجوكندار النائب وأسندمر كرجي من سجن الإسكندرية إلى سجن الكرك فبقي بسجن الكرك جماعة من أكابر الأمراء مثل‏:‏ بكتمر الجوكندار وكراي المنصوري وأسندمر كرجي وقطلوبك المنصوري نائب صفد وبيبرس العلائي في آخرين‏.‏



ثم عزل السلطان مملوكه أيتمش المحمدي عن نيابة الكرك واستقر في نيابتها تيبغا الأشرفي وكان السلطان قد استناب أيتمش هذا على الكرك لما خرج منها إلى دمشق‏.‏
وأما قراسنقر فإنه أخذ في التدبير لنفسه خوفًا من القبض عليه كما قبض على غيره واصطنع العربان وهاداهم وصحب سليمان بن مهنا وآخاه وأنعم عليه وعلى أخيه موسى حتى صار الجميع من أنصاره‏.‏
وقدم عليه الأمير مهنا إلى وأقام عنده أيامًا وأفضى إليه قراسنقر بسره وأوقفه على كتاب السلطان بالقبض على مهنا وأنه لم يوافق على ذلك‏.‏
ثم بعث قراسنقر يسأل السلطان في الإذن له في الحج فجهز قراسنقر حاله وخرج من حلب في نصف شوال ومعه أربعمائة مملوك واستناب بحلب الأمير قرطاي وترك عنده عدة من مماليكه لحفظ حواصله فكتب السلطان لقرطاي بالاحتراس وألا يمكن قراسنقر من حلب إذا عاد ويحتج عليه بإحضار مرسوم السلطان بتمكينه من ذلك‏.‏
ثم كتب إلى نائب غزة ونائب الشام ونائب الكرك وإلى بني عقبة بأخذ الطريق على قراسنقر فقدم البريد أنه سلك البرية إلى صرخد وإلى زيزاء ثم كثر خوفه من السلطان فعاد من غير الطربق التي سلكها ففات أهل الكرك القبض عليه فكتبوا بالخبر إلى السلطان فشق عليهم وصل قراسنقر إلى ظاهر حلب فبلغه ماكتب السلطان إلى قرطاي فعظم خوفه وكتب إلى مهنا فكتب مهنا إلى قرطاي أن يخرج حواصل قراسنقر وإلا هجم مدينة حلب وأخذ ماله قهرًا فخاف قرطاي من ذلك وجهز كتابه إلى السلطان في طي كتابه وبعث بشيء من حواصل قراسنقر إلى السلطان مع ابن قراسنقر الأمير عز الدين فرج فأنعم عليه الملك الناصر بإمرة عشرة وأقام بالقاهرة مع أخيه أمير علي بن قراسنقر‏.‏
ثم إن سليمان بن مهنا قدم على قراسنقر فأخذه ومضى وأنزله في بيت أمه فاستجار قراسنقر بها فأجارته ثم أتاه مهنا وقام له بما يليق به‏.‏
ثم بعث مهنا يعرف السلطان بما وقع لقراسنقر وأنه استجار بأم سليمان فأجارته وطلب من السلطان العفو عنه فأجاب السلطان سؤاله وبعث إليه أن يخير قراسنقر في بلد من البلاد حتى يوليه إياها فلما سافر قاصد مهنا وهو ابن مهنا لكنه غير سليمان جهز السلطان تجريدة هائلة فيها عدة كثيرة من الأمراء وغيرهم إلى جهة مهنا فاستعد مهنا‏.‏



وكتب قراسنقر إلى الآفرم نائب طرابلس يستدعيه إليه فأجابه ووعده بالحضور إليه‏.‏
ثم بعث قراسنقر ومهنا إلى السلطان وخدعاه وطلب قراسنقر صرخد فانخدع السلطان وكتب له تقليدًا بصرخد وتوجه إليه بالتقليد أيتمش المحمدي فقبل قراسنقر الأرض واحتج حتى يصل إليه ماله بحلب ثم يتوجه إلى صرخد فقدمت أموال قراسنقر من حلب فما هو إلا أن وصل إليه ماله وإذا بالأفرم قد قدم عليه من الغد ومعه خمسة أمراء من أمراء طبلخاناه وست عشراوات في جماعة من التركمان فسر قراسنقر بهم ثم استدعوا أيتمش وعددوا عليه من قتله السلطان من الأمراء وأنهم خافوا على أنفسهم وعزموا على الدخول في بلاد التتار وركبوا بأجمعهم وعاد أيتمش إلى الأمراء المجردين بحمص وعرفهم الخبر فرجعوا عائدين إلى مصر بغير طائل‏.‏
وقدم الخبر على السلطان بخروج قراسنقر والأفرم إلى بلاد التتار في أول سنة اثنتي عشرة وسبعمائة وقيل إن الأفرم لما خرج هو وقراسنقر إلى بلاد التتار بكى الأفرم وأنشد‏:‏ الطويل سيذكرني قومي إذا جد جدهم وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر فقال له قراسنقر‏:‏ امش بلا فشار تبكي عليهم ولا يبكون عليك فقال الأفرم‏:‏ والله ما بي إلا فراق ابني موسى فقال قراسنقر‏:‏ أي بغاية بصقت في رحمها جاء منه موسى وإبراهيم وعدد أسماء كثيرة وتوجها‏.‏
ثم إن السلطان أفرج عن الأمير أيدمر الخطيري وأنعم عليه بخبز الأمير علم الدين سنجر الجاولي‏.‏














صبحى سعد فريد غير متواجد حالياً   مشاركة محذوفة

موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
&, "قسطنطين", (00), (000), (10), (11), (12), (13), (14), (15), (16), (17), (18), (19), (20), (21), (22), (23), (24), (25), (الأولى), (الثالثة), (الثانية), (الجزء, (الفراعنة, (حضارة, للمرة, للمسيحية, لمصر, للون, للقاهرة, مالك, مادين, لاعب, متحف, لبعض, محمد, محمود, أحبك, ميدو, أجنادين, لجنة, أرخوز, مرنبتاح, مسلمة, مزاحم, مسجد, مصر(2), مصر(3), مصر(4), مصر(5), مصر(6), مصر(7), مصر(8), مصر(9), مصر.., أسرة, مصرية, لسعة, مصطفى, معاً, معاوية, معين, معركة, مظفر, منتديات, أورشليم, منشد, منصور, موسوعة, لقمان, لقدماء, الأمر, الأمويين, الملك, المترتبة, المحمودي, الأجتماعية, الأرمني, الأشتر, المستعلي, المستعين, المستنصر, المسيب, المسحية, المسيحية, الأسرة, المصريين, المشرف, الأشرفى, الأسكندريــة, المعالم, المعالج, الأعيرة, اللغز, الأعظم, المظفر, المفاخر, الله, المهُبلي, الأول, الأول), الموجي, المؤيدي, الأنصاري, المنصور, المنصوري, الأقتصادية, الأكثر, الاسلامية, الاول, الانشاء, الانشاء10, الانشاء11, الانشاء12, الانشاء13, الانشاء14, الانشاء15, الانشاء16, الانشاء17, الانشاء18, الانشاء19, الانشاء2, الانشاء20, الانشاء21, الانشاء22, الانشاء23, الانشاء24, الانشاء25, الانشاء26, الانشاء27, الانشاء28, الانشاء29, الانشاء3, الانشاء30, الانشاء31, الانشاء32, الانشاء33, الانشاء34, الانشاء35, الانشاء36, الانشاء37, الانشاء38, الانشاء39, الانشاء4, الانشاء40, الانشاء41, الانشاء42, الانشاء43, الانشاء44, الانشاء45, الانشاء5, الانشاء6, الانشاء7, الانشاء8, الانشاء9, التميمي, التمرد, الثالث, الثالثة, الثامن, التاسع, التاسعة, الباهلي, الثاني, الثانى), الثانية, الثانيه, التخلي, التركماني, التركي, التعديل, التفاصيل, البطلمي, التطور, الثقافية, الجملة, الخليج, الخليفة, الخلفاء, الحمـــــــــــله, الجلودى, الخامس, الخامسة, الداخل, الحادي, الحارة, الحافظ, الجبلي, الخثعمي, الحجاب, الدين, الدينية, الحزن, اليهود, الدولة, الجوله, الحوثرة, اليونانية, الحضارة, الدقماقي, الحكم, الرابع, الراشدين, الرحمن, الرعامسة, الرومان, الروماني, الرومانية, السلطان, الشامي, السابع, السادس, الصديق, السعيد, الصفحة, الصواري, السود), العمارة, العماني, الغمراوي, العاجل, العاص, العاشر, الظافر, الظاهر, الظاهري, العثماني, العثمانية, العثمانيين, العثمانيه, العباس, العباسي, العباسيين, العساكر, العزيز, العصر, العشرون, الغزو, العهد, الغورى, الفائز, الفتح, الفرنسية, الفزاري, الإمبراطور, الإينالي, الإسلامي, الإسلامية, الإسكندر, الولاده, الوليد, النادي, الواحدة, الناصر, النتائج, الود, النيل), النخعي, النشر, الضبي, القانوني, القديم, الكامل, الكنانة, احلى, اسوأ, اسكندر, اعتناق, اغسطس, بلاط, بأحكام, تمربغا, بالله, تاريخ, باشا, تاسعة, ثانية, بتاح, بحاجة, بيبرس, برسباي, برقوق, تغيير, ثوران, ثورة, تنشر, بطليموس, تكلوت, خمارويه, خلافة, يلباي, خليل, حمدي, خمسمئه, حاتم, دادي, داير, داوود, خاقان, حذيفة, يبرئ, جديد, جدول, حركات, حصان, جُدد, خشقدم, جنين, ينزف, دِمَشْق, خپرو, جقمق, رمسيس, سلامش, سلاطين, سليم, سليمان, سلطنة, سالم, سامي, سابعة, سادسة, سيتى, سيدنا, شيشنق, سيفيروس, شعبان, سعدي, صفحة, شهاب, صهيل, زهير, زواجة, صوان, سقوط, عمال, عمير, عمرو, عامر, عادات, عثمان, عبادة, عتاهية, عبيد, عجينة, عيسى, عشرة, عنبسة, عقبة, فترة, هادريان, هارون, إيبك, إينال, هرثمة, إسماعيل, إسحاق, ومات, ولادة, وموطنهم, والياً, والرومانية, والعشرين, والعشرون, والعقائدية, نادي, نشرة, وعشرون, ونصف, طومان, طولون, ططر‏, قلاوون, قايتباى, قايتباى(الأولى), قاهرة, قانصوه, قيصر, قحطبة, كيدر

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
برج الشراع في حيفا، دمج بين القديم والحديث. sona منتدى السياحة والسفــر والتراث 4 17-06-2011 09:16 PM
غلاف صحيفة الماركا الإسبانية '' والحديث عن صفقة ريبري '' عاشق كتلونيه الرياضة العالمية 0 31-08-2009 12:29 PM
وطني بيتي القديم . osama ahmad مرافيء ساكنه 8 21-07-2008 10:10 PM
الانتر يضع إيتو خياره الأول والحديث عن 20 مليون يورو ronaldo الرياضة العالمية 4 27-05-2008 01:34 PM
الانترنيت في العصر القديم قطر الندى مـنـتـدى الـمـرح والـتـرفـيـه والنكات 1 14-04-2008 05:53 PM


Loading...


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd
تنبيه : كل ما يكتب في المنتدى لا يعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى